وَالثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلَّا طَرفًا منهُ؛ فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بالإِسنادِ الأوَّلِ.
وَمنهُ: أَنْ يَسْمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلَّا طرفًا منهُ، فيَسْمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًّا بحَذْفِ الواسِطةِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي مَتْنانِ مُخْتَلِفَانِ بإِسنادينِ مختلفينِ، فَيَرْويهِما رَاوٍ عَنهُ مُقْتَصِرًا عَلَى أَحدِ الإِسنادينِ، أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لَكنْ يَزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في المَتْنِ الأوَّلِ.
الرَّابعُ: أَنْ يَسُوقَ الرَّاوي الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ له كَلامًا مِن قِبَلِ نفسِهِ، فيظنُّ بعضُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ ذَلكَ الكلامَ هُو متنُ ذَلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذَلكَ.
هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ.
[قوله] (^١): «إِلاَّ طَرفًا منهُ»:
مستثنًى من مقدَّر دلَّ عليه آخرُ الكلام، أي: أنْ يكون الحديث كلُّه عند راويه بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسنادٍ آخَرَ، فيجمع الراوي عنه طرَفي الحديث بإسناد أحد الطرفين الأول أو الثاني، ولا يَذْكُر إسناد الطرف الآخر، مثاله: حديث رواه أبو داودَ (^٢) من رواية زائدةَ وشَرِيكٍ والنَّسائيُّ (^٣)
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) أبو داود (٧٢٧، ٧٢٨).
(٣) النسائي (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٢ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من رواية سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ، كلهم عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْرٍ في صفة صلاة رسول الله -ﷺ-، وقال فيه: « ثُمَّ جئتُهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد؛ فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب وتحرك أيديهم تحت الثياب».
قال موسى بن هارون الحمال (^١): وذلك عندنا وَهْم، فقوله: «ثُمَّ جئتهم» ليس هو بهذا الإسناد، وإنَّما أُدرِج، وهو من رواية عاصم، عن عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، وهكذا رواه مبيَّنًا: زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فزادا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصَلاها من الحديث، وذَكَرا إسنادها كما ذكرناه، قال موسى بن هارون الحمال: وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع بن الوليد، فهما أثبت له برواية من روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، قال ابن الصَّلاح: إنَّه الصواب. (هـ/١٣٥)
تنبيه:
أشرت بقولي: أحد الإسنادين الأوَّل أو الثاني إلى أنَّه لا مفهوم لقوله: «بالإسناد الأول».
وفي كتابة: لو قال: بأحد الإسنادين؛ لكان أحسَنَ، قال العراقي:
ومنهُ جَمْعُ ما أَتَى كُلُّ طَرَفْ منهُ بإسنادٍ بواحدٍ سَلَفْ (^٢)
إلخ، فقوله: «بواحد» أي: من الإسنادين، وهو متعلق بـ «جَمَع».
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١٠٨٤).
(٢) ألفية العراقي (ص ١١٣).
[ ٢ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «أَو يَرْوِي أَحَدَ الحَدِيثَينِ إلخ»:
حاصله: أنْ يُدرِج بعضًا من حديث في آخر مخالِف له في السَّند.
مثاله: حديث رواه سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزُّهْريِّ، عن أنس -﵁-، أنَّ الرسول قال: «لا تَباغَضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابَروا، ولا تنافسوا» (^٢) الحديثَ، فقوله: «ولا تنافسوا» مدْرَجٌ في هذا الحديث، أدرَجه ابن أبي مريم فيه من حديثٍ آخَرَ لمالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -﵊-: «إياكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذَبُ الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا» (^٣)، وكِلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك، وليس في الأوَّل: «ولا تنافسوا»، وهي في الحديث الثاني، وهكذا الحديثان عند رُواة الموطأ: عبد الله بن يوسف، والقَعْنَبي، وقُتَيْبةَ، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال الخطيب (^٤): وقد وَهِم فيها ابنُ أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزِّناد، ولو روى ابن أبي مريم عن مالك الحديثين بسند أحدهما كان مثالًا لما قبله.
