و«المَتْنُ»: هُوَ غايَةُ ما يَنْتَهي إِليه الإِسنادُ مِن الكَلَامِ، وهُو إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويَقْتَضي لفظُهُ -إِمَّا تَصْريحًا أَوْ حُكْمًا- أَنَّ المَنْقُولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَوْ مِن فِعْلِهِ، أو مِن تَقريرِهِ.
مِثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: سَمعتُ النبيَّ -ﷺ- يقولُ كذا، أَو: حدَّثَنا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بكَذا، أَو يقولُ هو أَو غيرُهُ: قَالَ رسولُ اللهِ -ﷺ- كذا، أَو: عنْ رسولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّه قالَ كذا، أو نحوَ ذلك.
وَمِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحًا: أَن يقولَ الصَّحابيُّ: رأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعَلَ كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُهُ: كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعَلُ كذا.
وقوله: «هو غاية»:
قال (ق) (^١): «لفظ «غاية» زائدة، مفسِد للمعنى إلخ»، [وأيضًا] (^٢) قال: «الإسناد ينتهي إلى المَتْن وقد جعله غاية المنتهى إليه؛ فيكون غاية لنفسه» انتهى، وكلاهما كلام عجيب، أمَا ولا كيف يكون مفسدًا مع صحة الإضافة البيانيَّة، والمعنى: [أنَّ] (^٣) «غاية» هي ما ينتهى إليه الإسناد، وأمَّا الثانية فقوله: إنَّ لفظ «ما» مراد به الكلام، وإنْ كان صحيحًا لكنه تمسَّك بظاهر البيان الآتي، وفيه نظرٌ؛ لِما سيأتي من أنَّ المنقول عن النبيِّ -﵊-: تارةً يكون قولًا، وتارةً يكون فعلًا، وتارةً يكون [تقريرًا] (^٤)؛ فالأَولى بعد جعل الإضافة بيانيَّة تفسيرها وتبْيِنها بالمروي، وتَسْمَع العُذْر عنه آنفًا.
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠٤).
(٢) في (ب): [إنما].
(٣) زيادة من (ب).
(٤) في (ب): [تقديرًا].
[ ٢ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «من الكلام إلخ»:
بيان لما ينتهى إلخ. فإنْ قُلْتَ: [المُنهى] (^١) إليه الإسناد يكون قولًا، ويكون فعلًا، ويكون تقريرًا؛ فكان الأولى أنْ يقول: من المرويِّ، قُلْتُ: لا شكَّ في الأولوية المذكورة ولكنَّه ليس بخطأ، وغاية الاعتذار أنَّه غلَّب القول؛ لكثرته على مقابلَيه، أو أنَّ غَير القول لا يُروى عنه -﵊- إلَّا بلفظٍ يدل عليه ويُحكى به، فذلك اللفظ هو الكلام الذي ينتهي إليه الإسناد؛ فقوله: «مِنْ» معناه: مِنْ كلامٍ دالٍّ على قوله -﵊-، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على فِعله، ومِنْ كلامٍ دالٍّ على تقريره، ولو بجعل «من» بمعنى «في» نحو: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ] ﴿الروم: ٢٥﴾، و«ما» مفسرة بمروي بقرينة السياق لم يكن فاسدًا، أو الظرفيَّة حينئذٍ مبنيَّة على ما اشتهر من أنَّ الألفاظ قوالب المعاني، أو على أنَّ (هـ/١٦٥) المراد بالكلام: جملة من صيغ الأداء والرجال والمَتْن، غايته أنَّه خلاف الظاهر.
وقوله: «وهو»:
أي: (أ/١٤٢) المَتْن، وبهذا ظهر أنَّ في كلامه في المَتْن تجوُّزًا؛ إذ المنتهي إلى النبيِّ -﵇-، أو إلى الصحابيِّ، أو إلى التابعي هو المَتْن لا الإسناد بقرينة من قوله: «أمَّا إلخ» كما لا يخفى.
[قوله] (^٢): «إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ عليه الصلاة [والسلام] (^٣)»:
أي: سواء كان الذي أنهاه وأضافه إلى النبيِّ صحابيًّا أو غيره ولو منا؛ فيدخُل فيه: المتَّصِل المرفوع، والمرسَل المرفوع، والمنقطِع المرفوع، والمعضَل المرفوع،
_________________
(١) في (ب) [المنتهيي].
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): -﵇-.
