بفتح اللام، ولا يَخفى أنَّ المقْسم هو السَّقط؛ فيصير المعنى: والسَّقط الخفيُّ المدلَّس، ولا يخفى أنَّ هذا الحمل غيرُ حقيقي؛ إذ المدلَّس حقيقتُه: هو الإسناد الذي وقع فيه السَّقط الخفيُّ لا السَّقط الخفيُّ.
[قوله] (^٢): «والقِسْم الثاني إلخ»:
قال (ق) (^٣): «القِسم الثاني: السَّقط الخفي، والمدلَّس: هو الإسناد الذي وقع فيه السَّقط؛ فلا يكون الحَمْل حقيقيًّا» انتهى، ولا يخفاك أنَّ التقدير فيه وفي أمثاله: ومحلُّ القِسمِ الثاني، وهو السَّنَد الذي فيه السقطُ الخفي: المدَلَّس، وقِسْ على هذا نظائرَه ولا تَهِم، قاله (هـ) (^٤).
[قوله] (^٥): «لم يُسَمِّ مَنْ حَدَّثَهُ»:
أي: بذلك الحديثِ، والحامل له على عدم تسميته: إمَّا صِغَرُه، وإمَّا ضَعفُه.
[قوله] (^٦): «وأَوْهَمَ»:
عطفٌ على «لم يُسَمَّ»، و«سماعَه» مفعول ثان لـ: «أوهَم»، ومفعوله الأول:
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٨٣).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٩٨٥).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محذوف، والتقدير: وأوهَم مَن رواهم أو الآخذين عنه [سماعه] (^١) الحديث إلخ، وهو صادقٌ بأنْ يكون بصيغة معيَّنة أو لا، وهو الحقُّ؛ فيدخل قول ابن خشرم (^٢): «كنا عند ابن عُيَيْنَةَ فقال: الزُّهْريُّ، فقيل له: حدثَّك الزُّهْريُّ؟ فَسَكتَ، ثُمَّ قال: قال الزُّهْريُّ، فقيل له: سمعتَه من الزُّهْريِّ؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزُّهْريِّ، ولا مِمَّن سمِعَه من الزُّهْريِّ؛ حدَّثَني عبدُ الرزَّاق، عن [مَعْمَر] (^٣)، عن الزُّهْريِّ» رواه الحاكم. قال المؤلِّف: وهو من تدليس الإسناد، ويسمَّى: تدليسَ القطع، لكنَّه مثَّل له بما رواه ابنُ عَدِيٍّ وغيرُه عن الطَّنافِسيِّ أنَّه كان يقول: حدَّثَنا ثُمَّ [يسكت] (^٤) وينوي القطعَ، ثُمَّ يقول: هشامُ بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ومنه: تدليس العَطف، وهو أن يُصرِّح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه [شيخًا] (^٥) آخَرَ له ولا يكون سَمِع ذلك المرويَّ منه، مثاله: ما رواه الحاكم في «علوم الحديث» (^٦) له، قال: «اجتمع أصحاب هُشَيمٍ فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يدَلِّسه، ففطِن لذلك، فلما جَلس قال: حدثنا حُصين ومُغيرةُ عن
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص ١٠٥).
(٣) في (هـ): [عمر].
(٤) في (ب) و(هـ): [سكت].
(٥) في (هـ): [سخا].
(٦) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص ١٠٥).
[ ٢ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إبراهيمَ، وساق عدةَ أحاديثَ، فلمَّا فرغ قال: هل دلَّستُ لكم شيئًا؟ قالوا: لا، فقال: بلى، كلُّ ما حدثْتُكم عن حُصين فهو سماعي، ولم أسمع من مُغيرة [من ذلك شيئًا] (^١)». ومع ذلك هو محمول على أنَّه نوى القطع ثُمَّ قال: «وفلان، أي: في حديثِ فلان، أو (^٢) قال فلان» وإلا لكان كذابًا، والكلام مفروض في تدليس الثقة. فإن قُلْتَ: ظاهر كلامهم كقول المؤلِّف الآتي: «ويرد بصيغة تحتمل اللُّقي» أنَّه للتدليس من صيغة، قُلْتُ: نعم، لكنَّه لا يفيد قَصْرَه على صيغة بعَيْنِها ملفوظة، كما نعرفه من قول المؤلِّف: «كعن رواية» جري على الغالب، كما يُصرِّح به قولهم عن تدليس الإسناد: أنْ يُسْقِط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ، ويفعلُه أهل الحديث كثيرًا ومثَّلوا له بما ذكرناه. «ممن لم يُحَدِّث به» أي: بذلك الحديثِ الذي دلَّس فيه، وأمَّا أصل اجتماعه به فأمرٌ لا بُدَّ منه، كما يأتي للشارح بعد ذلك خِلافًا لِما أوهمه كلامُ ابن الصَّلاح.
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) في (ب) [و].
