ويَلْتَحِقُ بهذا التَّفاضُلِ ما اتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخريجِهِ بالنِّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُما، وما انْفَرَدَ بهِ البُخاريُّ بالنِّسبةِ إلى ما انْفَرَدَ بهِ مُسْلمٌ؛ لاتِّفاقِ العُلماءِ بَعْدَهُما على تَلقِّي كِتابَيْهِما بالقَبولِ، واختِلافِ بعضِهِم على أَيِّهِما أَرْجَحُ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هذهِ الحيثيَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ.
وقد صَرَّحَ الجمهورُ بتقديمِ «صَحِيحِ البُخاريِّ» في الصِّحَّةِ، ولم يوجَدْ عنْ أحدٍ التَّصريحُ بنقيضِهِ.
قوله: «[ويَلْتَحِقُ] (^١) إلخ»:
ظاهره أنه دون ما قيل فيه: «أنَّه أصحُّ الأسانيد»، وهو يخالف ما مَرَّ وما يأتي، ثُمَّ إنَّه يكون أعلى من [الرُّتبة] (^٢) الثانية والثالثة، لا أنَّه دونهما كما يوهمه عبارته؛ لأنَّه قد تقرَّر أنَّه لم يذهب أحدٌ إلى علو غيره إلا ما قيل: إنَّه أصح الأسانيد.
وقال (هـ) (^٣): «ويَلْتِحِقُ إلخ» هو كالتوطئة والتمهيد لقوله الآتي (^٤): «ومِنْ ثَمَّةَ قُدِّم صحيحُ البخاريِّ إلخ»، ثُمَّ يُحْتمل أنَّ المراد بـ «التفاضل»: التفاوتُ، ويُحْتمل أنَّ المراد به: ما يُستفاد من إطلاق كلٍّ من الخائضينَ في أصح الأسانيد] بأنَّ] (^٥) ترجمة كذا أصَحُّ، ويُحْتمل أنَّ المراد به: التفضيلُ بمعنى الترجيح، ولا يخفى أنَّ معنى الالتحاق: أنَّ ما اتَّفَقا عليه وكان من المرتبة
_________________
(١) في (هـ): [يلحق [.
(٢) في (هـ): [المرتبة [.
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٧٠١).
(٤) في (ب) زيادة [لم قدم].
(٥) في (ب) و(هـ): [فإن [.
[ ١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأولى كان مقدَّمًا على ما اتفقا عليه وكان من المرتبة الثانية، وكذا ما انفرد به أحدُهما وكان من حديث أهل المرتبة الأولى على ما انفرد به الآخر وكان من حديث أهل المرتبة الثانية، وهلُمَّ جَرًّا؛ دفعًا للتعارض، ولكن يُشكِل على إطلاقهم: أنَّ ما انفرد به البخاريُّ مقدَّمٌ، وأجيبَ بما يأتي من أنَّه: يَعْرِضُ للمَفُوق ما يُصيِّرُه فائقًا.
[قوله] (^١): «ما اتَّفَقَ الشَّيخان إلخ»:
يُقَيَّد بغير ما انتقده النَّاس عليهما، وذلك اثنان وثلاثون حديثًا، كما يُقَيَّدُ: «ما انفرَد به البخاريُّ» بغير ما انتقده الناس عليه، وذلك ثمانية وسبعون حديثًا، و«ما انفرَد به مُسلِمٌ» يُقدَّم على الظاهر على] ما] (^٢) عند غيرهما سوى ما انتقدَه النَّاس، وذلك مئة حديث. وخَرَج بقوله: «على تخريجه» أي: سندًا متصلًا مرفوعًا ما لم يخرجاه كذلك من التعاليق والتراجم، وأقوال الصحابة والمفسرين، مما هو في البخاريِّ كثيرٌ، وفي مُسْلِم قليلٌ، وهذا هو (هـ/٧٤) المُسمَّى بـ: «المُتَّفَق عليه» أي: بين الصحيحين لا الأمَّة، وإنْ لَزِم اتفاقُها عليه؛ لتلقِّيها لكتابيهما بالقَبول (^٣).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (ب) و(هـ): [مما [.
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٧٠٣).
[ ١ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «مِنْ هذه الحَيْثِيَّةِ»:
أي: ومن حيث تلقِّي كتابيهما بالقَبول، وقد يَعْرِضُ عارِضٌ يَجْعَل المَفُوق فائقًا، قاله المؤلِّف، كما قاله (ق) (^٢)، قلتُ: فيكون من حَيثيَّةٍ أخرى وهو المفهوم من «الحَيثيَّة». وقوله: قال المؤلف، أي: قال: «وقد يَعرِض إلخ».
[قوله] (^٣): «فيُقَدَّم صحيحُ البُخاريِّ»:
حَذَف المعمول؛ ليُؤْذِن بالعموم، أي: على كلِّ ما سِواه حتى الموطأ، ويُحْمَل قولُ الشافعيِّ: «ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أصحُّ من كِتاب مالكٍ» (^٤) على أنَّه قاله قبل وجُودهما؛ لإدخاله فيه: البلاغات، والمراسيل، وغيرها.
[قوله] (^٥): «بنَقِيضِه»:
أي: لم يُصرِّح أحدٌ بتقديم غيره عليه في الصحة.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٥٢).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) تذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٨) «وقال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك». ينظر: شرح التبصرة والتذكرة، للعراقي (١/ ١١٥)، النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٧٩).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٠٨ ]
وأَمَّا ما نُقِلَ عَن أبي عليٍّ النَّيْسابوريِّ أَنَّهُ قَالَ: «ما تَحتَ أَديمِ السَّماءِ أَصحُّ مِن كِتَابِ مُسْلمٍ»، فلمْ يُصَرِّحْ بكونِهِ أَصحَّ مِن «صحيحِ البُخاريِّ»؛ لأَنَّهُ إِنَّما نَفَى وُجودَ كِتَابٍ أَصحَّ مِن كتابِ مسلمٍ؛ إِذ المَنْفِيُّ إِنَّما هُو ما تَقْتَضيهِ صيغَةُ «أَفْعَلَ» من زِيادَةِ صِحَّةٍ في كتابٍ شارَكَ كتابَ مُسْلمٍ في الصِّحَّةِ، يَمْتازُ بتلكَ الزِّيادَةِ عليه، ولم يَنْفِ المُساواةَ.
وَكَذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ المَغارِبَةِ أَنَّهُ فَضَّلَ «صَحيحَ مُسْلمٍ» على «صحيحِ البُخاريِّ»، فَذَلكَ فيما يرجِعُ إِلى حُسْنِ السِّياقِ، وجَوْدَةِ الوَضْعِ والتَّرتِيبِ.
ولم يُفْصِحْ أَحدٌ منهُم بأَنَّ ذَلكَ راجِعٌ إِلى الأَصحِّيَّةِ، ولو أَفْصَحوا به لَردَّهُ عَليهِمْ شاهِدُ الوُجودِ.
[قوله] (^١): «أَدِيم السَّماءِ»:
الأديم: الجلد المدبوغ، والمراد هنا: جِرمُ السماء المُشْبِهُ لأديم الحيوان.
قوله: (أ/٦٣) «فلم يُصَرِّحْ»:
أي: لغةً، وإلَّا فتلك الصيغة مفيدة للتفضيل عُرْفًا؛ لأنَّ عُرْف زمانهم كان موافقًا للغة.