[قوله] (^٥): «الرَّابعُ: أَنْ يَسُوقَ الإِسنادَ إلخ»:
جَعَل هذا من مدْرَج الإسناد، وتقدم لنا أنَّ ابن الصَّلاح والعراقيَّ جعلاه
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) البخاري (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩).
(٣) البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢).
(٤) الفصل للوصل المدرج من النقل (٢/ ٧٤٢).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نوعًا من الموضوع، والظاهر أنَّه لا تخالُف؛ لاختلاف المدْرَك، فمَنْ رأى أنَّه نَسَب للنبيِّ -﵊- ما لم يَقُله جعله من الموضوع، ومَنْ رأى [أنَّ] (^١) ذلك السَّنَد ليس مَسُوقًا لرواية المذكور البتَّةَ جَعَله من مدْرَج السَّنَد، ولعلَّ الأوَّلَ أقربُ للصواب، ويأتي الخلاف فيه في القولة بعد هذه.
[قوله] (^٢): «فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ إلخ»:
مثاله: حديثُ رواه ابن ماجه (^٣) عن إسماعيل بن محمد الطلحي، عن ثابت ابن موسى الزاهد، عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: «من كثرت صلاته بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار» قال أبو حاتم الرازيُّ: «كتبتُه عن ثابت فذكرته لابن نُمير فقال: الشيخ -يعني: ثابت- لا بأس به، والحديث مُنْكَرٌ»، وقال أبو حاتم: «والحديث موضوع» (^٤).
وقال الحاكم (^٥): دخَل ثابت بن موسى على شَريك بن عبد الله القاضي والمستملي بين يديه، وشَريك يقول: حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال النبيُّ -ﷺ-: (أ/١١٧)، ولم يَذْكر المتن، بل سكتَ ليَكتب المستملي ما ألقاه عليه، فلما نظر إلى ثابت بن موسى أثناء سكوته قال ممازحًا له: من كثرت صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار، ولم يُرد التحديث، وإنما أراد ثابتًا؛ لزهده وورعه،
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) سنن ابن ماجه (١٣٣٣).
(٤) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٧).
(٥) المدخل (ص ٦٣).
[ ٢ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وظن ثابتٌ أنَّه رَوى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد؛ فكان يُحدِّث به عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.
وقال ابن حبان (^١): وهذا قول شَريك قاله عقب حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم»، فأدرجه ثابت في الخبر، ثُمَّ سرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شَريك؛ فعلى هذا هو من أقسام المدرج.
وقال ابن عدي (^٢): إنَّه حديث مُنْكَرٌ لا يُعرف إلَّا بثابت، وسرقه منه الضعفاء: عبد الحميد بن بحر، وعبد الله بن شُبرُمة الشريكيُّ، وإسحاقُ بن بِشر الكاهليُّ، وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسيُّ، إلى آخر كلام العراقي (^٣).
وقد صرَّح بأنَّه مدْرَج على ما قاله ابن حِبَّان، و[بأنَّه موضوع على ما قاله أبو حاتم، وقد جَزم في المَتْن] (^٤) بأنَّه موضوع، لم يقصدوا (هـ/١٣٦) [وضعه] (^٥) وإنما وقع بطريق السهو والغفلة، ومثله ما صرح به في الشرح وقال ابن الصَّلاح: إنَّه يشبه الوضعَ (^٦).
_________________
(١) المجروحين (١/ ٢٠٧).
(٢) الكامل (١/ ١٧٦).
(٣) التقييد والإيضاح (ص ١٣٣).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) في (هـ): [ضفه].
(٦) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٠٠).
[ ٢ / ٦٩ ]
وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو أَنْ يَقَعَ في المتنِ كلامٌ ليسَ منهُ، فتارةً يكونُ في أَوَّلِهِ، وتارةً يكون في أَثنائِهِ، وتارةً يكون في آخِرِهِ -وهو الأكثرُ- لأنَّهُ يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ، أو بِدَمْجِ مَوْقوفٍ مِن كلامِ الصَّحابةِ أَو مَنْ بَعْدَهُم بِمَرْفوعٍ مِن كلامِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِن غيرِ فَصْلٍ، فهذا هُو مُدْرَجُ المَتْنِ.
