المراد بالإرسال: مُطلَقُ الانقطاع، وليس المراد به: إسقاطَ الصحابيِّ من السَّنَد، كما هو المشهور في حَدِّ المُرسَل.
وقال (هـ) (^٢): «مُراده به: مُطْلَقُ ما فيه انقطاع، أمَّا ما سَقَطَ صحابيُّه فهو غير الخفيِّ، واحترز بالخفيِّ عن الظاهر، وهو: أن يرويَ الشخصُ عمَّن عُلِم أنَّه لم يُعاصره وليس بينه وبينه اجتماعٌ ولا سماع؛ لِعَدم اشتباه وَصلِه بإرساله. وضابط الخفيِّ: الانقطاع بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، أو الْتَقيا ولم يقع بينهما سماعٌ. وسُمِّي هذا النوع خفيًّا؛ لخفائه على كثير؛ لاتحاد عصر الراويين، فيقع الوهم بسببه في سماع أحدِهما من الآخر وليس كذلك، وهذا النَّوع أشبه بروايات المدلِّسين؛ فلذا ذكره عقب المدلَّس، على أنَّ بعضهم (أ/١٠٥) جعل المرسَلَ الخفيَّ قِسمًا من المدلَّس لا قَسِيمًا؛ فعرَّف المدلَّس بأنَّه: رواية الراوي عمَّن سَمِع منه ما لم يَسمعْه منه، أو عمَّن عاصره ولم يَلْقَهُ، أو عمَّن لقيه ولم يَسمع منه شيئًا بلفظٍ موهِمٍ للسَّماع، على أنَّ بعضهم نَسَب هذا [للجمهور] (^٣)، فإنْ صحَّ هذا وثَبَت فهو خِلاف طريق المؤلِّف؛ لأنَّه جَعَله قَسيمًا له لا قِسمًا منه،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٩٩٧).
(٣) في (أ) و(ب): [الجمهور].
[ ٢ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وطريق ابن الصَّلاح هي التي تجعل المرسَل الخفيَّ قِسمًا من المدلَّس لا قسيمًا، إذا عَلِمْتَ هذا عَلِمْتَ أنَّ قوله: «مِنْ مُعاصِرٍ إلخ» من باب الحال المؤكِدة أو الصفة الكاشفة. فإن قُلْتَ: قوله في الشرح: «إذا صَدَرَ»؛ أخرجه عن الحاليَّة أو الوصفية، قُلْتُ: «إذا» ظرفيَّة مجردة عن الاستقبال، وليست شرطيَّة، أي: وقت صدورها إلخ؛ فلا يبعد أن يكون هذا الظرف من قَبيل الحال هنا المؤكِدة، وهي قريبة من الصفة الكاشفة، على أن الجملة الشَّرطيَّة جاءت كذلك، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا] [المعارج: ١٩ - ٢١]، ولعل فائدة تقدير الشرح إيَّاها الرَّمز إلى أنَّ ما ذكره من قوله: «مِنْ مُعاصِرٍ إلخ» خاصية غير حاليَّة، وبما قرَّرنا سقط قول (ق) (^١): هذا الشرط يوهِم أنَّ له مفهومًا وليس كذلك؛ إذ ليس لنا مرسَل خَفيٌّ إلا ما صدر عن معاصر لم يَلق» انتهى.
قوله: «لم يَلْقَ»:
أي: لم يُعْلَم لُقِيُّه ولا عَدَم لُقيه، وأمَّا إنْ عُلِم عَدَم لُقيه فهذا من السَّقط الواضح كما مَرَّ؛ فالأول يدرَك بعدم التلاقي، أي: بِعِلْم عَدَم التلاقي.
وقال (ب) (^٢): قوله: «لم يَلْق» أي: لم يُعَرف لُقيه لمن رَوى عنه، أعمُّ من أن يكون عدم اللُّقي حصل بعِلْم أو ظنٍّ أو شكٍّ.