[قوله] (^٢): «لأَنَّهُ إِنَّما نَفَى إلخ»:
هذا مبنيٌّ على أنَّ النَّفي إذا دخل على كلام مُقَيَّدٍ بقَيْدٍ تَوَجَّه إلى ذلك القَيْد، وهو [غير] (^٣) مُتعَين عندهم عند الإطلاق، بل يجوز رجوعُه للمُقيَّد أيضًا، كما يجوز
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب) و(هـ): [على [.
[ ١ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رجوعه لها جميعًا، وإنَّما النِّزاع في أكثر ما يأتي في الاستعمال عند الإطلاق، غير أنَّ الشَّارح لَمَّا كان في مقام المَنع لم يَضُرَّه هذا؛ لأنَّ مراده حاصلٌ معه إلخ.
[قوله] (^١): «] مِن] (^٢)»:
زيادة بيانٌ لـ «ما» من: «ما يَقْتَضيه». وقوله: «يَمْتاز» أي: الكتاب المُشارِك.
[قوله] (^٣): «بعضِ المَغارِبَةِ»:
نقل أبو مَرْوانَ الطُّبْنيُّ -بضم المهملة و] سكون] (^٤) الموحدة ثُمَّ نون- (^٥) أنَّ بعض مشايخه كان يُفضِّل صحيح مُسلِم، وقصد المؤلِّف بعَزْوه لبعض المغاربة الرَّدَّ على مَن عَزاه لابن حزم (^٦).
[قوله] (^٧): «فذلك إلخ»:
تسليمٌ للناقل، وكان اللائقُ أنْ يَمْنع أولًا النَّقل حتي يَثبُت بنصٍّ صريحٍ بطريقٍ صحيح؛ فيقول: لا نُسلِّم أنَّه فَضَّله عليه، ويُمكن أنْ تكون عبارتُه تُوهِم التفضيل، ففَهِم منها النَّاقلُ عنه ذلك؛ فجَزَم به بحَسَب فَهمِه ونقَلَه عنه.
[قوله] (^٨): «شاهِدُ الوُجودِ»:
أي: الوجود الشاهد بأرجحيَّةِ البخاريِّ في الصِّحة على مُسْلِم.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [مع [.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب) و(هـ): [إسكان [.
(٥) عبد الملك بن زيادة الله الطبني (٤٥٧ هـ). ينظر: نفح الطيب (٢/ ٢٥٢).
(٦) أفاد في قضاء الوطر (٢/ ٦٨٨)، أن ابن قطلوبغا هو الذي نقله عن الحافظ.
(٧) زيادة من: (أ) و(ب).
(٨) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣١٠ ]
فَالصِّفاتُ الَّتي تَدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتابِ البُخاريِّ أَتمُّ منها في كتابِ مسلمٍ وأَشَدُّ، وشرطُهُ فيها أَقوى وأَسَدُّ.
أَمَّا رُجْحَانُهُ مِن حيثُ الاتِّصالُ؛ فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ رَوَى عنهُ ولَو مَرَّةً، واكْتَفى مُسْلِمٌ بمُطْلَقِ المُعاصَرَةِ، وأَلْزَمَ البُخاريَّ بأَنَّهُ يحتاجُ إِلى أَلَّا يقْبَلَ العَنْعَنَةَ أَصلًا!
[قوله] (^١): «فالصِّفاتُ»:
مبتدأ، خبره: «أتَمُّ».
وقوله: «في كِتابِ البُخاريِّ»:
حال من الضمير في: «أتَم»، إنْ لم يُجعل حالًا من المبتدأ على رأي سيبويه.
وقوله: «في كِتابِ مُسْلِمٍ»:
حال من ذلك الضمير أيضًا، وعلى هذا فالصفات مُفضِّلةٌ ومُفضَّلٌ عليها باعتبارين.
[قوله] (^٢): «] التي] (^٣) [تدور] (^٤) [عليه] (^٥) الصحة»:
هي التي تُوجَد الصِّحة حيثُ وُجِدَت، وتنتفي حيثُ انتفت.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): [الذي [.
(٤) في (هـ): [يرووا [.
(٥) في (هـ): [عليها [.
[ ١ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «] وأَشَدُّ] (^٢)»:
أي: أقوى تمكُّنًا في موصوفتها، وهو عطف على «أتَم».
وقوله: «وشَرْطُهُ فيها أَقوى وأَسَدُّ»:
من السَّداد، بمعنى الصواب، ثُمَّ يُحتمل أنَّ العطف من باب عطف الجُمَل، ويُحْتمل أنَّه من باب عطف المفردات، والأوَّلُ أَولى؛ لئلا يَلزَمَ العطفُ على معموليْ عاملين مختلفين.
وفي كتابة: «أَشَدُّ» [بإعجام] (^٣) [السين] (^٤) «وَأَسَدُّ» التي بعد «أقوى» بإهمال السين، ولو قُرئ بالعكس لكان حسنًا؛ إذ يكون المعنى أتَمَّ وأبْعَدَ عن الخَلَل، ويكون «أَشَدُّ» معطوفًا على «أقوى» عطف تفسيرٍ.
[قوله] (^٥): «أمَّا رُجحانُهُ»:
أي: أمَّا بيان رجحان صحيح البخاري.
وقوله: «فلاشْتِراطِهِ»:
أي: البخاريِّ نفْسِه؛ ففي الكلام شِبْهُ استخدام.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [اشتد [.
(٣) في (ب) و(هـ): [إعمام [.
(٤) في (ب) و(هـ): [التبين [.
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ رَوَى عنهُ»:
مراده باللقاء: السَّمَاعُ؛ فإنَّه كناية عنه، ثُمَّ المراد: أنْ يَسمَعَ ولو [مرةً] (^٢) لذلك الحديث التنازع فيه أو لغيره؛ فيكون في كلِّ ما يرويه عنه محمولًا على سماعه منه، وإلا لكان مُدلِّسًا بعدم ذكره الواسطة، والفَرْض أنَّه لم (هـ/٧٥) يُعْرَف بالتدليس (^٣).
[قوله] (^٤): «] بِمُطْلَق] (^٥) إلخ»:
أي: فهو عنده محمول على الاتصال، وإنْ لم يأتِ في خبرٍ قطُّ أنهما اجتمعا أو تشافَها، قال ابن الصَّلاح (^٦): «وفيما قاله نَظَرٌ» أي: لأنَّهم كثيرًا ما يُرسِلون عمن عاصروه ولو لم يلقوه؛ فاشتراط لُقِيِّهِما لتُحْمل العنعنة على السَّمَاع.
[قوله] (^٧): «] أن] (^٨) لا [يَقْبَل] (^٩) العَنْعَنَة»:
هي مصدر: عَنْعَن الحديث؛ إذا رواه بصيغة: عن فلان، وفي الكلام حَذْفٌ،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (أ) زيادة [كان].
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٧١٤).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (هـ): [مطلق].
(٦) معرفة علوم الحديث (ص ٦٦).
(٧) زيادة من: (أ) و(ب).
(٨) في (هـ): [أي].
(٩) في (هـ): [يقبله].
[ ١ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: حديث العنعنة إلخ، وفي بعض النسخ: «المُعَنْعَنَة» أي: الأحاديث المُعنعَنة، أي: المروية بكلمة «عن».
وقال (ب) (^١): أي: «الأحاديث التي رَواها مَن ثبت لقاؤه لشيخٍ عن ذلك الشيخ بصيغة «عَنْ»، وإنَّما يلزمُه عدمُ ثبوتها؛ لاحتمال أنْ يرويَ ذلك الذي أتى بصيغة «عَنْ» عن شيخه الذي ثبت لقاؤه له ما لم يسمعْه منه» انتهى، وهو جيِّد.
