فَإِنْ خُولِفَ -أَيْ: الرَّاوي- بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ، أَوْ كثرةِ عدَدٍ، أَو غيرِ ذَلكَ مِن وُجُوهِ التَّرجيحاتِ، فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ، ومُقابِلُهُ -وهو المرجوحُ- يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ.
مثالُ ذلك: ما رَواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَة مِنْ طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ -﵄-: أَنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا مَوْلًى هو أَعتقَهُ الحديثَ.
وَتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ: ابنُ جُريجٍ وغَيرُه.
وَخَالفَهُم حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرَواهُ عَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ، عَن عَوْسَجَةَ، ولم يَذْكُرِ حديث ابنَ عباسٍ.
قال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. اهـ. كلامُهُ.
فَحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُمْ أَكثرُ عددًا منهُ.
وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رَواهُ المقْبولُ مُخالِفًا لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ.
[قوله] (^١): «فإنْ خُولِفَ»:
فيه شِبهُ استخدام، والتقدير: فإن وقعت المخالفةُ برواية راوٍ أرجَحَ مُطْلَقًا لا بقَيْدِ كونِه راوي الصحيح أو الحَسَن، ولا يَخْفى أنَّ هذا كالتفصيل لإجمالٍ ذهنيٍّ يجري هنا مما قبْله لصدقه كما مَرَّ بمخالفته لأرجَحَ، وبمخالفته لمثله، وبمخالفته لِأَدْوَنَ منه، وبعض هذه (هـ/٩٥) الصوَرِ لها لقبٌ يخصُّها، وليس هذا محل بيانه، ثُمَّ إطلاقه المخالفة شاملٌ للزيادة والنقص، سواءٌ كانت في السَّند أو في المَتْن.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال ما كانت في السَّند: ما ذكره الشارح، ومثال ما كانت في مَتْنه: زيادة يوم عرفة في حديث: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ» (^١)؛ فإنَّه من [جميع] (^٢) طُرُقِه بدُونها، وممن جاء بها: موسى بنُ عليِّ بنِ] رَباح] (^٣) عن أبيه عن عُقْبةَ بنِ عامر؛ فحديث موسى شاذٌّ، لكن صحَّحه: ابنُ حِبَّانَ (^٤)، والحاكمُ (^٥) وقال: إنَّه على شرط مُسْلِمٍ، وقال التِّرْمِذيُّ (^٦): إن حديثه حَسَنٌ صحيح، قاله شيخ الإسلام (^٧)؛ ولعله لأنَّها زيادة ثقةٍ غيرُ منافية.
وفي بعض النسخ من الشرح بعد «خُولِف»: أي: الراوي، وكأنَّه لم يقيِّدْه؛ إشارةً لِما قلناه، وفي بعضها إسقاطُه؛ للعلم به.
وقوله: «لِمَزِيدِ ضَبْطٍ إلخ»:
متعلق بـ «أَرْجَحَ».
وفي كتابة: ما ذكره المؤلِّف في تعريف الشَّاذِّ شاملٌ لِمَا إذا كانت المخالَفةُ في السَّنَد أو في المَتْنِ، وقد ذكر الشارح مثالَها في السَّنَد، ومثالُه في المَتْن ما رواه أبو داودَ والتِّرْمِذيُّ من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إذا صَلَّى أحَدٌ رَكعتَيِ الفَجرِ فيضجع على يمينِه» (^٨).
_________________
(١) أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٨٣)، والنسائي في الكبرى (٢٨٤٢).
(٢) في (هـ): [جمع].
(٣) في (هـ): [رماح].
(٤) صحيح ابن حبان (٣٦٠٤).
(٥) المستدرك (١/ ٤٣٤).
(٦) جامع الترمذي (٧٧٣).
(٧) فتح الباقي (١/ ٢٣٣).
(٨) أحمد (٩٣٦٨)، وأبو داود (٢/ ٤٤٤)، والترمذي (٤٢٢)، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (١٤٦٠)، وابن ماجه (١١٩٩).
[ ١ / ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال البَيْهَقيُّ (^١): خالف عبدُ الواحد العَدَدَ الكثير في هذا، فإنَّ النَّاس إنَّما روَوْهُ من فِعل النبيِّ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ.
[قوله] (^٢): «يُقَالُ له: المَحْفُوظُ»:
أي: يُسمَّى في عُرْفهم بذلك، ومِثلُه يجري في قوله: «يُقال له: الشَّاذُّ»؛ فعُلِمَ أنَّ المحفوظ: ما رواه المقبول مخالِفًا لمن دُونه في الحفظ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ والمُنْكَرُ، فإنَّ راويَ كلٍّ منهما غيرُ مقبول، وبمَن دُونه: الشَّاذُّ كما يأتي.
تنبيه:
لا يخفاك أنَّ قوله: «بأَرْجَحَ» صفةُ موصوفٍ محذوف،] أي: راوٍ أَرجَح، وأنَّ قوله: «فالراجح» صفة موصوفٍ محذوف (^٣)، أي: فالمُختَلَفُ فيه الراجح، وأن قوله: «وهو المرجوح» كذلك، أي: فالمختلف في المرجوح، ولم نقدِّرْهُ الحديث الراجحَ والحديث المرجوحَ؛ لِمَا عَرَفْتَ مِن أنَّ المخالَفة تكونُ تارةً في المَتْن، وتارةً في السَّنَد؛ ولذا لم نقدِّره: المرْويَّ الراجح، أو المرويَّ المرجوح.
