قالَ عَبْدُ العزيزِ بنُ محمَّدٍ الدَّراوَردِيُّ: حَدَّثني بهِ رَبيعةُ بنُ أَبي عبدِ الرَّحْمنِ، عن سُهَيْلٍ، قَالَ: فَلقيتُ سُهَيلًا، فسأَلتُهُ عَنهُ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فقُلْتُ له: إِنَّ ربيعةَ حَدَّثني عنكَ بكَذَا، فَكانَ سُهَيْلٌ بعدَ ذَلكَ يقولُ: حدَّثني رَبيعةُ عنِّي أَنِّي حَدَّثتُه عن أَبي بهِ.
وَنَظائِرُهُ كَثيرةٌ.
وَإِن اتَّفَقَ الرُّوَاةُ في إِسنادٍ مِنَ الأَسَانيدِ في صِيَغِ الأَداءِ؛ كَـ: سَمعتُ فُلَانًا، قَالَ: سَمعتُ فُلانًا أَوْ: حدَّثنا فُلانٌ؛ قَالَ: حدَّثنا فُلَانٌ وغَيرِ ذَلكَ من الصِّيَغِ، أَوْ غَيْرِها مِن الحَالاتِ القَوْليَّةِ؛ كـ: سَمعتُ فُلَانًا يَقُولُ: أُشْهِدُ اللهَ لقد حدَّثَني فُلَانٌ إِلخ، أَو الفِعليَّةِ؛ كقولِهِ: دَخَلْنا عَلَى فُلَانٍ، فأَطْعَمَنا تَمرًا إِلخ، أَو القَوْليَّةِ والفِعليَّةِ معًا؛ كقولِهِ: حدَّثَني فُلَانٌ وَهُوَ آخِذٌ بلحْيَتِهِ، قَالَ: آمَنْتُ بالقَدَرِ إلخ؛ فَهُو المُسَلْسَلُ.
وَهُوَ مِن صِفَاتِ الإِسنادِ.
[قوله] (^١): «قال عَبْدُ العَزِيزِ إلخ»:
قال (ق): «إنْ كان هذا لفظ القِصَّة مِنْ غير تصرُّفٍ؛ فكان حقُّ سُهَيلٍ أن يقول: حدثني الدَّارَوَرْدِيُّ، عن رَبِيعَة، عني أنِّي حدَّثته، عن أبي» انتهى. وممَّا يدلُّ على التصريف في القصَّة -أي: في بعض طرقها-: حدَّثني رَبِيعَةُ وهو عندي ثقة، وبعضهم يُسْقِطُه، قاله (هـ) (^٢).
وفي كتابة: قوله: «حدَّثني عليك بكذا»؛ كان الأنسب: حدَّثني عنك به.
[قوله] (^٣): «فَلَمْ يَعْرِفْهُ»:
قال كالدَّارَوَرْدِيِّ: إنَّ سبب عَدَم معرفة سُهيلٍ له: أنَّه كان أصابته علَّةٌ أذهَبتْ بَعضَ عَقْلِه ونَسِيَ بعضَ حديثه.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (٣/ ١٤١٨) وما بعدها.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «حدَّثَني رَبِيعَةُ عَنِّي إلخ»:
أنتَ خبير بأنَّ الواقع أنَّ الذي حدَّثه إنَّما هو عبد العزيز عن رَبيعَة عن نفسه؛ فكان حقُّ سُهيلٍ أنْ يقول: حدَّثَني عبد العزيز الدَّارَوَرْدِيُّ عن ربيعة عني أني حدَّثته إلخ، وكون سهيل لَقِيَ رَبيعَةَ وحدَّثه ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ثُمَّ رأيتُ للشَّيخ العراقيِّ ما يُفيدُ أنَّ رَبيعَة حدَّث سُهَيْلًا به، وأنَّ الدَّارَوَرْدِيَّ لمَّا ذَكَر ذلك لسُهَيلِ، أي: ذكر له أنَّ رَبيعَة حدَّث عنه بذلك؛ فقال سُهَيلٌ: أخبرني ربيعة وهو عنده ثقة، أنِّي حدَّثْته إياه ولا أحفظه، فقد حَذَف المؤلِّفُ هنا قولَ سُهَيلِ للدَّارَوَرْدِيِّ: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أي حدَّثْته إياه ولا أحفظه، وكان مَحِل ذكره بعد قوله: «حدَّثني عنك بكذا» وقبْلَ قوله: «فكان سُهيلٌ إلخ» قاله (ج) (^٢).