وفي كتابة: فإنْ قلتَ: كيف يَقبَلُ مُسلِمٌ العنعنةَ مع أنه يشترط المعاصرة دون اللُّقِيِّ مع احتمال عدم السَّمَاع منه؟ قلت: لَمَّا كان الكلام مفروضًا في غير المدَلِّس انتفى الاحتمال المذكور.
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٧١٥).
[ ١ / ٣١٤ ]
وما أَلْزَمَهُ بهِ ليسَ بلازِمٍ؛ لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقاءُ مَرَّةً، لا يَجْري في رواياتِهِ احْتِمالُ أَلَّا يكونَ قد سَمِعَ منهُ؛ لأنَّهُ يلزمُ مِن جَريانِهِ أَنْ يكونَ مُدَلِّسًا، والمسأَلةُ مَفروضَةٌ في غير المُدَلِّسِ.
[قوله] (^١): «احْتِمالُ أَلَّا يَكونَ قد سَمِعَ منهُ»:
إنْ أراد عقلًا فممنوعٌ، وإن أراد غيره فيجري مثله فيما قاله مُسلِمٌ في اشتراطه المعاصرة دون اللقاء؛ فلا يكون ما اعتبَره البخاريُّ أتمَّ وأقوى مما شَرَطَه مُسلِم، ويُجاب بأنَّ: اللُّقيَّ يَترَجَّحُ معه جانبُ السَّماع [ما لا يَترَجَّحُ] (^٢) مع المعاصَرة.
[قوله] (^٣): «والمسأَلةُ مَفروضَةٌ في غير المُدَلِّسِ»:
أي: لأنَّ غيرَه لا يُطلِق ذلك إلا فيما سَمِعَه، فإذا (أ/٦٤) ثبت التلاقي غَلَبَ على الظَّنِّ الاتصالُ، والباب مبنيٌّ على غلبة الظَّنِّ] فاكتفينا] (^٤) به، وليس هذا المعنى موجودًا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يَثْبُت؛ فإنَّه لا يَغلب على الظَّنِّ الاتصال.
تنبيه:
فاعل «أَلْزَم» في الموضعين: «مُسْلِمٌ»، والباء من: «به» بعد «أَلْزَم» صِلَةٌ، على حَدِّ قول القائل: لا يَقرْن بالسُور.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب) و(هـ): [فالتفتنا].
[ ١ / ٣١٥ ]
وأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حيثُ العَدالَةُ والضَّبْطُ؛ فَلأنَّ الرِّجالَ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِن رجالِ مُسلِمٍ أَكثرُ عَددًا مِن الرِّجالِ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِنْ رجالِ البُخاريِّ، مَعَ أَنَّ البُخارِيَّ لَمْ يُكْثِرْ مِن إِخراجِ حَديثِهِمْ، بَلْ غَالِبُهُمْ مِن شُيُوخِهِ الَّذينَ أَخَذَ عنهُم، ومَارَسَ حَديثَهُم بخِلافِ مُسلمٍ في الأمْرَينِ.
وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ؛ فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البُخاريِّ مِن الأَحَاديثِ أَقلُّ عَددًا مِمَّا انْتُقِدَ على مُسْلِمٍ.
[قوله] (^١): «تُكُلِّمَ إلخ»:
«تُكُلِّم» في الموضعين مبنيٌّ للمفعول، والمراد به: الجَرْح والقَدْح، وذلك كـ: مَطر الورَّاق، وبَقيَّةَ، [و] (^٢) ابنِ إسحاق، ونُعمان بن راشدٍ، وغيرِهم، فإن الذين انفرَد البخاريُّ بالإخراج عنهم دون مُسْلِمٍ: أربعُ مئةٍ وبضعة وثمانون، المُتَكَلَّم فيهم بالضَّعف: ثمانون، ومَن انفرد مُسْلِمٌ بالإخراج له: ست مئة وعشرون، المُتَكَلَّم فيهم بالضعف: مئة وستون. والتخريج عمن لم يُتَكَلَّم فيهم أصلًا أَولى منه عمن تُكُلِّم فيه. فإنْ قلتَ: ذِكْرُ هؤلاء الضعفاء يُنافي التزامه الصِّحَة! قلتُ: لم يذكرهم على طريق الاحتجاج، بل على طريق المتابَعة و] الاستشهاد] (^٣)، وذُكِروا فيهما لعلوِّ الإسناد، أو: هم ضعفاء عند غيرهما ثقاتٌ عندهما. فإن قلتَ: الجَرَح مُقَدَّمٌ على التعديل، قُلْنَا: هو مَشْرُوطٌ ببيان السَّبَبِ كما
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (أ).
(٣) في (ب) و(هـ): [الإشهاد].
[ ١ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكاه النَّوويُّ عن ابن الصَّلاح (^١) وَأقَرَّه، كذا قيل! ولا يَخْفاك أنَّ مُسْلِمًا يَذْكُرُهم في الأصول والاحتجاجات بخلاف البخاريِّ، وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ البخاريَّ أخرج لعِكرمةَ احتجاجًا، ويُمْكِنُ الدَّفْع بأنَّ مُسْلِمًا يُكْثِرُ من ذلك بخلاف البخاريِّ.
[قوله] (^٢): «مِنْ إِخْرَاجِ حَدِيثِهِم»:
أي: الرواية عنهم، وإنْ كان الإخراجُ والتَّخْريجُ يُستعمَلان أيضًا بمعنى [أخْذ] (^٣) المصنفين الأحاديث من بطون الكتب وروايتها بأسانيدهم، بحيثُ لا يكون مؤلِّفوها واسطةً بينهم وبين شيوخِهم فيها، ولا يَصِيرُون [للأبعد] (^٤) من شيوخ مؤلفيها مع وجود أقرب إلَّا لغرضٍ من عُلوٍّ أوْ زيادةِ] حُكْمٍ مُهِمٍّ] (^٥) كما يأتي مع الفرق بينه وبين التصنيفِ والتأليف آخرَ الكتاب.
[قوله] (^٦): «بَلْ غَالِبُهُم إلخ»:
قال (ب) (^٧): «الإضراب ليس بجيدٍ، فلو قال: وغالبهم؛ كان أَولى» انتهى.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٠٩)، التقريب والتيسير، للنووي (ص ٤٩).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): [أحد].
(٤) في (هـ): [الأبعد].
(٥) زيادة من (هـ).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
(٧) قضاء الوطر (٢/ ٧١٧).
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ (^١): (هـ/٧٦) لا يَخفاك أنَّ عَدَمَ الجودة إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا كان الإضراب إبطاليًّا، وليس هو هنا كذلك، بل هو للانتقال من غَرَضٍ لآخَرَ مع بقاء الغَرَضِ الأوَّل على حالِه (^٢).
[قوله] (^٣): «في الأَمْرَينِ»:
الظاهر أنَّهما: الإخراج عنهم، وكونهم ليسوا من شيوخه الذين مارَسَ حديثهم، وليس منهما: كثرة عدد الضعفاء؛ لتصريح الشَّارح بتخالُفِهِما فيه، وإيضاح هذا المحلِّ -كما قال الحازِميُّ (^٤) -: أنَّ شَرْطَ البخاريِّ أنْ يُخَرِّجَ ما اتصل إسناده بالثقات المتْقِنينَ الملازمين لمن أَخَذوا عنه ملازمةً طويلةً، وأنَّه قد يُخَرِّج أحيانًا عن أعيان الطبقة التي [تلي] (^٥) هذه في الإتقان والملازمة لمَنْ رَوَوْا عنه فلم يَلْزَموه إلا ملازمةً يسيرةً، وأنَّ شَرْطَ مُسْلِمٍ أنْ يُخَرِّجَ حديثَ هذه الطبقةِ الثانية، وقد يُخَرِّجُ حديثَ مَن لم يَسْلَمْ من غوائل الجرح إذا كان طويلَ الملازمة لمن أَخَذ عنه؛ كحماد بن [سَلَمةَ] (^٦) في ثابتٍ البُنانيِّ وأيوبَ إلخ.
