وهَذَا حَيْثُ يَحْصُلُ منهُ التَّفرُّدُ بتلكَ الرِّوايةِ.
وعُرِفَ بهذا جَوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ، فَقَالَ: الحسنُ قاصرٌ عنِ الصَّحيحِ، ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذَلكَ القُصورِ، ونَفْيُهُ!
[قوله] (^١): «وهذا حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ التَّفَرُّدُ»:
اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه بما ذُكِرَ من التردُّد، وضمير «يحصل منه» راجع للنَّاقل، المراد به: ما عدا الصحابيِّ، واعترضَ (ق) (^٢) قوله: «يَحْصُلُ مِنْهُ إلخ»، (هـ/٨٦) بقوله: «يَرِدُ عليه ما إذا كان المُنفرِدُ جَمَعَ شروطَ الصِّحَّةِ /عندهم» انتهى.
لكنَّ المؤلِّف في النُّكت (^٣) قال «أجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال -يعني: إشكالَ ابنِ الصلاح- لأنَّه باعتبار صِدْقِ الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رُواته عند أئمة الحديث، فإذا كان منهم مَن يكون حديثُه صحيحًا عند قومٍ وحَسَنًا عند قوم يُقال فيه ذلك»، قال: «ويُتَعَقَّبُ هذا: بأنَّه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: حَسَنٌ وصحيح»، قال: «ثُمَّ إنَّ الذي يَتَبادَرُ إلى الفَهم أنَّ التِّرمِذيَّ إنَّما يَحكُمُ على الحديث بالنِّسبة إلى ما عنده لا بالنِّسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويَتَوَقَّفُ أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جَمَعَ فيها التِّرْمِذيُّ بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٦٠).
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (١/ ٢٧٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في صِحَّته قَدَحَ في الجواب أيضًا، لكنْ لو سُلِّم هذا الجوابُ لكان أقربَ إلى المراد من غيره، وإنِّي لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يَرِدُ عليه ممكنٌ» انتهى. فأنت تراه مَسبوقًا بالجواب المذكور هنا، وتراه لم يجزم بأنَّ التِّرمِذيَّ وُجِدَ فيه سندُ حديث مما وصفه بحَسَنٍ صحيحٍ لم يختلف فيه جميعُهم؛ فالإقدام على النقض به من قصير الباع قليل الاطلاع مِن تحرش الأرانب مع ضواري السِّباع. ويُستفاد من كلامه أنَّ حرف العطف المقدَّر: الواو، لا: أوْ، وهو خلاف ما يقتضيه تعبيرُه بحرف التردُّد وتصريحه بأنَّه: أوْ، والله أعلم؛ فَدَع عنك ما قيل أو يُقال، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! قاله (هـ) (^١).
[قوله] (^٢): «وعُرِفَ بهذا»: اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه وأكمل السابق.
وقوله: «جواب مَن اسْتَشْكَل» أي: جواب إشكال شَخْصٍ، أو الشَّخص الذي استشكل إلخ. ولو قال: جواب استشكال الجمع بين الوصفين بلزوم التناقض، فقال إلخ؛ كان أخصَرَ وأظهر.
[قوله] (^٣): «الحَسَنُ قَاصِرٌ عن الصَّحِيحِ»: يعني أنَّ الحَسَن مُطْلَقًا [تَقْصُر] (^٤)
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٧٨١).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (هـ): [يقصر].
[ ١ / ٣٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوصاف رُواتِه عن أوصاف رُواةِ الصَّحيح مُطْلَقًا، سواءٌ كان لِذاتِه أو لغيره؛ إذ الصحيح يُعتبَرُ فيه من حيثُ إنَّه صحيحٌ: إمَّا بلوغ نَقَلَتِه أعلى صفات الكمال عَدالةً وضبطًا، وإما شهرة الاتصاف بأضداد ذلك مع وُرود مُقوله كما مَرَّ تفصيلُه، والحَسَنُ من حيث إنَّه حَسَن يُعتبَرُ فيه اتِّصافُ نَقَلَته بالنُّزول عن (أ/٧٤) ذلك مع الاتصاف بأصله لا مع عاضد، أو أنْ يَكُونَ في رُواته مجهولٌ مثلًا مع ورود عاضد لا يُلْحِقه بالصحيح؛ فظهر أنَّ أحدَهما مشروطٌ بأمرٍ والآخَرَ مشروط بنقيضه، وما كان كذلك لا يُتَصَوَّرُ فيه الاجتماعُ.