[قوله] (^١): «وأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو: أَنْ يَقَعَ في المتنِ كَلَام إلخ»:
يصدُق بما إذا كان الإدْراج من حديثٍ آخَرَ، أو من غير كلام النبيِّ -﵊-، أي: سواء كان من كلام الصحابيِّ أو غيره، وسيأتي التمثيل لهما، قاله الكمال (^٢)، وهذا يُبحث فيه من وجهين:
الأول: إذا كان الإدْراج من حديثٍ آخَرَ، فقد قدَّم أنَّه مدرج الإسناد حيث قال: «أو يُروى أحدُ الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المَتْن الآخر ما ليس في الأوَّل»، ويجاب بأنَّ هذا فيما إذا كان كلُّ واحد من الحديثين بإسناد عنده، وما هنا ما زاد فيه ليس إسناده عنده.
الثاني: أنَّه يَذكر في مدْرَج المَتْن ما يفيد قصْره على دَمْج موقوف بمرفوع، وهو يخرج دمْج مرفوع بمرفوع، ودمْج غير موقوف بمرفوع، والأول هو الموافق للعراقيِّ كما يأتي، ومما يخرج أيضًا دمْج موقوفٍ بمقطوع أو بما دونه قاله (ج) (^٣).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) ينظر: حاشية ابن أبي شريف (ص ١٩٥).
(٣) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣١٦ - ٣١٧).
[ ٢ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: «اعترُض قوله: «فهو أن يقع في المتن إلخ» بوجهين:
أحدهما: أنَّ المدْرَج في المتن هو الواقع لا الوقوع.
ثانيهما: أنَّه منطبِق على المدْرَج في الآخرِ؛ لأنَّه يُطلق عليه أنَّه في المتن» انتهى بمعناه.
ويجاب عن الأول: بأنَّ الأصل هو أنْ يقع، أو حال مدْرَج المَتْن أنْ يقع، على أنَّ الحذف من الثاني أو من الأول.
وعن الثاني: بأنَّ «في» للمصاحبة (هـ) (^١)؛ فيصدُق الكلام بما في الأول، وبما في الأثناء، وبما في الوسَط؛ إذ المصاحبة العرفيَّة كذلك.
[قوله] (^٢): «فَتَارَةً إلخ»:
مِثال ما أُدْرِج في أوَّل الحديث: ما رواه الخطيب من رواية أبي قَطن وشبَابة، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أسْبغوا الوضوءَ، ويلٌ للأعقاب من النار» (^٣)، فقوله: «أسبغوا الوضوء» من قول أبي هريرة، وُصل في الحديث في أوله كما بيَّنَتْه روايةُ البخاري في صحيحه عن آدم بن أبي إيَاس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: «أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم -ﷺ- قال: ويلٌ من الأعقاب من النار» (^٤).
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١٠٩١).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٢٣).
(٤) البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢).
[ ٢ / ٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الخطيب (^١): وهمَ أبو قَطَن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديثَ عن شعبة على ما سقناه، وذلك أنَّ قوله: «أسبغوا الوضوء» كلامُ أبي هريرة.
وِمثال ما أُدرِج في وسَط الحديث: ما رواه الدَّارَقُطْنيُّ في «سننه» (^٢) من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بُسرة بنت صفوان أنَّها قالت: سمِعتُ الرسول -﵊- يقول: «مَن مَسَّ ذَكَرَه أو أُنثَيَيْهِ أو رُفغَهُ فليتوضأ».
قال الدارقطنيُّ (^٣): «كذا رواه عبد الحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرُّفغ، وإدراجه ذلك في حديث بُسرة»، قال: «والمحفوظ أنَّ ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام، منهم: أيوب السَّختِيانيُّ وحمَّاد بن زيد وغيرهما»، [ثُمَّ رواه] (^٤) من طريق أيوبَ (أ/١١٨) بلفظ: «من مسَّ ذكره فليتوضأ» (^٥)» قال: «وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رُفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، وقال الخطيب: «تفرَّد عبد الحميد بذكر الأنثيين والرفغين، وليس من كلام الرسول، وإنَّما هو من قول عروة بن الزبير، فأدرَجَه الراوي في متن
_________________
(١) الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ١٥٩).
