أَوْ تَنْتَهي غَايةُ الإِسنادِ إِلى التَّابِعيِّ، وهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحابِيَّ كَذلكَ، وهَذَا مُتعلِّقٌ باللُّقيِّ، ومَا ذُكِرَ مَعهُ إِلَّا قَيْدُ الإِيمانِ بهِ، فَذلكَ خاصٌّ بالنَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وهَذَا هُوَ المُخْتارُ، خلافًا لمَن اشْتَرَطَ في التَّابعيِّ طُولَ المُلَازَمةِ، أَو صُحْبَةَ السَّماعِ، أَو التَّمييزَ.
وبَقِيَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ طَبَقَةٌ اخْتُلِفَ في إِلْحاقِهِم بأَيِّ القِسْمَينِ، وهُمُ المُخَضْرَمونَ الَّذين أَدْرَكوا الجَاهِليَّةَ وَالإِسلامَ، ولم يَرَوا النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فعَدَّهُم ابنُ عبدِ البرِّ في الصَّحابَةِ.
[قوله] (^١): «أو يَنْتَهِي غاية الإسناد إلخ»:
المراد من الغاية هنا: المَتْن المرويُّ بذلك الإسناد، وقد مَرَّ ما يتعلَّق بيانه به.
[قوله] (^٢): «وهذا متعلِّقٌ باللُّقِيِّ»:
مرجع الإشارة قوله: «كذلك»، والمراد باللُّقي من قوله: «متعلِّقٌ باللُّقِيِّ» اللُّقِيُّ السابق في مبحث الصحابيِّ، والتقدير: التابعيُّ هو من لَقِيَ الصحابيَّ [كذلك] (^٣)، أي: مِثْل لقاء الصحابيِّ للنبيِّ -﵊-.
وقوله: «مَنْ لَقِيَ الصَّحَابيَّ»:
أي: جلسة ولو واحدة. وقوله: «وَ[ما] (^٤) ذُكِرَ مَعَهُ» أي: من كونه مؤمنًا ومات على ذلك ولو تخلَّلَتْ رِدَّةٌ على الأصحِّ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «إلَّا قيدُ الإيمان به»:
أي (^٢): لا يُشْتَرط في التابعيِّ أنْ يكون وقت تحمُّله عن الصحابيِّ مؤمنًا بالنبيِّ، بل لو كان كافرًا ثُمَّ أسْلَم بعد موت الصحابيِّ [وروى] (^٣) ما تحمَّله عنه؛ سمَّيناه: تابعيًّا وقَبِلناه (هـ/١٧٧)، وإنَّما اشترَطْنا الإيمان في الصحبة لشَرَفها؛ فاحْتَطْنا لها، ولأنَّ الله شَرَطَ في الصحابة (أ/١٥٢) كونهم مع النبيِّ، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ] ﴿الفتح: ٢٩﴾، ولا يكونون معه إلَّا إذا آمنوا به، وأمَّا التابعيُّ فلم يَقَعْ فيه هذا الشَّرط فهو من لَقِيَ الصحابيَّ ومات مُسْلِمًا، انتهى؛ فضمير «بِهِ» للنبيِّ -﵊- لا للصحابيِّ، لأنَّ إيمان التابعيِّ بالصحابيِّ الذي لقيه لا يُعْتَبر في صحة كونِه تابعيًّا، بل لا معنى له؛ لأنَّ الإيمان بالمَلْقِيِّ خاصٌّ بالنبيِّ -﵊-، والعقل دلَّ على اختصاص النبيِّ بذلك عن الصحابيِّ؛ إذ لا يَتِمُّ الإيمان شرعًا وعقلًا إلَّا بالإيمان به -ﷺ- دون الصحابيِّ؛ إذ الإيمان به لم يَدُلَّ على وجوب اعتباره في التابعيَّة عَقْلٌ ولا نَقْلٌ، وبهذا تعرِف ردَّ ما فَهِمَه (ق) (^٤).