[ ٢ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمعلَّق المرفوع دُونَ الموقوف والمقطوع، ويعلم هذا من قوله الآتي: «سواء كان ذلك الانتهاء بإسناد متَّصِلٍ أم لا».
[قوله] (^١): «ويَقْتَضي لَفْظُهُ»:
أي: لفظ المَتْن المنتهي إلى النبي -﵊-.
«أنَّ المنقول بذلك الإسناد» وهو المَتْن، «من قوله -﵊- إلخ»:
ولو فسَّر «المنقول بذلك الإسناد» بالحُكم مثلًا كان أَولى؛ ليَسْلَمَ من اقتضاء الشيء لنفسه؛ إذ لا بُدَّ من مُغايرَة المقْتَضَى للمقْتَضِي، وذلك مع تفسيره بالحُكْم أظهر من اعتبار المغايَرَة بينهما بالعموم والخصوص، ولا يخفاك أنَّ ما ذكره من هذه التقديرات لا يَكَاد المَتْن يدلُّ عليها، اللهمَّ إلَّا مراعاة مقدَّر يكون من قوله: «وما بعده» بيانًا له ضرورة امتناع كونه بيانًا للإسناد أو للنبيِّ أو لـ: تصريحًا أو: حُكمًا، وهذا المقدَّر مدخول لحرف الجر، نبَّه عليه قوله قبله: «إلى المَتْن والمَتْن إلخ»، وأنَّ التقدير: إلى خبر أو حال أو مضاف النبي -﵊- مثلًا، وحينئذٍ فـ «تصريحًا أو حُكْمًا» حالان من القَول وما بعده، قُدِّما عليه؛ مراعاة لذلك المقدَّر المبيَّن بما ذُكِر، وربَّما يرشد إلى هذا قوله: «مثال المرفوع من القول إلخ».
ويمكِن أيضًا جَعْل «تصريحًا أو حُكْمًا» مصدرين منصوبين. «ينتهي» أي: [انتهاء] (^٢) مصرَّحًا، أو انتهاء في حُكْم المصرَّح به، ولا يتأكده قوله: «مثال المرفوع من القول إلخ»؛ لجواز جَعْل «تصريحًا أو حُكمًا» في تلك المواضع الآتية حالًا من المرفوع أو مفعولًا مُطْلَقًا منصوبًا به، لا حالًا من القول والفعل
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
[ ٢ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منها، وإنْ كان هذا أَولى، وبهذا ظهر أنَّ ما قدَّره في الشرح تقدير معنى لا تقدير إعراب؛ فتدبره بإنصاف كما قاله (هـ) (^١).
وقال (ج) (^٢): مقتضى المَتْن أنَّ قوله: «تصريحًا أو حُكمًا» معمول لـ «ينتهي»، ومقتضى كلام الشَّارح خلافه؛ فإنَّه قال عقب قوله: «إمَّا أنْ ينتهي إلى النبيِّ -﵇-» ما نصُّه: «ويقتضى لفظه إمَّا تصريحًا أو حُكمًا أنَّ المنقول بذلك الإسناد مِنْ قوله -ﷺ- إلخ» فجَعَله معمول «يقتضي» مقدَّرًا، وجَعَل قوله: «مِنْ قَولِه» متعلِّقًا بمقدَّر وهو المنقول، والضمير في «لفظه» يرجع للراوي، أي: ويقتضي لفظُ الراوي وهو المَتْن والسَّنَد: أنَّ المَتْن من لفظ النبي إلخ. ثُمَّ اعلم أنَّه لا يتوقف استفادة كونه من المَتْن من لفظه -﵊- على مجموع المَتْن والسَّنَد؛ فإنَّه قد يستفاد كونه من لفظ النبيِّ من السَّنَد، وقد يُستفاد ذلك منه من المَتْن، ككونه لا مجال للرأي فيه، وأمَّا ما تَسَلسَل به الحديث من صفة أو حالة فهذا خارج عن المُقْسَم؛ فلا تجري فيه الأقسام.
[قوله] (^٣): «أنْ يقول الصَّحابيُّ إلخ»:
جعله مثالًا للصيغة، وكذا ما كان من شمائله -﵊-، [الصادرة] (^٤) من الصحابيِّ تصريحًا قوله: سَمِعْتُ الرَّسول وحدَّثنا، وجَعْله نحو: قال رسول الله كذا، أو عن رسول الله أنَّه قال كذا من الصحابيِّ أو غيره منها: يفيد أنَّ غير الصحابيِّ لو قال: سَمِعْتُ رسول الله، أو حدَّثنا لا يكون من المرفوع، بل وقوع
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٢٥٣)، وما بعدها.