_________________
(١) الكلام للّقاني -﵀-.
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٧١٧).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) شروط الأئمة (ص ١٥٥).
(٥) في (ب) و(هـ): [هي].
(٦) في (ب) و(هـ): [مسلمة].
[ ١ / ٣١٨ ]
هَذَا مَع اتِّفاقِ العُلماءِ على أنَّ البُخاريَّ كانَ أَجلَّ مِن مُسْلِمٍ في العُلومِ، وأَعْرَفَ بصِناعةِ الحَديثِ مِنهُ، وأَنَّ مُسلمًا تِلْميذُهُ وَخِرِّيجُهُ، ولم يزَلْ يَسْتَفيدُ منهُ، ويتَتَبَّعُ آثارَهُ حتَّى لقد قَالَ الدَّارَقُطنِيُّ: «لَوْلَا البُخاريُّ لَما راحَ مُسْلِمٌ، ولا جَاءَ».
[قوله] (^١): «في العُلُومِ»:
الظاهر أنَّ المراد بها: علوم الرواية؛ فالعطف بعده تفسيريٌّ، وإلَّا مَدَحَ مُطْلَقًا، سواءٌ كانت من علوم الرواية أو لا؛ كالأصول والفقه والتفسير] و] (^٢) العربية والتواريخ؛ فالعطف بعده من عطف الخاصِّ على العامِّ.
[قوله] (^٣): «بِصِناعَةِ الحَدِيثِ»:
متعلق بـ: «أَعْرَف»، قال (ب) (^٤):
«الصِّناعَة -بالكسر- لغةً: حِرْفَة الصَّانع، وَعَمَلُه: الصَّنْعة، وهي في الاصطلاح: العِلْمُ الحاصل من التَّمَرُّن على العمل». قلت: قال الجَوهريُّ: «الحِرْفةُ: الصَّنَاعةُ، وهي حِرْفَة الصَّانع وعَمَلُه» انتهى. وقال] العلاء] (^٥) [ابن النفيس (^٦): (^٧) «] تفسير] (^٨) الصِّناعة: مَلَكةٌ نَفْسانيَّةٌ يُقْتَدر بها على استعمال موضوعاتٍ ما». وفي حواشي مولانا حسين لشرح «هداية الحكمة» ما نصُّه:
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (أ).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٢٢).
(٥) في (ب) و(هـ): [العلامة].
(٦) زيادة من (أ).
(٧) على بن أبي الحزم، علاء الدين ابن النفيس القرشي (٦٨٧ هـ). ينظر: شذور الذهب (٥/ ٤٠١).
(٨) زيادة من (هـ).
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الصَّنَاعة -بالفتح-: مَلَكةٌ نَفْسَانيَّة يَصْدُر بها أفعالٌ اختياريَّةٌ ذوات آلات موضوعة بلا رَويَّة، وبالكسر: اصطلاح كلِّ فنٍّ إلخ». إذا عَلِمْتَ هذا عَلِمتَ صِحَّةَ أنْ يُراد بالصِّناعة: العِلْمُ، وأنْ يُراد بها: الاصطلاحُ، كما هو بيِّنٌ.
[قوله] (^١): «وأنَّ مُسْلِمًا»:
عطف على: «أنَّ البخاريَّ»، والتلميذ -بالذال المعجمة-: مَن يتعلم مِن الشيخ شريعةً أو طريقة أو حقيقة أو غيرَها من العلوم، والخِرِّيج كالخِرِّيت وزنًا ومعنًى.
وفي كتابة: ولا (أ/٦٥) يَلْزَمُ من ذلك تفضيلُ التصنيف على التصنيف.
[قوله] (^٢): «ويَتَّبِعُ»:
بوزن يَجْتَمِعُ، عطف على: «يستفيد»، أي: ولم يزل مُسْلِمٌ يَتَّبِعُ آثار البخاريِّ.
[قوله] (^٣): «حتى قال إلخ»:
أنت خبيرٌ بأنَّ «حتى» موضوعة للجر والغاية والتعليل والعطف، والظاهر انتفاء الأخيرة كالتعليل، وأما الغاية فلا يَظهر لها وجهٌ إلا بتكَلُّفِ تقدير:
أنَّ مُسْلِمًا اشتُهر تعويلُه واعتِمادُه على ما استفاده من البخاريِّ في حياته وبعد مماته حتى قال الدارقطنيُّ ولا شَكَّ في صحة جعلها غائيَّةً باعتبار الاشتهار والرواح والمجيء، كناية عن التصرف، أي:] لا يتصرف (^٤) لا بتقديم شيء ولا بتأخيره، قاله (هـ) (^٥).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب) و(هـ): [بما تصرف].
(٥) قضاء الوطر (٢/ ٧٢٤).
[ ١ / ٣٢٠ ]
ومن ثَمَّ؛ أي: من هذه الحيثيَّةِ - وهي أَرجحيَّةُ شَرْطِ البُخاريِّ على غيرِه - قُدِّمَ «صحيحُ البُخاريِّ» على غيرِه من الكُتُبِ المُصَنَّفةِ في الحديثِ.
ثمَّ «صحيحُ مُسْلِمٍ»؛ لمُشارَكَتِهِ للبُخاريِّ في اتِّفاقِ العُلماءِ على تَلَقِّي كِتابِهِ بالقَبولِ أَيضًا، سوى ما عُلِّلَ.
[قوله] (^١): «ومِنْ ثَمَّ إلخ»:
الأنسبُ بعبارةِ المَتْنِ أنْ يُقالَ: أي: من جهة تفاوُتِ [رُتَبِ] (^٢) الصَّحيح [بتفاوت] (^٣) الأوصاف المعتبَرة فيه؛ «قُدِّم صحيحُ البخاريِّ على غيره من الكُتُب» الحديثيَّة؛ لأرجحِيَّةِ شَرْطِه.
وقال (هـ) (^٤): «أي: ومن هذه الجهة، وهي أرْجحِيَّةُ إلخ»، قال (ب): «إنَّما الإشارة بـ: «ثَمَّ» إلى جهة تفاوت رُتَب الصحيح بتفاوُتِ أوصاف رُواته وغيرها من شروطه، ولا يَحْسُنُ أنْ يُراد بالمتن جهةُ ما ذَكَر في الشرح» انتهى. قُلتُ: في نفيه الحُسْنَ عما قاله الشَّارح أستاذُه من إساءة الأدب ما أنت به خبيرٌ، وما فعله الشَّارح صوابٌ حَسَنٌ صحيحٌ؛ لأنَّ جميع ما ذَكَرَه في شرح قول المتن: «و] تتفاوت] (^٥) رُتَبُه بتفاوت هذه الأوصاف» كان تفصيلًا لِمَا اندَرَج تحته بطريق
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [رتبة].
(٣) في (هـ): ب] تفاوت].
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٢٦).
(٥) في (هـ): [يتفاوت].