(٢) الدارقطني (٥٣٦)، والطبراني في الكبير (٥١١)، والبيهقي (٦٥٢).
(٣) المصدر السابق.
(٤) زيادة من (ب).
(٥) الدارقطني (١/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحديث، وقد بيَّن ذلك حمادٌ وأيوب» انتهى (^١).
ومثال ما أُدْرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود: [قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد العُقيليُّ، حدَّثنا زُهيرٌ] (^٢)، حدَّثنا الحَسَن بن الحُرِّ، عن القاسم بن (هـ/١٣٧) مخُيمِرَة قال: أخذ علقمة بيدي فحدَّثني: «أنَّ عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأنَّ رسول الله أخذ بيد عبد الله وعلمنا التشهدَ والصلاة» قال: فذكر مثل حديث الأعمش: «إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيتَ صلاتك، إن شئت أن تقوم فقُمْ، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (^٣)، فقوله: «إذا قلت هذا إلخ» وصَله زُهير بن معاوية أبو خيثمة بالحديث المرفوع في رواية أبي داود (^٤) هذه، فقال الحاكم: «قوله: «إذا قلت» هذا مُدْرجٌ في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود» (^٥).
[قوله] (^٦): «وَهُو الأَكْثَرُ إلخ»:
أي: وقوعه في الآخر الأكثر، شِبه اعتذار عمَّا هو [ظاهر] (^٧) كلامه كالعراقيِّ من أنَّه: لا يكون إلَّا في آخر الخبر.
_________________
(١) الفصل للوصل المدرج من النقل (١/ ٣٤٧).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) أحمد (٤٠٠٦)، وأبو داود (٩٧٠)، والدارمي (١٣٨٠)، وابن حبان (١٩٦١).
(٤) أبو داود (٩٧٠).
(٥) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص ٣٩).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
(٧) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «لأنَّه يَقَعُ بِعْطْفِ جُمْلَةٍ إلخ»:
لا يَصلُح تعليلًا للأكثريَّة، ولا لقوله: «وأمَّا مُدْرَج المَتْنِ إلخ»، والظاهر أنَّ الشيخ قَصَد تقسيم الإدْراج إلى: «ما يقع بعطف جملة على جملة» وإلى: «ما يقع بدمج موقوف» دون عطف، حينئذٍ فاللائق أنْ يقال: وإدراج المتن يقع بعطف جملة على أخرى، أو بدمج موقوف بمرفوع دون عطف.
مثال ما وقع دون عطف: إدراج زُهير بن معاوية آخر حديث ابن مسعود «إذا قلت هذا إلخ».
ومثال ما وقع فيه الإدراجُ بعطف جملة على أخرى: إدراج «ولا تنافسوا» في مَتْن: «ولا تباغضوا إلخ» كما مَرَّ.
فقوله: «بمرفوع» يُحْتمل لأنْ تكون الباء بمعنى «مع»، أو بمعنى «من» كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ] ﴿الإنسان: ٦﴾، كما هو مذكور في عامَّة كتب النَّحو، وبه يُرَدُّ قولُ (ق) (^١): «لم أقف على استعمال الباء بمعنى من»، نعمْ: لا معنى لمن التبعيضيَّة في هذا المَحِل، وقد يُقال باستقامة المعنى بتضمين الدَّمْج معنى التصيير، أي: بتصيير الموقوف بعض المرفوع. وقال (هـ) (^٢): «قوله «لأنَّه يقع إلخ»، قال (ب): «لا يصلُح تعليلًا؛ لأنَّه لا فرق» انتهى.
ونحوه قول الكمال في صلاحيَّته تعليلًا لما ذكر وقفه للمتأمِّل» انتهى. ويمكن أن يقال: إنَّه تعليل مطابِق؛ إذ الغالب في الإدْراج الواقع في الآخر العطف
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠١ - ١٠٢).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ١٠٩٩).
