ثمَّ البِدْعَةُ، وَهِيَ السَّببُ التَّاسعُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ في الرَّاوي، وهي إِمَّا أَنْ تَكونَ بمُكَفِّرٍ؛ كأَنْ يعتَقِدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ، أو بِمُفَسِّقٍ:
[قوله] (^١): «ثُمَّ البِدْعَةُ»: يعني بالاعتقاد، وأما بالجوارح فهي الفِسْق السابق حُكْمه، وهي مأخوذة من الإبداع، وهو: إخراج الشيء على غير مثال؛ فكأنَّ المخالِف في قواعد الاعتقاد الشرعيِّ أخْرَج اعتقاده على غير ما طلبه الشارع منه وبيَّنه له. قوله: «في الراوي» لغو متعلِّق بـ «الطَّعن».
[قوله] (^٢): «وهي إمَّا أنْ تَكُون بِمُكَفِّرٍ إلخ»:
اعلم أنَّ تقدير الشارح «وهي» فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره؛ إذ لفظ المَتْن: «ثُمَّ البدعة إِمَّا بمكَفِّرٍ إلخ»، وعلى ما فعله الشارح فيُقدَّر للبدعة خبرٌ.
قوله: «كأَنْ يَعْتَقِدَ ما يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ»: هذا مبنيٌّ على أنَّ لازم المَذْهَبِ مَذْهَبٌ، وهو قولٌ مرجوح، وظاهر هذا أنَّ مَحِلَّ الخلاف في هذا الموضِع، وأنَّ من حصل منه ما هو كُفْرٌ ليس فيه هذا (أ/١٣٣) الخلاف، وأنَّه يُرَدُّ قَطْعًا.
وقوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه إلخ»:
يقتضي وجود الخلاف في هذا، ويفيد أنَّ من اعتقد ما يستَلْزِم الكُفْر لا يُقال فيه: إنَّ روايته تُردُّ -على المُعتَمد-، وما ذكره في المَتْن من عود ردِّه للجمهور واقتصاره عليه يفيد خِلاف هذا، وأنَّ المُعتَمَد رَدُّ حديث من اعتقد ما يَستلزِمُ الكُفْرَ. فإنْ قيل: قوله: «كأنْ يَعْتَقِد إلخ» يقتضي أنَّ مَحِلَّ الخلاف ليس مقصورًا على هذا؛ لقوله: «كأنْ يَعْتَقِد إلخ» حيث لم يَقُلْ: بأنْ يعتقد إلخ؛ فيشمل من أتى بالكُفْر صريحًا، قُلْنا: هذا يقتضي أيضًا أنَّ المُعْتَمَدَ ردُّ رواية من اعتقد ما يستَلْزِم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُفْر، وهو خلاف مفادِ قوله: «فالمُعْتَمَد أنَّ الذي إلخ»، ويفيد الاختلاف في رواية من اتُّفِق على تكفيره.
واعلم أنَّ مقتضى ما ذكره الكمال بن أبي شريف في «حاشية جمع الجوامع» (^١): أنَّ المبتدِع إنْ أتى بما يستَلْزِم الكُفْر جرى الخلاف في قَبول روايته، وأمَّا من أتى بما هو صريح الكُفْر فإنَّ روايته لا تُقبَل قَطعًا بلا خلاف، ومقتضى كلام غيره كالعراقيِّ، والحافظ ابن حجر، وشيخ الإسلام في «شرح ألفيَّة العراقيِّ» و«حاشية جمع الجوامع» (^٢):
أنَّ الخلاف جارٍ في هذا الثاني أيضًا، وفيه نظرٌ؛ فإنَّ قَبول رواية الأول إنَّما هو مبنيٌّ على عَدَم كُفْره، إذا تَمَهَّد هذا فقوله: «فالمعتمد إلخ» يقتضي الخلاف فيمن أتى بما هو كُفْرٌ صريح، ومقتضى كلام الكمال خلافه، وأنَّه تُردُّ روايته من غير خِلاف، ولكنَّه موافقٌ ظاهر ما للعراقيِّ ومن تَبِعه، وبعد ذلك يَرِدُ عليه: أنَّه يقتضي أنَّ من أتى بما يستَلْزِم الكُفْرَ لا يكون المُعْتَمَد رد روايته، وهو خِلاف مقتضى كلامه في المَتْن وما شرحه به؛ فتأمله، قاله (ج) (^٣).
