الفصل الأول: تقسيم الخبر بالنسبة لوصوله إلينا
المبحث الأول: الخبر المتواتر
الباب الأول: الخبر
الفصل الأول: تقسيم الخبر بالنسبة لوصوله إلينا
تمهيد:
ينقسم الخبر بالنسبة لوصوله إلينا إلى قسمين:
١- فإن كان له طرق غير محصورة بعدد معين، فهو المتواتر.
٢- وإن كان له طرق محصورة بعدد معين، فهو الآحاد.
ولكل منهما أقسام وتفاصيل، سأذكرها وأبسطها إن شاء الله تعالى، بمبحثين، وهما.
المبحث الأول: الخبر المتواتر
١- تعريفه:
أ- لغةً: هو اسم فاعل، مشتق من التواتر، أي التتابع، تقول: تواتر المطر، أي تتابع نزوله.
ب- اصطلاحًا: ما رواه عدد كثير، تُحِيل العادة تواطُؤَهم على الكذب.
٢- شرح التعريف:
ومعنى التعريف: أن المتواتر هو الحديث أو الخبر الذي يرويه في
[ ٢٣ ]
كل طبقة من طبقات سنده رواة كثيرون، يحكم العقل عادة باستحالة أن يكون أولئك الرواة قد اتفقوا على اختلاق هذا الخبر.
٣- شروطه:
يتبين من شرح التعريف أن التواتر لا يتحقق في الخبر إلا بشروط أربعة وهي:
أ- أن يرويه عدد كثير، وقد اختلف في أقل الكثرة على أقوالٍ، المختار أنه عشرة أشخاص١.
ب- أن توجد هذه الكثرة في جميع طبقات السند.
ج- أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب٢.
د- أن يكون مستند خبرهم الحس؛ كقولهم: سمعنا، أو رأينا، أو لمسنا، أو أما إن كان مستند خبرهم العقل، كالقول بحدوث العالم مثلا، فلا يسمى الخبر حينئذ متواترا.
٤- حُكْمُهُ:
المتواتر يفيد العلم الضروري، أي العلم اليقيني الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به تصديقا جازما، كمن يشاهد الأمر بنفسه؛ فإنه لا يتردد
_________________
(١) ١ تدريب الراوي جـ٢، ص١٧٧. ٢ وذلك كأن يكونوا من بلاد مختلفة، وأجناس مختلفة، ومذاهب مختلفة، وما شابه ذلك، وبناء على ذلك فقد يكثر عدد المخبرين ولا يثبت للخبر حكم المتواتر، وقد يقل العدد نسبيا ويثبت للخبر حكم المتواتر، وذلك حسب أحوال الرواة.
[ ٢٤ ]
في تصديقه، فكذلك الخبر المتواتر، لذلك كان المتواتر كله مقبولا، ولا حاجة إلى البحث عن أحوال رواته.
٥- أقسامه:
ينقسم الخبر المتواتر إلى قسمين هما: لفظي، ومعنوي:
أ- المتواتر اللفظي: وهو ما تواتر لفظه ومعناه.
مثل حديث: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١. رواه بضعة وسبعون صحابيا. ثم استمرت هذه الكثرة -بل زادت- في باقي طبقات السند.
ب- المتواتر المعنوي: هو ما تواتر معناه دون لفظه.
مثل: أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث، كل حديث منها فيه: أنه رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك بينها -وهو الرفع عند الدعاء- تواتر باعتبار مجموع الطرق٢.
٦- وجوده:
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ: ١/ ٢٠٢، حديث ١١٠، بلفظه. ورواه مسلم، كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث، وحكم كتابة العلم: ٤/ ٢٢٩٨، حديث ٧٢، بلفظه. ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدرامي، وأحمد. ٢ تدريب الراوي ٢/ ١٨٠.
[ ٢٥ ]
يوجد عدد لا بأس به من الأحاديث المتواترة، منها حديث الحوض، وحديث المسح على الخفين، وحديث رفع اليدين في الصلاة، وحديث: " نضر الله امرأ"، وغيرها كثير؛ لكن لو نظرنا إلى عدد أحاديث الآحاد لوجدنا أن الأحاديث المتواترة قليلة جدا بالنسبة إليها.
٧- أشهر المصنفات فيه:
لقد اعتنى العلماء بجمع الأحاديث المتواترة وجعلها في مصنف مستقل؛ ليسهل على الطالب الرجوع إليها، فمن تلك المصنفات:
أ- الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: السيوطي، وهو مرتب على الأبواب.
ب- قطف الأزهار: للسيوطي أيضا، وهو تلخيص للكتاب السابق.
ج- نظم المتناثر من الحديث المتواتر: لمحمد بن جعفر الكتاني.
[ ٢٦ ]
المبحث الثاني: خبر الآحاد
١- تعريفه:
أ- لغةً: الآحاد: جمع أحد، بمعنى: الواحد، وخبر الواحد هو: ما يرويه شخص واحد.
ب- اصطلاحًا: هو ما لم يجمع شروط المتواتر١.
٢- حكمه:
يفيد العلم النظري؛ أي العلم المتوقف على النظر والاستدلال.
هذا ولخبر الآحاد تقسيمان، كل تقسيم باعتبار. وسأذكر هذين التقسيمين في الفصل الثاني.
_________________
(١) ١ نزهة النظر ص٢٦.
[ ٢٧ ]
الفصل الثاني: تقسيما خبر الآحاد
المبحث الأول: تقسيم خبر الآحاد بالنسبة إلى عدد طرقه
المطلب الأول: المشهور
الفصل الثاني: تقسيم خبر الآحاد
المبحث الأول: تقسيم خبر الآحاد بالنسبة إلى عدد طرقه
المطلب الأول: المشهور
١- تعريفه:
أ- لغةً: هو اسم مفعول من "شهرت الأمر" إذا أعلنته وأظهرته، وسمي بذلك لظهوره.
ب- اصطلاحًا: ما رواه ثلاثة فأكثر -في كل طبقة- ما يبلغ حد التواتر١.
٢- مثاله: حديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" ٢.
_________________
(١) ١ نزهة النظر، ص٢٣، بمعناه. ٢ أخرجه البخاري، ومسلم، والطبراني، وأحمد، والخطيب، من طريق أربعة من الصحابة؛ وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وزياد بن لبيد، وعائشة، وأبو هريرة، فأخرجه البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم: ١/ ١٩٤، حديث ١٠٠، بلفظه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه مسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه: ٤/ ٢٠٥٨، حديث ١٣، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أيضا، وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٦٠، ٢١٨، عن زياد بن لبيد، قريبا من معناه، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، حديث ٦٤٠٣، عن أبي هريرة، وأخرجه الخطيب في تاريخه ٥/ ٣١٢ عن عائشة.
[ ٣٠ ]
٣- المستفيض:
أ- لغةً: اسم فاعل، من "استفاض" مشتق من فاض الماء وسمي بذلك لانتشاره.
ب- اصطلاحًا: اختلف في تعريفه على ثلاثة أقوال، وهي:
- هو مرادف للمشهور.
- هو أخص منه؛ لأنه يشترط في المستفيض أن يستوي طرفا إسناده، ولا يشترط ذلك في المشهور.
- هو أعم منه، أي هو عكس القول الثاني.
٤- المشهور غير الاصطلاحي:
ويقصد به ما اشتهر على الألسنة من غير شروط تعتبر؛ فيشمل:
أ- ما له إسناد واحد.
ب- وما له أكثر من إسناد.
ج- وما لا يوجد له إسناد أصلا.
٥- أنواع المشهور غير الاصطلاحي:
له أنواع كثيرة، أشهرها:
أ- مشهور بين أهل الحديث خاصة: ومثاله: حديث أنس:
[ ٣٢ ]
أن رسول الله ﷺ قنت شهرا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان١.
ب- مشهور بين أهل الحديث، والعلماء، والعوام: مثاله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ٢.
ج- مشهور بين الفقهاء: مثاله: حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" ٣.
د- مشهور بين الأصوليين: مثاله: حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". صححه ابن حبان، والحاكم.
هـ- مشهور بين النحاة: مثاله: حديث: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه". لا أصل له.
ومشهور بين العامة: مثاله: حديث "العجلة من الشيطان".
أخرجه الترمذي وحسنه.
٦- حكم المشهور:
المشهور الاصطلاحي وغير الاصطلاحي لا يوصف بكونه صحيحًا أو غير صحيح ابتداء، لكن بعد البحث يتبين أن منه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، كتاب الوتر: ٢/ ٤٩٠، حديث، ١٠٠٣، بمعناه. وأخرجه مسلم، كتاب المساجد: ١/ ٤٦٨، حديث ٢٩٩، بلفظه، وفيه زيادة. ٢ أخرجه البخاري، كتاب الإيمان: ١/ ٥٣- حديث ١٠، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، حديث ٦٥. ٣ صححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي لكن بلفظ: "ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق". انظر المستدرك، كتاب الطلاق، ٢/ ١٩٦.
[ ٣٣ ]
الصحيح، ومنه الحسن، ومنه الضعيف، ومنه الموضوع أيضا لكن إن صح المشهور الاصطلاحي، فتكون له ميزة ترجحه على العزيز والغريب.
٧- أشهر المصنفات فيه:
المراد بالمصنفات في الأحاديث المشهورة هي الأحاديث المشهورة على الألسنة، وليست المشهورة اصطلاحا؛ لأنه يؤلف العلماء كتبا في جمع الأحاديث المشهورة اصطلاحا. ومن هذه المصنفات:
أ- المقاصد الحسنة، فيما اشتهر على الألسنة، للسخاوي.
ب- كشف الخفاء، ومزيل الإلباس، فيما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس، للعجلوني.
ج- تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث، لابن الدَّيْبَع الشيباني.
[ ٣٤ ]
المطلب الثاني: العزيز
١- تعريفه:
أ- لغة: هو صفة مشبهة، من "عز يعز" بالكسر، أي قل وندر، أو من "عز يعز" بالفتح، أي قوي واشتد، وسمي بذلك إما لقلة وجوده وندرته، وإما لقوته، بمجيئه من طريق آخر.
ب- اصطلاحا: أن لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند.
٢- شرح التعريف:
يعني ألا يوجد في طبقة من طبقات السند أقل من اثنين؛ أما إن وجد في بعض طبقات السند ثلاثة فأكثر فلا يضر، بشرط أن تبقى ولو طبقة واحدة فيها اثنان؛ لأن العبرة لأقل طبقة من طبقات السند.
هذا التعريف هو الراجح، كما حرره الحافظ ابن حجر١، وقال بعض العلماء: إن العزيز: هو رواية اثنين أو ثلاثة، فلم يفصلوه عن المشهور في بعض صوره.
_________________
(١) ١ انظر النخبة وشرحها له ص٢١، ٢٤.
[ ٣٥ ]
٣- مثاله:
ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" ١.
ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كلٍّ جماعة.
٤- أشهر المصنفات فيه:
لم يصنف العلماء مصنفات خاصة بالحديث العزيز، والظاهر ذلك لقلته، ولعدم حصول فائدة مهمة من تلك المصنفات.
وهذا رسم توضيحي للمثال.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول عن الإيمان، ١/ ٨٥، حديث ١٥، بلفظه عن أنس، وحديث ١٤، عن أبي هريرة بلفظه، ونقص: "والناس أجمعين" وزاد في أوله: "فو الذي نفسي بيده". ورواه مسلم، كتاب الإيمان، حديث ٦٩-٧٠، كلاهما عن أنس.
[ ٣٦ ]
فهذا حديث يسمى "عزيزا"؛ لأنه لم يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند، وإن زاد في بعض طبقات السند عن اثنين.
[ ٣٧ ]
المطلب الثالث: الغريب
١- تعريفه:
أ- لغة: هو صفة مشبهة، بمعنى المنفرد، أو البعيد عن أقاربه.
ب- اصطلاحا: هو ما ينفرد بروايته راوٍ واحد.
٢- شرح التعريف:
أي هو الحديث الذي يستقل بروايته شخص واحد، إما في طبقة من طبقات السند، أو في بعض طبقات السند، ولو في واحدة، ولا تضر الزيادة على واحد في باقي طبقات السند؛ لأن العبرة للأقل.
٣- تسمية ثانية له:
يطلق كثير من العلماء على الغريب اسما آخر، هو "الفرد" على أنهما مترادفان، وغاير بعض العلماء بينهما، فجعل كلا منهما نوعا مستقلا، لكن الحافظ ابن حجر يعدهما مترادفين لغة، واصطلاحا، إلا أنه قال: إن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فـ "الفرد" أكثر ما يطلقونه على "الفرد المطلق"، و"الغريب" أكثر ما يطلقونه على "الفرد النسبي"١.
_________________
(١) ١ نزهة النظر ص٢٨.
[ ٣٨ ]
٤- أقسامه:
يقسم الغريب بالنسبة لموضع التفرد فيه إلى قسمين، هما: "غريب مطلق" و"غريب نسبي".
أ- الغريب المطلق "أو الفرد المطلق":
١- تعريفه: هو ما كانت الغرابة في أصل سنده، أي ما يتفرد بروايته شخص واحد في أصل سنده١.
٢- مثاله: حديث "إنما الأعمال بالنيات" ٢ تفرد به عمر بن الخطاب ﵁.
هذا وقد يستمر التفرد إلى آخر السند، وقد يرويه عن ذلك المتفرد عدة من الرواة.
ب- الغريب النسبي"أو الفرد النسبي":
_________________
(١) ١ وأصل السند: هو طرفه الذي فيه الصحابي، والصحابي حلقة من حلقات السند، أي إذا تفرد الصحابي برواية الحديث، فإن الحديث يسمى غريبا غرابة مطلقة، وأما ما فهمه الملَّا علي القاري من كلام الحافظ ابن حجر عندما شرح أصل السند بأنه الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، من أن تفرد الصحابي لا يعد غرابة، وتعليله ذلك بأنه ليس في الصحابة ما يوجب قدحا، أو أن الصحابة كلهم عدول. فما أظن أن ابن حجر أراد ذلك، والله أعلم، بدليل أنه عرف الغريب بقوله: "هو ما ينفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد فيه من السند" أي ولو وقع التفرد في موضع الصحابي؛ لأن الصحابي حلقة من حلقات السند، والعلم عند الله تعالى. وعلى كل حال، فما قاله الملا علي القاري هو رأي لبعض أهل الحديث. ٢ فرواه البخاري،كتاب الإيمان،حديث ١، ورواه مسلم،كتاب الإمارة، حديث ١٥٥.
[ ٣٩ ]
١- تعريفه: هو ما كانت الغرابة في أثناء سنده١، يرويه أكثر من راوٍ في أصل سنده، ثم ينفرد بروايته واحد عن أولئك الرواة.
٢- مثاله: حديث "مالك، عن الزهري، عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر"٢. تفرد به مالك، عن الزهري.
٣- سبب التسمية: وسمي هذا القسم بـ "الغريب النسبي"؛ لأن التفرد وقع فيه بالنسبة إلى شخص معين.
٥- من أنواع الغريب النسبي:
هناك أنواع من الغرابة، أو التفرد يمكن عدها من الغريب النسبي؛ لأن الغرابة فيها ليست مطلقة، وإنما حصلت الغرابة فيها بالنسبة إلى شيء معين، وهذه الأنواع هي:
أ- تفرد ثقة برواية الحديث: كقولهم: لم يروه ثقة إلا فلان.
ب- تفرد راوٍ معين عن راوٍ معين: كقولهم: "تفرد به فلان عن فلان" وإن كان مرويا من وجوه أخرى عن غيره.
ج- تفرد أهل بلد أو أهل جهة: كقولهم: "تفرد به أهل مكة، أو أهل الشام".
_________________
(١) ١ نزهة النظر، ص٢٨. ٢ رواه البخاري، كتاب المغازي، حديث ٤٢٨٦، ورواه مسلم، كتاب الحج، حديث ٤٥٠.
[ ٤٠ ]
د- تفرد أهل بلد، أو جهة عن أهل بلد أو جهة أخرى:
كقولهم: "تفرد به أهل البصرة، عن أهل المدينة، أو تفرد به أهل الشام، عن أهل الحجاز".
٦- تقسيم آخر له:
قسم العلماء الغريب من حيث غرابة السند أو المتن إلى:
أ- غريب متنا وإسنادا: وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راو واحد.
ب- غريب إسنادا، لا متنا: كحديث روى متنه جماعة من الصحابة، انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر. وفيه يقول الترمذي: "غريب من هذا الوجه".
٧- من مظانِّ الغريب:
أي من مكان وجود أمثلة كثيرة له:
أ- مسند البزار.
ب- المعجم الأوسط، للطبراني.
٨- أشهر المصنفات فيه:
أ- غرائب مالك، للدارقطني.
ب- الأفراد، للدارقطني أيضا.
ج- السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة، لأبي داود السجستاني.
[ ٤١ ]
المبحث الثاني: تقسيم خبر الآحاد بالنسبة إلى قوته وضعفه
المطلب الأول: الخبر المقبول
وفيه مقصدان:
- المقصد الأول: أقسام المقبول.
- المقصد الثاني: تقسيم المقبول إلى معمول به، وغير معمول به.
المقصد الأول: "أقسام المقبول"
ينقسم الخبر المقبول -بالنسبة إلى تفاوت مراتبه- إلى قسمين رئيسين، هما: صحيح وحسن. وكل منها ينقسم إلى قسمين فرعيين، هما: لذاته ولغيره، فتئول أقسام المقبول في النهاية إلى أربعة أقسام؛ هي:
١- صحيح لذاته.
٢- صحيح لغيره.
٣- حسن لذاته.
٤- حسن لغيره.
وإليك البحث في هذه الأقسام تفصيلا.
[ ٤٣ ]
١- الصحيح ١:
١- تعريفه:
أ- لغة: الصحيح: ضد السقيم. وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في الحديث، وسائر المعاني.
ب- اصطلاحا: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط، عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ، ولا علة.
٢- شرح التعريف:
اشتمل التعريف السابق على أمور يجب توافرها حتى يكون الحديث صحيحا، وهذه الأمور هي:
أ- اتصال السند: ومعناه أن كل راوٍ من رواته قد أخذه مباشرة عمن فوقه، من أول السند إلى منتهاه.
ب- عدالة الرواة: أي أن كل راوٍ من رواته اتصف بكونه مسلما، بالغا، عاقلا، غير فاسق، وغير محروم المروءة.
ج- ضبط الرواة: أي أن كل راوٍ من رواته كان تام الضبط؛ إما ضبط صدر، وإما ضبط كتاب.
د- عدم الشذوذ: أي ألا يكون الحديث شاذا. والشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
هـ- عدم العلة: أي ألا يكون الحديث معلولا، والعلة:
_________________
(١) ١ أي الصحيح لذاته.
[ ٤٤ ]
سبب غامض خفي، يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
٣- شروطه:
يتبين من شرح التعريف أن شروط الصحيح التي يجب توافرها حتى يكون الحديث صحيحا خمسة، وهي: "اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم العلة، عدم الشذوذ".
فإذا اختل شرط واحد من هذه الشروط الخمسة فلا يسمى الحديث حينئذ صحيحا.
٤- مثاله:
ما أخرجه البخاري في صحيحه، قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالطور"١.
فهذا الحديث صحيح؛ لأن:
أ- سنده متصل: إذ إن كل راوٍ من رواته سمعه من شيخه. وأما عنعنة٢ مالك، وابن شهاب، وابن جبير، فمحمولة على الاتصال؛ لأنهم غير مدلسين.