[ ٢ / ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُشْعر بالتبعيَّة وعدم استقلال المعطوف، بخلاف ما يَقَع في الأوَّل فإنَّه يَدُلُّ على الاعتناء به؛ فَيُحمل على أنَّه من النُّبوَّة، وكذا ما في الوسَط، على أنَّه يمكِن حَمْل العطف على معناه اللُّغويِّ، والمعنى: أنَّ الجملة المتأخرة تعود على المتقدمة بتقْييد أو تفسير غريب أو نحو ذلك، تأمل.
[قوله] (^١): «أو بدَمْجِ مَوْقُوفٍ»:
أي: وصله، ويقال: بدمش -بالشين- بَدَل الجيم، ومنه قوله:
إذ ذاك إذ حبل الوصال مُدْمَشُ
أي: مدمج. وفي قوله: «من كلام إلخ» إشارةٌ إلى أنَّ المراد: الموقوف اللُّغويُّ لا الصناعيُّ، وهو قَصْرُه على الصحابيِّ، ومن الأمثلة التي ذكرناها للأحكام التي ذكرها يُعلم ذلك، قاله (هـ) (^٢).
[قوله] (^٣): «بمرفُوعٍ»:
ممَّا فسرنا به الدَّمْج عُلِم أنَّ: «الباء» للإلصاق على حالها، وقد تحيَّر فيها المؤلِّف فقال: يُحْتمل أنْ تكون بمعنى «مِنْ»، أو بمعنى «مع»، إلى آخر ما نَقل (ق) (^٤)، وقد
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) المصدر السابق.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) حاشية ابن قطلوبغا (ص ٩٠).
[ ٢ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اعترضه (هـ) (^١) بما يعلم الوقوف عليه، ثُمَّ قال: «فإن قُلْتَ: ما مثالُ وَصْلِ الموقوف بالمرفوع؟ قُلْتُ: ما يأتي في حديث الشِّغار من قوله، وهو: «البُضْعُ بالبضع»»، وكذا ما ذكرناه من قصة ثابت: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار».
[قوله] (^٢): «مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ»:
أي: [بين] (^٣) الحديث وبين ذلك المُدْمَج فيه، بألَّا يأتيَ بما يدلُّ على تميِيزه منه بصريح قول أو إشارة، وذلك بألَّا يَذْكُر قائله، ولا يأتي بما يشير إلى ذلك؛ فيَلْتَبِس على ما لا يَعْلَم حقيقة الحال، ويتوهَّم أنَّ المجموع مرفوع.
تتمة:
سببُ الإدراجِ الحامل عليه: إمَّا تفسير غريبة في الخبر كحديث النهي عن الشغار، حيث أدرَج (هـ/١٣٨) (أ/١١٩) فيه رواية، وهو: «البُضْع بالبُضْع» تفسيرًا للشغار؛ لغرابته على رأي، أو استنباط مما فهِمه من أحد رواته، كما فهِم عُروة بن الزبير من خبره: أنَّ الوضوء ينتقض بمسِّ ما هو مظنة للشهوة؛ فأدرَج: الأنثيين، والرفغ -بضم الراء وفتحها-: أصل الفخذ.
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١٠٩٦).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب) و(هـ): [يعني].
[ ٢ / ٧٦ ]
وَيُدْرَكُ الإِدراجُ:
* بوُرُودِ روايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فيهِ.
* أَو بالتَّنصيصِ على ذَلكَ مِن الرَّاوي، أَو مِن بعضِ الأئمَّةِ المُطَّلعينَ.
* أَوْ باسْتِحَالَةِ كونِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقولُ ذلك.
وقَدْ صنَّفَ الخَطيبُ في المُدْرَجِ كتابًا، وَلخَّصْتُهُ وَزدتُ عليهِ قَدْرَ ما ذكَرَ مرَّتينِ أَو أَكثرَ، وللهِ الحمدُ.
