وهَذَا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشَّاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ.
وَإِنْ وَقَعَتِ المُخَالفةُ لهُ معَ الضَّعْفِ، فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ.
مثالُهُ: ما رَوَاهُ ابْنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبِيبٍ -وهو أَخُو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقْرئِ- عن أَبي إِسحاقَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ -﵄-، عن النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاةَ، وحَجَّ البيتَ، وَصَامَ، وقَرَى الضَّيْفَ، دَخَلَ الجنَّةَ».
[قوله] (^١): «وهذا هو المُعْتَمَدُ»:
أي: تعريف الشَّاذِّ بما ذُكِرَ هو المُعتمَدُ، وهو الذي حقَّقَه الشافعيُّ إلَّا أنَّه عبر بدلَ: «مَنْ هو أَوْلَى» بـ «النَّاس»، ففهِمَ بعضُهم أنَّ المراد أجمعيَّة معلِّلَهُ بأنَّ العدد أَوْلَى بالحفظ من الواحد، قال: «ويؤخذ منه أن ما يخالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ، وفي كلام ابن الصلاح، وغيره ما يفهمه» (^٢) انتهى، وعندي أنَّ «ال» في «النَّاس» للجنس والكمال؛ إذ لا يتعذر اجتماعُهما كما قاله بعضهم في (^٣):
يا أشبه الناس كل الناس بالقمر. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه يندفع دعوى التلفيق في التعريف.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (١/ ٢٣٣).
(٣) توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك (٢/ ٩٧٠).
[ ١ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «مع الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ: المَعْرُوفُ، ومُقَابِلُه: المُنْكَرُ»:
مراده بـ «الراجح»: ما ضَعْفُه أقلُّ، فإنَّ كُلًّا من الراجح ومقابله فيه ضَعْفٌ، فقوله: «ومع الضعف» أي: في كلٍّ منهما كما ذَكَرَه الشُّمُنِّيُّ هنا، وذَكَرَه ولده في شرح النَّظم.
وفي كتابة ما نصُّها: «ومع الضَّعف في كلٍّ منهما» أي: من المخالف بأنْ روى مَن فيه ضعفٌ -لكونه مجهولَ الحال أو سيئَ الحفظ مثلًا-: شيئًا خالَفه فيه ضعيفٌ آخَرُ راجحٌ عليه لكونه: أخفَّ ضعفًا؛ سُمِّي ما رواه الراجح: مَعروفًا، والمرجوح: مُنْكَرًا؛ فبَيْنَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ تباينٌ لا عموم من وَجْهٍ كما قاله الشارح. وبعبارة أخرى: والضعف في الجانبين مع رجحان أحدهما، يعني أنَّ الضعيف إذا روى حديثًا وخالَف في إسناده أو مَتْنِه ضعيفًا أرجَحَ منه لكونه: أقلَّ منه وأحسَنَ منه حالًا؛ فما رواه الضعيفُ الراجحُ يُقال له: المعروف، ومقابِلُه وهو ما رواه الضعيف المرجوح يقال له: المُنْكَر، والتمثيل الآتي يُشكِل عليه كما سيأتي، فيخْرُج (أ/٨٢) بقيد الضعف في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشَّاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما راويه مقبول مع الضَّعف.
إنْ قُلْتَ: ما السِّرُّ في تقدير «وَقَعَت» مع إمكان تقديره: وإن خولف مع الضعف؟ قُلْتُ: بيان معنى «خُولِف» الأوَّل كما أشرنا إليه فيما مَرَّ، والإشارة
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى أنَّ قوله: «مع الضعف» معطوف على «ما رجح». فإنْ قُلْتَ: قد أطلق في المخالَفة ولم يقيِّدْها بما لا يمكِن معها الجَمعُ، قُلْتُ: لعَدَمِ تأتِّي ذلك هنا؛ إذ الحُجَّة في الراجح دون المُنْكَرِ من حيث هو كذلك.
تنبيه:
شَمِلَ كلامُه: المخالَفةَ في المَتْن والمخالفةَ في السَّنَد، كُلًّا أو بعضًا فيهما، ومثالُه الذي ذكره إنَّما هو للمخالَفة في السَّنَد، ومثالُ النَّكارة في المَتْن حديثُ: «كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذ أكله غضِب الشيطان وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلق» (^١)، فإنَّ ابن الصَّلاح والنَّسائيَّ وغيرَهما ذَكَروا أنَّه مُنْكَرٌ، تَفَرَّدَ به راويه أبو زُكير، وهو يحيى بن محمد بن قيس البصريُّ، عن هشام (هـ/٩٧) بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، ولكن أَخرَجَ له مُسْلِمٌ في المتابعات، غير أنَّه لم يبلغ رتبةَ مَن يُحتمَلُ تفرُّدُه، ولأن معناه رَكِيكٌ لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأنَّ الشيطان لا يغضب من مجرد حياة ابن آدم، بل من حياته مُسلِمًا مُطيعًا لله] تعالى (^٢).
تتمة:
لا يَخْفى أنَّ هذا التمثيل مبنيٌّ على أنَّ المُنْكرَ بمعنى الشَّاذِّ كالتعميم السابق فتدبَّرْهُ. قُلْتُ: تدبَّرناه فوجدناه يمكن حَمْلُه أيضًا على أنَّ لكلٍّ من الشَّاذِّ والمُنْكَرِ
_________________
(١) النسائي في الكبرى (٦٧٢٤)، وابن ماجه (٣٣٣٠).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِسمين كما نرشدك إليه، لكنَّها ليست طريقَ تحقيق.
[قوله] (^١): «مع الضَّعْفِ»:
أي: لأحد] الراويين] (^٢).
