وَقولُهُ: «لذاتِهِ»؛ يُخْرِجُ ما يُسمَّى صحيحًا بأَمرٍ خارِجٍ عنهُ، كما تقدَّمَ.
وتَتَفاوَتُ رُتَبُهُ -أَيْ: الصَّحيحُ- بِسَببِ تَفاوُتِ هَذِهِ الأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ للتَّصحيحِ فِي القُوَّةِ، فإِنَّها لمَّا كَانَتْ مُفيدةً لغَلَبَةِ الظَّنِّ الَّذي عَلَيْهِ مَدارُ الصِّحَّةِ، اقْتَضَتْ أَنْ يكونَ لها دَرجاتٌ بعضُها فَوْقَ بعضٍ بحَسَبِ الأمورِ المُقَوِّيةِ.
[قوله] (^١): «بأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْه»:
كما تقدَّم مُتَعَلِّق بـ: «صحيحًا»، ويجوز تَعلُّقه بـ: «يُسمَّى» فيكون لغوًا. ولو عبر باللام بدل الباء؛ لكان أنسَب بقوله: «لذاتِه».
خاتِمَة:
أُورِدَ على هذا التعريف أمورٌ:
منها: أنَّه كان الأَولى أنْ يقول: فالصحيح لذاتِه خَبَر الآحاد المنقول برواية عَدْلٍ تامِّ الضَّبط إلخ، وأُجِيبَ عنه بأنَّه: إنَّما قَدَّم التعريف على المعرِّف؛ لأنَّ معرفته أقدَمُ من معرفته عقلًا [وأقدَمُ وصفًا] (^٢) فَقُدِّم (^٣) وضعًا؛ ليطابق الوضعُ العقلَ.
ومنها: أنَّ اشتراط انتفاء الشُّذوذِ يُغْني عن اشتراط تمام الضَّبْط، وأُجيبَ بأنَّ: الجمع بينهما لزيادة في مَقام التعليم، والأولى أنَّ تمام الضَّبْط وَقعَ موقعه وهو لا يُغْني عن عدم الشُّذوذ فاحتاج إلى ذكره.
ومنها: أنَّه كان عليه أنْ يقول: ولا مُنكَر، وأُجيبَ بأنَّ: المؤلِّف يَتَّبِعُ ابنَ
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) في (هـ): [وقدم].
[ ١ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّلاحِ والنواويَّ غالبًا، والمُنكَر عندهما هوَ الشَّاذُّ، وعند غيرهما هو أسْوء حالًا من الشَّاذِّ؛ فيَلزم من اشتراط السَّلامة من الشُّذوذ اشتراطُ السَّلامة من النَكارة بالأَولى.
ومنها: أنَّ المُتواتِر صحيحٌ] مُجْمَعٌ عليه (^١)، ولا يُشترط في رجاله شيءٌ ممَّا ذُكِر، وأُجيبَ: بخُروجِه بخبر الآحاد؛ إذْ هو المُقْسَم وأنَّ الكلام فيما استفيد غلبة الظَّنِّ بصِدْق رُواته (أ/٥٩) من صفاتهم.
ومنها: أنَّ أّخْذَ المُعَلَّل والشَّاذِّ في تعريف الصَّحيح تركيب في الحدِّ، وذلك يَتوقَّفُ على حقيقة أخرى لم يُسبَق علمُها، وأجيب: بعِلْم المؤلِّف بها، والمُعَلَمُ نائبٌ عنه؛ فإنَّ هذه المقدمة ما قُصِد بها إلَّا تعليم المبتدئ المُحتاج إلى المُعَلِّم (^٢).
[قوله] (^٣): «وتَتَفاوَتُ رُتَبُهُ»:
أي: الصحيح، قال (ق) (^٤): «لا أعلم بعد التَّمَام رتبةً، ودون التَّمَام لم يُوجَد الحدُّ، فيُطلَب تصوير هذه الأوصاف، وكيف تتفاوَت؟» انتهى، وأجيبَ بأنَّ: ضمير «رُتبهُ» لمُطْلَق الصَّحيح لا لخصوص الصحيح لذاتِه، قلتُ: بل لو سلَّمنا كان الكلام صحيحًا أيضًا ظاهرَ التصوير؛ لأنَّ العدالة مَقولةٌ بالتشكيك كالضَّبْط أيضًا، وقد علِمتَ حال تفاوت الضبط فيما مَرَّ، على أنَّ المؤلِّف لم يَعتبِر التمام في غير الضَّبْط. فإنْ قلتَ: وقد اعتُبر من صفات القَبول أعلاها، قُلْتُ: هو مَقولٌ بالتشكيك أيضًا، وإنَّما لم يَقُل: أي الصَّحيح لذاته؛ للإشارة إلى أنَّ تفاوُتَ
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (١/ ٦٤٣)، تلخيصا.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٤٩ - ٥٠).