[قوله] (^٤): «مثال ذلك»:
أي: مثال المُختلَفِ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وقع في السَّنَد. وقد ذكرْنا آنفًا المُختلَفَ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وَقَعَ في المتن.
_________________
(١) السنن الكبرى، للبيهقي (٣/ ٦٤) (٤٨٨٧).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «عن عَمْرو إلخ»:
السَّنَد (^٢) قال (ب) (^٣): «عَمرو بن دينارٍ المكِّيُّ: ثقة ثبتٌ، و«عَوْسَجة» هو المكيُّ مولى ابن عباس وليس بمشهورٍ، و«حماد بن زيد» هو ابن دِرهَمٍ المازريُّ الجَهْضَميُّ، أبو إسماعيلَ البصريُّ (أ/٨٢) ثقة ثبت فقيه، «ابن عُيَيْنَةَ» هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهِلاليُّ، أبو محمد الكوفيُّ ثم المكيُّ، ثقة حافظٌ إمامٌ فقيه حُجَّة، إلَّا أنَّه تغيَّرَ حِفظُه بأَخَرَةٍ، وربما دَلَّس عن ثقات، وكان أثبَتَ الناس في عمرو بن دينار» انتهى.
تنبيه:
حمَّاد -بفتح المهملة وتشديد الميم- ابن زيد بن درهم البصريُّ، كان جده درهمًا من سَبْي سِجِسْتانَ، قال أبو زُرْعةَ: حماد بن زيد بن درهم أثبَتُ من حماد بن سلمة بن دينار (^٤).
وعَكَسَ ذلك عبد الله بن معاوية فقال: فضلُ ابنِ سلَمةَ على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم.
ولم يرو البخاريُّ عن ابن سلمة، وروى عنه الجماعة غيره.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) أي بالسند المذكور في النزهة.
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٨٥٠).
(٤) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ١٣٧)، وينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٢٤٨).
[ ١ / ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «الحَدِيثَ»:
مفعول لفعل محذوف، أي: اقرَأِ الحديثَ، أو كمّل أو نحو ذلك. وجوَّزَ بعضهم في مثله: الرفع على أنَّه مبتدأ حُذف خبرُه، وتتمته: «فدفَعَ النبيُّ -﵊- ميراثَه إليه» (^٢).
تنبيه:
الضمير من قوله: «هو أعتقه» للمولى أو الرجُل.
وفي كتابة: وانظر ما وجهُ الإتيان بالضمير بعد الفعل.
[قوله] (^٣): «وعُرِفَ مِنْ هذا أنَّ الشَّاذَّ: ما رَوَاهُ المَقْبُولُ»:
يَصْدُقُ براوي الصَّحيح وهو: العدل التَّامُّ (هـ/٩٦) الضبْطِ، وبراوي الحَسَنِ وهو: الصَّدوق الذي أُمِنَ أنْ يُخْشى عليه من سوء الحفظ، والذي قَصُر ضبطُه عن درجة راوي الصَّحيح، فإنْ حُمِل الثقة في كلام الشافعيِّ على المقبول تَناوَلَ: العَدْلَ التَّامَّ الضبط، والذي قَصُر ضبطُه، والصدوقَ المذكور، وإن حُمل على التَّامِّ الضبط: أَفهَمَ شذوذَ مخالف لراوي الحَسَن بالأولى، قاله (ج) (^٤).
وقال (هـ) (^٥): «وعُرِفَ إلخ» الذي استفيد منه ترجيحُ الأكثر عددًا، وهذا
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) أحمد (١٩٣٠)، وأبو داود (٢٩٠٥)، والترمذي (٢١٠٦)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧٦)، وابن ماجه (٢٧٤١).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) حاشية الأجهوري (ص ٢٣٠).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ٨٥١).
[ ١ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الحقيقة يستفاد من إطلاق المَتْنِ، ومن قول الشيوخ: «لِمَزِيد (^١) ضَبْطٍ، أو كَثرةِ عددٍ، أو غير ذلك».
وقوله: «مُخَالِفا»:
أي: مخالَفة يَتعذَّر معها الجمع، وَفي المقدمة للشَّارح: يكفي التعذُّر بغير الوجوه المتكلفة جدًّا.
[قوله] (^٢): «لِمَنْ هو أَوْلَى منه»:
يعني سواء كان الأَولى واحدًا أو جماعةً، كانت الأولويةُ بزيادة أَوْثَقِيَّةٍ أو غيرها.
تنبيه:
قال بعضهم في قوله: «قال أبو حاتم: إلخ»: «هذا معارِضٌ لِمَا قدَّمه عن الشافعيِّ؛ لأنَّ النُقصان أضرَّ بحديث حمادٍ هنا، ولم يكن ذلك دليلَ ضبطِه وتحرِّيه خلاف ما فَهِمَه المؤلِّف» انتهى، ونحوه لـ (ق) (^٣).
قُلْتُ: يُحْمَلُ ما قاله الشافعيُّ كما مَرَّ إذا لم يخالِفه الأوثقُ، فإن خالَفه الأوثقُ قُدِّم الأوثقُ؛ لأنَّه أرجح منه ضبطًا، وكذا إذا خالَفه الأكثرُ؛ لأنَّ الكثرة مَظِنَّةُ تمام الضبط دُون الواحد؛ فلم يَضُرَّ ذلك بحديثه هنا من حيث نقصُه، بل لأنَّ غيرَه المخالِفَ له أرجَحُ؛ فلا مُعارَضةَ.
_________________
(١) في (هـ): [لمريد [.
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٦٨).
[ ١ / ٣٩٤ ]