_________________
(١) ١ البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب، ٢/ ٢٤٧، حديث ٧٦٥، بلفظه. ٢ العنعنة: رواية الحديث عن الشيخ بلفظ "عن" وسيأتي تفصيل حكم العنعنة في نوع المعنعن.
[ ٤٥ ]
ب، جـ- ولأن رواته عدول ضابطون: وهذه أوصافهم عند علماء الجرح والتعديل.
١- عبد الله بن يوسف: ثقة متقن.
٢- مالك بن أنس: إمام حافظ.
٣- ابن شهاب الزهري: فقيه حافظ متَّفقٌ على جلالته وإتقانه.
٤- محمد بن جبير: ثقة.
٥- جبير بن مطعِم: صحابي.
د- ولأنه غير شاذ: إذ لم يعارضه ما هو أقوى منه.
هـ- ولأنه ليس فيه علة من العلل.
٥- حُكْمُهُ:
وحكمه: وجوب العمل به بإجماع أهل الحديث، ومن يعتدُّ به من الأصوليين والفقهاء. فهو حجة من حجج الشرع. لا يسع المسلم ترك العمل به.
٦- المراد بقولهم: "هذا حديث صحيح" أو "هذا حديث غير صحيح":
أ- المراد بقولهم: "هذا حديث صحيح" أن الشروط الخمسة السابقة قد تحققت فيه. لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة.
ب- والمراد بقولهم: "هذا حديث غير صحيح" أنه لم تتحقق فيه شروط الصحة الخمسة السابقة كلها أو بعضها، لا أنه
[ ٤٦ ]
كذبٌ في نفس الأمر؛ لجواز إصابة من هو كثير الخطأ١.
٧- هل يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقا؟
المختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقا؛ لأن تفاوت مراتب الصحة مبني على تمكن الإسناد من شروط الصحة، ويندر تحقق أعلى الدرجات في جميع شروط الصحة، فالأولى الإمساك عن الحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقا. ومع ذلك فقد نقل عن بعض الأئمة القول في أصح الأسانيد، والظاهر أن كل إمام رجح ما قوي عنده. فمن تلك الأقوال: أن أصحها:
أ- الزهري، عن سالم عن أبيه٢.
روي ذلك عن إسحاق بن راهويه، وأحمد.
ب- ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي٣.
روي ذلك عن ابن المديني والفلاس.
ج- الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله٤.
روي ذلك عن ابن معين.
د- الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي.
روي ذلك عن أبي بكر بن أبي شيبة.
هـ- مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
روي ذلك عن البخاري.
_________________
(١) ١ انظر تدريب الراوي ج١، ص٧٥-٧٦. ٢ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(٢) هو علي بن أبي طالب. ٤ هو عبد الله بن مسعود.
[ ٤٧ ]
٨- ما هو أول مصنف في الصحيح المجرد؟
أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم. وهما أصح الكتب بعد القرآن، وقد أجمعت الأمة على تلقي كتابيهما بالقبول.
أ- أيهما أصح: والبخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد؛ وذلك لأن أحاديث البخاري أشد اتصالا، وأوثق رجالا، ولأن فيه من الاستنباطات الفقهية، والنكت الحكمية ما ليس في صحيح مسلم.
هذا وكون صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم إنما هو باعتبار المجموع، وإلا فقد يوجد بعض الأحاديث في مسلم أقوى من بعض الأحاديث في البخاري. وقيل: إن صحيح مسلم أصح، والصواب هو القول الأول.
ب- هل استوعبا الصحيح، أو التزماه؟ لم يستوعب البخاري ومسلم الصحيح في صحيحيهما، ولا التزماه. فقد قال البخاري: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول"١.
وقال مسلم: "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه"٢.
_________________
(١) ١ وفي بعض الروايات "لملال الطول" والمعنى أنه ترك رواية كثير من الأحاديث الصحيحة في كتابه خشية أن يطول الكتاب، فيمل الناس من طوله.
(٢) أي ما وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع عليها.
[ ٤٨ ]
جـ- هل فاتهما شيء كثير أو قليل من الصحيح؟
١- قال الحافظ ابن الأخرم: لم يفتهما إلا القليل. وأنكر هذا عليه.
٢- والصحيح أنه فاتهما شيء كثير، فقد نقل عن البخاري أنه قال: "وما تركت من الصحاح أكثر" وقال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح"١.
د- كم عدد الأحاديث في كل منهما؟
١- البخاري: جملة ما فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالمكررة، وبحذف المكررة أربعة آلاف.
٢- مسلم: جملة ما فيه اثنا عشر ألفا بالمكررة، وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف.
هـ- أين نجد بقية الأحاديث الصحيحة التي فاتت البخاري ومسلما؟
تجدها في الكتب المعتمدة المشهورة، كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والسنن الأربعة، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي، وغيرها.
ولا يكفي وجود الحديث في هذه الكتب، بل لا بد من
_________________
(١) ١ علوم الحديث ص١٦.
[ ٤٩ ]
التنصيص على صحته، إلا في كتاب من شرط الاقتصار على إخراج الصحيح، كصحيح ابن خزيمة.
٩- الكلام على مستدرك الحاكم، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان:
أ- مستدرك الحاكم: هو كتاب ضخم من كتب الحديث، ذكر مؤلفه فيه الأحاديث الصحيحة التي على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، ولم يخرجاها، كما ذكر الأحاديث الصحيحة عنده وإن لم تكن على شرط واحد منهما، معبرا عنها بأنها صحيحة الإسناد، وربما ذكر بعض الأحاديث التي لم تصح، لكنه نبه عليها، وهو متساهل في التصحيح، فينبغي أن يتتبع ويحكم على أحاديثه بما يليق بحالها، ولقد تتبعه الذهبي وحكم على أكثر أحاديثه بما يليق بحالها، ولا يزال الكتاب بحاجة إلى تتبع وعناية١.
ب- صحيح ابن حبان: هذا الكتاب ترتيبه مخترع، فليس مرتبا على الأبواب، ولا على المسانيد، ولهذا أسماه: "التقاسيم والأنواع" والكشف عن الحديث من كتابه هذا عسر جدا، وقد رتبه بعض المتأخرين٢ على الأبواب،
_________________
(١) ١ يتتبع الآن أخونا المحقق فضيلة الشيخ الدكتور محمود الميرة أحاديث الكتاب التي لم يحكم عليها الذهبي بشيء، ويحكم عليها بما يليق بحالها، وله نية في طبع المستدرك بعد هذا الجهد، فجزاه الله عن المسلمين خيرا. ٢ هو الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان المتوفى سنة ٧٣٩هـ وسمى ترتيبه "الإحسان في تقريب ابن حبان".
[ ٥٠ ]
ومصنفه متساهل في الحكم على الحديث بالصحة، لكنه أقل تساهلا من الحاكم١.
ج- صحيح ابن خزيمة: هو أعلى مرتبة من صحيح ابن حبان؛ لشدة تحريه، حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد٢.
١٠- المستخرجات على الصحيحين:
أ- موضوع المستخرج:
هو أن يأتي المصنف إلى كتاب من كتب الحديث، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه، أو من فوقه.
ب- أشهر المستخرجات على الصحيحين:
١- المستخرج، لأبي بكر الإسماعيلي، على البخاري.
٢- المستخرج، لأبي عوانة الإسفراييني، على مسلم.
٣- المستخرج، لأبي نعيم الأصبهاني، على كل منهما.
جـ- هل التزم أصحاب المستخرجات فيها موافقة الصحيحين في الألفاظ؟
لم يلتزم مصنفوها موافقتهما في الألفاظ؛ لأنهم إنما يروون
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ج٢، ص١٠٩. ٢ المصدر السابق نفسه، والصفحة نفسها.
[ ٥١ ]
الألفاظ التي وصلتهم من طريق شيوخهم، لذلك فقد حصل فيها تفاوت قليل في بعض الألفاظ.
وكذلك ما أخرجه المؤلفون القدامى في تصانيفهم المستقلة، كالبيهقي، والبغوي، وشبههما قائلين: "رواه البخاري" أو "رواه مسلم" فقد وقع في بعضه تفاوت في المعنى وفي الألفاظ، فمرادهم من قولهم: "رواه البخاري ومسلم" أنهما رويا أصله.
د- هل يجوز أن ننقل منها حديثا ونعزوه إليهما؟
بناء على ما تقدم فلا يجوز لشخص أن ينقل من المستخرجات، أو الكتب المذكورة آنفا حديثا ويقول: رواه البخاري أو مسلم إلا بأحد أمرين:
١- أن يقابل الحديث بروايتهما.
٢- أو يقول صاحب المستخرج، أو المصنف: "أخرجاه بلفظه".
هـ- فوائد المستخرجات على الصحيحين:
للمستخرجات على الصحيحين فوائد كثيرة تقارب العشرة، ذكرها السيوطي في تدريبه١، وإليك أهمها:
١- علو الإسناد: لأن مصنف المستخرج لو روى حديثا من طريق البخاري مثلا لوقع أنزل من الطريق الذي رواه به في المستخرج.
_________________
(١) ١ ج١، ص١١٥-١١٦.
[ ٥٢ ]
٢- الزيادة في قدر الصحيح: وذلك لما يقع من ألفاظ زائدة وتتمات في بعض الأحاديث.
٣- القوة بكثرة الطرق: وفائدتها الترجيح عند المعارضة.
١١- ما هو المحكوم بصحته مما رواه الشيخان؟
مر بنا أن البخاري ومسلما لم يدخلا في صحيحيهما إلا ما صح، وأن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول. فما هي الأحاديث المحكوم بصحتها، والتي تلقتها الأمة بالقبول يا ترى؟
والجواب هو: أن ما روياه بالإسناد المتصل فهو المحكوم بصحته، وأما ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ أو أكثر - ويسمى المعلق١- وهو في البخاري كثير، لكنه في تراجم الأبواب ومقدماتها، ولا يوجد شيء منه في صلب الأبواب البتة، أما في مسلم فليس فيه من ذلك إلا حديث واحد في باب التيمم، لم يصله في موضع آخر، فحكمه كما يلي:
أ- فما كان منه بصيغة الجزم:
كقال وأمر وذكر، فهو حُكْمٌ بصحته عن المضاف إليه.
ب- وما لم يكن فيه جزم: كيُروَى، ويُذكر، ويُحكى، ورُوِيَ، وذُكِرَ، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه، ومع ذلك فليس فيه حديث واهٍ؛ لإدخاله في الكتاب المسمى بالصحيح.
_________________
(١) ١ وسيأتي بحثه تفصيلا فيما بعد.
[ ٥٣ ]
١٢- مراتب الصحيح:
مر بنا أن بعض العلماء ذكروا أصح الأسانيد عندهم، فبناء على ذلك، وعلى تمكن باقي شروط الصحة يمكن أن يقال: إن للحديث الصحيح ثلاث مراتب، بالنسبة لرجال إسناده، وهذه المراتب هي:
أ- فأعلى مراتبه: ما كان مرويا بإسناد من أصح الأسانيد كمالك، عن نافع، عن ابن عمر.
ب- ودون ذلك رتبة: ما كان مرويا من طريق رجال هم أدنى من رجال الإسناد الأول، كرواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.
ج- ودون ذلك رتبة: ما كان من رواية من تحققت فيهم أدنى ما يصدق عليهم وصف الثقة، كرواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ويلتحق بهذه التفاصيل تقسيم الحديث الصحيح إلى سبع مراتب بالنسبة للكتب المروي فيها ذلك الحديث، وهذه المراتب هي:
١- ما اتفق عليه البخاري ومسلم "وهو أعلى المراتب".
٢- ثم ما انفرد به البخاري.
٣- ثم ما انفرد به مسلم.
٤- ثم ما كان على شرطهما ولم يخرجاه.
[ ٥٤ ]
٥- ثم ما كان على شرط البخاري، ولم يُخَرِّجْه.
٦- ثم ما كان على شرط مسلم، ولم يُخَرِّجْه.
٧- ثم ما صح عند غيرهما من الأئمة، كابن خزيمة، وابن حبان مما لم يكن على شرطهما، أو على شرط واحد منهما.
١٣- شرط الشيخين:
لم يفصح الشيخان عن شرطٍ شرطاه أو عيناه زيادةً على الشرط المتفق عليها في الصحيح، لكن الباحثين من العلماء ظهر لهم من التتبع والاستقراء لأساليبهما ما ظنه كل منهم أنه شرطهما، أو شرط واحد منهما.
وأحسن ما قيل في ذلك: أن المراد بشرط الشيخين أو أحدهما: أن يكون الحديث مرويا من طريق رجال الكتابين، أو أحدهما، مع مراعاة الكيفية التي التزمها الشيخان في الرواية عنهم.
١٤- معنى قولهم: "متفق عليه":
إذا قال علماء الحديث عن حديث: "متفق عليه" فمرادهم اتفاق الشيخين، أي اتفاق الشيخين على صحته، لا اتفاق الأمة. إلا أن ابن الصلاح قال: "لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول"١.
١٥- هل يشترط في الصحيح أن يكون عزيزا؟
_________________
(١) ١ علوم الحديث ص٢٤.
[ ٥٥ ]
القول الصحيح: أنه لا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون عزيزا، بمعنى أن يكون له إسنادان؛ لأنه يوجد في الصحيحين وغيرهما أحاديث صحيحة وهي غريبة، واشترط بعض العلماء ذلك؛ كأبي علي الجبائي المعتزلي، والحاكم، وقولهم هذا خلاف ما اتفقت عليه الأمة.
[ ٥٦ ]
٢- الحسن ١:
١- تعريفه:
أ- لغةً: هو صفة مشبهة، من "الحسن" بمعنى الجمال.
ب- اصطلاحًا: اختلفت أقوال العلماء في تعريف الحسن؛ نظرا لأنه متوسط بين الصحيح والضعيف، ولأن بعضهم عرف أحد قسميه. وسأذكر بعض تلك التعريفات، ثم أختار ما أراه أوفق من غيره.
١- تعريف الخطابي: "هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء"٢.
٢- تعريف الترمذي: "كل حديث يروى، لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن"٣.
٣- تعريف ابن حجر: قال: "وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل، ولا شاذ، هو
_________________
(١) ١ أي لذاته. ٢ معالم السنن ج١، ص١١.
(٢) جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي، كتاب العلل في آخر جامعه ج١٠، ص٥١٩.
[ ٥٧ ]
الصحيح لذاته١، فإن خف الضبط، فالحسن لذاته"٢.
قلت: فكان الحسن عند ابن حجر هو الصحيح إذا خف ضبط راويه، أي قل ضبطه، وهو خير ما عرف به الحسن، أما تعريف الخطابي فعليه انتقادات كثيرة، وأما الترمذي فقد عرف أحد قسمي الحسن، وهو الحسن لغيره، والأصل في تعريفه أن يعرف الحسن لذاته؛ لأن الحسن لغيره ضعيف في الأصل، ارتقى إلى مرتبة الحسن؛ لانجباره بتعدد طرقه.
٤- تعريفه المختار: ويمكن أن يعرف الحسن بناء على ما عرفه به ابن حجر بما يلي: "هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه، عن مثله٣ إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة".
٢- حُكْمُهُ:
هو كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولذلك احتج به جميع الفقهاء، وعملوا به، وعلى الاحتجاج به معظم المحدثين والأصوليين، إلا من شذ من المتشددين. وقد
_________________
(١) ١ النخبة مع شرحها له ص٢٩. ٢ المصدر السابق ص٣٤. ٣ ليس المراد بقولنا: "عن مثله" أنه يشترط أن يكون جميع رجال الإسناد عدولا قد خف ضبطهم، وإنما المراد أن يكونوا كلهم، أو بعضهم، ولو واحد منهم فقط، وإن كان الباقون عدولا تامي الضبط؛ لأن العبرة في الحكم على الحديث بأدنى رجل في الأسناد.
[ ٥٨ ]
أدرجه بعض المتساهلين في نوع الصحيح، كالحاكم، وابن حبان، وابن خزيمة، مع قولهم بأنه دون الصحيح المبين أولا١.
٣- مثاله:
ما أخرجه الترمذي قال: "حدثنا قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف " الحديث٢.
فهذا الحديث قال عنه الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
قلت: وكان هذا الحديث حسنا؛ لأن رجال إسناده الأربعة ثقات إلا جعفر بن سليمان الضبعي فإنه حسن الحديث٣ لذلك نزل الحديث عن مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن.
٤- مراتبه:
كما أن للصحيح مراتب يتفاوت بها بعض الصحيح عن بعض، كذلك فإن للحسن مراتب. وقد جعلها الذهبي مرتبتين، فقال:
أ- فأعلى مراتبه ما اختلف في تصحيح حديث رواته وتحسينه، كحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وابن إسحاق، عن التيمي،
_________________
(١) ١ انظر التدريب الراوي ج١ - ص١٦٠. ٢ الترمذي، أبواب فضائل الجهاد، ج٥ ص٣٠٠ من الترمذي، مع شرحه تحفة الأحوذي. ٣ كما نقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢/ ٩٦ ذلك عن أبي أحمد.
[ ٥٩ ]
وأمثال ذلك مما قيل: إنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصحيح.
ب- ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسين حديثِ رواتِه وتضعيفه: كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، ونحوهم.
٥- مرتبة قولهم: "حديث صحيح الإسناد" أو "حسن الإسناد":
أ- قول المحدثين: "هذا حديث صحيح الإسناد" دون قولهم: "هذا حديث صحيح".
ب- وكذلك قولهم: "هذا حديث حسن الإسناد" دون قولهم: "هذا حديث حسن"؛ لأنه قد يصلح أو يحسن الإسناد دون المتن؛ لشذوذ أو علة. فكأن المحدِّث إذا قال: "هذا حديث صحيح" قد تكفل لنا بتوفر شروط الصحة الخمسة في هذا الحديث، أما إذا قال: "هذا حديث صحيح الإسناد" فقد تكفل لنا بتوفر شروط ثلاثة من شروط الصحة، وهي: اتصال الإسناد، وعدالة الرواة وضبطهم، أما نفي الشذوذ، ونفي العلة عنه، فلم يتكفل بهما؛ لأنه لم يتثبت منهما.
لكن لو اقتصر حافظ معتمد على قوله: "هذا حديث صحيح الإسناد" ولم يذكر له علة، فالظاهر صحة المتن؛ لأن الأصل عدم العلة، وعدم الشذوذ.
[ ٦٠ ]
٦- معنى قول الترمذي وغيره: "حديث حسن صحيح"
إن ظاهر هذه العبارة مشكل؛ لأن الحسن يتقاصر عن درجة الصحيح، فكيف يجمع بينهما مع تفاوت مرتبتهما؟ ولقد أجاب العلماء عن مقصود الترمذي من هذه العبارة بأجوبة متعددة، أحسنها ما قاله الحافظ ابن حجر، وارتضاه السيوطي. وملخصه ما يلي:
أ- إن كان للحديث إسنادان فأكثر، فالمعنى: "أنه حسن باعتبار إسناد، صحيح باعتبار إسناد آخر".
ب- وإن كان له إسناد واحد، فالمعنى "أنه حسن عند قوم من المحدثين، صحيح عند قوم آخرين".