وقضية قولنا: (حَسَنٌ صحيح) أنَّه جمع الوصفين، وهو تناقض؛ لأن في الجمع بين الوصفين إثباتَ ذلك القصورِ ونَفْيَه، وأجاب بما يأتي (^١).
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٧٨٨).
[ ١ / ٣٥٥ ]
ومُحَصَّلُ الجَوَابِ: أَنَّ تَردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حَالِ ناقلِهِ اقْتَضى للمُجْتَهدِ أَلَّا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصْفَينِ، معينًا فَيُقَالُ فِيهِ: حَسنٌ باعتبارِ وَصْفِهِ عندَ قومٍ، صَحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ آخرين.
وَغَايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: حَسَنٌ أَو صَحيحٌ.
وهَذَا كَما حَذَفَ حَرْفَ العَطفِ مِنَ الَّذي بَعْدَهُ.
[قوله] (^١): «ومُحَصَّلُ الجوابِ»:
قال (ق) (^٢): «] يَرِد] (^٣) عليه ما إذا كان الراوي جامعًا لشروط الصِّحَّةِ باتفاقٍ ولم يتردَّد واحدٌ فيه» انتهى. قُلتُ: قدَّمنا جوابه، قاله (هـ) (^٤).
[قوله] (^٥): «أَئمَّةِ الحَدِيثِ»:
فيه إشارةٌ ما إلى أنَّه لا بد أن يكون التردُّدُ فيما ذُكِرَ من الأئمة المُعتبَرِين، وتقدَّم أنَّهم المجتهدون، يعني في صناعة الحديث، ويكفي في التردُّد وُجودُ الاضطراب في كلامهم عند] التردُّد] (^٦) لعَدِّ مآثرهم والخوض في الثناء عليهم، والظاهر -والله أعلم- أنَّ مِن ذلك: التعديلَ المقابل للجَرْح المُبْهَم (^٧).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٦١) ونصه «قدمت أنه يرد عليه ».
(٣) في (هـ): [مما يرد].
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٨٩).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) في (هـ): [التنزل].
(٧) قضاء الوطر (٢/ ٧٨٩).
[ ١ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «أَلَّا يَصِفَهُ بأَحَدِ الوَصفَينِ»:
يعني فقط تفاديًا عن التحكم ولزوم الترجيح بلا مُرَجِّحٍ، وإنَّما حقُّه أنْ يَصِفَه بهما معًا إمَّا مُصرِّحًا بعزو كلِّ وَصْفٍ من وَصْفَيْهِ أو أوصافِه لقوم، أو مُضمِرًا ذلك مُريدًا له بأنْ يقول: حسَنٌ صحيح، ويريد بالاعتبارين اللَّذَينِ أشار إليهما الشارح، إذا عَلِمتَ هذا عرَفتَ أنَّ قوله: «فيُقال إلخ» ليس بيانًا] لِما] (^٢) يقوله مُصرِّحًا به؛ لأنَّها ليست من (هـ/٨٧) حالات الاختلاف، ولا من صوَر الإشكال في شيء، بل لِما [ينْويه] (^٣) ويُضْمِرُه مُريدًا له، والأصل: فيقول: حَسَنٌ صحيحٌ، يريد الحَسَن باعتبارٍ أو صحيح باعتبار، فلو قال: فيقول، بَدَلَ: «فيقال»؛ كان أَوْلى، كما أنَّه لو أدخل «أو» على قوله: «صحيح باعتبار إلخ»؛ كان أولى، بيانًا للمعنى؛ حتى يتضح قوله: «وغاية إلخ»، ولكنَّه قصد الحكاية للفظ الواقع من المجتهد مع تفسيره (^٤).
[قوله] (^٥): «وغايةُ ما فيهِ»:
أي: وأقصى ما في قولهم: (حَسَنٌ صحيحٌ) من الإشكال على هذا التوجيه وأجمل أنَّه حَذَف منه حرفَ التردُّد والشك، وهو لا يضر في مثل هذا المقام في
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [كما].
(٣) في (هـ): [ينوبه].
