فَإِنْ عُرِفَ مِن عادةِ التَّابعيِّ أَنَّه لا يُرسِلُ إِلَّا عن ثِقةٍ، فذهَبَ جُمهورُ المحُدِّثينَ إِلى التوقُّفِ؛ لبقاءِ الاحتمالِ، وهُو أَحدُ قولَيْ أَحمدَ.
وثانيهِما -وهُو قَوْلُ المالِكيِّينَ والكوفيِّينَ: يُقْبَلُ مُطْلقًا.
[قوله] (^١): «وإنْ عُرف مِنْ عادة التابعيِّ إلخ»:
اعلم أنَّ لنا أربعَ مسائل:
الأولى: أن يُرى من عادة التابعيِّ أنَّه لا يُرسِل إلَّا عن ثقة.
الثانية: أن يُعرَف من عادته أنَّه يرسِل عنه وعن غيره. (أ/٩٩)
الثالثة: أن يُعلم من عادته أنَّه يرسِل عن غير الثقات.
الرابعة: أن يُجهَل ذلك.
واعلمْ أنَّ مقتضى كلام «جمع الجوامع» ومَن تكلم عليه: [أنَّ] (^٢) مالكًا وأبا حنيفة وأحمدَ يحتجُّون به إلا إذا عُلِم من عادته أنَّه يُرسِل عن العدول وغيرهم، وأَوْلى إذا عُلِم من عادته أنَّه يروي عن غير العدل فقط، كما يُستفاد من التعليل، ويدُلُّ له ما يأتي عن الباجي -﵀-، وهو نحو ما كتبه بعض مشايخي على قوله: «واحَتَج به أبو حنيفة إلخ» فقال: «قيَّد ابن عبد البرِّ الخلافَ إذا لم يُعلم من عادة المرسِل -بالكسر- أنَّه يروي عن غير الثقات، فإنْ عُلِم من عادته ذلك فما أرسله مردودٌ إجماعًا» انتهى، وهو مستفاد مما ذكره الشارح هنا، ونحوه في «شرح التقريب» (^٣)، إذا تمهَّد هذا فقوله: «فإنْ عُرِف من عادة التابعيِّ ألَّا يدلس إلخ»
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) ينظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه نَظرٌ؛ لِما علِمتَ أنَّ قول الأكثر بعدم الاحتجاج به مقَيَّدٌ بغير مَن عُلِم من عادته أنَّه لا يروي إلا عن ثقة.
وقوله: «وثانيهِما -وهو قول مالك والكوفيين-: يُقْبَلُ مُطْلَقًا»:
إن أراد بالإطلاق: سواءٌ عُلم من عادته أنَّه لا يَروي إلَّا عن ثقة، أو لم يُعْلَم من عادته شيءٌ [كان] (^١) مخالِفًا لموضوع كلامه؛ فإنَّه جَعَل موضوعه: ما إذا عُلِم من عادته أنَّه لا يُرسِل إلَّا عن ثقة، وإنْ جُعِل معنى الإطلاق: سواءٌ اعتضد بمجيئه من وجهٍ آخَرَ أم لا؛ اقتضى: أنَّ مالكا والكوفيين إنَّما يَحتجَّان بمرسَلِ مَن عُلِم مِن عادته أنَّه لا يُرسل إلا عن ثقة، وأنَّ مَن لم يُعْلَمْ مِن عادته شيءٌ لم يَحتجَّا بمرسَله، وليس كذلك، بل ظاهر ما قدَّمناه احتاجهما به، وأمَّا مَن عُلِم مِن عادته أنَّه يُرسِل عن غير الثقات أيضًا فلا يَحتجَّان به مُطْلَقًا.
تنبيه: (هـ/١١٦)
يَرِد على تخصيصه -كغيره- المرسَلَ بالتابعيِّ: مَن سَمِع مِن الرسول وهو كافرٌ ثُمَّ أسلم بعد موت الرسول، فهو تابعيٌّ اتفاقًا، وحديثه غيرُ مرسَل، بل هو موصول لا خلاف في الاحتجاج به، كرسول هِرَقلَ، ومن رأى المصطفى وهو غير مميِّزٍ كمحمد بن أبي بكر -﵄-، فإنَّه صحابيٌّ وحُكمُ روايته حُكْمُ المرْسَل لا الموصول؛ فلا يتأتَّى فيه ما قيل في مراسيلِ الصحابة؛ لأنَّ أكثر رواية هذا وشِبهه عن التابعين، بخلاف الصحابيِّ الذي أدرَك وسَمِع، قاله (ج) (^٢).
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٢٧٩).
[ ١ / ٤٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «لبَقَاءِ الاحْتِمَالِ»:
السبب في بقائه: جوازُ أنْ يكون الثقةُ الذي أرسَله عن التابعيِّ روى عن تابعيٍّ غير ثقة، قاله (ب) (^٢)، ولا يخفى أن بقاء الاحتمال يستلزِم وجودَه، على أنَّ المراد بقاءُ جزئيَّاته؛ فلا اعتراض.
[قوله] (^٣): «وهو أَحَدُ قَوْلَي أَحْمَدَ»:
المشهور عنه: مقابله (^٤)، ومراده بالكوفيين: الحنفيَّة، وإيَّاهم يعني مالكٌ بالعراقيين.
[قوله] (^٥): «يُقْبَلُ مُطْلَقًا»:
هذا هو الذي جَزَم به ابنُ السُّبْكِيِّ، حيث قال هو وشارحه (^٦): «فإن كان المُرسِلُ لا يروي إلَّا عن عدْل، كأنْ عُرِف ذلك من عادته كابن المسيِّب وأبي سلَمةَ بنِ عبد الرحمن يرويان عن أبي هريرة، قُبِل مرسَلُه؛ لانتفاء المحذور، وهو حينئذٍ مُسنَدٌ حُكْمًا؛ لأنَّ إسقاط العدلِ كذِكْرِه».
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (٢/ ٩٦٧).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢/ ٥٧٦).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٢٠٢).
[ ١ / ٤٧٤ ]