وقَدْ يَقَعُ القَلبُ في المتنِ أَيضًا؛ ويصير كحديثِ أَبي هُرَيرةَ -﵁- عندَ مُسْلمٍ في السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُم اللهُ تحتَ ظلِّ عَرْشِهِ، ففيهِ: «وَرَجُلٌ تَصدَّقَ بصدَقةٍ أَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ»، فهذا ممَّا انْقَلَبَ على أَحدِ الرُّواةِ، وإِنَّما هو: «حتَّى لَا تعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ»؛ كما في «الصَّحيحينِ».
أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِزيادةِ راوٍ في أَثناءِ الإِسنادِ، ومَنْ لم يَزِدْها أَتقَنُ ممَّن زَادَها، فَهَذا هُوَ المَزيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ.
وشَرْطُهُ: أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ، وإِلَّا فمتى كانَ مُعَنْعَنًا -مثلًا- ترجَّحَتِ الزِّيادةُ.
[قوله] (^١): «وقَدْ يَقَعُ القَلْبُ في المَتْن»:
فيه إشارةٌ إلى قِلَّته، وضابطه أنْ يُعطي أحد الشيئين ما اشتَهر لغيره، ومثَّله البُلقينِيُّ بحديث رواه خُبيبُ بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة مرفوعًا: «إذا أذَّن ابن أم مَكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا» (^٢) الحديث، رواه أحمد وابن حِبَّان، والمشهور حديث ابن عمر وعائشة: «إن بلالًا يؤذن بليل، فكُلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مَكتوم» (^٣)، ففي الرواية الأولى قَلْبٌ، ومَثَّله الجلال بما رواه الطبرانيُّ عن أبي هريرة: «إذا (هـ/١٣٩) أمرتكم بأمر فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم» (^٤)، ففيه قَلْبٌ؛ لأنَّ المعروف ما في الصحيحين: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم» (^٥).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) أحمد (٢٧٤٤٠)، وابن حبان (٣٤٧٤).
(٣) البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢).
(٤) الطبراني في الأوسط (٢٧١٥).
(٥) البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (٤١٢).
[ ٢ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تتمة:
صرحَّ بعض المشايخ بأنَّ شرط هذا النَّوع: ألا يَقَعَ عمْدًا كما يؤخذ مما يأتي للمؤلِّف.
[قوله] (^١): «أوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ»:
وهو من إضافة المصدر لمفعوله مع حذف فاعله.
[قوله] (^٢): «فهذا هُو: المَزِيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ»:
أي: النَّوع المُسمَّى بذلك، مثاله: ما روى ابن المبارك قال: حدَّثنا سفيان بن عبد الرحمن بن يزيد، حدَّثني بسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريسَ (أ/١٢٠) الخَوْلانيَّ، سَمِعتُ واثلة [يقول: سَمِعتُ] (^٣) أبا مَرْثَدٍ يقول: سمعت الرسول يقول: «لا تَجْلِسوا على القُبور، ولا تُصَلُّوا إليها»، فذِكرُ سفيانَ وأبي إدريسَ في هذا الإسناد زيادةٌ ووهْمٌ، لكن الوهْم في سفيان عمن دون ابن المبارك؛ لأنَّ الثقات رَوَوْه عن ابن المبارك عن ابن يزيد (^٤)، ومنهم مَنْ صرَّح فيه بالإخبار (^٥)، والوهم في أبي إدريس من ابن المبارك؛ فإن الثقات رووه عن عبد الرحمن فلم يذكروا أبا إدريس، وقد حكم الأئمة كالبخاريِّ وغيره على ابن المبارك بالوَهْم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) منهم: حسن بن الربيع البجلي كما عند مسلم (٩٧٢).
(٥) كما عند أبي يعلى الموصلي في المسند (١٥١٤) قال: حدثنا العباس بن الوليد النرسي، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.
[ ٢ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه (^١)، وقد صنف الخطيب في هذا النَّوع كتابا سماه بـ: «المَزِيد في مُتَّصِلِ الأسانيد».
[قوله] (^٢): «وَشَرْطُهُ»:
أي: وشَرْط إلغاء المزيد، بمعنى جَعْل الحُكم للنَّاقص دون الزائد، «أنْ يَقَع التَّصريح من النَّاقص بالسَّماع في مَوْضِع تلك الزيادة» بتحقُّق سماعِه بدون واسطة، ولو عبر بدل السَّماع بما يدل على الاتصال ليَشْمَل: حدَّثنا، وسَمِعْت، وأخبرنا، وأنبأنا، وقال لي -على الراجح-؛ لكان أولى، وأنت إذا تأمَّلتَ وجدتَّ الشَرْط مجموع أمرين هذا أحدهما، وثانيهما: كون من لم يَذْكر تلك الزيادة أوثق ممَّن زادها، وإلَّا «ترجَّحَت الزيادة» أو الوقف، وقوله: «مَثلًا» [لعله] (^٣) ذكره ليَدْخل [المؤنْأَنُ] (^٤) والمرويُّ من غير حرف جر، وكلُّ ما لا يدل على الاتصال، وإنَّما ترجَّحَت الزيادة؛ لأنَّها من الثقة مقبولة.
تنبيه:
إذا وُجد الشَّرطُ قُدِّمت رواية من لم يزد للرجحان كما مَرَّ، ولاحتمال أنْ يكون مَن دُونَ الساقط أخذ الحديث عمن فوقه تارةً بواسطة الساقط، وتارةً بدون واسطة؛ فجاز أنْ يكون اقتَصر على روايته عنه دون الواسطة، وهذا كله ما لم تَقُم قرينةٌ تدلُّ على وهْم مَن زاد في الراوي الذي زاده، وإلَّا فلا كلام في تقديم النَّاقص عليه.
_________________
(١) العلل الكبير للترمذي (ص ١٥١).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): [لعلة].
(٤) في (ب) و(هـ): [المؤنن].
[ ٢ / ٨٢ ]