فَالأوَّلُ: وهُوَ ما يَنْتَهي إِلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: العُلُوُّ المُطْلَقُ، فَإِن اتَّفَقَ أَنْ يكونَ سندُهُ صحيحًا، كانَ الغايةَ القُصْوى، وإِلَّا فَصُورةُ العُلوِّ فيهِ مَوْجودةٌ ما لم يَكُنْ مَوْضوعًا، فَهُو كالعَدَمِ.
وَالثَّانِي: العُلُوُّ النِّسْبِيُّ، وهُوَ ما يقلُّ العَددُ فيهِ إِلى ذَلكَ الإِمامِ، ولو كَانَ العَددُ من ذلك الإِمامِ إِلى مُنْتهاهُ كَثيرًا.
وقَدْ عَظُمَتْ رَغْبةُ المُتأَخِّرينَ فِيهِ حتَّى غَلَبَ ذَلكَ على كثيرٍ مِنْهُم، بحيثُ أَهْمَلوا الاشْتِغالَ بمَا هُوَ أَهَمُّ منهُ.
وَإِنَّما كَانَ العُلوُّ مَرْغوبًا فِيهِ؛ لكونِهِ أَقربَ إِلى الصِّحَّةِ، وقِلَّةِ الخطإِ؛ لأنَّهُ ما مِنْ رَاوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلَّا وَالخطأُ جَائزٌ عَلَيْهِ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ، وطالَ السَّندُ، كَثُرَتْ مَظانُّ التَّجويزِ، وَكُلَّما قَلَّتْ، قَلَّتْ.
فإِنْ كَانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ في العُلوِّ؛ كأَنْ يكونَ رجالُهُ أَوثقَ منهُ، أَو أَحفَظَ، أَو أَفقهَ، أَو الاتِّصالُ فِيهِ أَظهرَ، فلا تَردُّدَ في أَنَّ النُّزولَ حِينَئذٍ أَوْلَى.
[قوله] (^١): «فالأول والثاني إلخ»:
اعلم أن أبا الفضل بن طاهر (^٢) وابن الصَّلاح (^٣) قَسَّما العلو أقسامًا خمسة، وإن اختلف كلٌّ منهما في ماهيَّة بعضها، منها القِسمان المذكوران هنا. والثالث: القُرْب إلى إمامٍ من أرباب الكتب الستة.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) مسألة العلو والنزول، لابن طاهر (ص ٧٥).
(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٥٦).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرابع: علو قِدَم الوفاة، وذلك بأن يتقدَّم وفاة بعض رواة الحديث بالنسبة لراوٍ متأخِّرِ الوفاة عنه، أمَّا عُلوه لأجْل تقدُّم وفاة الشيخ لا مع الثقات لراوٍ آخَرَ؛ فقيل: يكون لمن مَضى لموته خمسون سنة، وقيل: ثلاثون.
الخامس: علو الإسناد لأجْل قِدَم السماع لأجْل رواته بالنِّسبة لراوٍ آخَرَ شاركه في السماع
من شيخه، أو لراوٍ سمع من رفيق شيخه؛ فالأوَّل أعلى وإنْ تقدَّمت وفاة الثاني؛ ولهذا يَقَعُ التَّداخل بين هذا القسم والذي قَبْله، حتى جَعَل ابن طاهر وتَبِعَه ابنُ دَقيقِ العِيدِ هذا القِسمَ والذي قَبْله واحدًا، وقال ابن الصَّلاح (^١): «إنَّ كثيرًا من هذا يَدْخُل في النَّوع المذكور قبله، ومنه ما لا يدخل، مِثْل أنْ يَسْمَع شخصان من شيخٍ (هـ/١٨٤) واحدٍ وسماع أحدهما من ستين سنة مثلًا وسماع الآخر من أربعين سنة إلخ» انتهى.
والمؤلِّف جَعَل العُلُو قِسمين فقط؛ لأنَّ قِسْم القُرْب من إمامٍ ذي صفة عَلِيَّة يندَرج فيه القُرْبُ من إمام مُطْلَقٍ، والقُرْب من إمام من أئمة الكتب الستة، فهذه ثلاثة أقسام، وأمَّا علو قِدَم الوفاة وعُلُو قِدَم السَّماع فليسا من عُلُو الإسناد في الحقيقة، وإنَّما يَرْجِعان إلى صفة في الراوي وفي شيخه، وعند التأمُّل يَرْجِع العُلُو إلى النبيِّ -﵊- (^٢)، والعُلُو إلى إمامٍ مُطْلَقٍ، والعُلُو إلى إمامٍ من أئمة الكتب الستة إلى عُلُو مسافة، وهي قلة العدد، والأخيران إلى عُلُو صفة في
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٦٢).
(٢) في (هـ): -﵇-.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الراوي أو في شيخه، قاله (هـ) (^١).