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٩٠).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أداء المَرام، على أنَّه سُمِع حذفُه نَظمًا و] شرحًا] (^١) ونَثرا، وإنْ كان الأصحُّ اختصاصَ جوازه بالشعر، وهذا الحذف اللاحق لحرف الإضراب هنا كالحذف اللاحق لحرف العطف الذي بعده، وأنَّه من القِسْمِ الذي بعده، وهو قوله: «وإلَّا فبِاعْتِبارِ إِسْنادَينِ».
قال (ب) (^٢): «لا يُقال: عُهِدَ حذفُ «الواو» دُون «أوْ»؛ لأنَّا نقول: بل ذلك أيضًا معهود، كما قال ابن مالك في شواهد التوضيح (^٣) على الجامع الصحيح في حديث عَدِيِّ بن حاتم -رَفَعَه-: «تَصَدَّقَ رجُلٌ مِن [دِرهَمِه] (^٤) مِن دينارِه مِن صاعِ تَمرِهِ إلخ» (^٥)، وفي قول عُمرَ: جَمَع رجُلٌ عليه ثيابَه، صلى في إزار وقميص في إزار في تُبَّانٍ (^٦)، وفي مُسلِمٍ عن أبي هريرةَ رفَعَه: «اللَّهمَّ إنِّي أتَّخِذُ عِندَك عَهْدًا، فأيُّ مُسْلِمٍ آذَيْتُه شَتَمْتُه لَعَنْتُه جَلَدْتُه » (^٧) الحديثَ» انتهى. وللمؤلِّف إشكال على هذا الجواب يأتي آخرَ المبحث.
_________________
(١) زيادة من (هـ).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٧٩٠).
(٣) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (ص ١١٧).
(٤) في (هـ): [دراهم].
(٥) مسلم (١٦٩١)، وهو في البخاري (٣٥٢)، من مسند أبي هريرة -﵁-.
(٦) البخاري (٣٦٥).
(٧) مسلم (٢٦٠١) بلفظ: «اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة».
[ ١ / ٣٥٨ ]
وعَلَى هَذَا، فَمَا قيلَ فيهِ: حَسَنٌ صَحيحٌ، دونَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ؛ لأنَّ الجزمَ أَقْوى مِن التَّردُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ.
وإِلَّا -أَيْ: إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ- فَإِطْلَاقُ الوَصفَيْنِ معًا على الحديثِ يكونُ باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ؛ أَحَدُهُما صَحيحٌ، والآخرُ حَسنٌ.
وعَلَى هذا، فَما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ، فَوْقَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ، فَقَطْ إذا كَانَ فَرْدًا؛ لأنَّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي.
فَإِنْ قيلَ: قدْ صَرَّحَ التِّرمِذيُّ بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: حسنٌ غَريبٌ، لَا نعرِفُهُ إِلَّا مِن هذا الوجهِ؟!
[قوله] (^١): «وَعَلَى هذا»:
اسم الإشارة راجعٌ للجواب، أي: ويبنى على هذا الجواب، أو وإذا بنَيْنا على هذ الجواب كما يُرشدُ له دخولُ الفاء المُشعِرةِ بالشَّرْطية في قوله: «فما» أي: فالحديث الذي، أو الإسناد الذي، و«حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل».
تتمة:
قال بعضهم: وعلى هذا فما قيل فيه: حَسَنٌ صحيحٌ؛ أعلى مما قيل فيه: حسَنٌ فقط، وبه عُلِم حُكْمُ الأقسام الثلاثة، وهي: حَسَنٌ صحيحٌ، وصحيحٌ فقط، وحَسَنٌ فقط.
وفي كتابة: «وعلى هذا إلخ» اعتُرِض بأنَّ الحكم على الإسناد بالصِّحَّة لا يُقضى به على المَتْنِ؛ إذ قد يَصِحُّ الإسنادُ لثقة رجاله وضبطِهم واتِّصالِه، ولا
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحُّ المَتْنُ لشذوذ أو عِلَّةٍ، وقد ضَعَّف غيرُ واحدٍ من المحدِّثينَ أحاديثَ مع حكمهم على أسانيدها بالصحة.
[قوله] (^١): «وهذا»:
أي: الجواب، إنَّما يطرد «حَيْثُ التَّفَرُّدُ» أي: في حديثٍ وُصِفَ بالأمْرين جميعًا وكان فردًا، بأنْ لم يَكن له إلَّا طريقٌ واحدٌ.