قوله: «بما ذُكِرَ هنا»:
الظاهر أنَّ اسم الإشارة عائد على ما في الشرح مما ذَكَر بعده، جَعله مكانه تجوزًا لا على ما في المَتْن من قوله: «مُعاصِر لم يَلْق»؛ إذ لم يحصل به فَرقٌ بين
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٨٣ - ٨٤).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٩٩٩).
[ ٢ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المرسَل الخَفيِّ والمدَلَّس كما لا يلتبس على ذي فَهم. فإنْ قُلْتَ: لمَ لا يحصل به الفَرق منطوقًا ومفهومًا؟ قُلْتُ: قد عرَفْتَ أنَّ المراد: لم يُعرَفْ لُقِيُّه، وهو أعمُّ من عِلْم اللُّقي المقسم في المدلَّس، فتأمَّله.
[قوله] (^١): «عُرِفَ لقاؤُهُ إِيَّاهُ»:
أي: سماعُه عنه، فكنَّى باللقاء عن السماع، وسيأتي في رواية الأقران تصريح الشارح بأنَّ اللُّقيَّ: هو الأخذُ عن المشايخ، وهذا بخلاف اللقاء في تعريف الصحابيِّ والتابعي؛ فإنَّه أعَمُّ كما صرحوا به، بخلاف التلاقي؛ فإنَّه بمعنى الاجتماع مُطْلَقًا كما مَرَّ في الشرح، وبه تندفع المخالَفة من الكلام.
وقال (هـ) (^٢): قوله: «لقاؤهُ إِيَّاهُ» أي: مُطلَق سماعه منه، كما هو المراد منه عند الإطلاق؛ وحينئذٍ فلا يُنافي ما قدَّمناه.
تنبيه:
قال بعض مَن كتب على كلام المؤلِّف: «إنَّه اعتبَر هنا لقاءه إيَّاه، وقد جعله أولًا: أنْ يرد بصيغة تحتمل اللُّقي؛ فبينهما مخالفة» انتهى. وهو ذهول عما قاله مُحَشِّيَاه فيما مَرَّ مِن أنَّ المراد من اللُّقي: ثَمَّة احتمال السماع لخصوص ذلك المروي، وهذا لا ينافي القطع بثبوت سماعٍ مُطلَقٍ، وهو ما قاله هنا.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٩٩٨).
[ ٢ / ١٧ ]
ومَنْ أَدْخَلَ في تعريفِ التَّدليسِ المُعاصَرَةَ ولو بغيرِ لُقيٍّ، لزِمَهُ دُخولُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ في تعريفِهِ.
والصَّوابُ التَّفرقةُ بَيْنَهُما.
[قوله] (^١): «ومَنْ أَدْخَلَ»:
كما اقتضاه كلام ابن الصَّلاح، وهو ظاهر كلام العراقي أيضًا، وما لَزِمَه (هـ/١٢٣) إيَّاه متوجِّهٌ، خصوصًا وقد نَقل بعضهم: أنَّه أطلَق بعضُهم على رواية الصحابيِّ بواسطةٍ أسقطها ورفع الحديث تدليسًا دون المُخَضْرَم؛ إذ لم يُسمَّ فعله ذلك إلَّا إرسالًا، وقد مَرَّ أنَّ طريق ابن الصَّلاح هي طريق مَنْ جعل المرسَل الخفيَّ قِسمًا من المُدلَّس.
[قوله] (^٢): «في تَعْريفِ التَّدْلِيسِ»:
الأوْلى: في تعريف المدلَّس؛ لأجْل قوله: «لَزِمه دخول المرسَلِ الخفيِّ»، وإلَّا فالأنسَب الإرسال، على أنَّه لم يذكر التَّدليس وإنما ذكر المدلَّس، وإنْ أمكن أنْ يؤخذ منه تعريف التَّدليس.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٨ ]