قال (هـ) (^٤): قوله: «إِمَّا أنْ تكون بِمُكَفِّرٍ إلخ» أي: إما ذو أن تكون، والفِعل يَحْتمل التمام والنقصان، وقوله: «بِمُكَفِّرٍ» أي: بسبب اعتقاد أمرٍ مكفِّرٍ لغو أو مستقر.
وقوله: «كأنْ يَعْتَقد إلخ»
قال (ق) (^٥): «في التكفير باللازم كلام لأهل العِلْم» انتهى. والحقُّ في المسألة: أنَّ اللازم إن كان بيِّنًا والتزمه صاحب ذلك الاعتقاد كان كُفْرًا وإلَّا فلا، فكلُّ من
_________________
(١) راجع: اليواقيت والدرر (٢/ ١٤٩).
(٢) راجع: قضاء الوطر (٢/ ١٢٠٤).
(٣) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٦٨ - ٣٧٠).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ١٢٠٠).
(٥) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٩٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنكر مُجمَعًا عليه معلومًا من الدين بالضَّرورة كفَر سواء كان فيه نصٌّ أو لا، ومعنى العِلْم بالضرورة: أنْ يكون ذلك المعلوم من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ. وقال الكمال: ليس المراد بِمَنْ كَفَر ببدعته: من أتى بما هو صريح كُفْر كالعُرابية ونحوهم، بل من يأتي بالشهادتين مُعْتَقِد الإسلام غير (هـ/١٥٥) أنَّه ارتكب بدعة يلزمها أمرٌ هو كُفْر؛ فكَفَّره مَنْ يرى لازم المذهب مذهبًا كالمجسمة، فإنَّه يلْزم قولهم الجهل بالله، والجهل بالله كفرٌ، ويلْزَمه: أنَّ العابد لجسم غير عابد لله، وهو كُفْر، ومن لا يُكَفِّرهم يجيب عن الأول بأنَّ الجهل بالله -من بعض الوجوه- ليس بِكُفْر بعد الإقرار بوجوده ووجوبه ووحدانيَّتِه، وأنَّه الخلاق العليم الأزليِّ القديم، وبرسالة الرسل، وعن الثاني بِمَنْع كونه عابدًا لغير الله، بل هو معتقد في الله ما لا يجوز عليه مما جاء به الشرع على تأويلٍ ولم يُأَوِّله؛ فلا يكون كافرًا.
قال الغزاليُّ (^١): وعدم التكفير أقرب إلى السلامة، وجزم النوويُّ في «المجموع» (^٢) بالتكفير، واختاره ابن عرفة المالكيُّ في المُجَسِّم.
إذا عرَفت هذا؛ فمثال كلام المؤلِّف: المجسِّمة، ومعتقِدُو [عدم] (^٣) تَعلُّق علمه تعالى بالجزئيات أو بالمعدوم إنْ قلنا بتكفيرهم بذلك.
[قوله] (^٤): «أو بِمُفَسِّقٍ»:
عطفٌ على «بمُكَفِّر»، أي: ويكون بسبب اعتقاد أمر مفسِّق غير مكفِّر.
_________________
(١) لم أقف عليه وأفاد محقق قضاء الوطر أن اسمه «فيصل التفرقة بين الإسلام والنزدقة».
(٢) المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٥٣).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٣٥ ]
فَالأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَها الجُمْهورُ. وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطلقًا. وَقيلَ: إِنْ كانَ لا يَعْتَقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لنُصْرَةِ مقالَتِهِ قُبِلَ.
والتحقيق: أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكفَّرٍ ببدعَتِهِ؛ لأَنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أَنَّ مُخَالِفيها مُبْتَدِعةٌ، وقَدْ تُبالِغُ فتُكفِّرُ مخالِفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإِطلاقِ؛ لَاسْتَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أَنَّ الَّذي تُرَدُّ روايتُهُ: مَنْ أَنْكَرَ أَمرًا مُتَواتِرًا مِن الشَّرعِ، مَعْلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، وكَذَا مَن اعتقدَ عَكْسَهُ.
