وأَمَّا مَنْ رجَّحَ النُّزولَ مُطلقًا، واحْتَجَّ بأَنَّ كَثرةَ البحثِ تَقْتَضي المشقَّةَ، فيَعْظُمُ الأجْرُ، فذَلكَ ترجيحٌ بأَمرٍ أَجنبيٍّ عمَّا يَتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ.
وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- المُوَافَقَةُ، وَهي الوُصُولُ إلَى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طَريقِهِ؛ أَي: الطَّريقِ الَّتي تَصِلُ إِلى ذَلكَ المصنِّفِ المُعيَّنِ.
ومِثالُهُ: رَوَى البُخاريُّ، عن قُتَيبةَ، عن مالكٍ حَديثًا
فلَوْ رَوَيْناهُ مِن طريقِهِ، كانَ بَيْنَنا وبينَ قُتَيْبَةَ ثَمانيةٌ، ولو رَوْينا ذلك الحَديثَ بعينِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبي العبَّاس السَّرَّاجِ، عن قُتيبةَ مثلًا، لَكانَ بَيْنَنا وبَيْنَ قُتيبةَ سَبعةٌ.
فَقَدْ حَصَلَتْ لَنا المُوَافقةُ معَ البُخاريِّ في شيخِهِ بعينِهِ معَ عُلوِّ الإِسنادِ إِلَيهِ.
وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- البَدَلُ، وهُوَ الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كَذَلكَ؛ كأَنْ يَقعَ لنا ذَلكَ الإِسنادُ على الإسناد إليه بعينِهِ مِن طريقٍ أُخرى إِلى القَعْنَبِيِّ، عن مالكٍ، فَيَكونُ القَعْنَبيُّ بَدَلًا فِيهِ مِن قُتَيْبَةَ.
وأَكثرُ ما يَعْتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قَارَنَا العُلُوَّ، وإِلَّا فاسمُ المُوافقةِ والبَدَلِ وَاقِعٌ بدُونِهِ.
وَفِيهِ -أَيْ: العُلوِّ النِّسبيِّ- المُسَاوَاةُ، وَهِيَ استواءُ عَدَدِ الإِسنادِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ -أَيْ: الإِسنادِ مَعَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفينَ- كَأَنْ يَرْوِيَ النَّسائيُّ -مَثَلًا- حَديثًا يَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبيِّ -ﷺ- فِيهِ أَحدَ عَشرَ نَفْسًا، فَيَقعُ لَنا ذَلكَ الحَديثُ بعينِهِ بإِسنادٍ آخَرَ إِلى النَّبيِّ -ﷺ-، يَقعُ بَيْنَنا فيه وبَينَ النَّبيِّ -ﷺ- أَحدَ عشرَ نفسًا، فنُسَاوي النَّسائيَّ مِن حيثُ العَددُ معَ قَطْعِ النَّظرِ عن مُلَاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ.
[قوله] (^١): «فذلك تَرْجيحٌ بأمرٍ أجْنَبيٍّ»: قال ابن دَقِيقِ العِيد (^٢): «لأنَّ كثرَة
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) ينظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (٢/ ٦٢٠)، وتوضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (٢/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَشَقَّة ليست مطلوبة لنفسها»، قال: «ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى» انتهى.
لأن المقصود من الحديث التوصُّل إلى صحته وبُعد الوهم، وكُلَّمَا كَثُر
رجال الإسناد تَطَرَّق إليه احتمال الخطأ والخلل، وكُلَّمَا قَصُر السَّنَد كان أسْلَم، اللهم إلَّا أنْ يكون رجال السَّنَد النَّازل: أوْثَقُ أو أحْفَظُ أو أقْعَدُ أو نحو ذلك ممَّا قاله المؤلِّف، وبهذا يُفهم معنى قول الشارح: «بأمر أجنبيٍّ».
[قوله] (^١): «وفيه البَدَلُ إلخ»: سمِّي بدلًا؛ لوقوعه من طريق راوٍ بَدَلَ الراوي الذي روى عنه أحد المُصَنِّفِين.