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإجمال، وأَشعَرَ به إشعارًا قويًّا يَقرُب من التصريح، ومن جُملته: أنَّ رتبة صحيح البخاريِّ أجَلُّ وأعلى، وما ذاك (هـ/٧٧) إلَّا لأنَّ شَرْطَه أضيقُ، و] تحرّيَه] (^١) أحْوطُ، وانتقاده أحزَمُ؛ فأرجحيَّة شَرْط البخاريِّ كانت من جُملة الأوصاف المقتضية للتفاوت، ولا يخفاك أنْ شَرْطَه هنا معناه: المُعتبَر في رجاله الراوي عنهم، وأنْ شَرْطَه الآتيَ معناه المُعتبَرُ في رجال الغير، الراوي ذلك الغير عنهم؛ فقد ظَهَر صحة ما قاله الشَّارح بهذا البيان، وإنَّ وَجْهَ ما قال مِن الحُسْن بمكان، نعمْ ما قاله المُحَشِّي بناه على الظاهر كما لا يخفى على أهل البصائر، لكنْ غَفَل عن تعويله في المَتْن على ما في الشرح وعكسه كما قدَّمناه.
[قوله] (^٢): «قُدِّمَ صَحيحُ البُخاريِّ»:
المراد: مقاصِدُ صحيحه وموضوعُه ومُتون أبوابه دون التراجم ونحوها، وقال هذا فيما بعده إلى الآخر.
قال النَّوويُّ (^٣): «وجُمْلة ما في البخاريِّ -وهو أول مُصنَّف في الحديث الصحيح-: سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون بالمُكرَّر، وبحذفِه: أربعة آلاف».
وتَبِع في ذلك ابنَ الصَّلاح، قال المؤلف (^٤): «وعَدَدْتُها فبلغتْ بالمُكرَّر
_________________
(١) في (ب) و(هـ): [تجريح].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) مقدمة شرح النووي على مسلم (١/ ١٨٤).
(٤) هدي الساري (١/ ٦٥٧).
[ ١ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سوى المتابعات والمعلَّقات: سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعين، وبدون المُكرَّر: ألفين وخمس مئة وثلاثة عشر»، وجملة ما في مُسْلِمٍ وهو] ثاني مُصنف] (^١) في الحديث الصحيح -كما قاله النَّوويُّ- بإسقاط المُكرَّر نحو: أربعة آلاف، ويزيد بالمُكرَّر على البخاريِّ؛ لكثرة طرُقه. ولم يَستوعِب الشيخان الصحيحَ، ولا التزما استيعابَه، وفاتَهُما كثيرٌ منه خلافًا لابن الصَّلاح حيث زعم أنَّه لم يَفُتْهُما إلا النَّزْرُ! نعَم الخمسةُ لم يَفُتْها إلا النَّزْرُ.
ويدخل في قوله: «على غَيْرِه» الموطأ، والمراد: على أحاديثِ غيره التي لم تَتواتَرْ، ولم تَعتَضِدْ بما يُصَيِّرُها فائقةً، وإلا قُدِّمت عليه كما مَرَّ (^٢).
[قوله] (^٣): «ثُمَّ صحيح مُسْلِمٍ»:
أي: على ما حوى شرطهما وما بعده.
[قوله] (^٤): «على تَلَقِّي كِتابِه بالقَبُولِ»:
المراد: من غير [طعنٍ] (^٥) في نسبة ما فيه] لِمَن] (^٦) نُقِل عنه، وذلك لا يستلزم عدمَ مخالفة شيء مما فيهما لتأويل أو لمُعارِضٍ ما هو أرجح منه له.
_________________
(١) في (ب) و(هـ): [ما في مصنفه].
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٧٢٩).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (ب) و(هـ): [عطف].
(٦) في (ب) و(هـ): [ممن].
[ ١ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «سِوَى ما عُلِّلَ»:
راجع للكتابين كما مَرَّ بيانُه عند قوله: «فلأنَّ ما انتُقِد على البخاريِّ إلخ» ولم يَقُل: وهو يسير! لعلَّه لارتضائه قولَ العراقيِّ اعتراضًا على قول ابن الصَّلاح (^٢): «سوى أحرُفٍ يَسيرةٍ تَكلَّم عليها بعضُ أهل النَّقد من الحفَّاظ كالدَّارَقُطْنيِّ، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن» بقوله في النكت (^٣): «وقد أجاب
عنهما -أي: الشيخين- العلماءُ، ومع ذلك فليست يَسيرةً، بل كثيرة، وقد جمَعْتُها في تصنيف مع الجواب عنها».
قال شيخ الإسلام (^٤): «قلت: ما رَدَّ به على ابن (أ/٦٦) الصلاح من أنها كثيرة يُرَدُّ به عليه أيضًا؛ لموافقته له كما مَرَّ، فالأوجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ كثرتها (^٥) في نفْسِها؛ فلا يُنافي في كونها يَسيرٌ بالنظر إلى ما لم يُضعَّفْ في الصحيحين».
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩).
(٣) التقييد والإيضاح (ص ٤٢).
(٤) فتح الباقي (١/ ١٣٢).
(٥) في (ب) [إنما هي كثرتها].
[ ١ / ٣٢٤ ]
ثُمَّ يُقَدَّمُ في الأَرْجَحيَّةِ من حيثُ الأصحِّيَّةُ ما وافَقَهُ شَرْطُهُما؛ لأنَّ المُرَادَ به رُوَاتُهُما مَعَ بَاقي شُرُوطِ الصَّحيحِ، ورُوَاتُهما قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، فَهُمْ مُقَدَّمونَ على غَيْرِهم في رِوَايَاتِهمْ، وهذا أَصلٌ لا يُخْرَجُ عَنهُ إِلَّا بدَلِيلٍ.
قوله: «ما وَافَقَه شُرطُهُمَا»:
عندي في هذا التقدير نظرٌ، من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى؛ أمَّا الأول: فلأنَّ المراد أنَّ حاويَ شَرْطِهما يُقدَّم، واللائق به: حَذْفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه، لا تقدير الفعل اللازم له حذفه في غير محلِّه، وأمَّا الثاني: فلأنَّ نِسبة الموافقة للطارئ الأضعف أولى [من] (^١) نسبتها للطارئ الأقوى، ولا شكَّ في سَبْقِ الكتابين في باب الصحيح لغيرهما وتَقرُّرِهما وقوَّتهما.
تنبيه:
قال] الغَزِّيُّ] (^٢): «قد يأتي إسنادٌ مُلَفَّقٌ من رجالهما؛ فيُظن أنَّه على شرطهما، والحقُّ أنَّه ليس على شرط واحدٍ منهما، مثاله: سِمَاك، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس؛ فإنَّ سِمَاكًا] لم] (^٣) يُخرِّج له البخاريُّ، وعِكْرمة لم يُخرِّج له مُسلمٌ (^٤).
وقد يشتمل على ثَبْتين أحدهما ضعيفٌ في الآخر، وقد أخرجا (هـ/٧٨) لهما، لكن لذلك المضعَّف مِن غير حديث مَن ضُعِّف فيه؛ فليس أيضًا على
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) في (ب) و(هـ): [المقري].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٣٢).
[ ١ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرطهما، مثاله: هشام عن الزُهْريِّ، وهَمَّام عن ابن جُرَيجٍ، أخرج الشيخان لهم، لكن لهشام من غير حديث الزُهْريِّ، ولهَمَّام من غير حديث ابن جُرَيجٍ؛ لضَعفِهما فيهما» (^١).
[قوله] (^٢): «لأنَّ المُرادَ رُواتُهُمَا»:
أي: المراد بشَرْطِهما: رجالُهما.