فأَمَّا مَنْ لم يَكُنْ بهذهِ الصِّفَةِ، وانْضَمَّ إِلى ذَلكَ ضَبْطُهُ لِما يَرويهِ مَعَ وَرَعِهِ وتَقْواهُ، فلا مَانِعَ مِن قَبولِهِ أصلًا.
وقوله: «فالأوَّل»: أي: فالنَّوع الأول من نوعي البدعة، وهو: ما كان بمكفِّر؛ «لا يَقْبَل صاحبَها الجمهورُ» يُعني مُطْلَقًا؛ لعِظَم بدعته وقبحها، وفيه تصريح بوجود الخلاف في قَبول رواية هذا القسم، وهو طريق الأصوليين، ولم يحك ابن الصَّلاح في رَدِّ روايته خلافًا (^١)، ووافقه النوويُّ في «تقريبه» (^٢)، فإنْ كان قد قَصَد الردَّ عليه فتطابُق الطريقين غير لازم كما عَلِمْتَ مرارًا، وإنْ قصد بيان الواقع قَرُب.
وقوله: «وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا»: هذا قولٌ لم يَحْكِه ابن الصَّلاح (^٣)، وهو: قَبول خبر المبتدعة مُطْلَقًا وإن كانوا كفَّارًا أو فسَّاقًا بالتأويل مع اعتقاد حرمة الكذب، وهذا أضعف الأقوال، وقد عَلِمْتَ أنَّه مقيَّد بأنْ يكون لهم تأويل، فلا بُدَّ منه على هذا القول.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٢٨).
(٢) التقريب والتيسير للنووي (ص ٥١).
(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٤).
[ ٢ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ»:
اسم مفعول، يعني أنَّ التحقيق (أ/١٣٤): أنَّه لا يُرَدُّ كلُّ من تكلَّم النَّاس في تكفيره ببدعة؛ «لأنَّ كل إلخ» قاله (هـ) (^١).
[قوله] (^٢): «وقَدْ تُبَالِغُ»:
أي: طائفة، وأشار بهذا إلى أنَّ التصريح بالتَّكْفِير الواقع من الطوائف على من ينطبق عليه الضابط الآتي إنَّما هو على سبيل المبالغة، أي: والتنفير والطردُّ عن اتباعهم في اعتقاداتهم الباطل إنْ لم يكن كُفْرًا، وقد يُراد بالكُفر تغطيةُ الحقِّ بالباطل، ومنه سُمِّي الحارث كافرًا؛ لسَتْره البَذْر بالحَرْث.
وقوله: «فلو أُخِذَ ذلك»:
أي: تكفير المبتدِع «على الإطلاق؛ لاستلْزَم تكفير جميع الطوائف»، أي: فيَستَلْزِم ردَّ رواية جميع الطوائف، وهو يُنافي احتمال عدم التكفير الذي يقتضيه قوله: «قد تُبالِغ بتكفير مخالِفِيها»؛ إذ يَحْتمل ألَّا تبالِغ فلا تُكَفِّر.
[قوله] (^٣): «فالمُعْتَمَدُ إلخ»:
أي: أنَّ المعتمد أنَّ البِدْعيَّ الذي تُردُّ روايته إلخ. الذي ينبغي أنْ يُفهم عليه كلامُ الشارح أنَّه قصَد تحرير مَحِلِّ الخلاف، وأنَّ تلك الأقوال التي قالها الأصوليين إنَّما هي في مُبتدِعٍ رُمِي بالتكفير على وجه المبالغة أو نحوها، أمَّا المُبتدِع الذي بدعته أدَّته إلى إنكار «أمرٍ متواترٍ من الشرع، معلوم من الدين
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١٢٠٦).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالضرورة إلخ» فرَدُّ روايته متَّفقٌ عليه [ليس] (^١) من مَحِل الخلاف في شيء؛ لأنَّه كافر، وقد اتفقوا على ردِّ روايته وعدم قَبولِها، إلَّا أنْ يُسْلم ويصير عَدْلًا ثُمَّ يؤدي، وعليه حُمِل كلام النوويِّ وابن الصَّلاح وأضرابهما، وعلى هذا فقوله: «الذي تُرَدُّ روايته» معناه: الذي يُتَّفق على ردِّ روايته، لا الذي يترجَّح ردُّ روايته؛ لعرائه عن الفائدة كما يُعلم بأدنى إصغاء.