قوله: «أَحَدُ المُصَنِّفِين»: يعني وإن لم يكن من أهل الكتب الستة كما وقع لبعضهم في «مسند أحمد»، نعمْ: الاقتصار على أحد الستة هو الأغلب، وقوله: «من غير طريقه» أي: بسنَدٍ أعلى من الطريق الآخر كما يدل له جعله من أفراد العُلُو النِّسْبيِّ.
[قوله] (^٢): «عن مالكٍ»: إنَّما ذكَرَه؛ لأجْل أنْ يَجْعَل مثالًا للبدل أيضًا، وإلَّا فالموافقة حاصلة بدونه.
[قوله] (^٣): «مع عُلُوِّ الإسناد إلخ»: فيه تصريحٌ باعتبار العُلُو في الموافقة، لكنَّه مُعْتَبَرٌ عِنْدَ المؤلِّف باعتبار الكثير؛ لأنَّه ترَّجح بأمر معنويٍّ فيكون أولى إذا لم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكن معها علو، فيقِلَّ إطلاق اسم الموافَقَة (أ/١٥٩) بدونه وتسمع ما فيه، قاله (هـ) (^١). والضمير في قوله: «إليه» للبخاريِّ، أي: الإسناد المَنسوب إلى البخاريِّ، والنِّسبة تكون لأدنى ملابسة.
[قوله] (^٢): «كذلك»: قال (ق) (^٣): «أي: من غير طريقِ ذلك المؤلِّف المعيَّن بطريق [آخر] (^٤) أقلُّ عَدَدًا من طريقه» انتهى؛ فقوله: «أقلُّ عَدَدًا إلخ» يعني باعتبار الكثير حتى يوافِق طريق المؤلِّف.
قوله: «كأنْ يَقَع لنا ذلك إلخ»: قال (ق) (^٥): «صوابه: ذلك الحديث»، ويمكن الجواب بأنَّ في الكلام مضافًا دل عليه السِّياق والسِّباق إلى مروي ذلك الإسناد والتوكيد لا يمنعه؛ لأنَّه يُضْعِف الاحتمال عند بعض المحقِّقين ولا يَرْفَعه لكثيرٍ، كما نَبَّه عليه ابن أبي الربيع.
[قوله] (^٦): «فيكون إلخ»: وقد يسمون البَدَلَ: موافَقَة مقيَّدة، فيُقال: هو موافقة في شيخ شيخ البخاريِّ مثلًا.
تنبيه:
قال المؤلِّف: وقد استخرجت قِسْمًا يَجْتَمع فيه البَدَلُ والموافَقَة، مثال
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٣٥٩).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٨ - ١١٩).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٨ - ١١٩).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حديث يرويه البخاريُّ عن قُتَيْبَةَ عن مالك، ويؤخَذ من طريقٍ آخَرَ فيوافَق في قُتَيْبَة، ويروي قُتَيْبَة عن الثوريِّ.
[قوله] (^١): «وأكثرُ ما يَعْتَبِرُون إلخ»: ممن قيَّد صحة إطلاق الموافقة والبدل [في صورة العلو ابن الصَّلاح، حيث قال: «ولو لم يكن ذلك عاليًا فهو أيضًا موافقَة وبَدَلٌ، لكن لا يُطْلَق عليه اسم الموافَقَة] (^٢) مع عدم العلو، فإن علا قالوا: موافَقَةً عاليَةً، أو بَدَلًا عاليًا».
قال العراقيُّ (^٣): «كذا رأيتُه في كلام شيخ جَمَال الدين الظاهريِّ وغيره، ورأيت في كلام الظاهريِّ (^٤) والذَّهبيِّ: فوافقناه بنزوله؛ فسمياه مع النُّزول: موافَقَةً، ولكن مقيَّدة بالنُّزول، كما قَيَّدها غيرهما بالعُلُو» انتهى.
فإنْ حُمِل كلام الشارح على التقْيِيد كان جاريًا على ما قاله جَمَال الدين الظاهريُّ والذَّهبيُّ لا على ما قاله ابن الصَّلاح.