وقوله: «مَعَ باقي شُرُوطِ الصَّحِيحِ»:
متعلق بـ: «قُدِّمَ» أي: قُدِّم ما حوى شرطهما مع باقي شروط الصحيح، وليس من هو جملة معنى شرطهما. وباقي شروط الصحيح هو: نفي الشذوذ
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٧٣٢)، وراجع: النكت الوفية بما في شرح الألفية (١/ ١٦٤) فقد قال: «وقد علمتَ دليلَ ما قالوه، قال -أي: ابنُ حجرٍ «ووراءَ ذلكَ كله أَن يُروَى إسنادٌ ملفقٌ مِن رجالهما، كأنْ يُقالَ: سِمَاكٌ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فسِمَاكٌ على شرطِ مسلمٍ فقطْ، لم يخرِّجْ له البخاريُّ، وعكرمةُ انفردَ به البخاريُّ، والحقُّ أَنَّ هذا ليسَ على شرطِ واحدٍ منهما. وأدقُّ مِنْ هذا أَنْ يرويا عن أناسٍ ثقاتٍ، ضُعِّفُوا في أناسٍ مخصوصينَ مِنْ غيرِ حديثِ الذينَ ضُعِّفُوا فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ مِنْ طريقِ منْ ضُعِّفُوا فيهِ برجالٍ كلهم في أحدِ الكتابينِ، أو فيهما، فنسبتهُ أنَّهُ على شرطِ منْ خرجَ لهُ غلطٌ، كأنْ يُقالَ في هُشَيمٍ، عنِ الزهري، كلٌّ مِنْ هُشَيمٍ والزهريِّ أخرجا له، فهو على شرطِهما، فيقال: بل ليسَ على شرط واحدٍ منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيمٍ مِنْ غيرِ حديثِ الزهري؛ فإنَّهُ ضعِّفَ فيهِ؛ لأنَّهُ كان رحلَ إليه، فأخذَ عنه عشرينَ حديثًا، فلقيهُ صاحبٌ لهُ - وهو راجعٌ - فسألهُ: رَوِّنِيهِ، وكان ثَمَّ ريحٌ شديدةٌ، فذهبتْ بالأوراقِ مِنْ يدِ الرجلِ، فصارَ هشيمٌ يُحدِّثُ بما علقَ منها بذهنهِ مِن حِفظِه، ولم يكن أتقنَ حفظَها؛ فوهمَ في أشياءَ منها؛ ضُعِّف في الزهريِّ بسببها».
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والعلةِ، واتصالُ السند، وتمام الضبط. وقد يقال: هذا مُندَرِج في رجالهما كما اندَرَج فيه العدالة.
وقال (هـ) (^١): «لأنَّ المراد به -أي: بالشرط-: رواتهما، يعني أنَّ الحديث إذا كان في غيرهما لكنَّه مَرْويٌّ برجال الصحيح لا مُطْلَقًا بل بمعنى ما قَدَّمناه آنفًا من التقْييد؛ فإنَّه يُقَدَّم على غيره مما بَعْدَه. واعلمْ أنَّ الناس اختلفوا في شَرْطِ الشيخين: ما هو؟ مع اتفاقهم على أنهما لم يُصَرِّحا بشرط، وإنما استُقرِئ مِن صنيعهما، فقال محمد بن طاهر: (^٢) «شَرْطُهُما: أنْ يكونَ الحديث مُجْمَعًا على ثقةِ نَقَلتِه إلى الصحابيِّ المشهور»، ورُدَّ بتضعيف النَّسَائيِّ وغيره جماعة من أخرجوا له.
وقال الحازِميُّ (^٣): «شَرْطُ البخاريِّ: اتصال الإسناد بالثقات المُتقِنينَ الملازِمين لمن أخذوا عنه مُلازَمةً طويلةً (^٤)، وربما خَرَجَ عنه أحيانًا إلى أنْ يلي هذه الطبقة ممن لم يلازِموا إلا مُلازَمة يسيرة، وشرط مُسْلِم: أن يُخَرِّجَ حديث هذه الطبقة الثانية وربما خَرَجَ إلى مَنْ لم يَسْلَمْ من غوائل الجَرْحِ»، وقال النَّوويُّ: «المراد بقولهم: على شَرْطِهما، أنْ تكون رجال إسناده في كتابيهما؛ لأنَّه ليس لهما شَرْطٌ في كتابَيهما ولا في غيرهما» ونحوه (^٥): ابن الصَّلاح، وابنُ دَقيقِ العِيدِ، والذهبي، وقالوا: إنَّه للحاكم! ورَدَّه العراقيُّ (^٦) بأنَّ: ما فهَموه من كلام الحاكم صرَّح هو
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٧٣٤).
(٢) شروط الأئمة الستة (ص ٨٦)، وينظر: المقنع في علوم الحديث (١/ ٦٨).
(٣) شروط الأئمة الخمسة (ص ١١٣)، وينظر: النكت على مقدمة ابن الصلاح، للزركشي (١/ ٢٦٤).
(٤) في (ب) زيادة [قوله].
(٥) في (ب) زيادة [في].
(٦) شرح التبصرة (١/ ٢٢).
[ ١ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بخلافه، حيث قال في خطبَة المستدرَك: «وإنما أستعين الله على إخراج أحاديثَ رُواتُها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدُهما»، فقوله: بمثلها، أي: بمثل رواتها، لا أنهم أنفسُهُم، ويُحْتمل أنْ يريد: بمثل تلك الأحاديث، وإنَّما يكون مِثلها إذا كانت بنفْس رواتها»، وفيه نظرٌ، قال: «وقد بينتُ المِثْليَّةَ في (الشرح الكبير) (^١)» انتهى.
وبَيَّن النظر (ب) (^٢): «بأنَّا إذا سلمنا أنَّ الضمير في «مِثْلِها» يعود على الأحاديث، لا يَلْزَم منه أنَّ المماثَلة لا تحصل إلَّا بالرواية عن أعيان الذين أخرجا لهم أو أحدهما، بل [تكفي] (^٣) المماثَلة، أي: الموازاة في الصِّحة»، ثُمَّ قال: «وعبارة العراقي في «الكبير»: ثُمَّ ما المرادُ بالمِثلِيَّة عندهما أو عند غيرهما؟ فقد يكون بعضُ مَن لم يُخَرَّجْ عنه في الصَّحيح مِثلَ مَن خُرِّجَ عنه فيه، أو أعلى منه عند غير الشيخين ولا يكون الأمرُ عندهما على ذلك؛ فالظاهر أنَّ المعتبَر وجودُ المِثلِيَّة عندهما، ثُمَّ يُعرف عندهما إمَّا بتبينهما على أنَّ فلانًا مثل فلانٍ أو أرفع منه، وقلَّ ما يوجد ذلك، وأمَّا الألفاظ الدالة على مراتب التعديل كأن يقولا في بعض من احتجا به: ثقة أو ثبت أو صدوق، أو نحو (أ/٦٧) ذلك من ألفاظ التوثيق، ثُمَّ وجَدْنا عنهما أنَّهما قالا ذلك أو أعلى منه في بعض مَن لم يحتجا به في كتابيهما؛ فيُستدل بذلك على أنَّه عندهما في رتبة مَن احتجا به؛ لأنَّ مراتب الرواة معيارُ معرفتها: ألفاظُ التعديل والجرْح إلخ».
تنبيه:
قد اعتمد شيخ الإسلام في شرح الألفية كلام الحاكم] معوِّلًا] (^٤) على
_________________
(١) من الكتب المفقودة للعراقي -﵀-.
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٧٣٦).
(٣) في (ب) و(هـ): [كفي].
(٤) في (ب) و(هـ): [تطويل].
[ ١ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاحتمال الأول من الاحتمالين اللَّذَينِ أبداهما العراقي، حيث قال (^١): «والمراد به -أي: بشرطهما-: رواتُهما أو مثلهم مع باقي (هـ/٧٩) شروط الصحيح من: اتصال] السند] (^٢)، ونفي الشذوذ والعلة» انتهى.