فكأن القائل يشير إلى الخلاف بين العلماء في الحكم على هذا الحديث، أو لم يترجح لديه الحكم بأحدهما.
٧- تقسيم البغوي أحاديث المصابيح ١:
درج الإمام البغوي في كتابه: "المصابيح" على اصطلاح خاص له، وهو أنه يرمز إلى الأحاديث التي في الصحيحين أو أحدهما بقوله: "صحيح" وإلى الحديث التي في السنن الأربعة بقوله "حسن". وهو اصطلاح لا يستقيم مع الاصطلاح
_________________
(١) ١ اسم الكتاب الكامل "مصابيح السنة" وهو كتاب جمع فيه مؤلفه أحاديث منتقاة من الصحيحين والسنن الأربعة وسنن الدارمي، وهو الذي زاد عليه وهذبه الخطيب التبريزي، وسماه "مشكاة المصابيح".
[ ٦١ ]
العام لدى المحدثين؛ لأن في السنن الأربعة الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، لذلك نبه ابن الصلاح، والنووي على ذلك، فينبغي على القارئ في كتاب "المصابيح" أن يكون على علم عن اصطلاح البغوي الخاص في هذا الكتاب عند قوله عن الأحاديث: "صحيح" أو "حسن".
٨- الكتب التي من مظنَّات١ الحسن:
لم يفرد العلماء كتبا خاصة بالحديث الحسن المجرد، كما أفردوا الصحيح المجرد في كتب مستقلة، لكن هناك كتبا يكثر فيها وجود الحديث الحسن، فمن أشهر تلك الكتب:
أ- جامع الترمذي: المشهور بـ "سنن الترمذي" فهو أصل في معرفة الحسن، والترمذي هو الذي شهره في هذا الكتاب، وأكثر من ذكره.
لكن ينبغي التنبه إلى أن نسخه تختلف في قوله: "حسن صحيح" ونحوه، فعلى طالب الحديث العناية باختيار النسخة المحققة والمقابلة بأصول معتمدة.
ب- سنن أبي داود: فقد ذكر أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيَّنه، وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح.
_________________
(١) ١ مظنَّات: جمع مظنة بكسر الظاء، ومظنة الشيء: معدنه وموضعه، فيكون معنى العنوان "الكتب التي هي موضع وجود الحسن".
[ ٦٢ ]
فبناء على ذلك، إذا وجدنا فيه حديثا لم يبين هو ضعفه، ولم يصححه أحد من الأئمة المعتمدين، فهو حسن عند أبي داود.
ج- سنن الدارقطني: فقد نص الدارقطني على كثير منه في هذا الكتاب.
[ ٦٣ ]
٣- الصحيح لغيره
١- تعريفه:
هو الحسن لذاته إذا روي من طريق آخر مثله أو أقوى منه١. وسمي صحيحا لغيره؛ لأن الصحة لم تأت من ذات السند الأول، وإنما جاءت من انضمام غيره له. ويمكن تصوير ذلك بمعادلة رياضية على الشكل التالي:
حسن لذاته + حسن لذاته= صحيح لغيره
٢- مرتبته:
هو أعلى مرتبة من الحسن لذاته، ودون الصحيح لذاته.
٣- مثاله:
حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ٢.
قال ابن الصلاح: "فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته،
_________________
(١) ١ انظر نخبة الفكر، مع شرحها نزهة النظر، ص٣٤. ٢ أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك: ١/٣٤-حديث ٢٢ بلفظه. ورواه البخاري من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
[ ٦٤ ]
فحديثه من هذه الجهة حسن، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أُخَرَ زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه، وانجبر به ذلك النقص اليسير، فصح هذا الإسناد، والتحق بدرجة الصحيح"١.
_________________
(١) ١ علوم الحديث ص٣١-٣٢.
[ ٦٥ ]
الحسن لغيره:
١- تعريفه:
هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه١.
يستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
٢- سبب تسميته بذلك:
وسبب تسميته بذلك أن الحسن لم يأت من ذات السند الأول، وإنما أتى من انضمام غيره له.
ويمكن تصوير ارتقاء الحديث الضعيف إلى مرتبة "الحسن لغيره" بمعادلة رياضية على النحو التالي:
ضعيف + ضعيف= حسن لغيره
٣- مرتبته:
الحسن لغيره أدنى مرتبة من الحسن لذاته.
_________________
(١) ١ النخبة مع شرحها، ص٥٤ بمعناه.
[ ٦٦ ]
وينبني على ذلك أنه لو تعارض الحسن لذاته مع الحسن لغيره قدم الحسن لذاته.
٤- حُكْمه:
هو من المقبول الذي يحتج به.
٥- مثاله:
"ما رواه الترمذي وحسنه، من طريق شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ: "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم، قال: فأجاز".
قال الترمذي: "وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وأبي سعيد، وأنس، وعائشة، وجابر، وأبي حدرد الأسلمي"١.
قلت: فعاصم ضعيف لسوء حفظه، وقد حسن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه.
_________________
(١) ١ الترمذي، أبواب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، حديث رقم ١١١٣، ج٣، ص٤٢٠، ٤٢١.
[ ٦٧ ]
خبر الآحاد المقبول المُحتَفُّ بالقرائن:
١- توطئة:
وفي ختام أقسام المقبول أبحث في الخبر المقبول المحتفِّ بالقرائن. والمراد بالمحتفِّ بالقرائن الخبر الذي أحاط واقترن به من الأمور الزائدة على ما يتطلبه المقبول من الشروط.
وهذه الأمور الزائدة التي تقترن بالخبر المقبول تزيده قوة. وتجعل له ميزة على غيره من الأخبار المقبولة الأخرى الخالية من تلك الأمور الزائدة، وترجحه عليها.
٢- أنواعه:
الخبر المقبول المحتفُّ بالقرائن أنواع، أشهرها:
أ- ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر. فقد احتفَّت به قرائن، منها:
١- جلالتهما في هذا الشأن.
٢- تقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
٣-تلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر.
ب- المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة كلها من ضعف الرواة والعلل.
[ ٦٨ ]
جـ- الخبر المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا: كالحديث الذي يرويه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، ويرويه الإمام الشافعي عن الإمام مالك، ويشارك الإمام أحمد غيره في الرواية عن الإمام الشافعي، ويشارك الإمام الشافعي كذلك غيره في الرواية عن الإمام مالك.
٣- حكمه:
هو أرجح من أي خبر مقبول من أخبار الآحاد، فلو تعارض الخبر المحتفُّ بالقرائن مع غيره من الأخبار المقبولة، قدم الخبر المحتفُّ بالقرائن.
[ ٦٩ ]
المقصد الثاني: تقسيم الخبر المقبول إلى معمول به، وغير معمول به
ينقسم الخبر المقبول إلى قسمين: معمول به، وغير معمول به، وينبثق عن ذلك نوعان من أنواع علوم الحديث، وهما: "المحكم ومختلف الحديث"، و"الناسخ والمنسوخ".
١- المحكَم، ومختلِف الحديث:
١- تعريف المحكم:
أ- لغة: هو اسم مفعول، من "أحكم" بمعنى أتقن.
ب- اصطلاحا: هو الحديث المقبول الذي سلم من معارضة مثله١. وأكثر الأحاديث من هذا النوع، وأما الأحاديث المتعارضة المختلفة فهي قليلة جدا بالنسبة لمجموع الأحاديث.
٢- تعريف مختلِف الحديث:
أ- لغة: هو اسم فاعل، من "الاختلاف" ضد الاتفاق. والمراد بمختلف الحديث: الأحاديث التي تصلنا،
_________________
(١) ١ النخبة وشرحها، ص٣٩.
[ ٧٠ ]
ويخالف بعضها بعضا في المعنى، أي يتضادان في المعنى.
ب- اصطلاحا: هو الحديث المقبول المعارض بمثله، مع إمكان الجمع بينهما١.
أي هو الحديث الصحيح، أو الحسن الذي يجيء حديث آخر مثله في المرتبة والقوة، ويناقضه في المعنى ظاهرا، ويمكن لأولي العلم والفهم الثاقب أن يجمعوا بين مدلوليهما بشكل مقبول.
٣- مثال المختلف:
أ- حديث: "لا عدوي ولا طيرة " ٢ الذي رواه مسلم، مع
ب- حديث "فر من المجذوم٣ فرارك من الأسد" اللذين رواهما البخاري٤.
فهذا حديثان صحيحان، ظاهرهما التعارض؛ لأن الأول ينفي العدوى، والثاني يثبتها. وقد جمع العلماء بينهما، ووفقوا بين معناها على وجوه متعددة، أذكر هنا ما اختاره الحافظ ابن حجر، ومفاده ما يلي:
_________________
(١) ١ النخبة وشرحها، ص٣٩. ٢ الطيرة: التشاؤم بالطيور. ٣ المجذوم: المصاب بالجذام، وهو داء تتساقط أعضاء من يصاب به. ٤ البخاري، كتاب الطب: ١٠/ ١٥٨، حديث ٥٧٠٧.
[ ٧١ ]
٤- كيفية الجمع بينهما:
وكيفية الجمع بين هذين الحديثين، أن يقال: إن العدوى منفية وغير ثابتة، بدليل قوله ﷺ: "لا يعدي شيء شيئا" ١ وقوله لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الأبل الصحيحة، فيخالطها، فتجرب: "فمن أعدى الأول؟ " ٢ يعني: أن الله تعالى ابتدأ ذلك المرض في الثاني، كما ابتدأه في الأول. وأما الأمر بالفرار من المجذوم، فمن باب سد الذرائع؛ أي لئلا يتفق للشخص الذي يخالط ذلك المجذوم حصول شيء له من ذلك المرض بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية. فيظن أن ذلك كان بسبب مخالطته له، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الإثم، فأمر بتجنب المجذوم؛ دفعا للوقوع في هذا الاعتقاد الذي يسبب الوقوع في الإثم.
٥- ماذا يجب على من وجد حديثين متعارضين مقبولين؟
عليه أن يتبع المراحل الآتية:
أ- إذا أمكن الجمع بينهما: تعين الجمع، ووجب العمل بهما.
ب- إذا لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه:
١- فإن علم أحدهما ناسخا: قدمناه، وعملنا به، وتركنا المنسوخ.
_________________
(١) ١ الترمذي، كتاب القدر: ج٤، ص٤٥٠، أخرجه أحمد. ٢ البخاري، كتاب الطب: ج١٠، ص١٧١ مع فتح الباري، وأخرجه مسلم وأبو داود وأحمد.
[ ٧٢ ]
٢- وإن لم يعلم ذلك: رجحنا أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح التي تبلغ خمسين وجها أو أكثر، ثم عملنا بالراجح.
٣- وإن لم يترجح أحدهما على الآخر -وهو نادر- توقفنا عن العمل بهما حتى يظهر لنا مرجح.
٦- أهميته ومن يَكمُلُ له:
هذا العلم من أهم علوم الحديث؛ إذ يضطر إلى معرفته جميع العلماء، وإنما يكمل له ويمهر فيه الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة، وهؤلاء هم الذين لا يشكل عليهم منه إلا النادر.
وتعارض الأدلة قد شغل العلماء، وفيه ظهرت موهبتهم ودقة فهمهم، وحسن اختيارهم. كما زلت فيه أقدام من خاض غماره من بعض المتطفلين على موائد العلماء.
٧- أشهر المصنفات فيه:
أ- اختلاف الحديث: للإمام الشافعي، وهو أول من تكلم وصنف فيه.
ب- تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة الدينوري.
ج- مشكل الآثار: للطحاوي، أبي جعفر أحمد بن سلامة.
[ ٧٣ ]
٢- ناسخ الحديث ومنسوخه:
١- تعريف النسخ:
أ- لغة: له معنيان: الإزالة. ومنه: نسخت الشمس الظل. أي أزالته.
والنقل، ومنه: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه. فكأن الناسخ قد أزال المنسوخ، أو نقله إلى حكم آخر.
ب- اصطلاحا: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر١.
٢- أهميته وصعوبته، وأشهر المبرزين فيه:
معرفة ناسخ الحديث من منسوخه علم مهم صعب، فقد قال الزهري: "أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه".
وأشهر المبرزين فيه هو الإمام الشافعي. فقد كانت له فيه اليد الطولى، والسابقة الأولى. قال الإمام أحمدُ لابن وارة -وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فرطت؛ ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، ص٢٧٧.
[ ٧٤ ]
٣- بم يعرف الناسخ من المنسوخ؟
يعرف ناسخ الحديث من منسوخه بأحد هذه الأمور:
أ- بتصريح رسول الله ﷺ: كحديث بريدة في صحيح مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة" ١.
ب- بقول صحابي: كقول جابر بن عبد الله ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار"٢. أخرجه أصحاب السنن.
جـ- بمعرفة التاريخ: كحديث شداد بن أوس مرفوعا: "أفطر الحاجم والمحجوم" ٣؛ نسخ بحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم"٤؛ فقد جاء في بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان زمن الفتح، وأن ابن عباس صحبه في حجة الوداع.
د- دلالة الإجماع: كحديث: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" ٥.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الأضاحي، حديث ٣٧، بنحوه. ٢ رواه أبو داود، كتاب الطهارة، حديث ١٩٢. ٣ رواه أبو داود كتاب الصوم، حديث ٢٣٦٩. ٤ أخرجه البخاري، كتاب الصوم: ٤/ ١٧٤، حديث ١٩٣٨. ٥ رواه أبو داود، كتاب الحدود، حديث ٤٤٨٤.
[ ٧٥ ]
قال النووي: "دل الإجماع على نسخه".
والإجماع لا يَنسَخ، ولا يُنسخ، ولكن يدل على ناسخ.
٤- أشهر المصنفات فيه:
أ- الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي.
ب- الناسخ والمنسوخ، للإمام أحمد.
ج- تجريد الأحاديث المنسوخة، لابن الجوزي.
[ ٧٦ ]
المطلب الثاني: الخبر المردود
وفيه ثلاثة مقاصد:
- المقصد الأول: الضعيف.
- المقصد الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد.
- المقصد الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي.
[ ٧٦ ]
الخبر المردود، وأسباب رده:
١- تعريفه:
هو الخبر الذي لم يترجح صدق المخبر به.
وذلك بفقد شرط أو أكثر من شروط القبول التي مرت بنا في بحث الصحيح.
٢- أقسامه، وأسباب رده:
لقد قسم العلماء الخبر المردود إلى أقسام كثيرة١، وأطلقوا على كثير من تلك الأقسام أسماء خاصة بها، ومنها ما لم يطلقوا عليها اسما خاصا بها، بل سموها باسم عام، هو "الضعيف".
أما أسباب رد الحديث فكثيرة، لكنها ترجع في الجملة إلى أحد سببين رئيسيين، هما:
أ- سقط من الإسناد.
ب- طعن في الراوي.
وتحت كل من هذين السببين أنواع متعددة، سأتكلم عليها بثلاثة مقاصد مستقلة مفصلة إن شاء الله تعالى، مبتدئا بمقصد "الضعيف" الذي يعد هو الاسم العام لنوع المردود.
_________________
(١) ١ بلغ بها بعضهم نيفا وأربعين قسما.
[ ٧٧ ]
المقصد الأول: الضعيف
١- تعريفه: الضعيف:
أ- لغة: ضد القوي، والضعف حسي ومعنوي، والمراد به هنا الضعف المعنوي.
ب- اصطلاحا: هو ما لم يجمع صفة الحسن، بفقد شرط من شروطه.
قال البيقوني في منظومته:
وكل ما عن رتبة الحُسْنِ قَصُرْ فهو الضعيف وهو أقسام كُثُرْ
٢- تفاوته:
ويتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته وخفته، كما يتفاوت الصحيح. فمنه الضعيف، ومنه الضعيف جدا، ومنه الواهي، ومنه المنكر، وشر أنواعه الموضوع١.
٣- أوهى الأسانيد:
وبناء على ما تقدم في "الصحيح" من ذكر أصح الأسانيد، فقد ذكر العلماء في بحث "الضعيف" ما يسمى بـ "أوهى الأسانيد" وقد ذكر الحاكم النيسابوري٢ جملة كبيرة من "أوهى الأسانيد" بالنسبة
_________________
(١) ١ انظر علوم الحديث، معرفة الموضوع، ص٨٩. ٢ في معرفة علوم الحديث، ص٧١-٧٢.
[ ٧٨ ]
إلى بعض الصحابة، أو بعض الجهات والبلدان، وأذكر بعض الأمثلة من كتاب الحاكم وغيره، فمنها:
أ- أوهى الأسانيد بالنسبة لأبي بكر الصديق ﵁: "صدقة بن موسى الدقيقي، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر"١.
ب- أوهى أسانيد الشاميين "محمد بن قيس المصلوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة"٢.
ج- أوهى أسانيد ابن عباس ﵁ "السُّدِّيُّ الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس" قال الحافظ ابن حجر: "هذه سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب"٣.
٤- مثاله:
ما أخرجه الترمذي من طريق "حكيم الأثرم" عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد"، ثم قال الترمذي بعد إخراجه: "لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة" ثم قال: "وضعَّفَ محمد٤ هذا
_________________
(١) ١، ٢ معرفة علوم الحديث ص٧١-٧٢. ٣ انظر تدريب الراوي: ج١ ص١٨١. ٤ أي البخاري.
[ ٧٩ ]
الحديث من قبل إسناده"١ قلت: لأن في إسناده حكيما الأثرم، وقد ضعفه العلماء، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: "فيه لين".
٥- حكم روايته:
يجوز عند أهل الحديث وغيرهم رواية الأحاديث الضعيفة، والتساهل في أسانيدها من غير بيان ضعفها -بخلاف الأحاديث الموضوعة فإنه لا يجوز روايتها إلا مع بيان وضعها- بشرطين، هما:
أ- ألا تتعلق بالعقائد، كصفات الله تعالى.
ب- ألا يكون في بيان الأحكام الشرعية مما يتعلق بالحلال والحرام.
يعني تجوز روايتها في مثل المواعظ والترغيب والترهيب والقصص وما أشبه ذلك، وممن روي عنه التساهل في روايتها سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل٢.
وينبغي التنبه إلى أنك إذا رويتها من غير إسناد فلا تقل فيها: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما تقول: روي عن رسول الله ﷺ كذا، أو بلغنا عنه كذا، وما أشبه ذلك؛ لئلا تجزم بنسبة ذلك الحديث للرسول وأنت تعرف ضعفه.
_________________
(١) ١ الترمذي مع شرحه، ج١ ص٤١٩-٤٢٠. ٢ انظر علوم الحديث ص٩٩، والكفاية ص١٣٣-١٣٤ باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوُّز في فضائل الأعمال.
[ ٨٠ ]
٦- حكم العمل به:
اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف، الذي عليه جمهور العلماء أنه يستحب العمل به في فضائل الأعمال، لكن بشروط ثلاثة، أوضحها الحافظ ابن حجر١ وهي:
أ- أن يكون الضعف غير شديد.
ب- أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به.
ج- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
٧- أشهر المصنفات التي هي مظنة الضعيف:
أ- الكتب التي صنفت في بيان الضعفاء: ككتاب الضعفاء لابن حبان، وكتاب ميزان الاعتدال للذهبي؛ فإن مؤلفيها يذكرون أمثلة للأحاديث التي صارت ضعيفة بسبب رواية أولئك الضعفاء لها.