[قوله] (^٢): «إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ»:
وفي بعض النسخ: «أي: إذا لم إلخ»، ولو قال بدله: إن لم يحصل إلخ؛ كان أَولى. فإن قُلتَ: قَدَّر «إذا» لأجْل الفاء بعدها، قلنا: هي في جواب إنْ الشَّرْطية المقرونة بلا النافية؛ لأنَّ التقدير بها أَولى، فلا تَهِم، لا يُقال: قَدَّر إذا إرشادًا إلى أنَّ الشرط مُقدَّرٌ مع لا؛ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّها إلَّا الاستثنائيةُ كما وَقع ذلك لبعض العلماء؛ لأنَّا نقول: تقدير أنْ يدفعه أيضًا. نعمْ يمكن أنْ يقال: إنَّه قدَّر إذا (^٣) ليُفيدَ (^٤) أنَّ: «إنْ» هنا (أ/٧٥) للمُحقَّق لا للمشكوك، كما هو أصلُها.
[قوله] (^٥): «وعلى هذا»:
أي: وإذا بنَيْنا على هذا الاعتبار، يدُلُّ عليه دخولُ الفاء بعده.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب) زيادة [لا].
(٤) في (ب): [يفيد].
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «فما قيل فيه»:
أي: في وصفه، أو في شأنه، أو يُضمَّنُ «قيل»: معنى أطلق، و«في» بمعنى على، و«حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل».
[قوله] (^٢): «إذا كان فَرْدًا»:
أي: إذا كان ما قيل فيه: صحيحٌ فقط فردًا، أمَّا لو كان عَزيزًا أو مشهورًا فيُطْلَبُ الترجيحُ لِما يَصِير به أحدُهما فوقَ الآخَرِ.
[قوله] (^٣): «تُقَوّى»:
أي: يتقوَّى الحديث ويُجبَرُ الخَلَلُ الواقعُ في راويه حتى يُلْحِقَه بالصِّحَّةِ أو الحُسْن (^٤). (هـ/٨٨)
[قوله] (^٥): «فإنْ قِيل إلخ»:
قَصْدُه بهذا السؤال إيرادُ قولِ الزَّرْكَشيِّ كما يأتي نقْلُه في التتمة آخِرَ المبحث. واعلمْ أنَّ هذا السؤالَ -يعني الذي أورده ابن الصَّلاح- يَرِدُ بعينه في قول الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ؛ لأن مِن شرط الحَسَن أن يكون معروفًا من غير وجه،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٧٩٢).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والغريب ما انفرد به أحد رواته، وبينهما تنافٍ، وأجاب عنه لما يأتي ثَمَّةَ.
[قوله] (^١): «بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ»:
أي: طريقٍ. إن قيل: كيف يكون ما ذَكَر عنده شرطًا وقد اعترَف بأنه ذَكَر جزءًا من التعريف، وإنَّما يُذكر في الحدود الذاتيَّاتُ؟ قلنا: التعريف أعمُّ من الحدِّ والرَّسم الذي يذكر فيه الخواص والمزايا التي منها الشروط. فإنْ قُلتَ: التِّرْمِذيُّ أتى بـ «كلِّ» وهي للأفراد؛ فلا يكون ما ذَكَر تعريفًا؛ إذ لا يكون إلَّا للحقائق والماهيَّاتِ دون الأفراد؟ قلنا: قد يقال: إن التعريف حاصِلٌ بمدخولها، وإنَّما جيء بها؛ لبيان الاطِّرادِ.
وفي كتابة: «مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ» أي: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فأكثَرَ، فَوْقَه أو مِثله لا دونه؛ فيترجح.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦٢ ]
فَالجَوَابُ: أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ المُطْلَقَ، وإِنَّما عَرَّفَ بنوعٍ خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِهِ، وهُوَ ما يقولُ فيهِ: «حَسنٌ»، من غيرِ صفةٍ أُخرى، وذَلكَ أَنَّهُ يَقُولُ في بعضِ الأحاديثِ: «حَسَنٌ»، وفي بعضِها: «صَحيحٌ»، وفي بعضِها: «غريبٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ صحيحٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ غَريبٌ»، وفي بعضِها: «صحيحٌ غريبٌ»، وفي بعضِها: «حسنٌ صحيحٌ غريبٌ».