[قوله] (^٢): «وكذا مَنِ اعْتَقَدَ عَكْسَهُ»:
وهو مَنْ أثبت بقوله الدالِّ على عَقْده أمرًا معلومًا انتفاؤه من (هـ/١٥٦) الدين بالضَّرورة منقولًا بالتواتُر، كمن أثبت صلاة زائدة على الصلوات الخمس، ونحو ذلك.
[قوله] (^٣): «فأمَّا مَنْ لم يكن مُتَّصِفًا إلخ»:
يعني: والفَرض أنَّه ممَّن رُمِي بالكُفر.
وقوله: «فلا مانِعَ إلخ»:
يريدُ من غير خلاف، وعليه يحمل كلام صاحب «المحصول»، ولا بُدَّ أنْ يَنْضَمَّ إلى ذلك أيضًا: ألَّا يكون داعِيَةً.
فقوله: «مَعْ وَرَعِه وَتَقْوَاه»:
يريد على زَعْمه فلا إشكال، هذا ما انقَدَح [لي] (^٤) في تمشية كلامه، ولم أقف لتلامذته ولا مُحَشِّيه على كلام فيه، وبالله أستعين، قاله (هـ) (^٥).
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١٢٠٨).
[ ٢ / ١٣٨ ]
والثاني: وهو مَنْ لا تَقْتَضي بدعَتُهُ التَّكفيرَ أَصلًا، وَقَد اختُلِفَ أَيضًا في قَبُولِهِ ورَدِّهِ:
فَقِيلَ: يُرَدُّ مُطلَقًا، وهُو بَعيدٌ.
وأَكثرُ مَا عُلِّلَ بهِ أَنَّ في الرِّوايةِ عنهُ تَرْويجًا لأمرِهِ، وتَنْويهًا بذِكْرِهِ.
وعَلَى هَذا، فيَنْبَغي أَلَّا يُرْوى عنْ مُبْتَدعٍ شيءٌ يُشارِكُهُ فيهِ غيرُ مُبتدعٍ.
وَقيلَ: يُقْبَلُ مُطْلقًا إِلَّا إِن اعْتَقَدَ حِلَّ الكَذِبِ، كما تقدَّمَ.
وَقيلَ: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ داعِيةً إِلى بِدعَتِهِ؛ لأنَّ تزيينَ بِدعَتِهِ قد يَحْمِلُهُ على تَحريفِ الرِّواياتِ وتَسويَتِها على ما يقتَضيهِ مذهَبُهُ، وهَذَا في الأصَحِّ.
وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ، فادَّعى الاتِّفاقَ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعيةِ مِن غيرِ تفصيلٍ.
نَعَمْ، الأكثرُ على قَبُولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ إِلَّا إنْ رَوَى ما يُقَوِّي بِدْعَتَهُ، فيُرَدُّ عَلَى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وَبِهِ صرَّحَ الحافِظُ أَبو إِسحاقَ إِبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانِيُّ شيخُ أَبي داودَ، والنَّسائِيُّ في كتابِهِ «معرفة الرِّجال»، فَقَالَ في وَصْفِ الرُّواةِ: «وَمِنهُم زائغٌ عن الحَقِّ -أَيْ: عنِ السُّنَّةِ- صادقُ اللَّهجَةِ، فليسَ فيهِ حيلةٌ إِلَّا أَنْ يُؤخَذَ مِن حديثِه غير ما لا يكونُ مُنْكرًا إِذا لم يُقَوِّ بهِ بدْعَتَهُ». اهـ.
[قوله] (^١): «والثَّاني»:
أي: النَّوع الثاني من نوعي البدعة، هي: بدعة من لا يقتضي بدعته التكفير أصلًا، لا حقيقةً ولا مَجازًا، وبهذا غايَر ما قبله.
قوله: «وهو بَعِيدٌ»:
قال ابن الصَّلاح (^٢): إنَّه بعيد مُباعِدٌ للشائع عن أئمة الحديث؛ فإنَّ كتبهم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) معرفة أنواع علوم الحديث (ص ١١٥).
[ ٢ / ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طافِحَة بالرواية عن المبتدعة غير الدُّعاة.