[ ٢ / ٧ ]
وَاشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلَسِ -بالتَّحريكِ- وهُوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، سُمِّيَ بذَلكَ لاشتراكِهِما في الخَفاءِ، ويَرِدُ المُدَلَّسُ بِصِيغَةٍ مِن صيغِ الأداءِ تَحْتَمِلُ وُقُوعَ اللُّقِيِّ بَيْنَ المُدَلِّسِ ومَنْ أَسنَدَ عنهُ؛ كَعَنْ، وَكَذَا قَالَ.
[قوله] (^١): «واشتِقَاقَه من الدَّلَس»:
بفتح الدال، فإن قُلْتَ: المصدَرُ الدائرُ على ألسنة المحدِّثين: التدليس، (أ/١٠٣) فهلَّا وقع الاشتقاقُ منه؟ قُلْتُ: لم يَشْتَقُّوه منه؛ لأنَّه مَزيدٌ، والدَّلَس مُجَرَّد، والاشتقاق -على الراجح- لا يكون إلا من المصدر المجرَّدِ ملفوظًا كان أو مقدَّرًا، حتى قال الصَّرْفيُّون: إنَّ المصدر (هـ/١٢٠) المَزيد مشتَقٌّ من/المصدر المجرَّد، كالقعود من القعد، والدخول من الدخل، على أنَّ التدليس لُغةً: كَتْمُ العيب في مَبِيع [و] (^٢) نحوه؛ فلا يطَّرد في جميع مواقع المدلَّس، بخلاف الدَّلَس بالمعنى المذكور؛ فإنَّه مُطَّرِدٌ فيها؛ لأن الراويَ كأنَّه لتغطيته الحديثَ على الواقف عليه أظْلَمَ أمْرَه وأوقعه في الحَيرة فيه.
[قوله] (^٣): «وهُو اخْتِلاطُ إلخ»:
أي: الاختلاط الحاصل بسبب الظلام، كما يفيده كلام بعضهم، فإنَّه قال في قوله: «لاشتراكها في الخفاء»؛ لخفاء الساقط [في] (^٤) الإسناد المدلَّس، وخفاء
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (ب): [أو].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (هـ): [فمن].
[ ٢ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشواخص ونحوها باختلاط الظلام.
وقال (هـ) (^١): والظاهر أنَّ المراد بـ «اختلاط [الظلام] (^٢)»: امتدادُه وغباؤه وهو الظلمة، ونائب فاعل «سُمِّي»: راجعٌ للسَّنَدِ المدَلَّس وللحديث المدلَّسِ في سنده، وضمير «اشتراكهما»: راجع له وللظلام أو لاختلاطه.
[قوله] (^٣): «ويَرِدُ المُدَلَّسُ إلخ»:
فإن قُلْتَ: جَعْل المُدلَّس من أقسام ما فيه السَّقطُ يخالف قول العراقي (^٤):
وصَحَّحُوا وَصْلَ معنعَنٍ سَلِمْ من دُلْسةِ رَاوِيهِ، واللِّقا عُلِمْ
وبعضُهُم حَكَى بذا إجماعَا ومُسْلِمٌ لم يَشْرِطِ اجتِماعَا
لكنْ تَعاصُرًا إلخ.
فقد جَعل المُعَنْعَنَ من الموصول، وهو مقابل لِما وقع السَّقط في إسناده، قُلْتُ: قد قُيِّد جَعْلُه من الموصول بسلامة راويه من التدليس، وما هنا مفروض في من راويه مدلِّس.
وقوله: «يحتمل اللقاء»:
الأَولى أنْ يقول: يحتمل السماع، كما صرَّح به النواويُّ وغيرُه من أهل
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٩٨٢).
(٢) في (هـ): [الطلام].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) ألفية العراقي (ص ١٠٥).
[ ٢ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفنِّ، وقال (هـ) (^١): وقوله: «بصيغة» تقدَّم ما فيه، وأنَّه جرى على الغالب.
وقوله: «تَحْتَمِل وُقُوعَ اللُّقِيِّ»:
إنما اشترِط ألَّا تكونَ صريحةً في الاتِّصال؛ لئلَّا يصيرَ كذبًا، كما قاله بعدُ، والمراد باللقاء (^٢): التحدِّيث؛ فالأولى التعبير بالسماع، ويمكِن منعُ دعوى الأولوية؛ فإنَّ اللُّقيَّ صار عُرفًا كنايةً عن السَّماع، وبهذا عُرف أنَّ اللقاء أمرٌ لا بُدَّ منه، وإنَّما الاحتمالُ في السماع منه.
وقوله: «كعَنْ، وكَذا: قَالَ»:
ومثله: فَعَل [فلان] (^٣)، كذا عند الجمهور، ومِثل ذلك إسقاط أداة الرواية، كما في قول سُفْيانَ الآتي: «الزُّهْريّ إلخ»، ولعلَّ حِكْمةَ قوله في الشرح: «كذا» بيانُ أن «قال» إنَّما أُلْحِقت بـ «عن»؛ لِما فيها من احتمال عدم السَّماع، أمَّا مع «لي» نحو: «قال لي» فصريحة، وإن غَلَب استعمالها في المذاكرة دون التحديث.
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ٩٨٩).
(٢) الكلام للبقاعي كما في قضاء الوطر (٢/ ٩٨٩).
(٣) زيادة من (ب).
[ ٢ / ١٠ ]