[ ١ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرُّتَبِ لا تختص به، بل يشاركه فيه الصَّحيحُ لغيره أيضًا؛ وعليه فيكون [الضمير] (^١) عائد على المُقيَّد بدون قَيدِه.
تنبيه:
التفاعل الواقع في المَتْن غيرُ مُراد، وإنَّما المراد أنَّ بعضها يَفُوق بعضًا، ويَفُوقه في تلك الصفات التي هي كذلك أيضًا؛ فيكون أصَحَّ منه، وقد رَمَزَ في الشَّرح إلى هذا.
[قوله] (^٢): «هذه الأوصَاف»:
لعلَّ المراد جِنسُها؛ إذ لا يَتَأتَّى التَّفاوتُ إلا في: العدالة والضَّبْط، لا في الاتصال، ولا في العلة، ولا في عدم الشذوذ، إلَّا على قول الحاكم و[الخليلي] (^٣)؛ لأنها مُبايِنةٌ (هـ/٧٠) للصِّحَّةِ مِن أصلِها.
وقوله: «في القُوَّةِ»:
يتنازعه الفعلُ والمصدر اللَّذان في المَتْن، وأَعمَلَ الثانيَ وحَذَف من الأول الضمير.
[قوله] (^٤): «فإِنَّها لَمَّا كانَتْ إلخ»:
أي: فإنَّ الصِّفاتِ المذكورةَ لَمَّا كانت مفيدة لغلبة الظن إلخ، يُتأمل في وجه الملازمة بين إفادة هذه الأوصاف] لغلبة] (^٥) الظَّنِّ بصِدْق الراوي وضبطِه، وبَيْن اقتضائها [درجاتِ] (^٦) الصحة؛ إذ لا تلازم بين تفاوت تلك الدرجات
_________________
(١) في (أ) صحف إلى [الضمائر].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): [الخليل].
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (هـ): [بغلبة].
(٦) في (هـ): [ودرجات].
[ ١ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإفادةِ غلبة الظَّنِّ، وإلَّا لم تُوجَد إفادة غلبة الظَّنِّ بدون تفاوت الدرجات، وهو باطل بديهةً. ولو قال: فإنَّها لمَّا كانت متفاوتةً في إفادتها لغلبة الظن كان الظن] بها] (^١) كذلك؛ لظَهرَتِ الملازمةُ. ويُمكن أنْ يُقال: تفاوُتُ تلك الصفات في إفادة غلبة الظن لمَّا كان معلومًا من السِّياق حَذَفَه مع إرادته؛ فظهرت الملازمة، كما يمكن أنْ يُقال: إنَّ ضمير «كانت» راجع للصفات المتفاوتة،] وضمير «لها»] (^٢) من «يكون لها» للصِّحة، وهذا أحسَنُ.
[قوله] (^٣): «الَّذي عليهِ مَدارُ الصِّحَّةِ»:
نعت لـ: «غَلَبة الظَّنِّ»؛ إذ هي التي عليها تدور الصحة لا على الظَّنِّ، وكان حقُّه: «التي»، لكنَّه راعى اكتساب المضاف من المضاف إليه التذكير (^٤).
وقوله: «اقتضَتْ»:
أي: تلك الصفاتُ المتفاوتة، وإفادة «غَلَبة الظَّنِّ» التي تدور عليها الصحة، «أنْ يكون لها» أي: للصحة «درجات».
وقوله: «بحَسَبِ»:
حالٌ من «درجات»، والمراد من «الأمور المُقَوِّية» لغلبة الظنِّ زيادة تلك الأوصاف عدالةً وضبطًا، وهو محرَّكُ السين، بمعنى: قَدْر (^٥).
_________________
(١) في (هـ): [لها [.
(٢) في (ب) و(هـ): [وضميرها [.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) قضاء الوطر (١/ ٦٨٥).