* أَوْ إِنْ كَانَتِ المُخالفةُ بِتَقْدِيمٍ أَو تَأْخيرٍ؛ أَيْ: في الأسماءِ كَمُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكَعبِ بنِ مُرَّةَ؛ لأنَّ اسمَ أَحدِهِما اسمُ أَبي الآخَرِ، فهذا هو المَقْلُوبُ، وَللخَطيبِ فيهِ كتابُ يُسمى: «رافعِ الارْتِيابِ».
[قوله] (^١) «ويُدْرَكُ الإدْراجُ إلخ»:
بيانٌ لما يوصل به للحكم بالإدراج، وذَكَر منه أربعة طرق، وكلُّها واضحة بما ذكرناه من الأمثلة.
ومثال ما يستحيل قول النبي -﵊-: ما في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهادُ والحج وبرُّ أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك» (^٢)، فقوله: «والذي إلخ» من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع عليه -﵊- الرِّق، وليست أمُّه إذ ذاك موجودة حتى يمنعه برُّها من تمنِّي ذلك.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) البخاري (٢٥٤٨).
[ ٢ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحُكْم الإدْراج بأقسامه: أنَّه حرام بإجماع أهل الحديث والفقه (^١)، لكن قال ابن السَّمعانيُّ (^٢): «عندي أنَّ ما أُدرج لتفسير غريب لا يمتنع»، وكذلك فعله الزُّهْريُّ وغيره، والكتاب الذي ألَّفه المؤلِّف في هذا النَّوع يسمَّى بـ: «قرب المنهج بترتيب المدرج».
[قوله] (^٣): «كمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ»:
ومُسْلِم بن الوليد والوليد بن مُسْلِم، والأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود.
[قوله] (^٤): «فهذا هو المَقْلُوبُ»:
أي: النَّوع المُسمَّى بذلك، وسبب القَلْب فيه: اشتباهه بحسَب الذهن بأنْ يقع فيه أنَّ أحد الاسمين هو الآخر، وضابطه: أنْ يكون اسمُ أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطًّا ولفظًا، واسم الآخر كاسم أبي الأول؛ فينقلِب على بعض أهل الحديث فيجعل أحد الاسمين مكان الآخر، كما انقلَب على البخاري في «تاريخه» ترجمة: مُسْلِم بن الوليد المدنيُّ، فجعله: الوليد بن مُسْلِم، كالوليد بن مُسْلِم الدمشقيِّ المشهور، وربما وقع مع ذلك تقديم وتأخير في بعض حروف الاسم المشتبه كأيوب بن يسار ويسار بن أيوب، وهذا الذي قُلناه هو ظاهر قوله
_________________
(١) النص للنووي -﵀- كما في قضاء الوطر (٢/ ٨٨٠).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ١١٠٠).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الشرح: «لأنَّ اسم أحدهما -أي الراويين- اسم أبي الآخر»، ثُمَّ من أقوى القرائن على إرادة هذا المعنى: تصريحه باسم كتاب الخطيب المصنَّف فيه بأنَّه لم يصنَّف إلَّا في هذا النَّوع، وحينئذ فإمَّا أنَّه اختصر العَلَم كما هو الشائع إذ عَلَمُ هذا النَّوع -كما في الألفيَّة-: المشتبه المقلوب، وإمَّا أنَّهم قد يسمُّونه بأحدهما كما يسمونه بمجموعهما، ولا يمكِن حمله على ما نقله جمعٌ من تلامذته من أنَّه أراد بالمقلوب نوعًا آخَرَ ضابطُه كما قاله المؤلِّف، واللفظ لـ (ب) (^١): «أنْ تختلِف الرواة في اسم واحدٍ؛ فيرويه بعضهم على الصواب ويَهِمَ بعضهم فيجعله أباه ويجعل أباه ابنه، كمُرَّة بن كَعب يجعله بعضهم: مرة بن كعب؛ لأنَّه يُنبئ عنه الشرح ويخالفه وضع الكتاب المصرح باسمه» انتهى، و«يَهِمُ» من الوهْم وهو الغلط.
قوله: «رافع الارْتِيابِ»:
اختصارٌ للعَلم، فإن اسمَ الكتاب: «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب».
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١١٠٤).
[ ٢ / ٧٩ ]