أَوْ إِنْ كَانَتِ المُخَالفةُ بِإِبْدَالِهِ -أَيْ: الرَّاوي- ولا مُرَجِّحَ لإِحْدَى الرِّوَايَتَينِ على الأخرى، فهَذَا هو المُضْطَرِبُ، وهو يَقَعُ في الإِسنادِ غَالبًا، وقد يَقعُ في المَتْن.
[قوله] (^١): «أوْ بإبْدَالِه»: أي: الراوي، مقتضى كلامه حَصْرُ المُضْطَرِب في هذا، وليس كذلك؛ إذ منه ما رواه راوٍ واحدٌ بوجهين مختلفين، كما أشار له العراقيُّ بقوله:
مُضْطَرِبُ الحَديثِ ما قَدْ وَرَدَا مُختَلِفًا مِن واحِدٍ فأَزْيَدَا (^٢)
وقال (هـ) (^٣): «قوله: «بإبداله» أي: الراوي، قال (ب): أي: بإبدال الشيخ المرويِّ عنه، كأنْ يروي اثنان حديثًا فيرويَه أحدهُما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتَّفِقان فيما بعد ذلك الشَّيخ» انتهى. وبه تعرِف أنَّه من إضافة المصدر إلى مفعوله مع حذف فاعله، نعم في قوله: «راويان» فيه نظر، يُعْلَمُ ممَّا ذَكَرْناه فيما بعده، كما هو في المعطوف عليه وهو: «زيادة راوٍ» كذلك.
[قوله] (^٤): «ولا مُرَجِّح»: أي: فإنْ ترجَّحت إحدى الروايتين بمرجِّح لحِفْظ راويهما، أو كثرة صحبة (^٥) لمن روى عنه، أو غير ذلك من وجوه المرجِّحات؛ فالحُكْم للراجح ولا يكون الحديث مضطربًا، والرواية الأخرى شاذَّةٌ أو مُنْكَرَةٌ على ما مَرَّ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) ألفية العراقي (ص ١١٢).
(٣) قضاء الوطر (٢/ ١١١٣).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (هـ): [صحبه].
[ ٢ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعلم أنَّ الاضطراب يوجِب الضَّعفَ في الحديث؛ لإشعاره (^١) بعدم الضبط الذي هو شرط الصحة أو الحُسْن، كذا أطْلَقه النوويُّ كابن الصَّلاح، لكن قال المؤلِّف: «إنَّ الاضطراب قد يُجامِع (هـ/١٤٠) الصِّحة، وذلك بأنْ يقع الاختلاف في اسم رجلٍ واحد وأبيه ونسبه ونحو ذلك، ويكون ثقة؛ فيُحْكم للحديث بالصِّحة، ولا يضرُّ الاختلاف في ذلك مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديثُ كثيرة بهذه المثابة»، وسبقه لذلك الزركشيُّ في «مختصره» فقال: «قد يدخُل القَلْب كالشُّذوذ والاضطراب في قِسمَيِ الصحيح والحَسَن»، قاله (ج) (^٢).
[قوله] (^٣): «فهذا هو: المُضْطَرِبُ»:
بكسر الراء، وهو نوع من المعلَّلِ.
واعلم أنَّ المضطرِب: ما وقع فيه الاختلاف ولو من راوٍ واحد في متن، أو في سَندٍ، أو فيهما، اختلافًا لا يمكِن معه الجَمْعُ من غير مرجِّح.
فإنْ قُلْتَ: لأي شيءٍ اقتصر على إبدال الراوي؟ قُلْت: جريًا على الغالب، كما يُشير إليه بعده بقوله: «وقد يَقَعُ له في المَتْن إلخ». واحترزوا بقولهم: «ولا مُرَجِّح» عمَّا لو ترجَّح أحدُ جانبي الاختلاف على الآخر بوجه من وجوه الترجيح؛ فلا اضطراب لا للراجحة ولا للمرجوحة، نعم المرجوحة تكون شاذَّةً أو منكرة على ما مَرَّ، ويكون الحُكْم للراجحة، كما أنَّه لا اضطراب إذا أمكن
_________________
(١) في (هـ): [لإشعارة].
