وَالضَّبْطُ ضبطان:
* ضَبْطُ صَدْرٍ: وَهُو أَنْ يُثْبِتَ ما سَمِعَهُ بحيثُ يتمكَّنُ مِنَ استحضارِهِ مَتى شَاءَ.
* وَضَبْطُ كِتَابٍ: وهُو صيانَتُهُ لديهِ مُنْذُ سمِعَ فيهِ، وصحَّحَهُ إِلى أَنْ يُؤدِّيَ منهُ.
وقُيِّدَ بـ «التَّامِّ»؛ إِشارةً إِلى الرُّتبةِ العُليا في ذَلكَ.
وَ«المُتَّصِلُ»: ما سَلِمَ إِسنادُهُ مِن سُقُوطٍ فيهِ، بحيثُ يكونُ كُلٌّ مِن رجالِهِ سَمِعَ ذَلكَ المَرْوِيَّ مِنْ شيخِهِ.
وَ«السَّنَدُ» تَقدَّمَ تعريفُهُ.
وَالمُعَلَّلُ لُغَةً: ما فِيهِ عِلَّةٌ.
وَاصطِلاحًا: ما فيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادِحةٌ.
[قوله] (^١): «ضَبْطُ الصَّدْرِ»: وهو الحفظ على ظهر القلب.
قوله: «بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ إلخ»: التعبير بـ: «يَتَمَكَّنُ» مع قوله: «متى شاء» بينهما شِبْهُ تَنافٍ؛ إذ كونه علَّقه بقوله: «متى شاء» يقتضي أنَّه حاضرٌ عنده، والتعبير بالتمكن يُخالِف ذلك، كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ إذ حُصوله في الحافِظة لا يَمنع الغَفْلة عنه، لكنَّ الغفلة والذهول عنه قد يشتد حتى لا يتذكَّره متى شاء، بل يحتاج لطُول مُدَّةٍ في تذَكُّره، وقد يكون حصوله بمجرد الالتفات إليه، وهذا الثاني هو المراد.
تنبيه:
قوله: «تامّ الضبط»:
يقتضي أنَّ هذا في ضبط الصَّدر؛ إذ ضَبْطُ الكتاب لا يكون تامًّا وغيرَ تامٍّ.
[قوله] (^٢): «وضَبْطُ كِتاب إلخ»:
أي: والثاني منهما ما يُسمَّى بذلك، وهذا إنمَّا هو في الكُتُب التي (هـ/٦٧) لم تُشتهر
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم تنتشر ولم تُضْبَط، وأمَّا الكتب التي بهذه الصفة كالبخاري ومسلم فالشرط أنْ يَرويَ من أصْل شَيخِه، أو مِن (^١) أصلٍ مُقابَلٍ بأصْل شيخه، أو مُقابَلٍ بمُقابَلٍ بأصْل شَيخِه.
[قوله] (^٢): «وقُيِّدَ بـ «التَّامِّ»:
يُحْتَمل البناء للفاعل وَللمفعول، ومعنى التمام في ضبطه الكتابَ: ألَّا يَتساهلَ الائتمان عليه ولا في صَونِه كما هو بَيِّنٌ.
[قوله] (^٣): «والمُتَّصِلُ [ما] (^٤) سَلِمَ إسناده من سقوط فيه، بحيثُ يكونُ كلٌّ من رجاله سَمِعَ ذلك المرويَّ (أ/٥٧) مِن شيخه»:
أي: بلا واسطةٍ، قيل: [ولو قال] (^٥) من شيخه [فيه؛ لكان] (^٦) أَولى، إذ قد يَسمَع من شيخه الحديثَ ثُمَّ يَطرأُ عليه نحو مَرَضٍ فينسى مسموعَه، فيضطر إلى سماع ذلك الحديث بواسطة عن شيخه، ثُمَّ يُسقِط الواسطة ويأتي بلفظٍ مُحتَمِلٍ، فقد صَدَقَ أنَّه سَمِعَه من شيخه، لكنَّ قوله: «غير معلل» يخرج ذلك، انتهى.
أي: لأنَّ الكلام في غير المُدَلِّس، ومَن فعل ذلك فهو مُدَلِّس؛ فلذلك (^٧) لا يحتاج إلى زيادة لفظ: «فيه» كما قيل، وقد يُجاب بأنَّ الضمير في «شيخه»: للمروي من حيث إنَّه مَرويُّ راوِيهِ حالَ النَّقْل؛ فلا يَصْدُق بما أوردها؛ إذ لا يصدق عليه أنَّه مَرويُّ راوِيه حالَ النَّقْل، تأمَّل.
_________________
(١) في (ب): [أو من دون].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (هـ) رسمت: [با] وهو تصحيف.
(٥) في (أ) و(ب): [ولو].
(٦) في (هـ): [يقول كان].
(٧) في (ب) زيادة [صح].