وَتعريفُهُ إِنَّما وَقعَ على الأوَّلِ فَقطْ، وعبارتُهُ تُرشِدُ إِلى ذلك، حيثُ قال في آخِرِ كتابِهِ: «ومَا قُلْنا في كتابِنا: «حديثٌ حسنٌ»، فإِنَّما أَرَدْنا بهِ: حَسَنٌ إِسنادُهُ عندَنا؛ إِذْ كُلُّ حديثٍ يُرْوى ولَا يكونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ، ويُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ نحو ذَلكَ، ولا يكونُ شاذًّا، فهو عندَنا حديثٌ حسنٌ».
[قوله] (^١): «لم يُعَرِّفِ»:
أي: الترمذي، «الحَسَنَ المُطْلَق» أي: سواءٌ وَصَفَه بالصِّحَّةِ أو الغرابة أو لا.
[قوله] (^٢): «وإِنَّما عَرَّفَ بِنَوعٍ إلخ»:
«الباء» صِلة، أو ضَمَّن «عَرَّف» معنى نبَّأ، ولو أسقطها كان أخصَرَ وأظهرَ، وضمير «مِنْهُ» للحَسَنِ المُطْلَق، كما أنَّ ضمير «وهو ما يقول فيه إلخ» راجعٌ للنَّوع الخاصِّ الذي عَرَّفه، وهو الحَسَن لغيره.
[قوله] (^٣): «وذَلك»:
بيانٌ لما ادعاه من: «أنَّه إلخ»، وضمير «أنَّه» الأولى عودُه للتِّرْمِذيِّ، ويجوز
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَعْلُه للشأن، وقد عَلِمتَ ما في نظير: «يَقُولُ في بَعْضِ الأحادِيثِ» آنِفًا.
[قوله] (^١): «إِلى ذَلِكَ»:
أي: قَصْر تعريفه على النَّوع الأَوَّل من الحَسَن فقط.
[قوله] (^٢): «حَيثُ قال»:
الظاهر أنَّها حيثيَّةُ تعليل.
قوله: «في آخِرِ كِتابِه»:
أي: آخِرِ «العِلَلِ» التي ذكرها آخِرَ «الجامع».
[قوله] (^٣): «وَمَا قُلْنا إلخ»:
الظاهر أنَّ «ما» فيه موصولةٌ عائدها ضميرُ «به» من قوله: «إنَّما أَرَدْنا به»، والمَصدريَّة لا ضمير لها.
[قوله] (^٤): «كُلُّ حَديثٍ يُرْوَى إلخ»:
قال بعضهم: «هو خبرُ مبتدأٍ محذوف» انتهى. قُلتُ: والظاهر أنَّه مبتدأٌ خبرُه جملة قوله: «فهو عندنا إلخ»، ودخول «الفاء» في خبر المبتدأ الدالِّ على العموم أو المفيد للإبهام جائزٌ، وقد قدَّمْنا الكلام على دخول «كُلٍّ» في التعريف آنفًا.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «لا يَكُونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ»:
معناه بأنْ لم يظهر منه [تعمده] (^١)، ولَمَّا شَمِل ذلك ما كان بعض رُواته: سيئَ الحفظ أو مستورًا أو مُدَلِّسًا بالعنعنة مثلًا أو مُختَلِطًا؛ شَرَطَ شَرْطًا آخَرَ مُصححًا له، فقال: «ويُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ» بأن] يجيء] (^٢) من طريقٍ آخَرَ مِثلِه أو فوقَه أو أكثرَ إنْ كان دُونه كما مَرَّ تفصيلُه، سواءٌ كان مما [هو] (^٣) بلفظه أو بمعناه يَتَرَجح به أحد الاحتمالين؛ لأنَّ سيئ الحفظ مثلًا يُحتمل أن يَكونَ ضبَطَ مَرْوِيَّه ويُحتمل خلافُه، فإذا وَرَدَ من وجهٍ آخَرَ مِثل ما رواه غَلَب على الظَّن أنَّه ضَبَط. واعتُرِضَ عليه بأنَّ: ما حَدَّ به الحَسَن لم يميِّزه عن الصحيح، وأُجيبَ: بأنَّه مَيَّزه عنه؛ حيث شَرَطَ فيه أنْ يُروى [ذلك] (^٤) مِن وجهٍ آخَرَ دون الصحيح، فلم يُشتَرَط فيه ذلك، وهو لم يُعَرِّف بذلك كلَّ حَسَنٍ، بل ما قال فيه: حسنًا فقط، وهو الحَسَن لغيره، دُون ما قال فيه: حَسَنٌ صحيحٌ، أو حَسَنٌ غَريبٌ، أو حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ، كما قاله الشارح.