ب- الكتب التي صنفت في أنواع من الضعيف خاصة: مثل كتب المراسيل والعلل والمُدرَج وغيرها. ككتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل والدارقطني.
_________________
(١) ١ انظر تدريب الراوي ج١، ص٢٩٨-٢٩٩، وفتح المغيث ج١، ص٢٦٨.
[ ٨١ ]
المقصد الثاني: المردود بسبب سقط من الإسناد
١- المراد بالسقط من الإسناد:
المراد بالسقط من الإسناد انقطاع سلسلة الإسناد بسقوط راوٍ أو أكثر، عمدا من بعض الرواة، أو عن غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه، سقوطًا ظاهرا أو خفيا.
٢- أنواع السقط:
يتنوع السقط من الإسناد بحسب ظهوره وخفائه إلى نوعين، هما:
أ- سقط ظاهر: وهذا النوع من السقط يشترك في معرفته الأئمة وغيرهم من المشتغلين بعلوم الحديث، ويعرف هذا السقط من عدم التلاقي بين الراوي وشيخه؛ إما لأنه لم يدرك عصره، أو أدرك عصره، لكنه لم يجتمع به "وليست له منه إجازة ولا وجادة"١ لذلك يحتاج
_________________
(١) ١ الإجازة: الإذن بالرواية، وقد يحصل الراوي عليها من شيخ لم يلتقِ به، كأن يقول الشيخ أحيانا: أجزت رواية مسموعاتي لأهل زماني. والوِجَادَة بكسر الواو: أن يجد الراوي كتابا لشيخ من الشيوخ يعرف خطه، فيروي ما في ذلك الكتاب عن الشيخ، وسيأتي تفصيل بحث الإجازة والوجادة في باب طرق التحمل وصيغ الأداء.
[ ٨٢ ]
الباحث في الأسانيد إلى معرفة تاريخ الرواة؛ لأنه يتضمن بيان مواليدهم، ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وغير ذلك.
وقد اصطلح علماء الحديث على تسمية السقط الظاهر بأربعة أسماء، بحسب مكان السقط، أو عدد الرواة الذين أسقطوا. وهذه الأسماء هي:
١- المعلق.
٢- المرسل.
٣- المعضل.
٤- المنقطع.
ب- سقط خفي: وهذا لا يدركه إلا الأئمة الحُذَّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. وله تسميتان، وهما:
١- المدلس.
٢- المرسل الخفي.
وإليك البحث في هذه المسميات الستة مفصلة على التوالي:
[ ٨٣ ]
أ- أنواع السقط الظاهر:
١- المعلق:
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول من "علق" الشيء بالشيء، أي أناطه وربطه به، وجعله معلقا. وسمي هذا السند معلقا بسبب اتصاله من الجهة العليا فقط، وانقطاعه من الجهة الدنيا، فصار كالشيء المعلق بالسقف ونحوه.
ب- اصطلاحا: ما حذف من مبدأ إسناده راوٍ فأكثر على التوالي١.
٢- شرح التعريف:
ومبدأ السند هو طرفه الأدنى الذي من جهتنا، وهو شيخ المؤلف. ويسمى "أول السند" أيضا. وسمي "مبدأ السند"؛ لأننا نبدأ قراءة الحديث به.
٣- من صُوَرِهِ:
أ- أن يحذف جميع الإسناد، ثم يقال مثلا: "قال رسول الله ﷺ: كذا".
ب- ومنها: أن يحذف كل الإسناد إلا الصحابي، أو إلا الصحابي والتابعي٢.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، ص٢٤. ٢ شرح النخبة ص٤٢.
[ ٨٤ ]
٤- مثاله:
ما أخرجه البخاري في مقدمة باب ما يذكر في الفخذ: "وقال أبو موسى: غطى النبي ﷺ ركبتيه حين دخل عثمان"١.
فهذا حديث معلق؛ لأن البخاري حذف جميع إسناده إلا الصحابي، وهو أبو موسى الأشعري.
٥- حكمه:
الحديث المعلق مردود؛ لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وذلك بحذف راوٍ أو أكثر من إسناده، مع عدم علمنا بحال ذلك الراوي المحذوف.
٦- حكم المعلقات في الصحيحين:
هذا الحكم -وهو أن المعلق مردود- هو للحديث المعلق مطلقا، لكن إن وجد المعلق في كتاب التزمت صحته -كالصحيحين- فهذا له حكم خاص، قد مر بنا في بحث الصحيح٢، ولا بأس بالتذكير به هنا، وهو أن:
أ- ما ذكر بصيغة الجزم: كـ "قال"، و"ذكر"، و"حكى" فهو حكم بصحته عن المضاف إليه.
ب- وما ذكر بصيغة التمريض: كـ "قيل"، و"ذكر"، و"حُكِيَ"؛ فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه. بل فيه
_________________
(١) ١ البخاري، كتاب الصلاة ج١ ص٩٠. ٢ في الفقرة ١١ وهي "ما هو المحكوم بصحته مما رواه الشيخان؟ ".
[ ٨٥ ]
الصحيح والحسن والضعيف، لكن ليس فيه حديث واهٍ؛ لوجوده في الكتاب المسمى بالصحيح١. وطريق معرفة الصحيح من غيره هو البحث عن إسناد هذا الحديث، والحكم عليه بما يليق به٢.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، ص٢٤-٢٥. ٢ قد بحث العلماء في المعلقات التي في صحيح البخاري، وذكروا أسانيدها المتصلة، وأحسن من جمع ذلك هو الحافظ ابن حجر في كتاب سماه "تغليق التعليق".
[ ٨٦ ]
٢- المرسل:
١- تعريفه:
أ- لغةً: هو اسم مفعول من "أرسل" بمعنى "أطلق"، فكان المرسِل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف.
ب- اصطلاحًا: هو ما سقط من آخر إسناده مَنْ بعد التابعي١.
٢- شرح التعريف:
أي هو الحديث الذي سقط من إسناده الراوي الذي بعد التابعي، والذي بعد التابعي هو الصحابي، وآخر الإسناد هو طرفه الذي فيه الصحابي.
٣- صورته:
وصورته: أن يقول التابعي -سواء كان صغيرا أو كبيرا- قال رسول الله ﷺ: كذا، أو فعل كذا، أو فُعِل بحضرته كذا، وهذه صورة المرسل عند المحدثين.
٤- مثاله:
ما أخرج مسلم في صحيحه، في كتاب البيوع قال: "حدثني محمد بن رافع، ثنا حجين، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن
_________________
(١) ١ نزهة النظر ص٤٣. والتابعي: هو من لقي الصحابي مسلما ومات على الإسلام.
[ ٨٧ ]
شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة"١.
فسعيد بن المسيب تابعي كبير، روى هذا الحديث عن النبي ﷺ بدون أن يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره، وهو من بعد التابعي، وأقل هذا السقط أن يكون قد سقط الصحابي، ويحتمل أن يكون قد سقط معه غيره، كتابعي مثلا.
٥- المرسل عند الفقهاء والأصوليين:
ما ذكرته من صورة المرسل هو المرسل عند المحدثين، أما المرسل عند الفقهاء والأصوليين فأعم من ذلك، فعندهم أن كل منقطع مرسل على أي وجه كان انقطاعه، وهذا مذهب الخطيب أيضا.
٦- حكمه:
المرسل في الأصل ضعيف مردود؛ لفقده شرطا من شروط المقبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وفي هذه الحال يحتمل أن يكون ضعيفا.
_________________
(١) ١ مسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا: ٣/ ١١٦٨، حديث ٥٩.
[ ٨٨ ]
لكن العلماء من المحدثين وغيرهم اختلفوا في حكم المرسل، والاحتجاج به؛ لأن هذا النوع من الانقطاع يختلف عن أي انقطاع آخر في السند؛ لأن الساقط منه غالبا ما يكون صحابيا، والصحابة كلهم عدول، لا يضر عدم معرفتهم.
ومجمل أقوال العلماء في المرسل ثلاثة أقوال، هي:
أ- ضعيف مردود: وهذا عند جمهور المحدثين، وكثير من أصحاب الأصول والفقهاء. وحجة هؤلاء هو الجهل بحال الراوي المحذوف؛ لاحتمال أن يكون غير صحابي.
ب- صحيح يحتج به: وهذا عند الأئمة الثلاثة -أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه- وطائفة من العلماء، بشرط أن يكون المرسِل ثقة، ولا يرسل إلا عن ثقة. وحجتهم أن التابعي الثقة لا يستحل أن يقول: قال رسول الله ﷺ إلا إذا سمعه من ثقة.
ج- قبوله بشروط: أي يصح بشروط، وهذا عند الشافعي، وبعض أهل العلم؛ وهذه الشروط أربعة؛ ثلاثة في الراوي المرسِل، وواحد في الحديث المرسَل، وإليك هذه الشروط:
١- أن يكون المرسِل من كبار التابعين.
٢- وإذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة. أي إذا سئل عن اسم الراوي الذي حذفه، فإنه يذكر اسم شخص ثقة.
[ ٨٩ ]
٣- وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه. أي أن الراوي المرسِل ضابط تام الضبط، بحيث إذا شاركه الرواة الضابطون يوافقون على روايته.
٤- وأن ينضم إلى هذه الشروط الثلاثة واحد مما يلي:
أ- أن يروى الحديث من وجه آخر مسندا.
ب- أو يروى من وجه آخر مرسَلا أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسِل الأول.
ج- أو يوافق قول صحابي.
د- أو يفتي بمقتضاه أكثر أهل العلم١.
فإذا تحققت هذه الشروط تبين صحة مَخرَج المرسَل وما عضده، وأنهما صحيحان، لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد رجحناهما عليه بتعدد الطرق إذا تعذر الجمع بينهما.
هذا ويمكن توضيح هذه الأمور التي ينبغي أن ينضم واحد منها إلى الشروط الثلاثة السابقة بما يلي:
أ- حديث مرسل + حديث مسند= صحيح.
ب- حديث مرسل + حديث مرسل= صحيح.
ج- حديث مرسل + قول صحابي= صحيح.
د- حديث مرسل + فتوى أكثر العلماء= صحيح.
_________________
(١) ١ انظر الرسالة للإمام للشافعي ص٤٦١.
[ ٩٠ ]
٧- مرسَل الصحابي:
هو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول ﷺ أو فعله، ولم يسمعه أو يشاهده؛ إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه، أو غيابه، ومن هذا النوع أحاديث لصغار الصحابة؛ كابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما.
٨- حكم مرسَل الصحابي:
القول الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه صحيح محتجٌّ به؛ لأن رواية الصحابة عن التابعين نادرة، وإذا رووا عنهم بينوها، فإذا لم يبينوا، وقالوا: قال رسول الله، فالأصل أنهم سمعوها من صحابي آخر، وحذف الصحابي لا يضر، كما تقدم.
وقيل: إن مرسَل الصحابي كمرسَل غيره في الحكم، وهذا القول ضعيف مردود.
٩- أشهر المصنفات فيه:
أ- المراسيل، لأبي داود.
ب- المراسيل، لابن أبي حاتم.
ج- جامع التحصيل لأحكام المراسيل، للعلائي١.
_________________
(١) ١ الرسالة المستطرفة ص٨٥-٨٦. والعلائي هو الحافظ المحقق صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، ولد بدمشق سنة ٦٩٤ هـ وتوفي في القدس سنة ٧٦١هـ.
[ ٩١ ]
٣- المعضل:
١- تعريفه:
أ- لغةً: اسم مفعول من "أعضله" بمعنى أعياه.
ب- اصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي١.
٢- مثاله:
"ما رواه الحاكم في "معرفة علوم الحديث" بسنده إلى القعنبي عن مالك أنه بلغه أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". قال الحاكم: هذا معضل عن مالك، أعضله هكذا في الموطأ"٢.
فهذا الحديث معضل؛ لأنه سقط منه اثنان متواليان بين مالك وأبي هريرة. وقد عرفنا أنه سقط منه اثنان متواليان من رواية الحديث خارج الموطأ هكذا " عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة"٣.
٣- حكمه:
المعضل حديث ضعيف، وهو أسوأ حالا من المرسل
_________________
(١) ١ علوم الحديث ص٥٩، والنخبة ص٤٤. ٢ معرفة علوم الحديث ص٤٦. ٣ المصدر السابق ص٤٧.
[ ٩٢ ]
والمنقطع١، وذلك لكثرة المحذوفين من الإسناد، وهذا الحكم على المعضل بإجماع العلماء.
٤- اجتماعه مع بعض صور المعلق:
إن بين المعضل وبين المعلق عموما وخصوصا من وجه:
أ- فيجتمع المعضل مع المعلق في صورة واحدة، وهي: إذا حذف من مبدأ إسناده راويان متواليان. فهو معضل ومعلق في آن واحد.
ب- ويفارقه في صورتين:
١- إذا حذف من وسط الإسناد راويان متواليان، فهو معضل، وليس بمعلق.
٢- إذا حذف من مبدأ الإسناد راوٍ فقط، فهو معلق، وليس بمعضل.
٥- من مظانِّ المعضل:
قال السيوطي٢: من مظانِّ المعضل والمنقطع والمرسل:
أ- كتاب السنن، لسعيد بن منصور.
ب- مؤلفات ابن أبي الدنيا.
_________________
(١) ١ انظر الكفاية ص٢١، والتدريب ج١، ص٢٩٥. ٢ تدريب الراوي ج١، ص٢١٤.
[ ٩٣ ]
٤- المنقطع:
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم فاعل من "الانقطاع" ضد الاتصال.
ب- اصطلاحا: ما لم يتصل إسناده، على أي وجه كان انقطاعه١.
٢- شرح التعريف:
يعني أن كل إسناد انقطع من أي مكان كان؛ سواء كان الانقطاع من أول الإسناد، أو من آخره، أو من وسطه، فيدخل فيه -على هذا- المرسل والمعلق والمعضل، لكن علماء المصطلح المتأخرين خصوا المنقطع بما لم تنطبق عليه صورة المرسل، أو المعلق، أو المعضل، وكذلك كان استعمال المتقدمين، في الغالب. ولذلك قال النووي: "وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر"٢.
٣- المنقطع عند المتأخرين من أهل الحديث:
هو ما لم يتصل إسناده، مما لا يشمله اسم المرسل، أو المعلق، أو المعضل. فكأن المنقطع اسم عام لكل انقطاع في
_________________
(١) ١ التقريب مع التدريب، النوع العاشر: المنقطع، ج١، ص٢٠٧. ٢ التقريب مع التدريب ج١، ص٢٠٨.
[ ٩٤ ]
السند، ما عدا صورًا ثلاثًا من صور الانقطاع، وهي: حذف أو الإسناد، أو حذف آخره، أو حذف اثنين متواليين من أي مكان كان، وهذا هو الذي مشى عليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها١.
ثم إنه قد يكون الانقطاع في مكان واحد من الإسناد، وقد يكون في أكثر من مكان واحد، كأن يكون الانقطاع في مكانين أو ثلاثة مثلا.
٤- مثاله:
ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين"٢.
فقد سقط من هذا الإسناد رجل من وسطه، وهو "شريك" سقط من بين الثوري وأبي إسحاق؛ إذ إن الثوري لم يسمع الحديث من أبي إسحاق مباشرة، وإنما سمعه من شريك، وشريك سمعه من أبي إسحاق.
فهذا الانقطاع لا ينطبق عليه اسم المرسل، ولا المعلق، ولا المعضل، فهو منقطع.
٥- حكمه:
المنقطع ضعيف بإجماع العلماء لفقده شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند، وللجهل بحال الراوي المحذوف.
_________________
(١) ١ النخبة وشرحها له ص٤٤. ٢ أخرجه الحاكم في معرفة الحديث ص٣٦، وأخرجه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بمعناه. انظر مجمع الزوائد ج٥ ص١٧٦.
[ ٩٥ ]
ب- أنواع السقط الخفي:
١- المدلَّس:
١- تعريف التدليس:
أ- لغةً: المدلس: اسم مفعول، من "التدليس" والتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة عن المشتري، وأصل التدليس مشتق من "الدلس" وهو الظلمة، أو اختلاط الظلام، كما في القاموس١؛ فكأن المدلس لتغطيته على الواقف على الحديث أظلم أمره، فصار الحديث مدلسا.
ب- اصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد، وتحسين لظاهره٢.
٢- شرح التعريف:
أي أن يستر المدلِّس العيب الذي في الإسناد، وهو الانقطاع في السند، فيسقط المدلِّس شيخه، ويروي عن شيخ شيخه ويحتال في إخفاء هذا الإسقاط، ويحسن ظاهر الإسناد بأن يوهم الذي يراه بأنه متصل، لا سقط فيه.
٣- أقسام التدليس:
للتدليس قسمان رئيسيان هما: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
_________________
(١) ١ القاموس ج٢، ص٢٢٤. ٢ بيان الوهم والإيهام لأبي الحسن بن القطان.
[ ٩٦ ]
٤- تدليس الإسناد:
لقد عرف علماء الحديث هذا النوع من التدليس بتعريفات مختلفة، وسأختار أصحها وأدقها -في نظري- وهو تعريف الإمامين أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، وأبي الحسن بن القطان. وهذا التعريف هو:
أ- تعريفه: أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه١.
ب- شرح التعريف: ومعنى هذا التعريف أن تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن شيخ قد سمع منه بعض الأحاديث، لكن هذا الحديث الذي دلسه لم يسمعه منه، وإنما سمعه من شيخ آخر عنه، فيسقط ذلك الشيخ، ويرويه عن الشيخ الأول بلفظ محتمل للسماع وغيره، كـ "قال" أو "عن" ليوهم غيره أنه سمعه منه. لكن لا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: "سمعت" أو "حدثني" حتى لا يصير كذابا بذلك، ثم قد يكون الذي أسقطه واحدًا أو أكثر.
ج- الفرق بينه وبين الإرسال الخفي: قال أبو الحسن بن القطان بعد ذكره للتعريف السابق: "والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه".
_________________
(١) ١ شرح ألفية العراقي له ج١، ص١٨٠؛ نقلا عن البزار، وأبي الحسن بن القطان، بتصرف يسير.
[ ٩٧ ]
وإيضاح ذلك: أن كلا من المدلِّس والمرسِل إرسالا خفيا يروي عن شيخ شيئا لم يسمعه منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره، لكن المدلس قد سمع من ذلك الشيخ أحاديث غير التي دلسها، على حين أن المرسل إرسالا خفيا لم يسمع من ذلك الشيخ أبدًا، لا الأحاديث التي أرسلها ولا غيرها، لكنه عاصره أو لقيه.
د- مثاله: ما أخرجه الحاكم١، بسنده إلى علي بن خشرم قال: "قال لنا ابن عيينة: عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري. حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري" ففي هذا المثال أسقط ابن عيينة اثنين بينه وبين الزهري.
٥- تدليس التسوية:
هذا النوع من التدليس هو في الحقيقة نوع من أنواع تدليس الإسناد.
أ- تعريفه: هو رواية الراوي عن شيخه، ثم إسقاط راوٍ ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر. وصورة ذلك: أن يروي الراوي حديثا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف، عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة
_________________
(١) ١ في معرفة علوم الحديث ص١٣٠.
[ ٩٨ ]
الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيسوي الإسناد كله ثقات.
وهذا النوع من التدليس شر أنواع التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة. وفيه غرر شديد.