[قوله] (^٣): «ونظائرُهُ كَثِيرَةٌ»:
منها رواية الخطيب عن مُعتمِر بن سليمانَ قال: حدَّثَني أبي، قال: حدَّثْتني أنت عني، عن أيوب، عن الحسن قال: «ويح كلمة رحمة» (^٤). (هـ/١٩٧) قال ابن الصَّلاح (^٥) والنَّوويُّ (^٦): هذا مثال طريفٌ يجمع أنواعًا من العلم؛ منها: رواية الأبِ عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعيِّ عن تابعيِّه، ورواية ثلاثة تابعين بعضهم عن بعضٍ، وأنَّه حدَّث واحدٌ عن نفسه، قالا: وهذا في غاية الحُسْن والغَرَابَة.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤٥٩).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) مقدمة ابن الصلاح (٣١٣).
(٦) تدريب الراوي (٢/ ٧٢٧).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «في إسناد»:
ظرْفٌ مستَقَرٌّ وَقَع حالًا أو صفةً بتقدير التَّعَلُّق، وقوله: «في صِيَغِ الأدَاءِ» لغوٌ، مُتَعَلِّقٌ بـ: «اتَّفَقَ».
وقال (ج) (^٢): ما نصُّه: المراد بالإسناد حكاية طريق المَتْن، وقوله: «في صِيَغِ الأدَاء» بَدلٌ من قوله: «في إسناد إلخ»، وهذا تقدير يقتضي أنْ يكون قوله في المَتْن: «في صِيَغِ الأداءِ» بدلًا (أ/١٧٨) من شيء غير مذكور فيه.
وقوله: «كسَمِعْتُ فُلانًا يقولُ: أشْهَدُ بالله إلخ»:
الحالة القوليَّة هي قوله: «أشهد بالله»، وقال (هـ) (^٣):
ما نصه: وأشار بقوله: «كسَمِعْتُ فُلانًا» إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ تَتَّحِد صيغة أدائهم لفظًا من أوَّل السَّنَد إلخ، خِلافًا للحاكم حيث جعل منه: أنْ تكون ألفاظ الأداء من جميع الرواة دالَّةً على الاتصال وإن اختلفت، كقول بعضهم: سمعت، وبعضهم: أخبرنا، وبعضهم: حدثنا، وما قاله الشَّارح هو ما عليه الأكثرون. ومن المُسَلْسَل بالحالات القوليَّة قوله -﵊- لمُعاذٍ: «إنِّي أُحِبُّك؛ فقُل [في] دُبُرِ كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسْنِ عبادتِكَ» (^٤)؛ فإنَّه مُسَلْسَلٌ بقول كلٍّ من الرُّواة: إنِّي أحبُّك فَقُلْ.
[قوله] (^٥): «يقُولُ: أشْهَدُ بالله»:
مِنْ أوَّل سَنَدِه إلى أنْ قال النبيُّ أيضًا: «أشهد بالله لقد حدَّثني جبريل، وقال:
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤٦٠).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٤٢٢).
(٤) أحمد (٢٢١١٩)، وأبو داود (١٥٢٢)، وابن خزيمة (٧٥١)، والبيهقي في الكبرى (٧٥١).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أشهد بالله لقد حدَّثني ميكائيل، وقال: أشهد بالله لقد حدَّثني إسرافيل عن اللوح المحفوظ، أنَّه يقول الله ﵎: شارب الخمر كعابد وثن» (^١).
ومن المُسَلْسَل بالفعل: قَولُ أبي هريرة فَشَبَّكَ بيدي أبو القاسم -﵊- وقال: «خلق الله الأرض يوم السبت» الحديثَ (^٢)؛ فإنه مُسَلْسَل بتشبيك (^٣) كُلٍّ من رواته يَدَهُ بيد من روى عنه.
ومن المُسَلْسَل بالفعل والقول: حديث أنسٍ: «لا يجد العبدُ حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره»، قال: «وقبض رسول الله -ﷺ- على لحيته، وقال: آمنت بالقدر» (^٤)؛ فإنَّه مُسَلْسَل بقَبْضِ كلٍّ منهم على لِحْيَتِه مع قوله: «آمنت بالقدر».
قال ابن الصَّلاح (^٥): «ومن فضيلة المُسَلْسَل: اشتماله على مَزِيد الضبط من الرواة»، قال: «وخَيْرُ المُسَلْسَلات: ما فيه دِلَالَةٌ على اتصال السَّماَع وعدم التدليس، ولا يكاد المُسَلْسَل يَسْلَم في وَصْفه من ضَعْفٍ، أمَّا في أصل المَتْن فليس بلازمٍ».
_________________
(١) أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٠٤)، والفاسي في الأحاديث المسلسلات (٤٤ (.
(٢) البيهقي في الأسماء والصفات (٨١٣).
(٣) في (ب): [بتشكيك].
(٤) أبو طاهر السِّلَفي في الطيوريات (٢/ ٣٥٢)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٣١ - ٣٢).
(٥) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٤٣).
[ ٢ / ٢٨٠ ]