وفي كتابة: لو قال: من وجهٍ آخَرَ نحو ذلك؛ كان أظهَرَ في إفادة المعنى [المراد] (^٥).
وقوله: «نَحْوَ ذلك» صفة لـ: «غير».
_________________
(١) في (أ): [تعهده].
(٢) في (ب) و(هـ): [يجري].
(٣) في (ب) زيادة [عليه].
(٤) زيادة من (ب).
(٥) زيادة من (ب).
[ ١ / ٣٦٥ ]
فعُرِفَ بِهَذَا أَنَّهُ إِنَّما عَرَّفَ الَّذي يقولُ فيه: «حَسنٌ» فَقطْ، أَمَّا ما يقولُ فيهِ: «حسنٌ صحيحٌ»، أو: «حسنٌ غريبٌ»، أو: «حسنٌ صحيحٌ غريبٌ»، فلم يُعَرِّجْ على تعريفِهِ، كما لم يُعَرِّجْ على تعريفِ ما يَقولُ فِيهِ: «صحيحٌ» فَقطْ، أو: «غريبٌ» فَقطْ.
وَكأنَّهُ تَرَكَ ذَلكَ؛ اسْتِغناءً بشُهرَتِهِ عندَ أَهلِ الفنِّ، واقْتصرَ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ في كتابهِ: «حسنٌ» فَقطْ؛ إِمَّا لغُموضِهِ، وإِمَّا لأنَّهُ اصطِلاحٌ جديدٌ، ولذَلكَ قيَّدَهُ بقولِهِ: «عندنا»، ولم يَنْسُبه إِلى أَهلِ الحديثِ كما فَعَل الخَطَّابيُّ.
[قوله] (^١): «أمَّا ما يَقُولُ فيه إلخ»:
يوضّح هذا ما ذكره في «العِلَل» من حديث خالدٍ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هريرة يَرفَعُه: «مَن أَشارَ إلى أخيه بحديدةٍ الحديثَ» (^٢)، قال فيه: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ (أ/٧٦) من هذا الوجه»، استُغرِب من حديث خالدٍ لا مُطْلَقًا (^٣).
(هـ/٨٩) [قوله] (^٤): «كَما لم يُعَرِّجْ إلخ»:
«ما» فيه مصدريَّة.
قوله: «أو كَأَنَّه تَرَك ذلك»:
أي: تعريف كلِّ ما لم يَتَعَرَّضْ لتعريفه ممَّا ذَكَرَه.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) مسلم (٢٦١٦)، وينظر: جامع الترمذي (٢١٦٢).
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٧١٤).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «[لشهرته] (^٢) إلخ»:
زاد بعضهم: أو ذُهولًا، أو لكَونِه يُعْلَمُ بالمُقايَسةِ على ما ذَكَرَه.
[قوله] (^٣): «واقْتَصَرَ ..»:
إلى قوله: «فَقَطْ» تَكرارٌ؛ أعاده ليُرتِّبَ عليه التعليلَ ويُلصِقَه به.
[قوله] (^٤): «إمَّا لغُمُوضِه إلخ»:
لو قال: ولأنَّه اصطلاحٌ جديد؛ لكان أحسَنَ؛ إذْ كلامُه يقتضي أنَّهما جَوابان، أحدهما: الغموض وهو اصطلاح قديم، والثاني: أنَّه اصطلاح جديدٌ، ولا يخفى ما فيه.
تنبيه:
الحديث الضعيف تارةً يكون ضَعفُه لضَعْفِ حِفظِ راويه الصدوق الأمين؛ فإذا جاء مِنْ وجهٍ آخَرَ ضعيفًا صار حسنًا لغيره، وكذا لو كان ضَعفُه لإرسالٍ أو تدليسٍ أو جهالةِ حالٍ وزال بمجيئه مِن طريقٍ آخَرَ، وإن كان الضَّعفُ لفِسْقِ الراوي فمجيئُه مِنْ وجهٍ آخَرَ لا يؤثِّرُ فيه، قاله (ج) (^٥).