ب- أشهر من كان يفعله، هما:
١- بقية بن الوليد. قال أبو مسهر: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية"١.
٢- الوليد بن مسلم.
ج- مثاله:
ما رواه ابن أبي حاتم في "العلل" قال: "سمعت أبي -وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع، عن ابن عمر، حديث: "لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه"- قال أبي: هذا الحديث له أمر قل من يفهمه. روى هذا الحديث
عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع،
ثقة ضعيف ثقة
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ج١ - ص٣٣٢.
[ ٩٩ ]
عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وعبيد الله بن عمرو، كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد كي لا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة لا يهتدى له"١.
٦- تدليس الشيوخ:
أ- تعريفه: هو أن يروي الراوي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف٢.
٧- شرح التعريف:
أي أن يروي الراوي المدلس عن شيخ حديثا سمعه منه، يعني لا يوجد إسقاط ولا حذف في تدليس الشيوخ، لكن يوجد تمويه وتغطية لاسم الشيخ، أو كنيته، أو نسبته، أو صفته.
وتوضيح ذلك: أن يكون:
١- اسم الشيخ: محمود بن أحمد الطحان.
٢- وكنيته: أبو حفص.
٣- ونسبته: الطحان.
_________________
(١) ١ شرح الألفية للعراقي ج١، ص١٩٠، والتدريب ج١، ص٢٢٥. ٢ علوم الحديث ص٦٦.
[ ١٠٠ ]
٤- ومن صفاته: أن لحيته بيضاء. فيأتي المدلس فيقول: حدثني:
١- ابن أحمد.
٢- أو "أبو سهيل".
٣- أو "محمود الحلبي".
٤- أو "ذو اللحية البيضاء".
فهذه الأمور تنطبق على الشيخ، وذلك لأنه:
١- بالنسبة للاسم: هو ابن أحمد حقيقة.
٢- وبالنسبة للكنية: فهو أبو سهيل؛ لأن سهيلا ابن من أبنائه.
٣- وبالنسبة للنسبة: فهو حلبي؛ لأنه من مدينة حلب.
٤- وبالنسبة لصفته: فهو ذو لحية بيضاء حقيقة.
ولكن الشيخ لا يعرف بين الناس بهذه الأسماء، فتسميته بها نوع من الإخفاء والتدليس لاسم الشيخ، وهذا هو الذي يريده المدلس؛ يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف؛ وذلك لوجود عيب فيه؛ كضعف، أو صغر سن، أو غير ذلك.
ب- مثاله:
قول أبي بكر بن مجاهد، أحد أئمة القراء: "حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به أبا بكر بن أبي داود السجستاني".
٨- حكم التدليس:
[ ١٠١ ]
أ- أما تدليس الإسناد: فمكروهٌ جدًّا. ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له، فقال فيه أقوالا، منها: "التدليس أخو الكذب".
ب- وأما تدليس التسوية: فهو أشد كراهة منه، حتى قال العراقي: "إنه قادح فيمن تعمد فعله".
ج- وأما تدليس الشيوخ: فكراهته أخف من تدليس الإسناد؛ لأن التدليس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، وتختلف الحال في كراهته بحسب الغرض الحامل عليه.
٩- الأغراض الحاملة على التدليس:
أ- الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة، وهي:
١- ضعف الشيخ، أو كونه غير ثقة.
٢- تأخر وفاة الشيخ، بحيث شارك الطالب في السماع منه جماعة جاءوا بعد هذا الطالب.
٣- صغر سن الشيخ، بحيث يكون أصغر من الراوي عنه.
٤- كثرة الرواية عن الشيخ، فلا يحب الإكثار من ذكر اسم شيخه على صورة واحدة.
ب- الأغراض الحاملة على تدليس الإسناد خمسة، وهي:
١- توهيم علو الإسناد؛ أي أن يوهم الناس أن إسناده عالٍ.
[ ١٠٢ ]
٢- فوات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير.
٣، ٤، ٥- الأغراض الثلاثة الأولى المذكورة في تدليس الشيوخ.
١٠- أسباب ذمِّ المدلِّس: ثلاثة وهي:
أ- إيهامه السماع ممن لم يسمع منه.
ب- عدوله عن الكشف إلى الاحتمال.
ج- علمه بأنه لو ذكر الذي دلس عنه لم يكن مرضيا١.
١١- حكم رواية المدلس:
اختلف العلماء في قبول رواية المدلس على أقوال؛ أشهرها قولان، وهما:
أ- رد رواية المدلس مطلقا، وإن بَيَّنَ السماع؛ لأن التدليس نفسه جرح. "وهذا القول غير معتمد".
ب- التفصيل: "وهو القول الصحيح".
١- إن صرح بالسماع قبلت روايته، أي إن قال: "سمعت" أو نحوها قبل حديثه.
٢- وإن لم يصرح بالسماع لم تقبل روايته، أي إن قال: "عن" ونحوها لم يقبل٢ حديثه.
_________________
(١) ١ راجع الكفاية ص٣٥٨. ٢ علوم الحديث ص٦٧-٦٨.
[ ١٠٣ ]
١٢- بم يعرف التدليس؟
يعرف التدليس بأحد أمرين، هما:
أ- إخبار المدلس نفسه -إذا سئل- أنه دلس، كما جرى لابن عيينة.
ب- نص إمام من أئمة هذا الشأن؛ بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع.
١٣- أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين:
هناك مصنفات في التدليس والمدلسين كثيرة، أشهرها:
أ- ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي، واحد في أسماء المدلسين، واسمه "التبيين لأسماء المدلسين"١، والآخران أفرد كلا منهما لبيان نوع من أنواع التدليس٢.
ب- التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين ابن الحلبي "وقد طبعت هذه الرسالة".
ج- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، للحافظ ابن حجر "وقد طبعت أيضا".
_________________
(١) ١ الكفاية ص٣٦١. ٢ الكفاية ص٣٥٧.
[ ١٠٤ ]
٢- المرسَل الخفي:
١- تعريفه:
أ- لغة: المرسَل لغة: اسم مفعول من الإسال، بمعنى الإطلاق، كأن المرسِل أطلق الإسناد ولم يصله.
والخفي: ضد الجلي؛ لأن هذا النوع من الإرسال غير ظاهر، فلا يدرك إلا بالبحث.
ب- اصطلاحا: أن يروي الراوي عمن لقيه، أو عاصره، ما لم يسمع منه، بلفظ يحتمل السماع وغيره كـ "قال"١.
٢- مثاله:
ما رواه ابن ماجه من طريق عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر مرفوعا: "رحم الله حارس الحرس"٢؛ فإن عمر لم يلقَ عقبة، كما قال المزي في الأطراف.
٣- بم يُعرَف الإرسال الخفي؟
يُعرَف الإرسال الخفي بأحد أمور ثلاثة، وهي:
أ- نص بعض الأئمة على أن هذا الراوي لم يلقَ من حدَّث عنه، أو لم يسمع منه مطلقا.
_________________
(١) ١ شرح ألفية العراقي له: ١/ ١٨٠ نقلا عن "بيان الوهم والإيهام" لأبي الحسن بن القطان. ٢ ابن ماجه، كتاب الجهاد، ج٢ ص٩٢٥ رقم الحديث ٢٧٦٩.
[ ١٠٥ ]
ب- إخباره عن نفسه بأنه لم يلق من حدث عنه، أو لم يسمع منه شيئا.
ج- مجيء الحديث من وجه آخر، فيه زيادة شخص بين هذا الراوي، وبين من روي عنه.
وهذا الأمر الثالث فيه خلاف للعلماء؛ لأنه قد يكون من نوع "المزيد في متصل الأسانيد".
٤- حكمه:
هو ضعيف؛ لأنه من نوع المنقطع، فإذا ظهر انقطاعه، فحكمه حكم المنقطع.
٥- أشهر المصنفات فيه:
كتاب "التفصيل لمبهم المراسيل"، للخطيب البغدادي.
[ ١٠٦ ]
ملحقات الحديث المنقطع: المعنعن، والمؤنن:
١- تمهيد:
لقد انتهت أنواع المردود الستة التي سبب ردها سقط من الإسناد، لكن لما كان المعنعن والمؤنن مختلفا فيهما، هل هما من نوع المنقطع، أو المتصل، لذا رأيت إلحاقهما بأنواع المردود بسبب سقط من الإسناد.
٢- تعريف المعنعن:
أ- لغة: المعنعن: اسم مفعول من "عنعن" بمعنى قال: "عن، عن".
ب- اصطلاحا: قول الراوي: فلان عن فلان١
٣- مثاله:
ما رواه ابن ماجه قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان، عن أسامة بن زيد، عن عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة. قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"٢.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، ص٦١. ٢ ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ج١، ص٣٢١ رقم الحديث / ١٠٠٥، بلفظه.
[ ١٠٧ ]
٤- هل هو من المتصل أم المنقطع؟:
اختلف العلماء فيه على قولين:
أ- قيل إنه منقطع حتى يتبين اتصاله. وهذا القول غير معتمد.
ب- والقول الصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنه متصل بشروط، اتفقوا على شرطين منها، واختلفوا في اشتراط ما عداهما؛ أما الشرطان اللذان اتفقوا على أنه لا بد منهما -ومذهب مسلم الاكتفاء بهما- فهما:
١- ألا يكون المعنعن مدلسا.
٢- أن يمكن لقاء بعضهم بعضا. أي لقاء المعنعِن بمن عنعن عنه.
وأما الشروط التي اختلفوا على اشتراطها زيادة على الشرطين السابقين فهي:
١- ثبوت اللقاء: وهو قول البخاري وابن المديني والمحققين.
٢- طول الصحبة: وهو قول أبي المظفر السمعاني.
٣- معرفته بالرواية عنه: وهو قول أبي عمرو الداني.
٥- تعريف المؤنَّن:
أ- لغة: اسم مفعول من "أنَّن" بمعنى قال: "أن، أن".
ب- اصطلاحا: وهو قول الراوي: حدثنا فلان أن فلانا قال
[ ١٠٨ ]
٦- حكم المؤنَّن:
أ- قال أحمد وجماعة: هو منقطع حتى يتبين اتصاله، وهذا القول غير معتمد.
ب- وقال الجمهور: "أن" كـ "عن" ومطلقه محمول على الاتصال والسماع بالشروط المتقدمة.
أي أن "المؤنن" كـ"المعنعن" في الحكم، وبالشروط نفسها المذكورة في نوع المعنعن.
[ ١٠٩ ]
المقصد الثالث: المردود بسبب طعن في الراوي
١- المراد بالطعن في الراوي:
المراد بالطعن في الراوي جرحه باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه، أو من ناحية ضبطه وحفظه.
٢- أسباب الطعن في الراوي:
أسباب الطعن في الراوي عشرة أسباب؛ خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة منها تتعلق بالضبط.
أ- أما التي تتعلق بالطعن في العدالة فهي:
١- الكذب.
٢- التهمة بالكذب.
٣- الفسق.
٤- البدعة.
٥- الجهالة "أي جهالة العين".
ب- وأما التي تتعلق بالطعن في الضبط فهي:
١- فحش الغلط.
٢- سوء الحفظ.
٣- الغفلة.
٤- كثرة الأوهام.
٥- مخالفة الثقات.
وسأذكر أنواع الحديث المردود بكل بسبب من هذه الأسباب على التوالي، مبتدئا بالسبب الأشد طعنا وهو الكذب.
[ ١١٠ ]
الموضوع:
إذا كان سبب الطعن في الراوي هو الكذب على رسول الله ﷺ، فحديثه يسمى "الموضوع".
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول، من "وضع الشيء" أي "حطه"؛ سمي بذلك لانحطاط رتبته.
ب- اصطلاحا: هو الكذب، المختلق، المصنوع، المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٢- رتبته:
هو شر الأحاديث الضعيفة، وأقبحها، وبعض العلماء يعده قسما مستقلا، وليس نوعا من أنواع الأحاديث الضعيفة.
٣- حكم روايته:
أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مع بيان وضعه، لحديث مسلم: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٢.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي، ١/ ٢٧٤. ٢ مقدمة مسلم بشرح النووي ج١، ص٦٢. ومعنى "يُرَى" أي يظن.
[ ١١١ ]
٤- طرق الوضاعين في صياغة الحديث:
للوضاعين في صياغة الحديث طريقان:
أ- إما أن ينشئ الوضاع الكلام من عنده، ثم يضع له إسنادا ويرويه.
ب- وإما أن يأخذ كلاما لبعض الحكماء، أو غيرهم، ويضع له إسنادا.
٥- كيف يعرف الحديث الموضوع؟
يعرف الحديث الموضوع من دون النظر في إسناده بأمور؛ منها:
أ- إقرار الواضع بالوضع: كإقرار أبي عصمة نوح بن أبي مريم بأنه وضع حديث فضائل سور القرآن سورة سورة، عن ابن عباس.
ب- أو ما يتنزل منزلة إقراره: كأن يحدث عن شيخ، فيسأل عن مولده هو، فيذكر تاريخا تكون وفاة ذلك الشيخ قبل مولده هو، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده.
ج- أو قرينة في الراوي: مثل أن يكون الراوي رافضيا، والحديث في فضائل أهل البيت.
د- أو قرينة في المروي: مثل كون الحديث ركيك اللفظ، أو مخالفا للحس، أو مخالفا لصريح القرآن.
[ ١١٢ ]
٦- دواعي الوضع، وأصناف الوضاعين:
لوضع الحديث دواعٍ كثيرة تدعو الوضاع لوضعه، فمن أبرزها ما يلي:
١- التقرب على الله تعالى: وذلك بوضع أحاديث ترغب الناس في الخيرات، وأحاديث تخوفهم من فعل المنكرات، وهؤلاء الوضاعون قوم ينتسبون إلى الزهد والصلاح، وهم شر الوضاعين؛ لأن الناس قبلت موضوعاتهم ثقة بهم.
ومن هؤلاء: ميسرة بن عبد ربه، فقد روى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال: "قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس"١.
٢- الانتصار للمذهب: لا سيما مذاهب الفرق السياسية، وذلك بعد ظهور الفتنة، وظهور الفرق السياسية، كالخوارج، والشيعة، فقد وضعت كل فرقة من الأحاديث ما يؤيد مذهبها، كحديث: "علي خير البشر، من شك فيه كفر".
٣- الطعن في الإسلام: وهؤلاء الوضاعون قوم من الزنادقة لم يستطيعوا أن يكيدوا للإسلام جهارا، فعمدوا إلى هذا الطريق الخبيث، فوضعوا جملة من الأحاديث بقصد
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ج١، ص٢٨٣.
[ ١١٣ ]
تشويه الإسلام والطعن فيه، ومن هؤلاء: محمد بن سعيد الشامي، المصلوب في الزندقة، فقد روى عن حميد، عن أنس، مرفوعا: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله"١، ولقد بين جهابذة الحديث أمر هذه الأحاديث، ولله الحمد والمنة.
٤- التزلف إلى الحكام: أي تقرب بعض ضعفاء الإيمان إلى بعض الحكام بوضع أحاديث تناسب ما عليه الحكام من الانحراف، مثل قصة غياث بن إبراهيم النخعي الكوفي مع أمير المؤمنين المهدي، حين دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فساق بسنده على التوِّ إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا سبق إلا في نصلٍ، أو خفٍّ، أو حافرٍ، أو جناح" فزاد كلمة "أو جناح" لأجل المهدي، فعرف المهدي ذلك، فأمر بذبح الحمام، وقال: أنا حملته على ذلك. وطرد هذا الوضاع المتزلف، وعامله بعكس قصده.
٥- التكسب وطلب الرزق: كبعض القصاص الذين يتكسبون بالتحدث إلى الناس، فيوردون بعض القصص المسلية والعجيبة، حتى يستمع إليهم الناس ويعطوهم، كأبي سعيد المدائني.
٦- قصد الشهرة: وذلك بإيراد الأحاديث الغريبة التي لا توجد عند أحد من شيوخ الحديث، فيقلبون سند الحديث
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١، ص٢٨٤.
[ ١١٤ ]
ليستغرب، فيرغب في سماعه منهم، كابن أبي دحية وحماد النصيبي١.
٧- مذاهب الكرامية في وضع الحديث:
زعمت فرقة من المبتدعة، سموا بالكرامية، جواز وضع الأحاديث في باب الترغيب والترهيب فقط، واستدلوا على ذلك بما روي في بعض طرق حديث: "من كذب علي متعمدا" من زيادة جملة: "ليضل الناس"؛ ولكن هذه الزيادة لم تثبت عند حفاظ الحديث.
وقال بعضهم: "نحن نكذب له، لا عليه" وهذا الاستدلال في غاية السخف؛ فإن النبي ﷺ لا يحتاج شرعه إلى كذابين ليروجوه.
وهذا الزعم خلاف إجماع المسلمين، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني، فجزم بتكفير واضع الحديث.
٨- خطأ بعض المفسرين في ذكر بعض الأحاديث الموضوعة في تفاسيرهم:
لقد أخطأ بعض المفسرين في ذكرهم أحاديث موضوعة في تفاسيرهم من غير بيان وضعها. لا سيما الحديث المروي عن أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، ومن هؤلاء المفسرين:
أ- الثعلبي.
ب- الواحدي.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج١، ص٢٨٦.
[ ١١٥ ]
ج- الزمخشري.
د- البيضاوي.
هـ- الشوكاني.
٩- أشهر المصنفات فيه:
أ- كتاب الموضوعات: لابن الجوزي، وهو من أقدم ما صنف في هذا الفن، لكنه متساهل في الحكم على الحديث بالوضع، لذا انتقده العلماء وتعقبوه.
ب- اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: للسيوطي، وهو اختصار لكتاب ابن الجوزي، وتعقيب عليه، وزيادات لم يذكرها ابن الجوزي.
ج- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة: لابن عراق الكناني، وهو تلخيص لسابقيه، وهو كتاب حافل مهذب مفيد.
[ ١١٦ ]
المتروك ١:
إذا كان سبب الطعن في الراوي هو التهمة بالكذب -وهو السبب الثاني- سمي حديثه: المتروك.
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول من "الترك" وتسمي العرب البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ "التريكة" أي متروكة، لا فائدة منها٢.
ب- اصطلاحا: هو الحديث الذي في إسناده راوٍ متهم بالكذب٣.
٢- أسباب اتهام الراوي بالكذب:
أسباب اتهام الراوي بالكذب أحد أمرين؛ هما:
أ- ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة٤.
_________________
(١) ١ هذا النوع ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة، ولم يذكره قبله ابن الصلاح، ولا النووي. ٢ انظر القاموس ج٣ ص٣٠٦. ٣ نخبة الفكر، وشرحها نزهة النظر، ص٤٧. ٤ القواعد المعلومة: هي القواعد العامة التي استنبطها العلماء من مجموع نصوص عامة صحيحة، مثل قاعدة "الأصل براءة الذمة".
[ ١١٧ ]
ب- أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه العادي، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي.
٣- مثاله:
حديث عمرو بن شمر الجعفي الكوفي، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار قالا: كان النبي ﷺ يقنت في الفجر، ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة، ويقطع صلاة العصر آخر أيام التشريق.
وقد قال النسائي والدارقطني وغيرهما من عمرو بن شمر: "متروك الحديث"١.
٤- رتبته:
مر بنا أن شر الضعيف الموضوع، ويليه المتروك، ثم المنكر، ثم المعلل، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب. كذا رتبه الحافظ ابن حجر٢.