[قوله] (^١): «وأكْثرُ ما عُلِّلَ به»:
لا يُحمل على غاية ما عُلِّل به كذا؛ لِمَا علمت من العلَّة المذكورة؛ إذ هي أقوى ممَّا ذَكَره فلا يَنْهَض حجَّة، فيُحْمل على كثرة الاستعمال فيما تداولوه بينهم، وهذا القول هو الذي نقله الآمِديُّ (^٢) عن الأكثرين، وجَزَم به ابن الحاجب (^٣)، ومعنى الإطلاق فيه: سواء كان داعية أو غير داعية، كما هو قاعدة وقوع الإطلاق في مقابلة تفصيل سابِقٍ أو لاحَقٍ، ثُمَّ إنَّ مُجَرَّد الرواية عنه لا يقتضي ترويجًا، وإنَّما يقتضي ذلك قَبولَ روايته؛ ففي الكلام حَذفٌ يقتضيه المقام، فإنَّ بقَبول روايته يُتَطرَّق لقَبول بدعته، خصوصًا مع اتصافه ظاهرًا -بزعمه- بصفات القَبول؛ من: عدالته وضبطه وعدم اتهامه؛ إذ لا يُقبل إلَّا روايةُ من هو كذلك، فتروج بدعته أنْ يَقبل وتجوز، من: راجت الدراهم؛ إذا تُعُومل بها وجازت بين النَّاس ولم تُرد.
وأمَّا التنويه: أي: الإعلام بذِكْره فهو موجود مع الرواية عنه مُطْلَقًا كما لا يخفى، ولقائل أنْ يقول: كيف ساغَ توثيق مبدَّع، وحدُّ الثقة: العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وعندي أنَّ الجواب هو: أنَّ العدالة كافية ولو بالنظر لدعوى صاحبها حيث لم يُعرَف بذنبٍ يرفعها، والمتأوِّل هذا حاله.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) الإحكام (٢/ ٨٣).
(٣) رفع الحاجب (٢/ ٩٣).
[ ٢ / ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «وعلى هذا»:
اسم الإشارة راجعٌ للتعليل المذكور.
[قوله] (^٢): «شارَكَه فيه»:
أي: في روايته غير مبتدِع؛ كي لا يكون ترويجًا لبدعة المبتدِع وتنويهًا بذكره من غير ضرورة؛ لاندفاعها بوجود رواية غيره، والضرورة تتقدر بقَدْرها، وفي هذا نظر: إذا كان مع المبتدِع علو أو زيادة ضبط ونحو ذلك (أ/١٣٥).
[قوله] (^٣): «وقيل: يُقْبَلُ مَنْ لم يَكُنْ دَاعِيَةً»:
يدعو النَّاس إلى بدعته، و«الهاء» للمبالَغة كعلَّامة، بخلاف الدَّاعية فلا يُقبل؛ للتعليل الذي ذَكَره المؤلِّف، فهو تعليل لمفهوم عبارة المَتْن لا لمنطوقها، ومقتضاه: أنَّه لو روى ما ليس كذلك أنَّه يُقبَل حيث وُجدت شروط القَبول، وهي أنَّه لا يستحِلُّ الكذب، وألَّا يكون داعية إلى بدعته، وألَّا يروى ما يُقَوي بدعته، فإن استحل أو دعا إلى بدعته أو روى ما يُقَوي به؛ لم يقبل، انظر «جمع الجوامع» (^٤).
وقال (هـ) (^٥): ومفهوم قوله: «مَنْ لم يَكُن إلخ» أنَّ الدَّاعية الذي يدعو الناس إلى بدعته لا يُقبل؛ لأنَّ تزيين بدعته إلخ؛ فالتعليل في الشرح راجع للمفهوم لا للمنطوق.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) شرح المحلي على جمع الجوامع (٤/ ٢٤٥).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١٢١٢).
[ ٢ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
مثل الدَّاعية عند أهل المُفَصِّل في الردِّ: من لم يَعْتَقِد حرمة الكذب سواءٌ كُفِّر ببدعته أم لا، [و] (^١) من كان يُحَرِّمه ولكنَّه كُفِّر ببدعته كالمجسِّم عند الأكثر كما قدَّمه الشارح، ولا يذهب عليك: أنَّ (هـ/١٥٧) تاء داعية للمبالغة، كتاء علَّامة ونسَّابة، فمقتضاه أنَّه لا يردُّ إلَّا من بالغ في الدعوة لبدعته، والذي ينبغي: ردُّ الداعي مُطْلَقًا، بالغ أو لم يبالغ، فلو قال: من لم يكن دَاعيًا؛ أجاد، لكنه تَبِع القوم فيما ظاهره غير مراد لهم.