وقال (هـ) (^٦): «اصطلاح جديدٌ» يعني له وحْدَه.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [شهرته].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٢١٧).
(٦) قضاء الوطر (٢/ ٨٠٨).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وَبِهَذَا التَّقريرِ يَنْدَفعُ كَثيرٌ مِنَ الإِيراداتِ الَّتي طالَ البحثُ فيها، ولمْ يُسْفِرْ وَجْهُ تَوْجيهِها، فللهِ الحمدُ على ما أَلْهَم وعَلَّمَ.
[قوله] (^١): «مِنَ الإيراداتِ إلخ»:
الظاهر -والله أعلم- أنَّ مراده: الإيرادات على جَوابَي ابن الصَّلاح وغيرهما مما هو لغيره، وإلا فليس في المقام إلَّا الإيراد الذي أشار إليه ابن الصَّلاح (^٢)، وذلك أنَّه بعد إيراده الإشكالَ السابقَ قال: «وجوابه: أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد؛ فإذا رُوِي الحديثُ الواحد بإسنادين، أحدهما: إسناد حَسَنٌ، والآخر: إسناد صحيح؛ يستقيم أنْ يُقال فيه: إنه حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، أي: إنه حَسَنٌ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَرَ، على أنه غيرُ مُستَنكَرٍ أنْ يَكون بعضُ مَن قال ذلك أراد بالحُسن: معناهُ اللُّغويَّ، وهو ما تميل إليه النَّفْسُ ولا يأباه القلب، دُون المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحنُ بصَدَده» انتهى.
فقال ابن دَقيقِ العِيدِ في «الاقتراح» (^٣): «يَرِدُ على الجواب الأول الأحاديثُ التي قيل فيها: حَسَنٌ صحيحٌ، مع أنَّه ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ، ويَرِدُ على الثاني: أنَّه يَلزَمه أنْ يُطلِق الحُسْنَ على الحديث الضعيف، وإن بَلَغ رتبةَ الوضع إذا كان حَسَن اللفظ تَميل إليه النفْسُ ولا يأباه القلب، ولا قائلَ به من المحدِّثينَ» انتهى، وَرَدَّ المؤلِّفُ في النكت (^٤) اعتراضَ ابن دَقيقِ العِيدِ الثانيَ بقوله: «قلتُ: أطلقوا
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩)
(٣) الاقتراح (ص ٢٤٣)، وما بعدها.
(٤) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٧٥).
[ ١ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الحديث الضعيف بأنَّه حَسَنٌ وأرادوا حَسَن اللفظ لا المعنى المصطلحَ عليه»، وساق حديثًا طويلًا عن معاذ بن جبلٍ، «وقال فيه ابن عبد البر: وهو حديثٌ حَسَنٌ جِدًّا، ولكن له إسناد قوي» انتهى كلامه، فإنَّه من رواية موسى بن محمد البلقاوي، عن عبد الرحيم بن زيد العمِّي، والبلقاوي كذاب؛ كذَّبه أبو زُرعة وأبو حاتم، ونَسَبَه ابنُ حِبَّان والعُقيليُّ لوضع الحديث، وعبد الرحيم العمِّي متروكٌ أيضًا. ولابن دَقيقِ العيدِ أن ينفصل عن ذلك بقوله: «إذا أجروا على اصطلاحهم»، والإلزام الصحيح لابن الصَّلاح ما قاله المؤلِّف من أنَّه: «يَلْزَم على إرادة الحُسْنِ اللُّغويِّ ألَّا يوصَفَ حديثٌ بصحة ولا غرابة ولا فَرْديَّةٍ ولا شذوذ إلَّا والحَسَن تابع لذلك؛ فإن كلَّ أحاديث النبي -﵊- (^١) حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلمَّا رأينا الذي وقع في كلامه كثيرًا ما يُفَرِّق، فتارةً يقول: حَسَنٌ ويُطْلِقُ، وتارةً يقول: صحيحٌ فقط، وتارةً يقول: حَسَنٌ صحيحٌ، وتارةً يقول: صحيحٌ غريبٌ، ونحو ذلك؛ عَرَفْنا أنَّه لا محالة جارٍ مع الاصطلاح دون اللُّغة» انتهى.