[قوله] (^٥): «خلافًا إلخ»:
هو مفعول مُطلَقٌ، و«اللام» بعده للتَّبْيِين، والمخالِف هو الخَطَّابيُّ. وكما يُقال: التابعيُّ -بالياء- يُقال أيضًا: التابِع -بلا ياء- (^٦) كما ذكره النَّوويُّ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) النقل عن البقاعي كما في قضاء الوطر (٣/ ١٣٢٧).
(٣) في (هـ): [وروا].
(٤) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٤).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) في (ب): [تابع].
[ ٢ / ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «أو صِحَّةَ السَّمَاعِ»:
المراد: ثُبوت السَّماع، فقد ذكر مُسْلِمٌ وابن حِبَّانَ «سليمان بن مِهْران» في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: «أخْرجْناه في هذه الطبقة لأنَّ له لُقيًّا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإنْ لم يصحَّ له سماع المُسْنَد عن أنسٍ»، وقال عليُّ بن المَدِينيِّ: «لم يَسْمع من أنسٍ، إنَّما رآه رؤيةً بمكة وهو يصلي».
[قوله] (^٢): «أو التَّمْيِيزَ»:
يعني أنَّه لا بدَّ أنْ يكون الملاقي للصحابيِّ مميِّزًا على هذا القول، والمختار كما مَرَّ خلافه، وإذا لم يُشتَرَط التمْيِيز فلا يُشْتَرَط أن يكون التابعيُّ في سِنِّ من يَحْفَظُ خلافًا لابن حِبَّان في ذلك؛ ولذا عُدَّ «خَلَف بن خليفة» في أتباع التابعين وإنْ كان رأى «عمرو بن حُريث»؛ لكون خَلَفٍ كان صغير السِّنِّ في سِنِّ من يحْفَظ.
[قوله] (^٣): «وهم المُخَضْرَمُونَ»:
المُخَضْرَم: بضم الميم، وبالخاء والضاد المعجمتين وأولاهما مفتوحة، وبفتح الراء أشهر من كسرها، قاله شيخ الإسلام في شرح الألفيَّة [له] (^٤)، وقال (هـ) (^٥): «المُخَضْرَمُون بفتح الراء أشْهَر من كَسْرها، مأخوذٌ من الخَضْرَمة، وهي في الأصل: قطع آذان الإبل، أو عدم معرفة النَّسَب، استعْمِلت فيمن لا يُعْرَف طبقتهم: من الصحابة هم أو من التابعين؟».
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٣٣٣).
[ ٢ / ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «الَّذِين أَدْرَكُوا إلخ»:
صفة كاشفةٌ، وذلك كـ: [سُوَيد] (^١) بن غفلة، وأبي عمرو الشَّيْبَانيِّ، وكعب الأحبار، وشُرَيح بن هانئ، ويُسير أو أُسَير بن عمرو بن جابر، وعمرو بن جابر الأوديِّ، والأسود بن يَزيدَ النَّخَعيِّ، والأسود بن هلال المُحَارِبيِّ ونحوهم. وخرج بقوله: «ولم يَرَوُا النبيَّ -﵊-» حكيمُ بن حِزام وأضرابه ممَّن أدْرَكَ الجاهليَّة والإسلام ولكنَّه رأى النبيَّ؛ فإنَّه لا يسمَّى بِحَسَب الاصطلاح مُخَضْرَمًا.
[قوله] (^٢): «فعدَّهم ابنُ عَبْدِ البَرِّ إلخ»:
أي: على ما ذكره عِيَاضٌ، وأمَّا على ما قاله بَعْدُ فلم يَعُدَّهم فيهم، ولذا قال المُحَشِّي: ««في» بمعنى مع، أي: مع الصحابة؛ لما يأتي من أنَّه لم يعدَّهم فيهم إلخ، لكنْ على ما قرَّرْناه بكون قوله: «وادَّعَى عِيَاضٌ وغيره إلخ» هو دليل عدِّهم في الصحابة».