(٥) قضاء الوطر (١/ ٦٨٦).
[ ١ / ٢٩١ ]
وَإِذَا كَانَ كذَلكَ، فَمَا يَكونُ رُواتُهُ في الدَّرجةِ العُليا مِنَ العدالَةِ والضَّبْطِ وسائِرِ الصِّفاتِ التي تُوجِبُ التَّرجيحَ لَهُ، كانَ أَصحَّ ممَّا دونَهُ.
[قوله] (^١): «وإِذا كانَ كذلك»:
يُحتمل: وإذا كان الحديث الصحيحُ كذلك، أي: تتفاوَتُ رُتبُه بتفاوت تلك الصفات، ويُحتمل: وإذا كان الأمر والشأن ما ذُكِر (^٢).
[قوله] (^٣): «فما [يكونُ] (^٤)»:
أي: [فالحديث (^٥) الذي] تكون (^٦) رُواتُه في «الدرجة العُليا إلخ؛ كان أصحَّ»، إنْ قلتَ:] هلَّا (^٧) قال: كان في الموضعين، أو قال: يكون فيهما، وكيف يصحُّ الحُكمُ لوقوع شيء في الماضي على تقدير وجود شيء في المستقبل؟ قلتُ: يعني فالحديث الذي يُطَّلَعُ في المستقبل على اتصاف رُواته بالصفة المذكورة؛ يُحكم له بتقرر صحته في جميع الأزمنة الماضية ويستمر كذلك، فلو أتى بالماضي فيهما أو المضارع فيهما لم يُفِدْ ذلك.
تنبيهان:
الأول: قال (ق) (^٨) في قوله: «فما تكون رُواته إلخ»: «هذا شيءٌ لا ينضبط،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (١/ ٦٨٦).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (أ) و(ب): [تكون].
(٥) في (ب) و(هـ): [ذا الحديث].
(٦) في (ب) و(هـ): [يكون].
(٧) في (هـ): [هل لا].
(٨) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٤٩).
[ ١ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يعتبروه في الصحابة» انتهى، قلتُ: أمَّا قوله: [فَلم] (^١) ينضبط، فقد بَناه على مَرَّ له ممَّا مَرَّ لنا جوابه، [وأما قوله] (^٢): وَلم يعتبروه في الصحابة، فجوابه: أنَّ عدالتهم لمَّا كانت ثابتةً على أكمل الوجوه؛ إذ مرتبة أدناهم أرفعُ من رتبة أعظم العظماء من (أ/٦٠) غيرهم، وكان غاية الأمر فيهم أن يساوُوا ابن شهاب مثلًا ولا يُتَصور نزولهم عنه بحال لم يَلتفِتوا إلى إجراء ذلك فيهم إلخ.
الثاني: قوله: «كان أصحَّ مما دُونه» أُورِدَ عليه: أنَّ هذا يخالِف الجزم بأنَّ أرفع مراتب الصحيح ما كان مرويًّا للشيخين، ولم يُقدح فيه بمُعتبَر. وحاوَلَ بعضهم الجواب بأنَّ ما قاله هنا تَبِع فيه الأقدمين، وهو منهم محمول على ما كان قبل وجود الكتابين، وبأنَّ هذا طريقُ من لم يُفضّل مرويَّ الشيخين أو أحدهما، على ما قَيل فيه: إنَّه أصحُّ الأسانيد، وما يأتي هو طريق الشيخين، ومن قال بذلك وبأنَّ الكلام فيما قيل فيه أصحُّ الأسانيد من غير نظر للواسطة الزائدة عليه الشيخين.
وقد قال الشارح: إنَّما حُكِم بأنَّه أصحُّ مما] يليه] (^٣) من تلك المراتب لا مطلقًا؛ فلا ينافي أن غيره إذا لم يكن من تلك المراتب يكون أصح منه. قاله (هـ) (^٤).
وقوله: «مِن العدالَةِ»:
أي: من درجات العدالة (هـ/٧١)، ومراتبِ تمَام الضَّبْطِ، «وسائر الصفات» باقيها (^٥).
_________________
(١) في (ب) و(هـ): [لم].
(٢) زيادة من (ب).
(٣) في (أ): [عليه].
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٦٨٧)، وما بعده.
(٥) قضاء الوطر (٢/ ٦٨٨).
[ ١ / ٢٩٣ ]