[قوله] (^٥): «وفيه -أي: العُلُوِّ النِّسْبيِّ-: المُسَاوَاةُ إلخ»: قد عَلِمْتَ أنَّ كلامه لا يقتضي حَصْرها في العُلُو النِّسْبيِّ؛ فلا ينافي وجودها في المُطْلَق أيضًا، وكذا المُصَافَحَة وهو ظاهرٌ، وقد أشار إلى أنَّها تُوجَد في غيره بالمثال الذي
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) شرح التبصرة (١/ ٣١٢).
(٤) أحمد بن محمد بن عبد الله (٦٩٦ هـ) الأعلام (١/ ٢٢١).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذَكَرَه، وهذا نُكتَةُ عُدُوله عن التَّمثيل لها في العُلُو النِّسْبيِّ إلى التمثيل لها في العُلُو المُطْلَقِ، وما ذَكَرْناه من أنَّ: المساواة تكون في العُلُو النِّسبيِّ والمُطْلَق نحوه لشيخ الإسلام (هـ/١٨٦) فإنَّه قال في قول العراقيِّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ
فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ (^١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما نصه: «وإنْ يكن المُخرِّج ساواه، أي: أحد الستة، عدًّا قد حصل، أي: من جهة العدد الحاصل في السَّنَد، بأنْ يكون بَيْن المَخرِّج وبَيْن النبيِّ -﵊- في المرفوع أو الصحابيِّ أو من قبله إلى شيخ الإسلام أَحَد الستة، كما بَيْنَ أَحَدِ الستة وأَحَدِ مَنْ ذُكِر من العَدَد فهو المساواة» قاله (ج) (^٢).
وقال (هـ) (^٣): «قوله: وفيه أي: العلو النِّسبيِّ المساواة إلخ، قال (ق) (^٤): تقدَّم أنَّ العُلُو النِّسبيَّ: أن ينتهي الإسناد إلى إمام ذي صفة عليَّة، وهذه المساواة ليست كذلك، بل إنَّما يَنْتَهِي إلى النبيِّ -﵊-؛ فحقُّها أنْ تكون من أفراد العُلُو المُطْلَق» انتهى، وهو اعتراضٌ ساقط؛ لأنَّه لاحَظَ فيه صورةَ مثال الشارح، وإلَّا فهي غير مقصورة عليه؛ لصِدْقِها بأنْ يكون بين المُخرِّج وبين النبيِّ -﵊- في المرفوع أو الصحابيِّ ومن دونه في غيره إلى شيخ أحد الأئمة الستة كما بين أحد الستة من ذَكَرْنا من العدد.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (ص ١٥٩).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤٣٢).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٧٥).
(٤) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٢١).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
المساواة بيننا الآن وبَيْن أَحَد الستة مفقودة غير ممكنة الوقوع؛ لبُعْد ما بيننا وبَيْن من فوقهم ممن ذَكَرنا، قاله شيخ الإسلام الأنصاريُّ.
[قوله] (^١): «إِلى آخِرِهِ إلخ»: أي: الإسناد، لم يقَيِّده لكونه ينتهي إلى النبيِّ -﵊-؛ [فشمِل ما انتهي إليه -﵇- (^٢) أو إلى غيره، فهو ممَّا يؤيِّد ما أشرنا إليه من الجواب على ما أورده المُحَشِّي المشار إليه، وملخصه: أنَّ المساواة أنْ تكون بين المُخرِّج وبَيْن النبيِّ في المرفوع، أو وبَيْن الصحابيِّ في الموقوف، أو وبَيْن من دُون الصحابيِّ في المقطوع كما بَيْن أَحَد الأئمة الستة وبَيْن النبيِّ -﵊- أو من دُونَه من العَدَد، وهذا كان يوجَد قديمًا، وأمَّا اليوم فلا توجَد المساواة إلَّا بأنْ يكون عدد ما بَيْن المُخرِّج الآن وبَيْن أَحَد شيوخ أَحَد الأئمة الستة كعدد ما بَيْن أَحَد الأئمة الستة وبَيْن النبيِّ -﵊- مثلًا، أو أكثر بكثير كما قلناه آنفًا، قاله (هـ) (^٣).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٧٧).
[ ٢ / ٢٤٤ ]