اعلم أنَّ للمُنْكَر فردين؛ أحدهما: ما خالَف فيه المستورُ والضعيفُ الذي يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وثانيهما: ما تفرَّد به الضعيفُ الذي لا يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وقد مَرَّ في الشَّاذِّ أنَّه: ما خالَف فيه الثقةُ مَن هو أوثق منه، أو تفرَّد به قليلُ الضبط؛ فله فردان أيضًا، فظهَرَ أنهم متميزان، وأنَّ كُلًّا منهما قسمان، وأن المقابل للشَّاذِّ: المحفوظ، وللمُنكَرِ: المعروف، وبهذا عُلِم تفسيرُ المحفوظ والمعروف، وقد أهملها العراقيُّ تبَعًا لابن الصَّلاح، واللائق ذِكرُهما كما ذَكَرَ مع المتَّصِل ما يقابله من: المرسَل والمنقطِع والمعضَل.
تنبيه (^٣):
غايَر المؤلِّف بين المُنْكَر والشَّاذِّ، وسوَّى ابنُ الصَّلاح بينهما، كما سوَّى الْبَرْدِيجِيُّ بين المُنْكَرِ والفَرْدِ، وغايَرَ المؤلِّف بينهما، وهو المعتمد، ثم إنَّه لا يَلْزَم من شذوذ السَّنَد شذوذُ المَتْن، كما لا يَلْزَم من نكارته نكارته، مثال ذلك حديث: «لا يَرِثُ المُسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ» (^٤)، فإنَّ جميع أصحاب
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [الروايتين].
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٨٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٥٨٨، ٦٧٦٤)، ومسلم (١٣٥١، ١٦١٤).
[ ١ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزهريِّ رَوَوْه عنه، عن عليِّ بن الحسن، عن عَمرو بن عثمان -بفتح العين-، ورواه مالك عن عُمر -بضمها-، وكلاهما ثقةٌ عَدْلٌ ضابط، وولدٌ [لعثمان] (^١) أيضًا، ومعلوم أنَّ إبدال الثقة بالثقة لا يُوجِب ضَعفًا، قال ابن الصَّلاح (^٢): الحديث شاذٌّ، وردَّه العراقيُّ (^٣) بأنَّ: هذا الحديث ليس بمُنْكَرٍ، ولم يُطْلِقْ عليه أحدٌ اسمَ [النكاره] (^٤) فيما رأيتُ، والمَتْنُ ليس بِمُنْكَرٍ، وغايته أنْ يكون السَّنَد مُنْكَرًا أو شاذًّا بمخالفة الثقات كمالك في ذلك، ولا يَلْزَمُ من شذوذ السَّنَد ونكارتِه وجودُ ذلك الوصف في المَتْن، فقد ذكر ابن الصَّلاح في نوع المُعَلَّل: أنَّ العلة الواقعة في السَّنَد قد تَقْدَحُ في المَتْن وقد لا تَقْدَح، ومَثَّلَ ما لا يَقْدَح بما رواه يَعْلى بن عُبَيد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «البَيِّعانِ بالخِيارِ» (^٥)، قال: «فهذا إسناد معلَّل غير صحيح، والمَتْن على كل حال صحيحٌ»، قال: «والعلة في قوله: عن عَمرو بن دينار، وإنَّما هو عبد الله بن دينار» فحَكم على المَتْن بالصِّحة مع الحُكْمِ بوهْم يَعْلى بن عُبَيد فيه.
تتمة:
عُلِم من كلام المؤلِّف أنَّ الشَّاذَّ: ما خالف الثقةُ الأوثقَ منه، وأنَّ المحفوظ:
_________________
(١) في (ب) و(هـ): [عثمان].
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٨١).
(٣) شرح التبصرة (١/ ٨٨).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) من طريق يعلى أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٤٨).
[ ١ / ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما خالف فيه الأوثقُ الثقةَ، وأنَّ المُنْكَر: ما خالف فيه الأضعفُ الضعيف، وأنَّ المعروف: ما خالف الضعيفُ الأضعف.
[قوله] (^١): «فَالرَّاجِحُ إلخ»:
أي: فالمختلَف فيه الراجح سواءٌ كان متنًا أو سَندًا، وبهذا يسقط دعوى أنَّ المَتْن يُوهِم قَصْرَ النَّكارة على المَتْن. (أ/٨٣)
[قوله] (^٢): «حُبَيِّبِ بنِ حَبيبٍ»:
الثاني كشهيد، والأول] تصغيره] (^٣) مع تشديد المثناة من أسفل.
[قوله] (^٤): «وهو أَخُو حَمْزَةَ»:
قال (ب): «أخو حمزة» ضعَّفه أبو زُرعةَ وابنُ المبارك وغيرُهما، ووثَّقه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، و«أبو إسحاق» هو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، ثقة مُكْثِرٌ عابد، اختلط] بأَخَرةٍ] (^٥)، و«العَيْزار» بفتح العين المهملة، بعدها مثناة من أسفل ساكنة، بعدها زاي مفتوحة، بعدها ألف، آخره راء مهملة، كوفيٌّ ثقة، وهو في الأصل: الصُّلب الشديد والغلام الخفيف [الرُّوح] (^٦)، و«حُريث» تصغير] حرث] (^٧) بمهملة فَرَاء فتحتية فمثلثة الزبير (^٨).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب) و(هـ): [كتصغيره].
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (ب) و(هـ): [بأخوة].
(٦) زيادة من (ب).
(٧) في (هـ): [حريث].
(٨) راجع: شرح نخبة الفكر للقاري (ص ٣٣٩)، وإسبال المطر (ص ٢٤٦).
[ ١ / ٤٠٠ ]