[قوله] (^٣): «الاتِّفاقُ إلخ»:
أي: الاتفاق من الأمَّة؛ لاتفاقها على [تلقِّي] (^٤) ما فيهما من الأحاديث بالقَبول على ما مَرَّ، وهم لا يَقبَلون رواية غير] العدول] (^٥)؛ فصارت العدالة بهذا الطريق مُتَّفَقًا عليها بطريق اللزوم.
وبعبارة: لأنَّ الاتفاق على التلقِّي بالقَبول يستلزم الاتفاقَ على تعديل رواتهما؛ إذ لا يُقبل منهم إلَّا العدل.
[قوله] (^٦): «وهذا»:
[اسم] (^٧) [الإشارة (^٨) منه [راجع] (^٩) للترتيب المذكور من حيثُ الأصحيَّةُ.
«لا يُخْرَجُ عنه» أي: لا يجوز الخروج عنه عندهم إلَّا بسبب دليلٍ يَدُلُّ على جواز الخروج عنه.
_________________
(١) فتح الباقي (١/ ١٢٣).
(٢) في (هـ): [المسند].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب) و(هـ): [القاء].
(٥) في (هـ): [العدل].
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
(٧) في (هـ): [الاسم].
(٨) تكررت في (هـ).
(٩) في (هـ): [راجعة].
[ ١ / ٣٢٩ ]
فَإِنْ كَانَ الخَبَرُ على شَرْطِهِما معًا، كَانَ دونَ ما أَخرَجَهُ مسلمٌ، أَو مثلَهُ.
وَإِنْ كَانَ على شَرْطِ أَحَدِهِما؛ فيُقَدَّمُ شَرْطُ البُخاريِّ وحْدَه على شرطِ مُسْلمٍ وَحْدَه تَبَعًا لأَصْلِ كُلٍّ منهُما.
[قوله] (^١): «فإنْ كان الخَبَرُ إلخ»:
قال (ق) (^٢): «الذي يقتضيه النَّظرُ أنَّ ما كان على شَرْطِهما وليس له علَّةٌ [مُقَدَّمٌ] (^٣) على ما أخرَجه مُسلِمٌ وَحدَه؛ لأنَّ قوَّة الحديث إنَّما هي بالنَّظر إلى رجاله لا بالنَّظر إلى كونه في كتاب كذا، وما ذَكَرَه المؤلِّف شأن المُقَلِّد في الصِّناعة لا شأن العالم بها» انتهى، قلتُ: بل ما ذَكَرَه الشَّارح هو شأن العالم الماهر، وما جنح إليه هو شأن الأوَّليِّ القاصر، وبيان ذلك: أنَّ العلَّة ليست مُطلقَ القوة، بل القوة البالغة في كلِّ مرتبةٍ بحسَب ما يليق بها منها، ولا شكَّ أنَّ تلقِّي الأمة بالقَبول لِمَا في الكتابين أو أحدهما مفقودٌ فيما جَمَع شرطهما مما في غيرهما، وعدالة الرُّواة المُجْمَع عليها من حيث هي مُجمَعٌ عليها لا يساويها عدالةُ الرُّواة من حيث هي عدالةٌ فقط، كما لا يشتبه على ذي مُسْكَةٍ، ثُمَّ رأيتُ الغَزِّيَّ (^٤) عَلَّلَ بنحوه، حيث قال: «وجْهُ تأخير هذا عمَّا أخرَجه أحدهما: أنَّ الأمة تلقَّتْ بالقَبول ما أخرجه أحدُهما دون غيره وإن كان على شرطهما إلخ»، ونحوه لـ (ب) أيضًا حيثُ قال: «إنْ قيل: ما وجْهُ تأخير هذا عما أخرَجه أحدُهما؟ قيل: الذي أخرجه أحدهما تلقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبول، بخلاف ما كان على شرطهما ولم يُخَرِّجاه، وإن كان يَعْرِضُ للمَفُوق ما يجعلُه
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٥٧).
(٣) في (هـ): ت] قدم].
(٤) في (ب) [القارئ].
[ ١ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائقًا، كأنْ] يَتَّفِقَا] (^١) على حديث غريبٍ، ويُخَرِّج مُسلِمٌ مثلًا أو غيرُه حديثًا بلَغَ مَبلَغَ التواتر؛ فلا شَكَّ في أرجَحِيَّته، ولا يَقْدَحُ هذا في قولنا: ما اتَّفَقا عليه أعلى؛ لأنَّه باعتبار الإجمال» انتهى، ولله الحمد.
[قوله] (^٢): «أو مِثله»:
فيه نَظَرٌ؛ إذ لا يَلتَئِمُ مع المَتْن، وما ذكره المؤلِّف في بيان زيادة «أو مِثْله» لا يَدفَع هذا فإنَّه قال: «وإنَّما قلتُ: «أو مثله»؛ [لأنَّ للحديث الذي يروى وليس عندهما جهة ترجيح»]، وقال (هـ) (^٣): «ربَّما يُوهِم كلامه بأنَّه [إشارة] (^٤) إلى خلافٍ، وليس كذلك؛ إذْ لا يُعرَف في هذا خلافٌ بينهم» بلْ كلامهم صريح في أنَّ ما في مُسلِمٍ من حيثُ الصِّحةُ مُقَدَّمٌ على ما جَمَعَ شَرْطَهما ممَّا في غيره، وإنَّما هو تردُّدٌ من المؤلِّف كما مَرَّ نقلُه عن الغَزِّيِّ آنفًا، لا يُقال: يمكن التوجيه بأنَّه إشارة إلى إعراب المَتْنِ، وأنَّ قوله: «ثُمَّ شَرْطُهما» إن جُعِل عطفًا على «البخاري» كما هو قول الجمهور: أنَّ المعاطيف وإنْ تكرَّرت إنَّما هي على الأول؛ أفاد مساواة ما حوى شَرْطَهما كما في مُسلِمٍ، وإن جُعل عطفًا على ما قبْله كما هو.
قوله: «أفاد تقديم ما في مسلم كما هو المنصوص»؛ لأنَّا نقول: محلُّه في غير «ثُمَّ» و«الفاء» أمامهما؛ فالعطف على ما قبلهما فقط اتفاقًا، وقد علِمتَ مِن كلام الغَزِّيِّ أنِّه أشار إلى التردُّد في مرتبة هذا القِسم، لكنَّه لا يُعرَفُ للقوم فيه تردُّدٌ.
_________________
(١) في (هـ): [متفقا].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٧٤٠).
(٤) في (ب) و(هـ): [الإشارة].
[ ١ / ٣٣١ ]
فخَرَجَ لنا مِن هذا سِتَّةُ أَقْسَامٍ تَتفَاوتُ دَرَجاتُها في الصِّحَّةِ.
وثَمَّةَ قسمٌ سَابعٌ، وهو ما ليسَ على شَرْطِهِما اجتِماعًا وانْفرادًا.
وَهَذَا التَّفاوتُ إِنَّما هو بالنَّظرِ إِلى الحيثيَّةِ المذكورةِ.