وقال السيوطيُّ (^٢): «وظهر لي توجيهان آخران؛ أحدهما: أنَّ المراد حَسَنٌ لذاتِه صحيحٌ لغيره، والآخر: أنَّ المراد حَسَنٌ باعتبار إسناده، صحيحٌ، أي: أنه أصَحُّ شيءٍ وَرَد في الباب، فإنَّه يُقال: أصَحُّ ما وَرَد كذا، وإنْ كان حَسَنًا أو
_________________
(١) في (هـ): -﵇-.
(٢) أفاد في قضاء الوطر (٢/ ٨٠٥) أن النقل من قوت المغتذي، وينظر: تدريب الراوي (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضعيفًا، والمراد: أرْجَحُه أو أقلُّه ضعفًا» انتهى. (هـ/٩٠)
قُلتُ (^١): والأول لا يَطَّرِد في قوله: حَسَنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، والثاني يوجِب عَدَمَ العمل بما وصفه بأنَّه: حَسَنٌ صحيحٌ إلَّا بعد التفتيش والفحص؛ لاحتمال ضَعفِه، وهو خِلافُ ما تَعارَف عليه علماءُ السُّنَّة وغيرُهم. انتهى (^٢). (أ/٧٧)
[قوله] (^٣): «على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ»:
فيه [إشعارٌ] (^٤) بأنَّ الجواب السابق مِن مُخترعاته، وقد عَلِمتَ ممَّا نَقَلْناه أنَّه مَسبوقٌ بالجواب بما لم يتعدَّد إسنادُه. و«ما» مصدريَّةٌ، وهو أقْعَدُ؛ لأنَّ الحمد على الصفات أَمكَنُ من الحمد على مُتعلَّقاتها، ويجوز أنْ تكون موصولةً والعائد محذوف، أي: على ما ألهمَناه وعلَّمَناه، والإلهام: إلقاءُ معنًى في القلب بطريق الفيض، بحيث يَثْلَجُ له القلب وتطمئنُّ له النفْسُ، ولا يَخْفَى أنَّ التعلُّم والتعليمَ فرعُ الإلهام، على أنَّ إسناد الإلهام إليه تعالى بلا واسطة من العبد؛ فلذا قدَّمه على التعليم الغالب فيه التوسُّطُ. وقد قدَّمنا أن العاضد إنما يُقَوِّي الحديثَ إذا خَفَّ ضَعفُه، كخِفَّة حِفظ راويه الصَّدوقِ الأمين وكإرساله، أو جهالة حال راويه، وأما إذا قَوِيَ فلا يَنجَبِرُ كفِسْقِ الراوي.
_________________
(١) الكلام للّقاني -﵀-.
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٨٠٦).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (هـ): [إشعارة].
[ ١ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
لم يَذْكُرِ النَّوعَ الذي يُعبِّرُ عنه بعضهم بالصَّالح؛ لعلَّه لكونه يراه راجعًا للحَسَن، كما هو رأيُ الأكثرين، خلافًا لأبي داودَ في جَعْلِه قِسْمًا برأسه، ونَحوُه قولُ يعقوبَ بنِ شَيْبةَ: «الصَّالِح: ما في إسناده مَنْ ليس بالثَّبْتِ»، ولا شكَّ في اندراج هذا في تعريف الحَسَن؛ لأنَّه: ما في سنده مستورٌ خالٍ عن الشذوذ والعلة القادحة. قال أبو داودَ: «ما في كتابي إنِ اشتدَّ وَهْنُه بيَّنْتُه، وإنْ سَكَتُّ عنه فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض». يعني: أنَّ مراتب الصالح مُتفاوِتةٌ في الصَّلاحيَّة، «وذَكَرتُ فيه: الصَّحيح، وما [يُشبِهُه] (^١) ويقارِبُه» (^٢) أي: الحَسَن، قاله (هـ) (^٣).
_________________
(١) في (هـ): [يشهد].
(٢) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (ص ٢٧) ونصه: «وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بيَّنْتُه، ومنه ما لا يصح سنده، ما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض».
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٨١٢).
[ ١ / ٣٧١ ]