[قوله] (^٢): «فالأوَّلُ وهو: ما يَنْتَهي إلى النبيِّ -﵊-»:
أنت خبير بأنَّ الذي يَنْتهي إلى النبيِّ (أ/١٥٨) إنَّما هو المَتْن، لكنَّه عالي لا عُلُو، فلا يَصحُّ تفسير «ما» به، كما لا يَصحُّ تفسيرها بـ «سَنَدٍ» أيضًا لذلك؛ إذ العُلُو إنَّما هو: قلة عدد رجال المنتهي إلى النبيِّ -﵊- لا نفسه ولا الرجال؛ فيُجْعَل كلامُه على حَذْف مضافين، مثل: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ] ﴿طه: ٩٦﴾، أي: قلة عدد رجال ما يَنْتهي؛ إذ التقدير للآية: من أثر
حافر فرس الرسول، وحينئذٍ فقوله: «فإن اتَّفَقَ أنْ يكون سَنَدُه صحيحًا» أو سَنَد ما انتهى إلى النبيِّ -﵊- وهو المَتْن، يريد: مع صحته أيضًا؛ لأجْل قوله: «الغَايَة القُصْوى»، وإنْ كانت صحة السَّنَد لا تَسْتَلْزِمُ صحة المَتْن ولا العكس، وعلى القياس هذا يكون قولُه بَعْدُ: «وهو ما يَقِلُّ العَدَد فيه» على حَذْف مضافين أيضًا، أي: وهو قِلَّة عَدَد ما يَقِلُّ إلخ، قاله (هـ) (^٣).
وفي كتابة: اعلم أنَّ العُلُو المُطْلَق ليس هو المَتْن، وليس هو السَّنَد الذي قَلَّتْ رجاله، وإنَّما هو: وصفٌ يحصل للسَّنَد بواسطة قِلَّة رجاله؛ فقوله: «فالأول إلخ» فيه بحث سواء أوقعنا «ما» على المَتْن، أو على السند الذي
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٣٦٣).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٦٥).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَلَّتْ رجاله؛ فلا بُدَّ من تقدير مضاف، أي: ذي العُلُو المُطْلَق، وربما يُعَيِّن وقوعه على المَتْن قوله: «فإن اتَّفَق أنْ يكون سَنَدُه» إذ إضافة السَّنَد إليه يقتضي أنَّ المراد به المَتْن ولا بُدَّ مع ذلك من مراعاة المضاف المذكور.
وقوله: «كان الغاية القصوى»:
أي: في الرُّتْبَة.
وقوله: «وإلَّا فَصُورَةُ العُلُوِّ فيه مَوجودَةٌ»:
أي: ولم يبلغ الرُّتبة القصوى من المراتب.
وقوله: «ما لم يكن موضوعًا إلخ»:
كأنَّه مخرَّج من مقدَّر، أي: «فصورة العلو فيه موجودة» أي: ومعتبرة ما لم يكن موضوعًا؛ إذ صورة العلو موجودة في الموضوع كما أشار له (ج) (^١).
قوله: «وإلَّا فَصُورة العُلُو إلخ»:
أي: وإن لم يكن سَنَده صحيحًا، بأنْ كان ضعيفًا أو موضوعًا، وقضيته: أنَّه يَصحُّ وَصْفُ السَّنَد بالوضع مع أنَّ الوضع من أوصاف المَتْن عندهم، وقد يُقال: لا مانع من وَصْفِ السَّنَد بالوضع أيضًا.
[قوله] (^٢): «والثاني: العُلُو النِّسْبيُّ إلخ»:
يَتَناول أصحاب الكتب الستة وغيرهم والأئمة، وجعل ابن الصَّلاح والعراقيُّ
_________________
(١) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤١٣).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العُلُو بالنِّسبة إلى كمالك وشُعبة قِسْمًا، وبالنِّسبة إلى الكتب الستة قِسمًا آخرَ، وجعلا هذا القسم هو العُلُوَّ النِّسبيَّ (^١)، وما صَنَعه المؤلِّف أقْعَدُ كما لا يخفى على المتأمِّل.
وقوله: «وهو ما يَقِلُّ إلخ»:
أي: ذو ما يقل إلخ، كما قاله (ج) (^٢)، وقد مَرَّ توضيح ذلك.
[قوله] (^٣): «كلما قَلَّت»:
أي: الوسائط، «قَلَّتْ» أي: مظان ذلك التجويز.
[قوله] (^٤): «أَظْهَرَ»:
أي: ككونه متَّصلًا بالسماع وفي العالي: حضور أو إجازة أو مناولة.
[قوله] (^٥): «في أنَّ النُزُول حينئذٍ أولى»:
قال (ق) (^٦): أي فلا يكون مذمومًا، بل العُلُو والحالة ما ذُكِر هو المذموم، وبهذا يُخَص ذَمُّ النزول وكونه شُؤْمًا وقُرْحَة في الوجه، كما قاله ابنا المَدِينيِّ ومَعِينٍ، ومن هنا (هـ/١٨٥) ظهر أنَّ الصِّحة هي العُلُو عند النَّظر الصائب، وسواء طال السَّنَد الموصِّل إليها أو قَصُر، وأنَّ النُّزُول هو فواتها وإنْ قَصُر.
_________________
(١) معرفة أنواع علوم الحديث (ص ٣٦٥)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٣/ ٣٤٢).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤١٣).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٨ - ١١٩).
[ ٢ / ٢٣٨ ]