فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ -أَيْ: عَددُ رجالِ السَّندِ- فإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذَلكَ العَدَدِ القَلِيلِ بالنِّسبةِ إِلى أَيِّ سَنَدٍ آخَرَ يَرِدُ بهِ ذَلكَ الحَديثُ بعينِهِ بعددٍ كثيرٍ، أَوْ ينتَهِيَ إِلى إِمامٍ مِنْ أَئمَّةِ الحَديثِ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ كالحِفْظِ والفِقْهِ والضَّبْطِ والتَّصنيفِ، وغيرِ ذلك من الصِّفاتِ المُقتَضِيَةِ للتَّرجيحِ؛ كشُعْبَةَ وَمَالكٍ والثَّوريِّ والشَّافعيِّ والبُخاريِّ ومُسْلمٍ، ونحوِهم:
[قوله] (^١): «فإنْ قَلَّ عَدَدُهُ»: الضمير للإسناد المتقدم في قوله: «ثُمَّ الإسناد».
وقوله: «أي: عَدَدُ رجال السَّنَدِ»: [الإضافة فيه بيانيَّة، أي: رجالٌ هي السَّنَد] (^٢)؛ إذ المراد بالسَّنَد هنا: الرجال التي هي طريق المَتْن لا حكاية طريقة.
وقوله: «فإمَّا أنْ يَنْتَهِي»: يُحْتَمل عَود الضمير إلى السَّنَد، وهو المتبادَر من كلامه، ويُقْدَحُ فيه بقوله: «بذلك العَدَدِ القليل»، ويحتمل عوده إلى المَتْن، وحينئذٍ ففي كلامه تشتيت الضمير مع عَدَمِ ذِكْرِ المَرْجَع، ولكنَّه مُلْتَئِمٌ مع قوله: «بذلك العدد القليل» ويأتي أيضًا ما يدلُّ عليه، وقوله: «بالنِّسبَةِ إلى سَنَدٍ آخَرَ» متعلِّقٌ بالقليل، فالسَّنَد الآخر كثير العدد بالنسبة إليه؛ فقوله: «بعدد كثيرٍ» لا فائدة له.
وقال (هـ) (^٣): ضمير قوله: (هـ/١٨٣) «فإنْ قَلَّ عَدَدُه» راجع للسَّند من قوله: «بسَنَد»، ومن البَيِّن أنَّ المراد بقِلَّة العدد قِلَّتُه دون نقصٍ، وإلَّا فلا علو بالنسبة (أ/١٥٧) إلى النَّقص، وتقديره معه مضافًا يوجب تَكْرارًا؛ لأنَّ السَّنَد
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٦٠).
[ ٢ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نفس الرجال إذ هو طريق المَتْن كما سَلَف، اللهم إلَّا أن يُؤَؤَّلَ السَّنَد بالإسناد بِناءً على إطلاق أحدهما على الآخر، ويُجْعَل إضافة «رجال» إلى «السَّنَد» بيانيَّة، ولعل التأمُّل على تقدير المضاف إضافة العدد في المَتْن إلى ضمير «السَّند» بمعنى الرجال؛ إذ هم طريق المَتْن، فهو تصريحٌ بما عُلِم التزامًا؛ فتدبَّره.
[قوله] (^١): «فإمَّا أنْ يَنْتَهي إلخ»:
اعلم أنَّ الإسناد خِصِّيصَة فاضلة من خصائص هذه الأمَّة دون جميع الملل، أمَّا مع الأرسال أو العَضَل فيوجد في اليهود، لكن لا يَقْرُبون به من موسى قُربنا من نبينا، بل يقضون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نَفْسًا، وإنَّما يبلغون به إلى نوح وشمعون، وأمَّا النَّصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل شيءٌ إلَّا تحريم الطلاق، قاله ابن حَزْمٍ كما نقله عنه بعضهم.
تنبيه:
قال ابن المبارك (^٢): «الإسنادُ من الدين، لولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء»، وعن الثوري (^٣): «الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟».
طلب العلو سنة عن السلف؛ ولأجلها شُرِعَت الرِّحْلَة، وقيل لابن مَعِينٍ: حين وفاته: ما تطلُب؟ قال «بيتًا خاليًا وسندًا عاليًا» (^٤).
[قوله] (^٥): «بذلك العَدَدِ القَلِيلِ»:
متعلِّقٌ بـ «يَنْتَهي» وفيه نَظَرٌ؛ إذ يصير المعنى: ينتهي العَدَد القليل بذلك العدد
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) مقدمة مسلم (٣٢).
(٣) شرف أصحاب الحديث، للخطيب (٤٢).
(٤) الجامع، للخطيب (١/ ١٢٣).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القليل، اللهم إلَّا أنْ يُضْبَط «يَنْتَهي» بصيغة المجهول مع حذف متعلَّقه؛ فيكون هذا إشارة إليه، وفيه نظر. وقوله: «بالنِّسبة إلخ» متعلِّقٌ بالقليل، وأشار به إلى أنَّه لا يُتَصَوَّر عُلو إلَّا في مقابلته نُزول؛ إذ هما أمران نِسْبيَّان لا يعقل أحدهما إلَّا بالنسبة إلى الآخر، رَدًّا على من قال: يتصور علو لا نزل نُزول معه، كما يأتي في كلامه، غير أنَّ مقابل السَّنَد العالي تارةً يكون سَنَدًا واحدًا أو أكثر، وتارةً جميع الأسانيد، وقوله: «آخر» لا يُخْرِج هذا، كما لا يخفى على ذي بَصيرة.
[قوله] (^١): «بعدد كثير»:
لا يَظْهر إلَّا أنَّه بَدَلٌ من «به»، ويَلْزَم عليه الفصْل بالفاعل وتوكيده بين البَدَل والمُبْدَل منه؛ فالوجه أنْ يُقَدَّرَ له عاملٌ، تقديره: بعدد كثير، ولو تَرَكه لاستغنى عنه بما قدمه؛ إذ يفهم من قوله: «قليل بالنسبة إلى سند آخر يرد به إلخ» كونه مرويًّا بسندين أحدهما أكثر رجالًا من الآخر كما لا يَشْتَبه.
[قوله] (^٢): «كشعبة ومالك إلخ»:
الظاهر أنَّه من باب اللَّف والنَّشر المُرَتَّب، ويَصِحُّ وَصْفُ الجميع بالجميع، وهو الأظهر.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٣٣ ]