والثَّاني: وهو ما سَقَطَ مِن آخِرِهِ مَن بعدَ التَّابعيِّ، هُوَ المُرْسَلُ:
وصورَتُهُ أَنْ يقولَ التَّابعيُّ؛ سَواءٌ كانَ كبيرًا أو صغيرًا: قَالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ [وآلهِ] وسلَّمَ كَذَا، أو: فعَلَ كذا، أو: فُعِلَ بحضرتِهِ كذا، أو نحوُ ذلك.
[وقوله] (^١): «[و] (^٢) الثاني»:
فيه مناقشة تُعلَمُ ممَّا ذَكَرَه في قوله: «الأوَّل» إيرادًا وجوابًا.
[قوله] (^٣): «ما سَقَط»:
أي: حديث (^٤) مردود أو الحديث المردود الذي «سَقَط من آخره» أي: آخِرِ إسناده. ولو قال: ما سقط مِن سنده مَن بعد التابعيِّ أو ما سقط آخِرُه؛ كان أخَصَرَ وأظهرَ.
وفي كتابةٍ: قوله: «من آخره» أي: من آخر سنده؛ لأنَّ المرسَل صفة الحديث لا صفة الإسناد، وإنما قيَّد بمن بعد التابعيِّ؛ احترازًا من قول الأصوليين والفقهاء: إذا قال مَن دُون التابعيِّ: قال الرسول كذا؛ يسمَّى مرسَلًا، سواءٌ كان منقطِعًا أو معضَلًا، وباصطلاحهم قَطَع الخطيبُ (^٥) إلَّا أنَّه جعل اصطلاح المحدِّثين الأكثرَ.
وقال (ج) (^٦): «اعلم أنَّ كلام المؤلِّف هنا وفيما مَرَّ لا يُفيد اختصاصه بكون الراوي له هو التابعيَّ (^٧)، بل يصدُق بما إذا روى غيرُ التابعيِّ حديثًا، أو أسقط مِن
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب): [حديثا].
(٥) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٢١).
(٦) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٢٧٦).
(٧) في (أ) و(هـ): [التابع].
[ ١ / ٤٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سنده مَن بعد التابعيِّ، ولكن قوله بعد: «وصورتُه أنْ يقول التابعيُّ إلخ» يقتضي اختصاصه بكون الراوي له هو التابعيَّ، وهذا يوافق قولَ العراقيِّ: (^١) المرسَلُ مرفوعُ تابعيٍّ على المشهور، مرسل أو قيَّده بالكبير» انتهى المراد منه.
[قوله] (^٢): «المُرْسَل»:
يُجْمَع على مَراسيل ومراسِل، مأخوذ من الإرسال، وهو: الإطلاق، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا] ﴿مريم: ٨٣﴾، إذا كان المُرسِل أطلق الإسنادَ ولم يقَيِّدْه بجميع رُواته حتى ينسبه لقائله (^٣).
[قوله] (^٤): «وصُورَتُه»:
أي: وتصويره «أنْ يقول إلخ» وبهذا صح الحمل واتحدت الصفة والمحل، لكن لا بُدَّ من تأويل صورة بمصور، وقولٍ بمقول، كما لا يخفى، وانظر لأي شيء لم يقُلْ: وحقيقته أنَّه مرفوع التابعيِّ، ويمكن أنْ يقال: إن ما ذَكَره عارضٌ من عوارضه؛ لذا أتى به [قَوام] (^٥) حقيقته، فهو بمنزلة الحيوان الضاحك بالنِّسبة إلى الإنسان، وما ذَكَره في تصويره أحدُ أقوالٍ فيه، وقيل: ما سقط منه راوٍ من أي موضع كان، على ما حُكيَ عن الفقهاء والأصوليين، وقيل غيرُ ذلك. و(هـ/١١٤)
_________________
(١) ينظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (١/ ١٦٩).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٢/ ٩٥٨).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) كذا بالنسخ الثلاث.
[ ١ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «التابعيُّ» يعني الذي لم يكن له سماعٌ من الرسول -﵊- (^١)، وإلا كان محكومًا لما أسنده إليه -ﷺ- بالاتصال، كالتَنُوخِيِّ رسولِ هِرَقلَ اجتمع وهو كافر بالمصطفى وسمِع منه حينئذ ثُمَّ أسلم وحدَّث عنه بما سَمِع، وخرج [بالتابعي] (^٢) الصحابيُّ إذ أسقط صحابيًّا سمِع منه ذلك الحديث ولم يسمعه هو من النبيِّ -﵊- (^٣) إلا بواسطة؛ فإنَّه يُحكم لحديثه بحُكم الاتصال، خلافًا للإسْفَرايني؛ لأنَّهم عدولٌ حتى يثبت القادح، فلا تضرُّ الجهالة بأعيانهم، ولا يَتَطرق فيهم من الاحتمال ما جرى في غيرهم، ولا فرق في هذا الصحابيِّ بين كونه كبيرًا كابن عُمرَ وجابر، أو صغيرًا كابني عباس والزُّبير، هذا إذا تقرَّر له منه -﵊- سماعٌ، وإلَّا كان حديثه مَحْكومًا [له] (^٤) بحُكْمِ مراسيلِ غير الصحابة، مثل محمد بن أبي بكر؛ فإنَّه رأى النبيَّ -﵊- غير مميِّزٍ؛ بِناءً على مَن لم يَشترِطِ التمييزَ في الصحبة.