[قوله] (^١): «فَخَرَجَ لَنَا مِنْ هذا»:
[أي] (^٢): الترتيب، أو تفاوت تلك المراتب: ما رواه الشيخان، ثُمَّ ما رواه البخاري، ثُمَّ ما رواه مسْلم، ثُمَّ ما رُويَ برجالهما ولم يخرِّجْهُ واحد منهما، ثُمَّ ما يُروى برجال البخاريِّ (أ/٦٨) فقط، ثُمَّ ما رُويَ برجال مسلم فقط، غير أنَّه لا يُعلَمُ من صريح كلامه هذا الترتيب، بل المأخوذ (هـ/٨٠) من قوله: «ومِن ثَمَّ قُدِّم صحيحُ البخاريِّ»] استو] (^٣) المتفق عليه مع ما انفرد به، ومن قوله: «ثُمَّ شرطهما» استوى ما وُجِد فيه شَرْطُ البخاريِّ، مع ما وُجِد فيه شرط مُسْلِمٍ، بل وكلُّ واحدٍ منهما مع ما وُجِد فيه شرطهما معًا، وهو خلاف ما أشرنا إليه، كما هو مذهب ابن الصَّلاح، وبه جَزَم العراقيُّ.
تنبيه:
ذكر العلماء أنَّ أصحَّ ما صُنِّف بعد الكتابين: صحيح ابن خُزَيْمةَ، وابن حِبَّانَ، وأبي عوانة، والحاكم، وأنَّ صحيح ابن خُزَيْمةَ أصحُّ من صحيح ابن حِبَّان، وصحيح ابن حِبَّانَ وأبي عوانة أصحُّ من مُستدرَك الحاكم؛ لتساهله،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) تكررت في (هـ).
[ ١ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليس شيءٌ من تلك الصِّحاح لاحقًا بالصحيحين إلا في مجرد التَّسمية؛ لوجود غير الصحيح فيها بكثرة، نعمْ ينبغي أنْ يُقال أصحُّها: بعد مُسلِمٍ ما اتفق عليه الثلاثة، ثُمَّ ما انفرَد به ابن خُزَيْمة وابن حِبَّان أو الحاكم، ثُمَّ ابن حِبَّان فقط، ثُمَّ الحاكم (^١) فقط، حيثُ لم يكن هناك شرط للشيخين ولا أحدهما.
[قوله] (^٢): «وَثَمَّ قِسْمٌ سابِعٌ»:
ثم بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان البعيد، أي: وهناك وراءَ هذه الأقسام الستةِ قِسمٌ سابع ذكره ابن الصلاح (^٣)، «وهو ما لم يَكُن على شَرطِهِما اجتِماعًا ولا انْفِرادًا»، ولكنَّه على شَرطِ غيرِهما من أهل الصحيح كائنًا مَن كان، والحاصِلُ: أنَّ المراد به ما استجمَعَ الشُّروطَ التي ذكروها في حَدِّ الصَّحيح، كما صرَّح به (ب) في «حَواشي شرح الألفيَّة» (^٤).
[قوله] (^٥): «إِلى الحيثيَّةِ المَذْكُورةِ»:
وهي الأصَحِّيَّةُ، [أو] (^٦) ما تَدُور عليه من الأوصاف المقتضية لها.
_________________
(١) وقع في (ب) تكرار: [والحاكم ثم ابن حبان فقط ثم الحاكم].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٧).
(٤) النكت الوافية (١/ ١٥٦).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) في (هـ): [إذ].
[ ١ / ٣٣٣ ]
أَمَّا لو رُجِّحَ قِسْمٌ على مَا هو فَوْقَهُ بأُمورٍ أُخرى تقتَضي التَّرْجيحَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما فَوْقَهُ؛ إذْ قَدْ يَعْرِضُ للمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائقًا.
كَما لَوْ كَانَ الحَديثُ عندَ مُسْلمٍ مثلًا، وهُوَ مَشْهورٌ قَاصِرٌ عن دَرَجَةِ التَّواتُرِ، لَكنْ حَفَّتْهُ قرينةٌ صارَ بها يُفيدُ العِلْمَ، فإِنَّه يُقَدَّمُ بها على الحَدِيثِ الذي يُخْرِجُهُ البُخاريُّ إِذا كانَ فَرْدًا مُطْلقًا.
[قوله] (^١): «أَمَّا لو رَجَّحَ»:
بفتح الراء والجيم.
وقوله: «بأُمورٍ أُخْرى»:
أي: غير] الأصَحِّيَّةِ] (^٢)، وجملة: «تَقْتَضِي إلخ» صفةُ: «أمور»، أو حالٌ منها.
[قوله] (^٣): «فَإنه»:
أي: ذلك القسم الراجح لتلك الأمور «يُقدَّمُ على ما فَوْقَه».
وَقوله: «إذْ قَدْ إلخ»:
علَّةٌ لـ: «يُقَدَّمْ على ما فَوْقَه»، مثل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ] ﴿الزخرف: ٣٩﴾، لا يُقال: فيه تعليلٌ للشيء بنفسه، لأنَّا نقول: المعلَّلُ في حُكْم الشَّخْصِيِّ والمعلَّلُ به في حكم الكُلِّيِّ، فكأنَّه قال: يُقَدَّم هذا
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [الأضحية].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَرْدُ على ما فَوْقَه؛ لأنَّه من أفراد هذه الكُلِّيَّة، وهي: كلُّ مَفُوقٍ عَرَضَ له ما يَجْعَلُه فائقًا قُدِّم على غيره.
[قوله] (^١): «عَنْ دَرَجَةِ التَّواتُرِ»:
أمَّا ما بلغ درجةَ التَّواتُرِ فهو مُقَدَّمٌ على المتَّفَق عليه، الموصوف بأنَّه: أرفع الأسانيد، ولو لم يَكُن في أحد الكتابين، كما هو مُقتَضَى كلام شيخ الإسلام (^٢).
[قوله] (^٣): «الذي يُخَرِّجُهُ البُخاريُّ إذا كان فَرْدًا مُطْلَقًا»:
أي: لا نِسْبيٌّ، قيل: «اعترض بأنَّ الكلام في المقبول من الآحاد» انتهى، وهو ذُهولٌ؛ إذْ مُجَرَّدُ التفَرُّد كيف كان لا يُوجِبُ قَدْحًا، وخُصُوصًا مع وقوعه في البخاريِّ، وقد روى ابن شِهابٍ الزُهْرِيُّ تسعين فردًا كلُّها صحيحة، منها ما هو في صحيح البخاريِّ، ومنها ما هو في صحيح مُسلمٍ، وقد مَرَّ أنَّ الغريب -وهو الفَرْدُ- يكون: صحيحًا وحَسَنًا وضعيفًا.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) فتح الباقي (١/ ١٢٤).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَكَمَا لَوْ كانَ الحَديثُ الَّذي لم يُخْرِجَاهُ مِن تَرْجَمةٍ وُصِفَتْ بكَوْنِها أَصَحَّ الأَسَانيدِ؛ كَمَالِكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما مثلًا، لا سيَّما إِذا كانَ في إِسنادِهِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ.
[قوله] (^١): «فإِنه يُقَدَّمُ على ما انفرَدَ بهِ أَحدُهُما»:
مُقْتَضاه أنَّه لا يُقَدَّم على ما خَرَّجَاه جميعًا، وهو خلاف ما يَقتَضِيه قوله: «ويَلْتَحِقُ بهذا التَّفَاضُل إلخ».
[قوله] (^٢): «لا سِيَّمَا إذا كان»:
أي: ما انفرَد به أحدهما، «في إسناده مَنْ فيه مَقالٌ».
قال (ق) (^٣): «يعني وإنْ كان [عنه] (^٤) جوابٌ؛ لأنَّ مَن تُكُلِّم فيه ليس كمَن لم يُتَكَلَّمْ فيه في الجُملة، ومَن تُكُلِّم فيه في الجُملة ليس كمَن لم يُتَكَلَّم فيه أصلًا» انتهى، قلتُ: وفيه تَكْرارٌ لا طائل تحتَه، تأمَّله.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٥٨).
(٤) زيادة من (ب).
[ ١ / ٣٣٦ ]