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال ج٣، ص٢٦٨. ٢ انظر التدريب ج١، ص٢٩٥، والنخبة وشرحها ص٤٦ وما بعدها.
[ ١١٨ ]
المنكَر:
إذا كان سبب الطعن في الراوي فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الفسق -وهو السبب الثالث والرابع والخامس- فحديثه يسمى المنكر.
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول من "الإنكار" ضد الإقرار.
ب- اصطلاحا: عرف علماء الحديث المنكر بتعريفات متعددة، أشهرها: تعريفان، وهما:
١- هو الحديث الذي في إسناده راوٍ فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه.
وهذا التعريف ذكره الحافظ ابن حجر، ونسبه لغيره١، ومشى على هذا التعريف البيقوني في منظومته فقال:
ومنكر الفرد به راوٍ غدا تعديله لا يحمل التفردا
٢- هو ما رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة٢.
وهذا التعريف هو الذي ذكره الحافظ ابن حجر،
_________________
(١) ١ انظر النخبة وشرحها ص٤٧. ٢ انظر النخبة وشرحها ص٣٧.
[ ١١٩ ]
واعتمده، وفيه زيادة على التعريف الأول، وهي: قيد مخالفة الضعيف لما رواه الثقة.
٢- الفرق بينه وبين الشاذ:
أ- أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لما رواه من هو أولى منه.
ب- أن المنكر ما رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة١.
فيعلم من هذا أنهما يشتركان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه مقبول، والمنكر راويه ضعيف.
قال ابن حجر: "وقد غفل من سوى بينهما"٢.
٣- مثاله:
أ- مثال للتعريف الأول: ما رواه النسائي وابن ماجه من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا "كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان"٣.
قال النسائي: "هذا حديث منكر، تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده".
ب- مثال للتعريف الثاني: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق
_________________
(١) ١ المراد بالمقبول هنا ما يشمل راوي الصحيح وراوي الحسن "أي العدل التام الضبط، أو العدل الذي خف ضبطه". ٢ انظر النخبة وشرحها ص٣٧ ويعني بقوله هذا ابن الصلاح، فقد سوى بين الشاذ والمنكر في "علوم الحديث" ص٨٠ إذ قال: "المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ، فإنه بمعناه". ٣ رواه ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب أكل البلح والتمر: ٢/ ١١٠٥، حديث ٣٣٣٠.
[ ١٢٠ ]
حُبيب بن حَبيب الزيات، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام، وقرى الضعيف دخل الجنة".
قال أبو حاتم: "هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف"١.
٤- رتبته:
يتبين من تعريفَي المنكر المذكورين آنفا أن المنكر من أنواع الضعيف جدا؛ لأنه إما راوية ضعيف موصوف بفحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الفسق، وإما راوية ضعيف مخالف في روايته تلك لرواية الثقة، وكلا القسمين فيه ضعف شديد، لذلك مر بنا في بحث "المتروك" أن المنكر يأتي في شدة الضعف بعد مرتبة المتروك.
_________________
(١) ١ التدريب ج١، ص٢٤٠.
[ ١٢١ ]
المعروف ١:
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول، من "عرف".
ب- اصطلاحا: ما رواه الثقة مخالفا لما رواه الضعيف٢.
فهو بهذا المعنى مقابل للمنكر، أو بتعبير أدق، هو مقابل لتعريف المنكر الذي اعتمده الحافظ ابن حجر.
٢- مثاله:
أما مثاله فهو المثال الثاني الذي مر في نوع المنكر، وهو: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة". لكن من طريق الثقات الذين رووه مرقوفا على ابن عباس، أي أنه من كلام ابن عباس، وليس من كلام النبي ﷺ، وهو عكس رواية حبيب الذي رواه مرفوعا؛ لأن ابن أبي حاتم قال -بعد أن ساق حديث حبيب المرفوع: "هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف".
_________________
(١) ١ لم يذكر "المعروف" هنا؛ لأنه من أنواع المردود، وإنما ذكر هنا لمناسبة قسيمه "المنكر"؛ هذا و"المعروف" من أقسام المقبول الذي يحتج به، كما هو معروف. ٢ نخبة الفكر، مع شرحها ص٣٧.
[ ١٢٢ ]
الشاذ والمحفوظ:
١- تعريف الشاذ:
أ- لغة: اسم فاعل، من "شذ" بمعنى "انفرد" فالشاذ، معناه: "المنفرد عن الجمهور".
ب- اصطلاحا: ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه١.
٢- شرح التعريف:
المقبول هو: العدل الذي تم ضبطه، أو العدل الذي خف ضبطه، والذي هو أولى منه: هو الراوي الذي يكون أرجح منه؛ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات.
هذا وقد اختلف العلماء في تعريفه على أقوال متعددة، لكن هذا التعريف هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر، وقال: إنه المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح٢.
٣- أين يقع الشذوذ؟
يقع الشذوذ في السند، كما يقع في المتن أيضا.
أ- مثال الشذوذ في السند:
ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس، "أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ، ولم يدع وارثا إلا مولى هو
_________________
(١) ١ انظر النخبة مع شرحها، ص٣٧. ٢ انظر النخبة مع شرحها، ص٣٧.
[ ١٢٣ ]
أعتقه"١ وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس.
ولذا قال أبو حاتم: "المحفوظ: حديث ابن عيينة" فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك فقد رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه.
ب- مثال الشذوذ في المتن:
ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع عن يمينه"٢ قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا؛ فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﷺ. لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ.
٤- المحفوظ:
هذا ويقابل الشاذ "المحفوظ" وهو: ما رواه الأوثق مخالفا لرواية الثقة.
ومثاله: هو المثالان المذكوران في نوع الشاذ. لكن من طريق الأوثق.
٥- حكم الشاذ والمحفوظ: من المعلوم أن الشاذ حديث مردود، أما المحفوظ فهو حديث مقبول.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود، كتاب الفرائض، حديث ٢٩٠٥، بمعناه. ٢ رواه أبو داود، كتاب الصلاة، حديث ١٢٦١، بمعناه، ورواه الترمذي، كتاب الصلاة، حديث ٤٢٠ بلفظه.
[ ١٢٤ ]
المعلَّلُ:
إذا كان سبب الطعن في الراوي هو "الوهم" فحديثه يسمى المعلل، وهو السبب السادس.
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "أعله" بكذا فهو "معل" وهو القياس الصرفي المشهور، وهو اللغة الفصيحة، لكن التعبير بـ"المعلل" من أهل الحديث جاء على غير المشهور في اللغة١ ومن المحدثين من عبر عنه بـ"المعلول" وهو ضعيف مرذول عند أهل العربية واللغة٢.
ب- اصطلاحا: هو الحديث الذي اطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها٣.
٢- تعريف العلة:
هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث٤.
فيؤخذ من تعريف العلة هذا أن العلة عند علماء الحديث لا بد أن يتحقق فيها شرطان، وهما:
_________________
(١) ١ لأن المعلل اسم مفعول من "علله" بمعنى ألهاه، ومنه تعليل الأم ولدها. ٢ لأن اسم المفعول من الرباعي لا يكون على وزن مفعول، وانظر علوم الحديث ص٨١. ٣ علوم الحديث، ص٩٠. ٤ علوم الحديث، ص٩٠.
[ ١٢٥ ]
أ- الغموض والخفاء.
ب- القدح في صحة الحديث.
فإن اختل واحد منهما -كأن تكون العلة ظاهرة، أو غير قادحة- فلا تسمى عندئذ علة اصطلاحا.
٣- قد تطلق العلة على غير معناها الاصطلاحي:
إن ما ذكرته من تعريف العلة في الفقرة السابقة هو المراد بالعلة في اصطلاح المحدثين، لكن قد يطلقون العلة أحيانا على أي طعن موجه للحديث، وإن لم يكن هذا الطعن خفيا، أو قادحا.
أ- فمن النوع الأول: التعليل بكذب الراوي، أو غفلته، أو سوء حفظه، أو نحو ذلك. حتى لقد سمى الترمذي النسخ علة.
ب- ومن النوع الثاني: التعليل بمخالفة لا تقدح في صحة الحديث، كإرسال ما وصله الثقة، وبناء على ذلك فقد قال بعضهم: من حديث الصحيح ما هو صحيح معلل.
٤- جلالته، ودقته، ومن يتمكن منه:
معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث، وأدقها؛ لأنه يحتاج إلى كشف العلل الغامضة الخفية التي لا تظهر إلا للجهابذة في علوم الحديث. وإنما يتمكن منه ويقوى على معرفته أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يخض غماره إلا القليل
[ ١٢٦ ]
من الأئمة، كابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، والدارقطني.
٥- إلى أي إسناد يتطرق التعليل؟
يتطرق التعليل إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرا؛ لأن الحديث الضعيف لا يحتاج إلى البحث عن علله؛ إذ إنه مردود لا يعمل به.
٦- بِمَ يستعان على إدراك العلة؟
يستعان على إدراك العلة بأمور، منها:
أ- تفرد الراوي.
ب- مخالفة غيره له.
جـ- قرائن أخرى تنضم إلى ما تقدم في الفقرتين "أ، ب" هذه الأمور تنبه العارف بهذا الفن إلى وهم وقع من راوي الحديث، إما بكشف إرسال في حديث رواه موصولا، وإما بكشف وقف في حديث رواه مرفوعا، وإما بكشف إدخاله حديثا في حديث، أو غير ذلك من الأوهام، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم بعدم صحة الحديث.
٧- ما هو الطريق إلى معرفة المعلَّل؟
الطريق إلى معرفته هو جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة.
[ ١٢٧ ]
٨- أين تقع العلة؟
أ- تقع العلة في الإسناد -وهو الأكثر- كالتعليل بالوقف، والإرسال.
ب- وتقع في المتن -وهو الأقل- مثل حديث نفي قراءة البسملة في الصلاة.
٩- هل العلة في الإسناد تقدح في المتن؟
أ- قد تقدح في المتن مع قدحها في الإسناد، وذلك مثل التعليل بالإرسال.
ب- وقد تقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن صحيحا، مثل حديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: "البيعان بالخيار"، فقد وهم يعلى على سفيان الثوري في قوله: "عمرو بن دينار"؛ إنما هو عبد الله بن دينار، فهذا المتن صحيح، وإن كان في الإسناد علة الغلط؛ لأن كلا من عمرو وعبد الله بن دينار ثقة. فإبدال ثقة بثقة لا يضر صحة المتن، وإن كان سياق الإسناد خطأ.
١٠- أشهر المصنفات فيه:
أ- كتاب العلل، لابن المديني.
ب- علل الحديث، لابن أبي حاتم.
جـ- العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل.
[ ١٢٨ ]
د- العلل الكبير، والعلل الصغير، للترمذي.
هـ- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، وهو أجمعها، وأوسعها.
المخالفة للثقات:
إذا كان سبب الطعن في الراوي مخالفته للثقات -وهو السبب السابع- فينتج عن مخالفته للثقات خمسة أنواع من علوم الحديث، وهي: "المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الأسانيد، والمضطرب، والمصحَّف".
١- فإن كانت المخالفة بتغيير سياق الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع، فيسمى "المدرج".
٢- وإن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير، فيسمى "المقلوب".
٣- وإن كانت المخالفة بزيادة راوٍ، فيسمى "المزيد في متصل الأسانيد".
٤- وإن كانت المخالفة بإبدال راوٍ براوٍ، أو بحصول التدافع في المتن ولا مرجح، فيسمى "المضطرب".
٥- وإن كانت المخالفة بتغيير اللفظ، مع بقاء السياق، فيسمى "المصحف"١.
وإليك تفصيل البحث فيها على التوالي.
_________________
(١) ١ انظر النخبة وشرحها ص٤٨-٤٩.
[ ١٢٩ ]
١- المدرج:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول من "أدرجت" الشيء في الشيء: إذا أدخلته فيه، وضمنته إياه.
ب- اصطلاحا: ما غُيِّرَ سياق إسناده، أو أُدخِلَ في متنه ما ليس منه بلا فصل١.
٢- أقسامه:
المدرَج قسمان: مدرَج الإسناد، ومدرَج المتن.
أ- مدرَج الإسناد:
١- تعريفه: هو ما غُيِّر سياق إسناده.
٢- من صوره: أن يسوق الراوي الإسناد، فيعرض له عارض، فيقول كلاما من قبل نفسه، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك فيتغير سياق الإسناد.
٣- مثاله:
قصة ثابت بن موسى الزاهد في روايته: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"٢ وأصل القصة أن ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي وهو يملي ويقول:
_________________
(١) ١ انظر النخبة مع شرحها، ص٤٨. ٢ أخرجه ابن ماجه، باب قيام الليل ج١، ص٤٢٢ رقم الحديث/ ١٣٣٣.
[ ١٣٠ ]
"حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "، وسكت ليكتب المستملي١، فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقصد بذلك ثابتا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به كذلك.
ب- مُدرَج المتن:
١- تعريفه: ما أدخل في متنه ما ليس منه بلا فصل.
٢- أقسامه: ثلاثة، وهي:
أ- أن يكون الإدراج في أول الحديث، وهو قليل، لكنه أكثر من وقوعه في وسطه.
ب- أن يكون الإدراج في وسط الحديث، وهو أقل من الأول.
ح- أن يكون الإدراج في آخر الحديث، وهو الغالب٢.
٣- أمثلة له:
أ- مثال لوقوع الإدراج في أول الحديث: وسببه أن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم السامع أن الكل حديث، مثل: "ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة -فرقهما- عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
_________________
(١) ١ المستملي هو الذي يبلغ صوت المحدث إذا كثر الطلاب في المجلس. ٢ تدريب الراوي ج١، ص٢٧٠.
[ ١٣١ ]
ﷺ: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" فقوله: "أسبغوا الوضوء" مدرج من كلام أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: "أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار".
قال الخطيب: "وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم"١.
ب- مثال لوقوع الإدراج في وسط الحديث: حديث عائشة في بدء الوحي: "كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد"٢ فقوله: "وهو التعبد" مدرَج من كلام الزهري.
ج- مثال لوقوع الإدراج في آخر الحديث: حديث أبي هريرة مرفوعا: "للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك" ٣.
فقوله: "والذي نفسي بيده إلخ" من كلام أبي
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ج١، ص٢٧٠. ٢ البخاري، باب بدء الوحي، ١/ ٢٢، حديث ٣. ٣ البخاري، كتاب العتق: ٥/ ١٧٥، حديث ٢٥٤٨ بلفظه.
[ ١٣٢ ]
هريرة؛ لأنه يستحيل أن يصدر ذلك منه ﷺ؛ لأنه لم يمكن أن يتمنى الرق، ولأن أمه لم تكن موجودة حتى يبرها.
٣- دواعي الإدراج:
داوعي الإدراج متعددة، أشهرها ما يلي:
أ- بيان حكم شرعي.
ب- استنباط حكم شرعي من الحديث قبل أن يتم الحديث.
ج- شرح لفظ غريب في الحديث.
٤- كيف يدرك الإدراج؟:
يدرك الإدراج بأمور، منها:
أ- ورود الحديث منفصلا في رواية أخرى.
ب- التنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين.
ج- إقرار الراوي نفسه أنه أدرج هذا الكلام.
د- استحالة كونه ﷺ يقول ذلك.
٥- حكم الإدراج:
الإدراج حرام بإجماع العلماء، من المحدثين، والفقهاء، وغيرهم، ويستثنى من ذلك ما كان لتفسير غريب؛ فإنه غير ممنوع، ولذلك فعله الزهري وغيره من الأئمة.
[ ١٣٣ ]
٦- أشهر المصنفات فيه:
أ- "الفصل للوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي.
ب- "تقريب المنهج بترتيب المدرج" لابن حجر، وهو تلخيص لكتاب الخطيب، وزيادة عليه.
٢- المقلوب:
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم مفعول، من "القلب" وهو: تحويل الشيء عن وجهه١.
ب- اصطلاحا: إبدال لفظ بآخر، في سند الحديث، أو متنه، بتقديم، أو تأخير، ونحوه٢.
٢- أقسامه:
ينقسم المقلوب إلى قسمين رئيسيين، هما:
مقلوب السند، ومقلوب المتن.
أ- مقلوب السند: وهو ما وقع الإبدال في سنده. وله صورتان:
_________________
(١) ١ انظر القاموس ج١، ص١٢٣. ٢ انظر النخبة مع شرحها، ص٤٩، والنكت، للحافظ ابن حجر: ٢/ ٨٦٤ كلاهما بمعناه.
[ ١٣٤ ]
١- أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه؛ كحديث مروي عن "كعب بن مرة" فيرويه الراوي عن "مرة بن كعب".
٢- أن يبدل الراوي شخصا بآخر، بقصد الإغراب: كحديث مشهور عن "سالم" فيجعله الراوي عن "نافع".
وممن كان يفعل ذلك من الرواة "حماد بن عمرو النصيبي" ومثاله: حديث رواه حماد النصيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام". فهذا حديث مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. هكذا أخرجه مسلم في صحيحه.
وهذا النوع من القلب هو الذي يطلق على راويه أنه يسرق الحديث.
ب- مقلوب المتن: وهو ما وقع الإبدال في متنه، وله صورتان أيضا:
١- أن يقدم الراوي ويؤخر في بعض متن الحديث.
ومثاله: حديث أبي هريرة عند مسلم، في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ففيه: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها؛ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق
[ ١٣٥ ]
شماله": فهذا مما انقلب على بعض الرواة، وإنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" ١.
٢- أن يجعل الراوي متن هذا الحديث على إسناد آخر، ويجعل إسناده لمتن آخر، وذلك بقصد الامتحان وغيره.
مثاله: ما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ إذ قلبوا له مائة حديث، وسألوه عنها امتحانا لحفظه، فردها على ما كانت عليه قبل القلب، ولم يخطئ في واحد منها٢.
٢- الأسباب الحاملة على القلب:
تختلف الأسباب التي تحمل بعض الرواة على القلب، وهذه الأسباب هي:
أ- قصد الإغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه، والأخذ عنه.
ب- قصد الامتحان، والتأكد من حفظ المحدِّث، وتمام ضبطه.
ج- الوقوع في الخطأ والغلط من غير قصد.
٤- حكم القلب:
يختلف حكم القلب بحسب السبب الحامل عليه:
أ- فإن كان القلب بقصد الإغراب، فلا شك في أنه لا يجوز،
_________________
(١) ١ رواه مقلوبا مسلم في الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة: ٢/ ٧١٥، حديث ٩١. ٢ انظر تفاصيل القصة في تاريخ بغداد ج٢، ص٢٠.
[ ١٣٦ ]
لأن فيه تغييرا للحديث، وهذا من عمل الوضاعين.
ب- وإن كان بقصد الامتحان، فهو جائز؛ للتثبت من حفظ المحدِّث وأهليته، وهذا بشرط أن يبين الصحيح قبل انفضاض المجلس.
ج- وإن كان عن خطأ وسهو، فلا شك في أن فاعله معذور في خطئه، لكن إذا كثر ذلك منه فإنه يخل بضبطه، ويجعله ضعيفا.
٥- حكم الحديث المقلوب:
أما الحديث المقلوب فهو من أنواع الضعيف المردود، كما هو معلوم؛ وذلك لأنه مخالف لرواية الثقات.