[ ١ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «سَمِعَ ذلكَ المَرْوِيَّ»:
أي: أو أَخَذَ عنه إجازة على المُعتمَد، وبه يَخْرُج: المرسَلُ والمنقطع والمعْضل والمدلَّسُ، ولا فرْق بين أنْ ينتهيَ ذلك السَّنَدُ إلى النبيِّ -﵊- أو إلى صحابيٍّ أو إلى مَن دُونه، ذكره الأنصاريُّ، وهذا تعريف للصحيح لذاته المجمَعِ عليه، لا لغيره مما وُجد فيه مسمَّى الضبط وجُبِر بكثرة الطرق؛ لخروجه باشتراط تمام الضَّبْط، ولا للشاذِّ الصَّحيح عند بعضهم؛ لخروجه بانتفاء الشذوذِّ؛ إذ هو غير مُجْمَعٍ على صحته.
وفي كتابة: «المُتَّصِل» إسناده، المراد: سنده، وتقدَّم أنَّ المحدِّثين يستعملونهما لشيءٍ واحدٍ وهو طريق المَتْن، ولو قال: «منه» بدل: «فيه» كان أَولى؛ لأنَّ السَّاقِط بعضُ السَّنَد.
تنبيه:
لم يزد في تفسيره اتصال السَّنَد إلى النبيِّ]-﵊- (^١)؛ لكونه لا يَرى الصَّحيح مقصورًا على خصوص المرفوع؛ فيَصْدُقُ بأنْ ينتهيَ السَّنَد إلى] النبيِّ -﵊- (^٢) أو إلى الصحابيِّ أو إلى من دونه، فيَصْدُقُ بالموقوف وغيرِه، وبه صَرَّحَ غيرُه، ولا يُنافيه تفسيرُ الخبر بالحديث: وبما أُضِيف إلى النبيِّ -﵊- بِناءً على جواز كون القِسْم أعَمَّ من المُقسَّم نحو: الحيوانُ إمَّا أبيَضُ
_________________
(١) في (هـ): -﵇-.
(٢) في (هـ): -﵇-.
[ ١ / ٢٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو غيرُه، والأبيض إمَّا عاج أو غيره، وإن كان مرجوحًا، والتقدير: حيوانٌ أبيضُ إلخ.
[قوله] (^١): «بِحَيْثُ إلخ»:
أنتَ خبيرٌ [بأنَّ] (^٢) بالحَيْثِيَّة المذكورة خرج: المُعلَّقُ والمنقطع والمُعْضَلُ والمرسَل، وكذا المقطوع والموقوف.
[قوله] (^٣): «تقدَّمَ تعريفُهُ»:
الذي تقدَّم هو أنَّ الإسناد: حكاية طريق المَتْن، وظاهرُ كلامه أنَّ الإسنادَ والسَّندَ واحدٌ، وهو مقتضى إطلاقِ كثيرٍ من المحدِّثين، لكنَّ الأوفَق للمعنى اللُّغويِّ أنَّ الإسناد: حكاية السَّند، وأنَّ السَّند: طريق المَتْن.
[قوله] (^٤): «خَفِيَّةٌ قادِحَةٌ»:
العلة عبارة عن: سببٍ خفيٍّ قادحٍ في الحديث مع ظهور السَّلامة، مثاله كما قيل: إنَّ رواية مالك عن نافع عن ابن عُمرَ جاريةٌ على ألسنة الأكثرين، ولو فُتِّشَت لوُجد مالكٌ عن تابعيٍّ آخَرَ غير نافع، ويكون التابعيُّ ضعيفًا، والتقْييد بالخفيَّة؛ لأنَّ الظاهرة ترجع إلى: ضَعف الراوي أو عدم اتصال السند؛ فيستفاد الاحتراز عنها: بعدالة الراوي واتصال السَّنَد.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: «الخَفِيَّة» عبارة عن: أسباب خفيَّة تقدح في قَبول الحديث، تُدْرَك بالخلاف والتفرد، مع [قرائنَ] (^١) [تنضم] (^٢) إلى ذلك بواسطتها يَطَّلع المتمكن على: إرسال موصول، أو وقفِ مرفوع، أو دخول (هـ/٦٨) بعض مَتْن في غيره، أو وَهْمِ واهمٍ مع كون الحديث الذي اطُلع عَلَيْهَا [فيه] (^٣) [ظَاهرُه] (^٤) السَّلامة منها، وخَرَج بالقَادِحَة: [غيرُها] (^٥)،] كإبداله] (^٦) [ثقة] (^٧) بثقة، [كما] (^٨) خَرَج بالخَفِيَّة: الظاهرة لا لكونها لا تُؤثِّر، بل هي أَولى بالتأثير، بل لكونها ترجع إمَّا لضَعف الراوي وإما لعدم اتصال السَّنَد، وكلٌّ منهما احتُرِز عنه في التعريف بقَيْدٍ [يُخْرِجُه] (^٩)، ولا يَخْفى أنَّ المراد بخفاء العلة الخَفِيَّة إنَّما هو بالنظر لغير المُتَبَحِّرِ في هذا الفَنِّ، وإلا فهي لدَيه ظاهرة.
_________________
(١) في (هـ): [القرائن].
(٢) في (هـ): [ينضم].
(٣) في (ب) و(هـ): [عند].
(٤) في (أ) و(ب): [ظاهرة].
(٥) في (ب) زيادة [كأنه].
(٦) في (ب) و(هـ): [كأنه].
(٧) في (هـ): [الثقة].
(٨) في (ب) و(هـ): [لما].
(٩) في (ب) و(هـ): [مخرجه].
[ ١ / ٢٨٣ ]