تنبيه:
لو قال الراوي: سمِعتُ من رجلٍ، أوْ حدَّثَنا رجلٌ أو امرأةٌ أو شيخٌ؛ فبعض المحدِّثين يسمِّيه منقطعًا، وبعض الأصوليين يسمِّيه: مرسَلًا، و[حينئذ] (^٥) ينتقض به تعريفهما، وقد يجاب عن الأول بأن الراوي ساقطٌ حكمًا، قال
_________________
(١) في (هـ): -﵇-.
(٢) في (أ): [التابعي].
(٣) في (هـ): -﵇-.
(٤) يادة من (ب).
(٥) زيادة من (ب).
[ ١ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العراقي (^١): «وكلٌّ من هذين القولين خلافُ ما عليه الأكثر على أنَّ هذا متصِل في إسناده مجهول، أي: مبهَمـ لكنه مقيَّد بما إذا لم يُسَم المبهَم في رواية أخرى، وإلَّا فلا يكون (أ/٩٨) مجهولًا، وبما إذا صرح من أبهمه بالتحديث ونحوه، وإلَّا فلا يكون حديثُه متصلًا؛ لاحتمال أن يكون مدلِّسًا، هذا كلُّه إذا كان الراوي عنه غيرَ تابعيٍّ، أو تابعيًّا ولم يصفه بالصحبة، وإلا فالحديث صحيح كما مَرَّ من أن الصحابة كلَّهم عدولٌ». ووقع في كلام البيهقي تسميتُه أيضًا مُرسَلًا، ومراده مجرد تسميته وإلا فهو حجَّةٌ كما صرَّح به في موضع كالبخاري، لكن قيَّده أبو بكر الصَّيرفيُّ من الشافعية: بأنْ يصرِّح التابعيُّ بالتحديث ونحوه، فإن عَنْعَنَ فمرسَلٌ؛ لاحتمال أنَّه روى عن تابعيٍّ، قال العراقيُّ: «وهو حَسَن مُتَّجهٌ، وكلام مَن أَطْلَق محمولٌ عليه» انتهى.
وتوقف فيه المؤلِّف بما حاصله: «أنَّ التابعيَّ إذا سَلِم من التدليس حُملت عَنعَنتُه على السماع» انتهى.
فالشارح قصَدَ تعريف المرسَل عند جمهور المحدِّثين خاصَّةً (^٢).
[قوله] (^٣): «سَواءٌ كان كَبيرًا إلخ»:
المراد بالكبير: مَنْ جُلُّ روايتُه عن الصحابيِّ؛ كعبد الله بن الخِيار، وبالصغير: من عداه، أي: مَنْ جُلُّ روايته عن التابعيِّ؛ كيحيى بن سعيد، وبعضهم فسَّر الكبير بـ: مَنْ لقيَ كثيرًا من الصحابة، والصغير بـ: مَن لَقِيَ القليلَ منهم.
_________________
(١) التقييد والإيضاح (١/ ٧٤).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٩٦١).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ١ / ٤٦٨ ]
وإِنَّما ذُكِرَ في قسمِ المَرْدُودِ؛ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ؛ لأَنَّه يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ صَحابيًّا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ تابعيًّا، وعَلَى الثَّاني يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ضَعيفًا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ثقةً، وعَلَى الثَّاني يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن صَحابيٍّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن تابعيٍّ آخَرَ، وعلى الثَّاني فيَعُودُ الاحتمالُ السَّابقُ ويَتَعدَّدُ، أَمَّا بالتَّجويزِ العقليِّ، فإِلى ما لا نهايةَ لهُ، وأَمَّا بالاستقراءِ، فإِلى سِتَّةٍ أَو سبعةٍ، وهُوَ أَكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التَّابعينَ عن بعضٍ.