قوله: «وتَسْوِيَتِها (^٢) إلخ»:
الظاهر أنَّه عطفٌ تفْسيريٌّ على قوله: «تحريف»، وأنَّه لا يُنافي قول المَحَليِّ؛ لأنَّه لا يؤمَن فيه أنْ يضع الحديث على وَفقها؛ لأنَّه إذا سوَّاها على ما يقتضيه مذهبه فقد كذَبَها؛ فتكون موضوعة.
[قوله] (^٣): «وهذا في الأَصَحِّ»:
اسم الإشارة راجع للتفصيل، و«الأصحِّ» للقول، أي: وهذا التفصيل في قول الأصحِّ، ويصح في اسم الإشارة أن يكون عائدًا على الحُكْم المفصَّل فيه، وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد كما قاله الخطيب (^٤)، وهو مذهب الأكثر، وهو أعدَلها.
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) في (هـ): [ويسويها].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) الكفاية (١/ ٣٦٧).
[ ٢ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «وأَغْرَبَ ابنُ حِبَّانَ إلخ»: وليس كما زَعم، بل الخلاف مُحقَّق (^٢).
تنبيه (^٣):
قال الشارح: ابن حِبَّان أَغْرَب في دعوى الاتفاق المذكور، ولم يقل إنَّه أغْرَب في دعوى عَكسِه، وهو أنَّ الدَّاعية مردود الرواية اتفاقًا، حيث قال: «الدَّاعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عن أئمتنا قاطبةً، لا أعْلَم بينهم فيه خِلافًا» (^٤) انتهى.
لأنَّه لم يَنفرد بهذا فقد، حَكى بعض أصحاب الشافعيَّ: أنَّه لا خلاف بين أصحابه أنَّه لا يُقْبَل الدَّاعية، وأنَّ الخلاف بينهم فيمن لم يَدْعُ إلى بدعته.
تتمة (^٥):
في الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدَّاعية احتجاجًا واستشهادًا، كعِمرانَ بنِ حِطَّانَ، وداودَ بنِ الحُصَين، وخالد بن مَخْلَدٍ القَطَوَانيِّ، وعبيد الله بن موسى العَنْسيِّ، وعبد الرزاق بن همَّام، وآخرين (^٦).
[قوله] (^٧): «نَعَمْ؛ الأكثر إلخ»:
هذا منطوق قول من لم يكن داعية، أعاده؛ ليربِط به الاستثناء، ولم يظهر لي وجهُ تقديم المفهوم بتعليله حتى احتاج لإعادة المنطوق.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (ب) زيادة [اليه].
(٣) راجع: قضاء الوطر (٢/ ١٢١٦).
(٤) نقله في: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٢/ ٦٩).
(٥) راجع: قضاء الوطر (٢/ ١٢١٧).
(٦) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٢/ ٦٩).
(٧) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «إلَّا أنْ يَرْوِيَ ما يُقَوِّي إلخ»:
فإن قُلْتَ: اشتراط هذا يغني عن اشتراط ألَّا يكون داعية، قُلْتُ: ممنوع؛ لأنَّه قد لا يروي ما يقوي مذهبه، لكنه يحرف الروايات التي تَرُدُّ مذهبه أو تعارضه، أو ليُفسد على مخالفيه عبادتهم وأحكامهم، فصَدَق الأول بما لم يصدُق به الثاني.
[قوله] (^٢): «الجُوْزَجَانِيُّ»:
بضم الجيم الأولى وسكون الواو وفتح الزاي والجيم الأخيرة، نسبة إلى جوزجان من كور خراسان.
[قوله] (^٣): «زائِغٌ»:
أي (^٤): في اعتقاده، ولَمَّا أوهَم قوله: «عن الحقِّ» أنَّه خرج عن الإسلام فسَّره بما يرفع ذلك التوهُّم فقال: «أي: عن السُّنَّة» بمعنى الطريقة التي عليها الجماعة.
[قوله] (^٥): «صادِق اللَّهْجَة»:
أي: الكلام أو النطق به.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من هامش (أ).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٤٤ ]