وقال (هـ) (^٣): «قال (ق) (^٤): الأولى أنْ يقول: فعدَّهم معهم؛ لِما سيأتي من أنَّه لم يعدَّهم منهم» انتهى، ودعوى الأولوية ممنوعة؛ لأنَّ مقصود المؤلِّف بيان الخلاف في المسألة، وابن عبد البَرِّ نَقَل عنه جماعة من الأكابر أنَّه يقول بأنَّهم صحابة، وإن كان ما نقلوه عنه فيه بحث للشارح، ولو قال: فعدَّهم معهم، والمعيَّة تقتضي المغايَرَة، قُلْتُ: هذا التنبيه غايته أنَّ ظاهره يوهِم ما ذَكَرَه المُحَشِّي قبل الوقوف على تمامه. (هـ/١٧٨).
_________________
(١) في (ب): [لسويد].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٣٧).
(٤) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٥).
[ ٢ / ٢١٥ ]
وَادَّعَى عِياضٌ وغيرُهُ أَنَّ ابنَ عبدِ البرِّ يَقُولُ: إِنَّهُم صَحابةٌ! وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ أَفصَحَ في خُطبةِ كتابِهِ بأَنَّهُ إِنَّما أَورَدَهُم ليكونَ كتابُهُ جامِعًا مُسْتوعِبًا لأهْلِ القرنِ الأوَّلِ.
والصَّحيحُ أَنَّهُم مَعدودونَ في كِبَارِ التَّابعينَ؛ سواءٌ عُرِفَ أَنَّ الواحِدَ منهُم كَانَ مُسلمًا في زَمنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ كالنَّجاشيِّ، أَمْ لا؟
لَكنْ، إِنْ ثَبتَ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلةَ الإِسْراءِ كُشِفَ لَهُ عَنْ جَميعِ مَنْ في الأرْضِ فرَآهُمْ، فيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مُؤمِنًا بهِ فِي حَيَاتِهِ إِذْ ذَاكَ -وإِنْ لَمْ يُلاقِهِ- في الصَّحابةَ؛ لحُصولِ الرُّؤيَةِ من جانِبِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
[قوله] (^١): «إنَّما أَوْرَدَهُمْ»: يعني المخَضْرَمين، والمراد من «كِتَابِه» المذكور: [«الاستيعاب» لا «التمهيد» كما توهَّمَه بعضهم، وذكر ذلك خطبة كتابه المذكور] (^٢).
وقوله: «مُسْتَوعِبًا»: أي: مستوفيًا.
[قوله] (^٣): «لأَهْلِ القَرْنِ الأَوَّلِ»: يعني صحابة كانوا أو لا حيث كانوا مسلمين، والصحيح أنَّ قَرْنَه -﵊- الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعو التابعين.
[قوله] (^٤): «والصَّحِيحُ أنَّهم مَعْدُودُونَ إلخ»: عَبَّر بالصَّحيح؛ نظرًا لقول عِياضٍ على تقدير صحته، وإلَّا فهم ليسوا بصحابة اتفاقًا على ما ذكره.
وقال (هـ) (^٥): «وضمير «أنَّهم» عائد على «المُخَضْرَمين»، وكذا ضمير «منهم»،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٣٣٦).
[ ٢ / ٢١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و«في زَمَنِ النبيِّ» لَغْوٌ، ومُتَعَلِّقٌ بـ «مُسْلِمًا»، ولا يخفى أنَّ قوله: «أم لا» ليس من حَذْفِ المعطوف بل بعضه، وقول النحاة: يمتنع حَذْف المعطوف، معناه: إذا حُذِفَ بتَمَامِه مع سائر (أ/١٥٣) مُتَعَلَّقَاتِه بخلاف ما إذا بَقِيَ شيءٌ من آثاره أو تعلُّقاتِه؛ فإنَّه لا يَمْتَنِع حَذْفُه حينئذٍ، قاله في «تعليق المصابيح» للدَّمامِينيِّ. ويَدْخُل في قوله: «أم لا» صورتان:
إحداهما: من عُلِمَ كُفْرُه في زمنه -﵊-.
وثانيهما: من جُهِل حاله.
وعلى كلِّ حال لا بُدَّ من ثبوت إسلامه قبل موته على كلِّ حال.