[قوله] (^١): «وإنَّما ذُكِر في قِسْمِ المردود إلخ»:
هذا عند الشافعيِّ الذي لا يَحْتج بالمرسَل من غير عاضدٍ ظاهرٍ (^٢)، وأمَّا عند مالك وأبي حنيفة وأحمدَ (^٣) -في أشهر الروايتين عنه- فلا يُذكر في قِسْم المردود، وإنما يذكر في قسم المقبول؛ لأنَّه عندهم حجةٌ، واختاره الآمِديُّ (^٤) مُطلَقًا، كان المرسِل من أئمة النَّقل كابن المُسيِّب والشَّعبيِّ أو لا، وفصَّل قوم: فقَبِلوه إنْ كان المرسِلُ من أئمة النَّقل ورَدُّوه مِن غَيْرِه. احتج الأولون بأنَّ العدل لا يُسقط الواسطةَ بينه وبين النبيِّ -ﷺ- إلا وهو عدْل عنده، وإلَّا لكان ذلك تدليسًا قادحًا فيه؛ لأنَّه تلبيس، ورُدَّ باحتمال طروق القادح، وبأنَّه قد يُظن عدالة مَن ليس بعدْل في نفْس الأمر، وإيَّاه اعتمد الشافعيُّ كما أشار إليه المؤلِّف
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) الرسالة، للشافعي (١/ ٤٦٤).
(٣) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه (٦/ ٣٤٠)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢/ ٥٧٦)، معرفة أنواع علوم الحديث (ص ٥٣).
(٤) الإحكام، للآمدي (٢/ ١٢٣).
[ ١ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقوله: «للجهل بحال المحذوف إلخ».
[قوله] (^١): «وعلى الثاني»:
وهو «أن يكون تابعيًّا»: «يُحْتَمل أنْ يكونَ ضعيفًا إلخ».
[قوله] (^٢): «وعلى الثاني»:
وهو «أنْ يكون ثقةً»: «يُحْتمل أنْ يكون حَمَل عن صحابيٍّ». (هـ/١١٥)
قوله: «وعلى الثاني»:
وهو «أن يكون حَمَل عن تابعي آخَرَ»: «فيعود الاحتمال إلخ».
[قوله] (^٣): «ويَتَعَدَّدُ أمَّا إلخ»:
بفتح الهمزة، أمَّا التي للتفصيل، أي: ما تعدد الاحتمال بحسَب التجويز العقلي، فهو ذاهب عند العقل بحسَب فرضه وتجويزه إلى ما لا نهاية له من الكيفيَّات التي يفرضها العقل ويُجَوِّزها، وبهذا سَقَط قول (ق) (^٤): «محال عند العقل أن يجوِّز بَيْن التابعيِّ والنبيِّ -﵊- من لا يتناهى، كيف وقد وقع التناهي في الوجود الخارجي بذكر النبيِّ -﵊-؟» انتهى، ونحوه قول [الكمال] (^٥): «لو قال: فأتى بما لا ضابط له، أو قال: أمَّا بالتجويز العقليِّ فلا ضابط له؛ لكان مُتَّجهًا، وإلَّا فعدد التابعين مُتَناهٍ» انتهى. وسببُ الاعتراض حملُهم «ما لا يتناهى» على الرِّجال، ألا ترى
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) ينظر: حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٨٠).
(٥) حاشية ابن أبي شريف (ص ٧٩). ووقع في (ب): [بن].
[ ١ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُحَّشيَ عَبَّر بـ: «مَن» التي للعاقل، غيرَ مراعٍ للكيفيَّات التي يفرضها العقل، ويجوِّزها في الرجال الواقعة في البَيْن؟!
[قوله] (^١): «وأمَّا الاستِقراءُ»:
أي: وأمَّا تعدُّد الاحتمال بحسَب الاستقراء، وهو هنا: تتبُّع الجزئيات الموجودة في الخارج، فالمراد به اللُّغويُّ لا الاصطلاحي، وهو: تتبُّعُ الجزئيات الخارجيَّة ليُثبِتَ حُكمَها الكليَّ.
[قوله] (^٢): «فإلى ستة أو سبعة»:
أي: يتعدَّد رجاله من التابعين الذين يروي بعضُهم عن [بعض] (^٣) إلى ستة رجال أو سبعة.
قال (ب) (^٤): ««أو» هنا للشَّكِّ؛ لأنَّ السَّنَد الذي ورَد فيه سبعةُ أنفُسٍ اختُلف في أحدهم: هل هو صحابيٌّ أو تابعيٌّ؟ فإن ثَبَتَتْ صحبته كان التابعيون في السَّنَد ستةً وإلَّا فسبعة، وذلك أن الخطيب صنَّف في ذلك فروى عن شخصٍ من التابعين بينه وبين امرأة أبي أيوبَ ستةٌ، عن [أبي] (^٥) أيوبَ، فقال الخطيب: إن كان امرأة أبي أيوب صحابيَّةً فهو ستة [و] (^٦) إلَّا فسبعة» انتهى.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب) زيادة: [ذاهب].
(٤) قضاء الوطر (٢/ ٩٦٤).
(٥) زيادة من (ب).
(٦) زيادة من (ب).
[ ١ / ٤٧١ ]