وَقيلَ: إِنَّما يَجُوزُ لمَن يستَحْضِرُ اللَّفْظَ ليتَمَكَّنَ مِن التَّصرُّفِ فِيهِ.
وَقيلَ: إِنَّما يَجوزُ لمَن كانَ يحفَظُ الحَديثَ، فنَسِيَ لفظَهُ، وبَقيَ معناهُ مُرْتَسمًا في ذِهنِهِ، فلهُ أَنْ يروِيَهُ بالمعنى لمصلَحَةِ تحصيلِ الحُكْمِ منهُ بخِلافِ مَنْ كانَ مُسْتَحْضِرًا لِلَفْظِهِ.
وَجَميعُ ما تقدَّمَ يتعلَّقُ بالجَوازِ وعَدَمِهِ، ولا شكَّ أَنَّ الأَوْلى إِيرادُ الحَديثِ بأَلفاظِهِ دُونَ التَّصرُّفِ فيهِ.
قَالَ القَاضي عِياضٌ: «يَنْبَغِي سَدُّ بابِ الرِّاويةِ بالمَعْنَى؛ لئلَّا يتَسَلَّطَ مَن لَا يُحْسِنُ ممَّن يظنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ، كما وقَعَ لِكثيرٍ مِن الرُّواةِ قديمًا وحَديثًا»، واللهُ المُوَفِّقُ.
فَإِنْ خَفِيَ المَعْنَى بأَنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا بقِلَّةٍ، احْتيجَ إِلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ الغَريبِ؛ ككتابِ أَبي عُبَيْدٍ القاسِمِ بنِ سلامٍ، وهو غيرُ مُرتَّبٍ، وقد رتَّبَهُ الشيخُ مُوفَّقُ الدِّينِ ابنُ قُدامَة على الحُرُوفِ.
وأَجْمَعُ منهُ كتابُ أَبي عُبيدٍ الهَرَوِيِّ، وقد اعتَنَى بهِ الحافظُ أَبو موسى المَدينِيُّ، فنَقَّبَ عليهِ واسْتَدْرَكَ.
وَللزَّمَخْشَرِيِّ كتابٌ اسمُهُ: «الفائِقُ»، حَسَنُ التَّرتيبِ.
ثمَّ جَمَعَ الجَميعَ ابنُ الأثيرِ في «النِّهايةِ»، وكتابُهُ أَسْهَلُ الكُتُبِ تَناوُلًا، مع إِعوازٍ قليلٍ فيهِ. وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُستَعْملًا بكثرةٍ، لَكنَّ في مَدلُولِهِ دِقَّةً، احْتِيجَ إلى الكُتُبِ المُصنَّفَةِ في شَرْحِ مَعَاني الأخْبارِ، وبيانِ المُشْكِلِ منها.
وقَدْ أَكثرَ الأئمَّةُ مِن التَّصانيفِ في ذلك؛ كالطَّحاويِّ، والخَطَّابيِّ، وابنِ عبدِ البَرِّ، وغيرِهم.
[قوله] (^١): «وقيل: يجوز لمَنْ يَستحضِرُ اللَّفظَ إلخ»:
المناسب أن يقول: لمن يَستحضِر اللفظ والمعنى؛ إذ من يستحضر اللفظ ولا
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعرف المعنى لا يتمكَّن من التصرُّف فيه، ثُمَّ إن من يَستحضِر المعنى دون اللفظ يتمكَّن من التصرُّف فيه، بأنْ يُعبِّر بأيِّ لفظٍ يفيده، فلو قال: وقيل: لمن يَستحضِر اللفظ والمعنى أو لمن يستحضر المعنى فقط ليتمكَّنَ إلخ؛ لكان شاملًا للقِسمين.
[قوله] (^١): «لمَصلحةٍ إلخ»:
أورَدَ عليه بعضهم بأنَّ لازمه: أنَّه إذا رواه غيره ممن يقوم بروايته الحجَّة امتنعت الرواية بالمعنى.
تنبيه:
قال البُلقيني: يجوز حذف الزيادة المشكوك فيها بلا خلاف بين الأئمة، كما فعله مالك وغيره، تورعا حيث لا تعلُّق لها بالمذكور (^٢).
[قوله] (^٣): «ولا شكَّ إلخ»:
ظاهره أنَّه جارٍ في مسألة الرواية بالمعنى فقط كما يؤخذ مِنْ نقلِه عن القاضي، وينبغي جريانه أيضًا في مسألة الاقتصار على بعض الحديث.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) نص كلامه في محاسن الاصطلاح (ص ٣٩٩): وأما حذفُ زيادةٍ مشكوكٍ فيها فهذا شائع، كان «مالك» يفعله كثيرًا تورعًا، بل كان يقطع إسنادَ الحديث إذا شكَّ في وصلِه. ومحلُّ حذفِ الزيادة المشكوك فيها، زيادةٌ لا تعلُّقَ للمذكورِ بها؛ فإن تعلَّق ذَكَرها مع الشكِّ ليعلم، كقول «داود بن الحصين» في حديث: «الرخصة في العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق» فشكَّ، ولكن لما كان المشكوكُ فيه مما لا يسوغ حذفُه؛ ذكره على الشكِّ».
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «ممَّن يَظُنُّ إلخ»:
قال (ق) (^٢): «أي: يرى نفسه أنَّه يُحْسِن، وليس كذلك» انتهى، ومنه يؤخذ أنَّ: «يَظُنُّ» مبنيٌّ للفاعل.
[قوله] (^٣): «بأَنْ كانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا بقلَّةٍ»:
حاصل كلامه: أنَّ الغريب هو: اللفظ القليل الاستعمال، وأنَّ المُشْكِل هو: اللفظ الكثير الاستعمال الذي في مدلوله دقَّة وخفاء، وهو غير محرَّر؛ إذ لا بد في الغرابة أيضًا من خفاء المعنى، إذ الغرابة في اللفظ: أنْ تكون الكلمة وحْشيةً غير ظاهرة الدلالة ولا مأنوسة الاستعمال، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ قلَّة الاستعمال مَظِنَّةُ خفاء المعنى؛ فبان بأنَّ «كان» سببيَّةٌ لا تصويريَّة.
[قوله] (^٤): «فَنَقَّب عَلَيهِ»:
أي: ففَتَّش على أمور زل فيها أو فاتته؛ فقوله: «واسْتَدْرَكَ»: عطفٌ تفسيريٌّ.
[قوله] (^٥): «وقد أكثَرَ الأئمَّةُ مِنَ التَّصانيفِ في ذلك»:
أي: في بيان المُشْكِل والمتشابه.
[قوله] (^٦): «الجَهالةُ»:
أي: من أوجُه الطعن، ففيه حَذْف الخبر، ولو حذف الواو من قوله: «وسبَبُها»؛ لكان أظهر، وكان هو الخبر.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٩٤).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٠٨ ]