٦- أشهر المصنفات فيه:
أ- كتاب "رافع الارتياب، في المقلوب من الأسماء والألقاب" للخطيب البغدادي، والظاهر من اسم الكتاب أنه خاص بقسم المقلوب الواقع في السند فقط.
[ ١٣٧ ]
٣- المزيد في متصل الأسانيد:
١- تعريفه:
أ- لغة: المزيد: اسم مفعول، من "الزيادة". والمتصل: ضد المنقطع، والأسانيد: جمع إسناد.
ب- اصطلاحا: زيادة راوٍ في أثناء سند ظاهره الاتصال١.
٢- مثاله:
ما روى ابن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بشر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" ٢.
٣- الزيادة في هذا المثال:
الزيادة في هذا المثال في موضعين، الموضع الأول: في لفظ "سفيان" والموضع الثاني: في لفظ "أبا إدريس" وسبب الزيادة في الموضعين هو الوهم.
أ- أما زيادة "سفيان" فوهم ممن دون ابن المبارك؛ لأن عددا من الثقات رووا الحديث عن ابن المبارك، عن
_________________
(١) ١ انظر النخبة مع شرحها، ص٤٩. ٢ رواه مسلم، كتاب الجنائز ج٧، ص٣٨، والترمذي ج٣، ص٣٦٧ كلاهما بزيادة أبي إدريس وحذفها.
[ ١٣٨ ]
عبد الرحمن بن يزيد مباشرة، ولم يذكروا سفيان، ومنهم من صرح فيه بالإخبار.
ب- وأما زيادة "أبا إدريس" فوهم من ابن المبارك؛ لأن عددا من الثقات رووا الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد، فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرح بسماع بسر من واثلة.
٤- شروط رد الزيادة:
يشترط لرد الزيادة وعدِّهَا وَهْمًا ممن زادها شرطان، وهما:
أ- أن يكون من لم يزدها أتقن ممن زادها.
ب- أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة.
فإن اختل الشرطان، أو أحد منهما ترجحت الزيادة وقبلت، وعد الإسناد الخالي من تلك الزيادة منقطعا، لكن انقطاعه خفي، وهو الذي يسمى "المرسل الخفي".
٥- الاعتراضات الواردة على ادعاء وقوع الزيادة:
يعترض على ادعاء وقوع الزيادة باعتراضين، هما:
أ- إن كان الإسناد الخالي عن الزيادة بحرف "عن" في موضع الزيادة، فينبغي أن يجعل منقطعا.
ب- وإن كان مصرحا فيه بالسماع، احتمل أن يكون سمعه من رجل عنه أولا، ثم سمعه منه مباشرة، ويمكن أن يجاب عن ذلك بما يلي:
أ- أما الاعتراض الأول فهو كما قال المعترض.
[ ١٣٩ ]
ب- وأما الاعتراض الثاني، فالاحتمال المذكور فيه ممكن؛ لكن العلماء لا يحكمون على الزيادة بأنها وهم إلا مع قرينة تدل على ذلك.
٦- أشهر المصنفات فيه:
كتاب "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" للخطيب البغدادي.
[ ١٤٠ ]
٤- المضطرب:
١- تعريفه:
أ- لغة: هو اسم فاعل، من "الاضطراب" وهو اختلال الأمر وفساد نظامه، وأصله من اضطراب الموج، إذا كثرت حركته، وضرب بعضه بعضا.
ب- اصطلاحا: ما روي على أوجه مختلفة متساوية في القوة١.
٢- شرح التعريف:
أي هو الحديث الذي يروى على أشكال متعارضة متدافعة، بحيث لا يمكن التوفيق بينها أبدا، وتكون جميع تلك الروايات متساوية في القوة من جميع الوجوه، بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح.
٣- شروط تحقق الاضطراب:
يتبين من النظر في تعريف المضطرب وشرحه أنه لا يسمى الحديث مضطربا إلا إذا تحقق فيه شرطان، وهما:
أ- اختلاف روايات الحديث، بحيث لا يمكن الجمع بينها.
ب-تساوي الروايات في القوة، بحيث لا يمكن ترجيح رواية على أخرى.
_________________
(١) ١ علوم الحديث: ٩٣-٩٤، والتقريب مع التدريب: ١/ ٢٦٢ كلاهما بمعناه.
[ ١٤١ ]
أما إذا ترجحت إحدى الروايات على الأخرى، أو أمكن الجمع بينها بشكل مقبول، فإن صفة الاضطراب تزول عن الحديث، ونعمل بالرواية الراجحة في حالة الترجيح، أو نعمل بجميع الروايات في حالة إمكان الجمع بينها.
٤- أقسامه:
ينقسم المضطرب بحسب موقع الاضطراب فيه إلى قسمين؛ مضطرب السند، ومضطرب المتن، ووقوع الاضطراب في السند أكثر.
أ- مضطرب السند: ومثاله: حديث أبي بكر ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أراك شبت، قال: "شيبتني هود وأخواتها" ١.
قال الدارقطني: "هذا مضطرب؛ فإنه لم يُروَ إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلا، ومنهم من رواه موصولا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، وغير ذلك. ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر٢.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة الواقعة ج٩، ص١٨٤ مع شرح التحفة لكن رواه بلفظ: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات الحديث" وقال عنه: "حسن غريب". ٢ تدريب الراوي: ١/ ٢٦٥.
[ ١٤٢ ]
ب- مضطرب المتن: ومثاله: ما رواه الترمذي عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الزكاة فقال: "إن في المال لَحَقًّا سوى الزكاة" ١ ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: "ليس في المال حق سوى الزكاة" ٢. قال العراقي: "فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل".
٥- ممن يقع الاضطراب؟:
أ- قد يقع الاضطراب من راوٍ واحد، بأن يروي الحديث على أوجه مختلفة.
ب- وقد يقع الاضطراب من جماعة، بأن يروي كل منهم الحديث على وجه يخالف رواية الآخرين.
٦- سبب ضعف المضطرب:
وسبب ضعف المضطرب أن الاضطراب يشعر بعد ضبط رواته.
٧- أشهر المصنفات فيه:
كتاب "المقترب في بيان المضطرب" للحافظ ابن حجر.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، كتاب الزكاة، ٣/ ٤٨، حديث ٦٥٩ بلفظه. ٢ رواه ابن ماجه، كتاب الزكاة، ١/ ٥٧٠، حديث ١٧٨٩ بلفظه.
[ ١٤٣ ]
٥- المصحَّف:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "التصحيف" وهو الخطأ في الصحيفة، ومنه "الصحفي" وهو من يخطئ في قراءة الصحيفة١ فيغير بعض ألفاظها، بسبب خطئه في قراءتها.
ب- اصطلاحا: تغيير الكلمة في الحديث إلى غير ما رواها الثقات، لفظا أو معنى٢.
٢- أهميته ودقته:
هو فن جليل دقيق، وتكمن أهميته في كشف الأخطاء التي وقع فيها بعض الرواة، وإنما ينهض بأعباء هذه المهمة الحذاق من الحفاظ، كالدارقطني.
٣- تقسيماته:
قسم العلماء المصحَّف إلى ثلاثة تقسيمات، كل تقسيم باعتبار، وإليك هذه التقسيمات:
أ- باعتبار موقعه: ينقسم المصحَّف باعتبار موقعه إلى قسمين وهما:
_________________
(١) ١ القاموس ج٣، ص١٦٦. ٢ نخبة الفكر، ص٤٩، توضيح الأفكار، كلاهما بمعناه.
[ ١٤٤ ]
١- تصحيف في الإسناد: ومثاله: حديث شعبة، عن "العوام بن مراجم". صحفه ابن معين، فقال: عن "العوام بن مزاحم".
٢- تصحيف في المتن: ومثاله: حديث زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ احتجر في المسجد " صحفه ابن لهيعة فقال: "احتجم في المسجد ".
ب- باعتبار منشئه: وينقسم باعتبار منشئه إلى قسمين أيضا، وهما:
١- تصحيف بصر: "وهو الأكثر" أي يشتبه الخط على بصر القارئ، إما لرداءة الخط، أو عدم نقطه.
ومثاله: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال " صحفه أبو بكر الصولي فقال: "من صام رمضان وأتبعه شيئا من شوال " فصحف "ستا" إلى "شيئا".
٢- تصحيف السمع: أي تصحيف منشؤه رداءة السمع، أو بُعد السامع، أو نحو ذلك. فتشتبه عليه بعض الكلمات؛ لكونها على وزن صرفي واحد.
ومثاله: حديث مروي عن "عاصم الأحول" صحفه بعضهم فقال: عن "واصل الأحدب".
جـ- باعتبار لفظه أو معناه وينقسم باعتبار لفظه أو معناه إلى قسمين، وهما:
[ ١٤٥ ]
١- تصحيف في اللفظ: "وهو الأكثر" وذلك كالأمثلة السابقة.
٢- تصحيف في المعنى: أي أن يبقي الراوي المصحِّف اللفظ على حاله، لكن يفسره تفسيرا يدل على أنه فهم معناه فهما غير مراد.
ومثاله: قول أبي موسى العنزي: "نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، صلى إلينا رسول الله ﷺ" يريد بذلك حديث "أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة"، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العَنَزَة هنا الحربة تنصب بين يدي المصلى.
٤- تقسيم الحافظ ابن حجر:
هذا وقد قسم الحافظ ابن حجر التصحيف تقسيما آخر، فجعله قسمين، وهما:
أ- المصحَّف: وهو ما كان التغيير فيه بالنسبة إلى نقط الحروف، مع بقاء صورة الخط.
ب- المحرَّف: وهو ما كان التغيير فيه بالنسبة إلى شكل الحروف، مع بقاء صورة الخط.
٥- هل يقدح التصحيف في الراوي؟:
أ- إذا صدر التصحيف من الراوي نادرا، فإنه لا يقدح في ضبطه؛ لأنه لا يسلم من الخطأ والتصحيف القليل أحد.
[ ١٤٦ ]
ب- وإذا كثر ذلك منه، فإنه يقدح في ضبطه، ويدل على خفة ضبطه، وأنه ليس من أهل هذا الشأن.
٦- السبب في وقوع الراوي في التصحيف الكثير:
غالبا ما يكون السبب في وقوع الراوي في التصحيف هو أخذ الحديث من بطون الكتب والصحف، وعدم تلقيه عن الشيوخ والمدرسين، ولذلك حذر الأئمة من أخذ الحديث عمن هذا شأنهم، وقالوا: "لا يؤخذ الحديث من صحفي" أي لا يؤخذ عمن أخذه من الصحف.
٧- أشهر المصنفات فيه:
أ- "التصحيف"، للدارقطني.
ب- "إصلاح خطأ المحدثين"، للخطابي.
ج- "تصحيفات المحدثين"، لأبي أحمد العسكري.
[ ١٤٧ ]
الجهالة بالراوي ١:
١- تعريفها:
أ- لغة: مصدر "جهل" ضد "علم". والجهالة بالراوي تعني عدم معرفته.
ب- اصطلاحًا: عدم معرفة عين الراوي، أو حاله.
٢- أسبابها:
وأسباب الجهالة بالراوي ثلاثة، هي:
أ- كثرة نعوت الراوي: من اسم، أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب، فيشتهر بشيء منها. فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيظن أنه راوٍ آخر، فيحصل الجهل بحاله.
ب- قلة روايته: فلا يكثر الأخذ عنه بسبب قلة روايته، فربما لم يروِ عنه إلا واحد.
جـ- عدم التصريح باسمه؛ لأجل الاختصار ونحوه، ويسمى الراوي غير المصرح باسمه: "المبهم".
٣- أمثلة:
أ- مثال كثرة نعوت الراوي: "محمد بن السائب بن بشر الكلبي".
_________________
(١) ١ وهي السبب الثامن من أسباب الطعن في الراوي.
[ ١٤٩ ]
نسبه بعضهم إلى جده، فقال: "محمد بن بشر" وسماه بعضهم "حماد بن السائب" وكناه بعضهم "أبا النضر"، وكناه بعضهم "أبا سعيد"، وكناه بعضهم "أبا هشام"، فصار يظن أنه جماعة، وهو واحد.
ب- مثال قلة رواية الراوي، وقلة من روى عنه:
"أبو العُشَرَاء الدارمي" من التابعين، لم يرو عنه غير حماد بن سلمة.
ج- مثال عدم التصريح باسمه: قول الراوي: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو نحو ذلك.
٤- تعريف المجهول:
هو من لم تعرف عينه، أو صفته.
ومعنى ذلك أنه الراوي الذي لم تعرف ذاته أو شخصيته، أو عرفت شخصيته، ولكن لم يعرف عن صفته شيء. أي لم يعرف عن عدالته وضبطه شيء.
٥- أنواع المجهول:
يمكن أن يقال: إن أنواع المجهول ثلاثة، وهي:
أ- مجهول العين:
١- تعريفه: هو من ذكر اسمه، ولكن لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد.
[ ١٥٠ ]
٢- حكم روايته: عدم القبول، إلا إذا وُثِّقَ.
٣- كيف يوثق: بأحد أمرين:
أ- إما أن يوثقه غير من روى عنه.
ب- وإما أن يوثقه من روى عنه، بشرط أن يكون من أهل الجرح والتعديل.
٤- هل لحديثه اسم خاص؟ ليس لحديثه اسم خاص، وإنما حديثه من نوع الضعيف.
ب- مجهول الحال: "ويسمى المستور"
١- تعريفه: هو من روى عنه اثنان فأكثر، لكن لم يوثق.
٢- حكم روايته: الرد، على الصحيح الذي قاله الجمهور.
٣- هل لحديثه اسم خاص؟ ليس لحديثه اسم خاص، وإنما حديثه من نوع الضعيف.
جـ- المبهم: ويمكن أن نعد المبهم من أنواع المجهول، وإن كان علماء الحديث قد أطلقوا عليه اسما خاصا، لكن حقيقته تشبه حقيقة المجهول.
١- تعريفه: هو من لم يصرح باسمه في الحديث.
٢- حكم روايته: عدم القبول، حتى يصرح الراوي عنه باسمه، أو يعرف اسمه بوروده من طريق آخر مصرحًا فيه باسمه.
وسبب رد روايته جهالة عينه؛ لأن من أبهم اسمه
[ ١٥١ ]
جهلت عينه، وجهلت عدالته من باب أولى، فلا تقبل روايته.
٣- لو أبهم بلفظ التعديل، فهل تقبل روايته، وذلك مثل أن يقول الراوي عنه: "أخبرني الثقة".
والجواب: أنه لا تقبل روايته أيضا على الأصح؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، غير ثقة عند غيره.
٤- هل لحديثه اسم خاص؟ نعم، لحديثه اسم خاص، هو "المبهم" والحديث المبهم هو الحديث الذي فيه راوٍ لم يصرح باسمه، قال البيقوني في منظومته: "ومبهم ما فيه راوٍ لم يسم".
٦- أشهر المصنفات في أسباب الجهالة:
أ- كثرة نعوت الراوي: صنف فيها الخطيب كتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق".
ب- قلة رواية الراوي: صنف فيها كتب سميت "كتب الوحدان" أي الكتب المشتملة على من لم يروِ عنه إلا واحد، ومن هذه الكتب "الوحدان" للإمام مسلم.
جـ- عدم التصريح باسم الراوي: وصنف فيه كتب "المبهمات" مثل كتاب "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" للخطيب البغدادي. وكتاب "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" لولي الدين العراقي.
[ ١٥٢ ]
البدعة ١:
١- تعريفها:
أ- لغة: هي مصدر، من "بدع" بمعنى "أنشأ" كابتدع، كما في القاموس.
ب- اصطلاحا: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال.
٢- أنواعها:
البدعة نوعان:
أ- بدعة مكفرة: أي يكفر صاحبها بسببها، كأن يعتقد ما يستلزم الكفر. والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، أو من اعتقد عكسه٢.
ب- بدعة مفسقة: أي يفسق صاحبها بسببها، وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا.
٣- حكم رواية المبتدع:
أ- إن كانت بدعته مكفرة: ترد روايته.
ب- وإن كانت بدعته مفسقة: فالصحيح الذي عليه الجمهور أن روايته تقبل بشرطين:
_________________
(١) ١ وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي. ٢ انظر النخبة وشرحها ص٥٢.
[ ١٥٣ ]
١- ألا يكون داعية إلى بدعته.
٢- وألا يروي ما يروج بدعته.
٤- هل لحديث المبتدع اسم خاص؟:
ليس لحديث المبتدع اسم خاص به، وإنما حديثه من نوع المردود، كما عرفت، ولا يقبل إلا بالشروط التي ذكرت آنفا.
[ ١٥٤ ]
سوء الحفظ ١:
١- تعريف سيئ الحفظ:
هو من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه٢.
٢- أنواعه:
سيئ الحفظ نوعان، وهما:
أ- إما أن ينشأ سوء الحفظ معه من أول حياته، ويلازمه في جميع حالاته، ويسمى خبره الشاذ على رأي بعض أهل الحديث.
ب- وأما أن يكون سوء الحفظ طارئا عليه، إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه. فهذا يسمى "المختلط".
٣- حكم روايته:
أ- أما الأول: وهو من نشأ على سوء الحفظ، فروايته مردودة.
ب- وأما الثاني: أي المختلط، فالحكم في روايته التفصيل الآتي:
١- فما حدَّث به قبل الاختلاط، وتميز ذلك: فمقبول.
٢- وما حدَّث به بعد الاختلاط: فمردود.
٣- وما لم يتميز أنه حدث به قبل الاختلاط أو بعده: توقف فيه حتى يتميز.
_________________
(١) ١ وهو السبب العاشر من أسباب الطعن في الراوي، وهو آخرها. ٢ نزهة النظر، ص٥٣.
[ ١٥٥ ]
الفصل الثالث: خبر الأحاد المشترك بين المقبول والمردود:
المبحث الأول: تقسيم الخبر بالنسبة إلى من أسند إليه:
١- الحديث القدسي:
١- تعريفه:
أ- لغة: القدسي: نسبة إلى "القدس" أي الطهر، كما في القاموس١. أي الحديث المنسوب إلى الذات القدسية، وهو الله ﷾.
ب- اصطلاحا: هو ما نقل عن النبي ﷺ، مع إسناده إياه إلى ربه عز وجل٢.
٢- الفرق بينه وبين القرآن:
هناك فروق كثيرة، أشهرها ما يلي:
أ- أن القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى. والحديث القدسي معناه من الله، ولفظه من عند النبي ﷺ.
ب- أن القرآن يتعبد بتلاوته. والحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته.
ج- أن القرآن يشترط في ثبوته التواتر. والحديث القدسي لا يشترط في ثبوته التواتر.
٣- عدد الأحاديث القدسية:
والأحاديث القدسية ليست بكثيرة بالنسبة لعدد الأحاديث النبوية. وعددها حوالي مائتي حديث.
_________________
(١) ١ القاموس ج١، ص٢٤٨. ٢ الرسالة المستطرفة، ص٨١، وقواعد التحديث، ص٦٥.
[ ١٥٨ ]
٤- مثاله:
ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ، فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا " ١.
٥- صِيَغُ روايته:
لراوي الحديث القدسي صيغتان يروي الحديث بأيهما شاء، وهما:
أ- قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿.
ب- أو قال الله تعالى، فيما رواه عنه رسوله ﷺ.