[قوله] (^١): «لكنْ إنْ ثَبَتَ إلخ»:
هذا لا يتم على ما ذَكَرُوه من تعريف الصحابيِّ بأنَّه: مَنْ لَقِيَ، ولا علي تعريفه بأنَّه: من رأى النبيَّ أو رآه النبيُّ، ولا يكاد يوجد ذلك في كلامهم، قاله ابن أبي شريف (^٢)، زاد بعضٌ: «وأقول: هذه غفلة عن قول الشارح آنفًا: [و] (^٣) يدخل فيه رؤية أحدهما الآخر».
وقال (هـ) (^٤): «قال (ب): إنَّما يَسْلَم هذا لمن عرَّف الصحابيَّ بمن رآه مُسلمًا، أمَّا مَنْ عَبَّر باللُّقيِّ فلا، تأمَّل» ونحوه للكمال، زاد الأول: «وقد بَقِيَ عليه أنْ يَذْكُر ما هو أوضح من جميع ما مَرَّ وهو عيسى -﵊-؛ فإنَّ التعريف ينطبق عليه بلا ريب؛ فينبغي أنْ يُعَدَّ صحابيًّا، وأصحابه بعد نزوله تابعين» انتهى. قُلْتُ: (^٥) لُقيُّه -﵊- (^٦) لعيسى والخضر وإلياس في الأرض لم يَصِحَّ، إنَّما فيه
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن أبي شريف (ص ١١٨).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٣٣٧).
(٥) في الهامش (ب): اجتماع عيسى والخضر وإلياس في الأرض لم تصح.
(٦) في (هـ): [علي السلام].
[ ٢ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعض آثار لا يُعْتَبَر بها واللقي في السماء ليلة كشف له عنهم ليلة الإسراء غير متعارف ولا في ظاهر الملك بل في باطنه كما مَرَّ، وهي لا تُعْتَبَر، وإنَّما تكون الرؤية واللُّقيُّ الموجبين للصحبة إذا كانا في ظاهر الملك، وملخصه: أنَّ العبرة إنَّما هي بالرؤية واللُّقيِّ المعتادين المتعارفين الَّذَين ليسا على وجه خَرْقِ العادة.
[قوله] (^١): «وإنْ لم يُلَاقِهِ»:
قال (ق) (^٢): «ليس بجيد؛ لأنَّه تَقَدَّم له أنَّ اللُّقِيَّ يصْدُقُ برؤية أحدهما للآخر؛ فكان الأولى أنْ يقول: وإن لم يَجْتَمِع معه» انتهى، قُلْتُ: المراد من اللُّقِيِّ المعنى المعتاد، وتلك الرؤية المحيطة بمن في المشارق والمغارب خَرْقُ عادةٍ لا يَصْدُق عليها العاديَّات.
تنبيه:
قوله: «إِنْ ثبت إلخ» ظاهر في عَدَمِ ثبوت تلك الرؤية، وقضية كلام الزركشي ثبوتها؛ فإنَّه أتى بصيغة الجزم وبالرؤية ليلة الإسراء وغيرها، ومع ذلك نفى اسم الصحبة عن المرْئيين، وما تَمَسَّك به على أنَّه لا بُدَّ من رؤية الصحابيِّ دون النبيِّ ممنوع؛ لأنَّ هذه الرؤية كما مَرَّ في باطن الملك وعالم الغيب وهي لا يُعْتَدُّ بها، وإنَّما العبرة بالرؤية الظاهرة، وهي كافية من أحدهما كما مَرَّ قاله (هـ) (^٣).
وقوله: «إذْ ذاك» هكذا في أصل النسخة لتلميذه الأنصاري التي بخطه وشَرُفَتْ بالإجازة، أي: [موجود] (^٤) إذ ذاك المؤمن بصفة الإيمان في وقت [الإسراء] (^٥)، واندفع بهذا التأويل اعتراض تلميذه ابن أبي شريف.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١١٦).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٣٣٧).
(٤) في (ب): [بوجود].
(٥) في (ب): [الأسم].
[ ٢ / ٢١٨ ]