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٢٦).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(أ/١٢١) الجمع بين جانبي الاختلاف، بحيث يمكن أنْ يُعبِّر المتكلم بمجموع فعل الألفاظ عن معنًى واحد أو يكون لفظ منها دالًّا على معنًى غير المعنى الذي دَلَّ عليه الآخر بحيث لا مناقضة وإن لم يترجَّح شيء، ويُستفاد من ذكر هذا النَّوع في قسم المردود: أن الاضطراب الذي لا يمكِن معه الجمع يوجِب ضَعْفَ الحديث؛ لإشعارٍ بعدم ضبط رَاويه أو رُواته المشترَط في صحَّة الحديث وحُسْنِه (^١).
تنبيه:
أطْلَق النوويُّ (^٢) وابن الصَّلاح (^٣) القولَ بأنَّ الاضطراب يوجِب الضَّعف، وقال المؤلِّف: إنَّ الاضطراب يجامِع الصِّحة، وذلك بأنْ يَقَع الاختلاف في اسم إلى آخِرِ ما مَرَّ.
[قوله] (^٤): «وهو»:
أي: الاضطراب المفهوم من المضطرِب «يَقَعُ في الإسناد غالبًا»، مثاله: سند حديث الخَطِّ المرويِّ بلفظ: «فإذا لم يجد عصًا ينصبها بين يديه فليَخُطَّ»، فقد اختُلِف فيه على رواية إسماعيل بن أُمية، فإنَّه روي عنه عن أبي عمرو بن (^٥) محمد بن حُرَيث، عن جده حُرَيث، عن أبي هريرة، وروي عنه عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حُريث، عن جده حُريث بن سليم، عن أبي هريرة، وروي
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١١١٤).
(٢) راجع: التقريب والتيسير، للنووي (ص ٤٥)، ففيه تفصل.
(٣) راجع: مقدمة ابن الصلاح (ص ٩٤)، ففيه تفصيل.
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (ب) و(هـ): [عن].
[ ٢ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه عن محمد بن عمرو بن حُريث، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، وروي عنه غير ذلك؛ ومن ثَمَّ حَكَم غيرُ واحدٍ من الحفَّاظ باضطراب سنده، لكنَّ بعضهم صحَّحه ترجيحًا للرواية الأولى، بل قال الشارح: «هذه الروايات كلُّها قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكِن التوفيق بينها وبين معارضتها»، قال: «والحق أنَّ التمثيل إنَّما يليق بحديثٍ لولا الاضطرابُ لم يضعف، وهذا الحديث ليس كذلك؛ فإنَّه ضعيف بدونه؛ لأنَّ شيخ إسماعيل مجهول».
[قوله] (^١): «وقد يَقَعُ في المَتْنِ»:
مثاله: حديث فاطمة بنت قيس قالت: سألت، أو سئُل النبيُّ -﵊- عن الزكاة، فقال: «إنَّ في المال لحقًّا سوى الزكاة»، فرواه الترمذي (^٢) هكذا، ورواه ابن ماجَهْ (^٣) عنها بلفظ: «[ليس] في المال حقٌّ سوى الزكاة»، «لكنَّ سند الترمذي ضعيف؛ فلا يصلح مثالًا لما مَرَّ، على أنَّه يمكِن الجَمْع بحَمْل الحقِّ في الأوَّل على المستحب، وفي الثاني على الواجب» انتهى كلام بعض تلامذة المؤلِّف، وفيه بحثٌ: فإنَّ في المال حقًّا واجبًا غير الزكاة: كالمواساة، ونفقة من تجب نفقته من رَقيقٍ ونحوه، فالأَوْلى قول من قال: ليس في عَين المال حق سوى الزكاة، فتأمل.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) الترمذي (٦٥٩).
(٣) ابن ماجه (١٨٧٩).
[ ٢ / ٨٦ ]