٦- أشهر المصنفات فيه:
"الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية". لعبد الرءوف المناوي. جمع فيه ٢٧٢ حديثا.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب البر والصلة، ٤/ ١٩٩٤، حديث ٥٥ بلفظه.
[ ١٥٩ ]
٢- المرفوع:
١- تعريفه:
أ- لغةً: اسم مفعول من فعل "رفع" ضد "وضع" كأنه سمي بذلك؛ لنسبته إلى صاحب المقام الرفيع، وهو النبي ﷺ.
ب- اصطلاحًا: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو ما أسند إلى النبي ﷺ، وسواء كان هذا المضاف قولا للنبي ﷺ، أو فعلا، أو تقريرا، أو صفة، وسواء كان المضيف هو الصحابي، أو من دونه، متصلًا كان الإسناد، أو منقطعًا، فيدخل في المرفوع الموصول، والمرسل، والمتصل، والمنقطع، هذا هو المشهور في حقيقته، وهناك أقوال أخرى في حقيقته وتعريفه.
٣- أنواعه:
يتبين من التعريف أن أنواع المرفوع أيضا، وهي:
أ- المرفوع القولي.
ب- المرفوع الفعلي.
جـ- المرفوع التقريري.
_________________
(١) ١ علوم الحديث، معرفة المرفوع، ص٤٥ بنحوه.
[ ١٦٠ ]
د- المرفوع الوصفي.
٤- أمثلة:
أ- مثال المرفوع القولي: أن يقول الصحابي أو غيره: "قال رسول الله ﷺ كذا ".
ب- مثال المرفوع الفعلي: أن يقول الصحابي أو غيره: "فعل رسول الله ﷺ كذا ".
جـ- مثال المرفوع التقريري: أن يقول الصحابي أو غيره: "فُعِلَ بحضرة النبي ﷺ كذا" ولا يروي إنكاره لذلك الفعل.
د- مثال المرفوع الوصفي: أن يقول الصحابي أو غيره: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقا".
[ ١٦١ ]
٣- الموقوف:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "الوقف". كان الراوي وقف بالحديث عند الصحابي، ولم يتابع سرد باقي سلسلة الإسناد.
ب- اصطلاحا: هو ما أضيف إلى الصحابي من قول، أو فعل، أو تقرير١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو أسند إلى صحابي، أو جمع من الصحابة؛ سواء كان هذا المنسوب إليهم قولا، أو فعلا، أو تقريرا، وسواء كان السند إليهم متصلا، أو منقطعا.
٣- أمثلة:
أ- مثال الموقوف القولي: قول الراوي، قال علي بن أبي طالب ﵁: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"٢.
ب- مثال الموقوف الفعلي: قول البخاري: "وأَمَّ ابنُ عباس وهو متيمم"٣.
_________________
(١) ١ انظر علوم الحديث، معرفة الموقوف، ص٤٦. ٢ رواه البخاري، كتاب العلم، ١/ ٢٢٥- حديث ٤٩ بلفظه. ٣ رواه البخاري، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم: ١/ ٤٤٦.
[ ١٦٢ ]
جـ- مثال الموقوف التقريري: قول بعض التابعين: "فعلت كذا أمام أحد الصحابة ولم ينكر علي".
٤- استعمال آخر له:
يستعمل اسم الموقوف فيما جاء عن غير الصحابة، لكن مقيدا. فقال مثلا: "هذا حديث وقفه فلان على الزهري، أو على عطاء"١، ونحو ذلك.
٥- اصطلاح فقهاء خراسان:
يسمي فقهاء خراسان:
أ- المرفوع: خبرا.
ب- والموقوف: أثرا.
أما المحدثون فيسمون كل ذلك "أثرا"؛ لأنه مأخوذ من "أثرت الشيء" أي رويته.
٦- فروع تتعلق بالمرفوع حكما:
هناك صور من الموقوف في ألفاظها وشكلها، لكن المدقق في حقيقتها يرى أنها بمعنى الحديث المرفوع، لذا أطلق عليها العلماء اسم "المرفوع حكما" أي أنها من الموقوف لفظا، المرفوع حكما.
_________________
(١) ١ الزهري وعطاء كلاهما من التابعين.
[ ١٦٣ ]
ومن تلك الصور:
أ- أن يقول الصحابي -الذي لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب- قولا لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغة، أو شرح غريب، مثل:
١- الإخبار عن الأمور الماضية؛ كبدء الخلق.
٢- أو الإخبار عن الأمور الآتية؛ كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة.
٣- أو الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص؛ كقوله: من فعل كذا فله من أجر كذا.
ب- أو يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه؛ كصلاة علي ﵁ صلاة الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين.
ج- أو يخبر الصحابي أنهم كانوا يقولون أو يفعلون كذا، أو لا يرون بأسا بكذا.
١- فإن أضافه إلى زمن النبي ﷺ، فالصحيح أنه مرفوع؛ كقول جابر: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ"١.
_________________
(١) ١ البخاري، كتاب النكاح، حديث ٥٢٠٧، ورواه مسلم، كتاب النكاح، حديث ١٣٧.
[ ١٦٤ ]
٢- وإن لم يضفه إلى زمنه فهو موقوف عند الجمهور؛ كقول جابر: "كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا"١.
د- أو يقول الصحابي: "أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا". مثل قول بعض الصحابة: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة"٢. وكقول أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا"٣. وكقول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا"٤.
هـ- أو يقول الراوي في الحديث عند ذكر الصحابي بعض هذه الكلمات الأربع، وهي: "يرفعه، أو يَنْمِيه، أو يبلغ به، أو روايةً" كحديث الأعرج، عن أبي هريرة رواية: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين" ٥.
وأو يفسر الصحابي تفسيرا له تعلق بسبب نزول آية: كقول جابر: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في
_________________
(١) ١ البخاري، كتاب الجهاد، حديث ٢٩٩٣، بلفظه. ٢ البخاري، كتاب الأذان، حديث ٦٠٧، ومسلم، كتاب الصلاة، حديث ٢. ٣ البخاري، كتاب الجنائز، حديث ١٢٧٨، ومسلم، الجنائز، حديث ٣٥. ٤ البخاري، كتاب النكاح، حديث ٥٢١٤. ٥ البخاري، كتاب الجهاد، حديث ٢٩٢٩.
[ ١٦٥ ]
قُبُلِهَا جاء الولدُ أحولَ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية"١.
٧- هل يحتج بالموقوف؟:
الموقوف -كما عرفت- قد يكون صحيحا، أو حسنا، أو ضعيفا، لكن حتى لو ثبت صحته فهل يجب العمل به؟
والجواب عن ذلك أن الأصل في الموقوف عدم وجوب العمل به؛ لأنه أقوال وأفعال لصحابة، لكنها إن ثبتت فإنها تقوي بعض الأحاديث الضعيفة؛ كما مر في المرسل؛ لأن حال الصحابة كان هو العمل بالسنة، وهذا إذا لم يكن له حكم المرفوع، أما إذا كان من الذي له حكم المرفوع فهو حجة يجب العمل به كالمرفوع.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب النكاح، حديث ١١٧ بمعناه.
[ ١٦٦ ]
٤- المقطوع:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "قطع" ضد "وصل".
ب- اصطلاحا: هو ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل١.
٢- شرح التعريف:
أي هو ما نسب أو أسند إلى التابعي، أو تابع التابعي، فمن دونه، من قول، أو فعل. والمقطوع غير المنقطع؛ لأن المقطوع من صفات المتن، والمنقطع من صفات الإسناد، أي أن الحديث المقطوع من كلام التابعي فمن دونه، وقد يكون السند متصلا إلى ذلك التابعي. على حين أن المنقطع يعني أن إسناد ذلك الحديث غير متصل، ولا تعلق له بالمتن.
٣- أمثلة:
أ- مثال المقطوع القولي: قول الحسن البصري في الصلاة خلف المبتدع: "صلِّ وعليه بدعته"٢.
ب- مثال المقطوع الفعلي: قول إبراهيم بن محمد بن المنتشر:
_________________
(١) ١ انظر النخبة، ص٥٩، والتابعي: هو من لقي الصحابي مسلما ومات على الإسلام. وقد مر. ٢ رواه البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع: ٢/ ١٨٨.
[ ١٦٧ ]
"كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته، ويخليهم ودنياهم"١.
٤- حكم الاحتجاج به:
المقطوع لا يحتج به في شيء من الأحكام الشرعية. أي ولو صحت نسبته لقائله؛ لأنه كلام أحد المسلمين أو فعلهم، لكن إن كانت هناك قرينة تدل على رفعه، كقول بعض الرواة -عند ذكر التابعي: "يرفعه" مثلا، فيعد عندئذ له حكم المرفوع المرسل.
٥- إطلاقه على المنقطع:
أطلق بعض المحدثين -كالشافعي والطبراني- لفظ "المقطوع" وأرادوا به "المنقطع" أي الذي لم يتصل إسناده، وهو اصطلاح غير مشهور.
وقد يُعتذر للشافعي بأنه قال ذلك قبل استقرار الاصطلاح، أما الطبراني فإطلاقه ذلك يعد تجوزا في الاصطلاح.
٦- من مظنات الموقوف والمقطوع:
أ- مصنف ابن أبي شيبة.
ب- مصنف عبد الرزاق.
ج- تفاسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر.
_________________
(١) ١ رواه أبو نعيم حلية الأولياء ج٢، ص٩٦.
[ ١٦٨ ]
المبحث الثاني: أنواع أخرى مشتركة بين المقبول والمردود:
١- المسند:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم مفعول، من "أسند" بمعنى أضاف، أو نسب.
ب- اصطلاحا: ما اتصل سنده مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم١.
٢- مثاله:
ما أخرجه البخاري قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" ٢.
فهذا حديث اتصل سنده من أوله إلى منتهاه، وهو مرفوع إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ هذا التعريف هو الذي قطع به الحاكم، وجزم به ابن حجر في النخبة ص٥٩، وهناك تعريفات أخرى للمسند. ٢ رواه البخاري، كتاب الوضوء: ١/ ٢٧٤، حديث ١٧٢ بلفظه.
[ ١٧٠ ]
٢- المتصل:
١- تعريفه:
أ- لغة: اسم فاعل، من "اتصل" ضد "انقطع" ويسمى هذا النوع بـ"الموصول" أيضا.
ب- اصطلاحا: ما اتصل سنده؛ مرفوعا كان أو موقوفا على من كان١.
٢- مثاله:
أ- مثال المتصل المرفوع: "مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: كذا "
ب- مثال المتصل الموقوف: "مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: كذا ".
٣- هل يسمى قول التابعي متصلا؟
قال العراقي: "وأما أقوال التابعي -إذا اتصلت الإسانيد إليهم فلا يسمونها متصلة في حالة الإطلاق؛ أما مع التقييد فجائز وواقع في كلامهم، كقولهم: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. قيل: والنكتة في ذلك أنها تسمى "مقاطيع" فإطلاق المتصل عليها كالوصف لشيء واحد بمتضادين لغة".
_________________
(١) ١ انظر التقريب مع التدريب، نوع المتصل: ١/ ١٨٣.
[ ١٧١ ]
٣- زيادات الثقات:
١- المراد بزيادات الثقات:
الزيادات: جمع زيادة، والثقات: جمع ثقة، والثقة: هو العدل الضابط. والمراد بزيادة الثقة: ما نراه زائدا من الألفاظ في رواية بعض الثقات لحديث ما، عما رواه الثقات الآخرون لذلك الحديث.
٢- أشهر من اعتنى بها:
هذه الزيادات من بعض الثقات في بعض الأحاديث لَفَتَتْ أنظار بعض العلماء، فتتبعوها واعتنوا بجمعها ومعرفتها، وممن اشتهر بذلك هؤلاء الأئمة، وهم:
أ- أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري.
ب- أبو نعيم الجرجاني.
جـ- أبو الوليد حسان بن محمد القرشي.
٣- مكان وقوعها:
تقع الزيادة في المتن، كما تقع في السند.
أ- أما في المتن: فتكون بزيادة كلمة أو جملة.
ب- وأما في الإسناد: فتكون برفع موقوف، أو وصل مرسل.
٤- حكم الزيادة في المتن:
أما الزيادة في المتن فقد اختلف العلماء في حكمها على أقوال:
أ- فمنهم من قبلها مطلقا.
[ ١٧٢ ]
ب- ومنهم من رَدَّهَا مطلقا.
جـ- ومنهم من ردَّ الزيادة من راوي الحديث الذي رواه أولا بغير زيادة، وقبلها من غيره١.
وقد قسم ابن الصلاح الزيادة بحسب قبولها وردها إلى ثلاثة أقسام، وهو تقسيم حسن، وافقه عليه النووي وغيره، وهذا التقسيم هو:
أ- زيادة ليس قبلها منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق، فهذه حكمها القبول؛ لأنها كحديث تفرد برواية جملته ثقة من الثقات.
ب- زيادة منافية لما رواه الثقات أو الأوثق، فهذه حكمها الرد، كما سبق في الشاذ.
جـ- زيادة فيها نوع منافاة لما رواه الثقات أو الأوثق، وتنحصر هذه المنافاة في أمرين:
١- تقييد المطلق.
٢- تخصيص العام.
وهذا التقسيم سكت عن حكمه ابن الصلاح، وقال عنه النووي: "والصحيح قبول هذا الأخير"٢.
_________________
(١) ١ انظر علوم الحديث ص٧٧، والكفاية ص٤٢٤ وما بعدها. ٢ انظر التقريب مع التدريب ج١، ص٢٤٧. هذا ومذهب الشافعي ومالك قبول هذا النوع من الزيادة، ومذهب الحنفية رَدُّهُ.
[ ١٧٣ ]
٥- أمثلة للزيادة في المتن:
أ- مثال الزيادة التي ليس فيها منافاة:
ما رواه مسلم١ من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي زرين وأبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، من زيادة كلمة "فَلْيُرِقْهُ" في حديث ولوغ الكلب، ولم يذكرها سائر الحفاظ من أصحاب الأعمش، وإنما رووه هكذا: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرار"، فتكون هذه الزيادة كخبر تفرد به علي بن مسهر، وهو ثقة، فتقبل تلك الزيادة.
ب- مثال للزيادة المنافية:
زيادة "يوم عرفة" في حديث: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب"؛ فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، والحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما.
ج- مثال للزيادة التي فيها نوع منافاة:
ما رواه مسلم من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: " وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا
_________________
(١) ١ انظر روايات الحديث في صحيح مسلم بشرح النووي ج٣، ص١٨٢ وما بعدها.
[ ١٧٤ ]
طهورا"، فقد تفرد أبو مالك الأشجعي بزيادة "تربتها" ولم يذكرها غيره من الرواة، وإنما رووا الحديث هكذا: "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا" ١.
٦- حكم الزيادة في الإسناد:
أما الزيادة في الإسناد، فتنصب هنا على مسألتين رئيسيتين يكثر وقوعهما، وهما: تعارض الوصل من الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، أما باقي صور الزيادة في الإسناد فقد أفرد العلماء لها أبحاثا خاصة، مثل "المزيد في متصل الأسانيد".
هذا وقد اختلف العلماء في قبول الزيادة، وردها على أربعة أقوال، وهي:
أ- الحكم لمن وصله أو رفعه "أي قبول الزيادة" وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين٢.
ب- الحكم لمن أرسله أو وقفه "أي رد الزيادة"، وهو قول أكثر أصحاب الحديث.
ج- الحكم للأكثر: وهو قول بعض أصحاب الحديث.
د- الحكم للأحفظ: وهو قول بعض أصحاب الحديث.
ومثاله: حديث: "لا نكاح إلا بولي"، فقد رواه يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق
_________________
(١) ١ المصدر السابق ج٥، ص٤ وما بعدها. ٢ قال الخطيب: "هذا القول الصحيح عندنا". الكفاية ص٤١١.
[ ١٧٥ ]
مسندا متصلا، ورواه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق مرسلا١.
_________________
(١) ١ انظر المثال واختلاف الرواة في إرساله ووصله في الكفاية ص٤٠٩، وما بعدها.
[ ١٧٦ ]
٤- الاعتبار والمتابع والشاهد:
١- تعريف كل منها:
أ- الاعتبار:
١- لغة: مصدر "اعتبر" ومعنى الاعتبار: النظر في الأمور؛ ليعرف بها شيء آخر من جنسها.
٢- اصطلاحا: هو تتبع طرق حديث انفرد بروايته راوٍ واحد؛ ليعرف هل شاركه في روايته غيره أم لا.
ب- المتابع: ويسمى التابع:
١- لغة: هو اسم فاعل من "تابع" بمعنى وافق.
٢- اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفطا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاتحاد في الصحابي.
ج- الشاهد:
١- لغة: اسم فاعل من "الشهادة"؛ وسمي بذلك لأنه
[ ١٧٦ ]
يشهد أن للحديث الفرد أصلا، ويقويه، كما يقوي الشاهد قول المدعي، ويدعمه.
٢- اصطلاحا: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي.
٢- الاعتبار ليس قسيما للتابع والشاهد:
ربما يتوهم شخص أن الاعتبار قسيم للتابع والشاهد، لكن الأمر ليس كذلك، وإنما الاعتبار هو هيئة التوصل إليهما، أي هو طريقة البحث والتفتيش عن التابع والشاهد.
٣- اصطلاح آخر للتابع والشاهد:
ما ذكر من تعريف التابع والشاهد هو الذي عليه الأكثر، وهو المشهور، لكن هناك تعريف آخر لهما وهو:
أ- التابع: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد باللفظ، سواء اتَّحَدَ الصحابي أو اختلف.
ب- الشاهد: أن تحصل المشاركة لرواة الحديث الفرد بالمعنى، سواء اتَّحَدَ الصحابي أو اختلف. هذا وقد يطلق اسم أحدهما على الآخر، فيطلق اسم التابع على الشاهد، كما يطلق اسم الشاهد على التابع، والأمر سهل كما قال
[ ١٧٧ ]
الحافظ ابن حجر١؛ لأن الهدف منهما واحد، وهو تقوية الحديث بالعثور على رواية أخرى للحديث.
٤- المتابعة:
أ- تعريفها:
١- لغة: المتابعة لغة: مصدر "تابع" بمعنى "وافق" فالمتابعة إذن: الموافقة.
٢- اصطلاحا: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث.
ب- أنواعها: والمتابعة نوعان.
١- متابعة تامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي من أول الإسناد.
٢- متابعة قاصرة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي في أثناء الإسناد.
٥- أمثلة:
سأذكر مثالا واحد مثل به الحافظ ابن حجر٢، فيه المتابعة التامة، والمتابعة القاصرة، والشاهد، وهو:
ما رواه الشافعي في الأم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار،
_________________
(١) ١ في شرح النخبة ص٣٨. ٢ في شرح النخبة ص٣٧.
[ ١٧٨ ]
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
فهذا الحديث بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد، وبلفظ: "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" لكن بعد الاعتبار وجدنا للشافعي: متابعة تامة، ومتابعة قاصرة، وشاهدًا.
أ- أما المتابعة التامة: فما رواه البخاري عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، بالإسناد نفسه، وفيه: "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
ب- وأما المتابعة القاصرة: فما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد، عن أبيه محمد بن زيد، عن جده عبد الله بن عمر، بلفظ: "فكمِّلوا ثلاثين".
ج- وأما الشاهد: فما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال، وفيه: "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
[ ١٧٩ ]