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٨١).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب): [الصادة]، وهو تصحيف.
[ ٢ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك منه مِن الكذب الذي لا يَصْدُر (هـ/١٦٦) عن عدْلٍ.
وقال (هـ) (^١): قوله: «أنْ يقول الصحابيُّ» فيه نظرٌ؛ لأنَّ السَّماع والتحديث منه -﵊- لا يختصُّ بالصحابيِّ، فقد قَدِم حكيم بن حِزامٍ المدينة على جاهليَّته في فَكِّ أُسارى بدرٍ؛ «فسمِعه عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بالطور» (^٢) ورواه بعد إسلامه وصحبته، وسمِع منه -﵊- مَن تأخَّر إسلامه عن موته -﵊- وأدى؛ حينئذٍ كان مرفوعًا متَّصِلًا، وحينئذٍ يُشْكِل تخصيصه: سمعت وحدثنا بالصحابيِّ، اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: إنَّ التقْييد جَرْيٌ على الغالب.
[قوله] (^٣): «أوْ يقولُ هو»:
أي: الصحابيُّ أو غيره: قال رسول الله، يعني: بدُون «لي» أو «لنا»، والمراد: صيغةٌ لا تقتضي الاتصال، كقيل قال، ذَكَر وحَدَّث غير مقرون بالضمير، وأمَّا مع «لي» أو «لنا» فيختصُّ (أ/١٤٣) بالصحابيِّ على البحث السابق، ومثل «عن»: «أنْ» أيضًا.
وقوله: «أنَّه قال كذا» بيانٌ لما يُحكى به المُعَنْعَن والمؤَنْأَنِ لا على وجه التقْييد.
وقوله: «فَعَل كذا» تخصيص الصحابيِّ بالذِّكْر جريٌ على الغالب؛ فإنَّ الكافر إذا أدى بعد أنْ أسلم بعد موت الرسول كان مرفوعًا متَّصلًا.
[قوله] (^٤): «كان الرسول إلخ»:
إنَّما جاء بكان؛ لتدُلَّ على الماضي، فكل ما كان دالًّا عليه كذلك، نحو: فَعَل، أو صَدَر عنه كذا.
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٢٥٥).
(٢) البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٦٩ ]
وَمِثالُ المَرْفوعِ مِنَ التَّقريرِ تَصريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فَعَلْتُ بحضرَةِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، أَو يقولَ هُوَ أَو غيرُه: فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك.
[قوله] (^١): «ومثال المَرْفُوع من التَّقرير»: لم يَقُل تصريحًا؛ لعلَّه من التصريح به مع نظائره السابقة، ولمقابلة هذه الأمثلة بأمثلة الحُكْمِيِّ.
[قوله] (^٢): «أنْ يقول الصحابي فعلت إلخ»: لا شك أنَّ قول الصحابي هنا أيضًا جريٌ على الغالب، وإلَّا فلو فَعَل كافرٌ فِعلًا بحضرة المصطفى، أو قال قولًا وأقره عليه ثُمَّ أسلَم بعد موت الرسول، وقال: فَعَلْتُ أو قُلْتُ بحضرة الرسول كذا؛ كان حديثًا مرفوعًا؛ لأنَّه -﵊- لا يُقرُّ على مُنْكَرٍ من قول أو فعل مِنْ أحدٍ ولو كافرًا؛ فيجِب أنْ يكون كلُّ واحدٍ من ذلك القول أو الفعل كقوله أو فعله -ﷺ- في الدلالة على جوازه من ذلك الفاعل وغيره، حتى لو سبق تحريم ذلك الفعل كان الإقرارُ نسخًا له، بل ذَكَر الأصوليون أنَّه لا فرق في من يُقرِّه بين مُكَلَّفٍ وغيره، ووجَّهه بعض المتأخرين بأنَّه يمنع ولِيّه من تمكينه من ذلك.
[قوله] (^٣): «فَعَلَ فلانٌ»: الظاهر أنَّ تعْيين الفاعل وصفٌ طرديٌّ حتى لو أبهِم كان الحُكم كذلك.
[قوله] (^٤): «ولا يذكَر إِنْكاره»: أمَّا لو ذُكِر الإنكار لذلك الفعل كانت الحجيَّة فيه، وكان من باب القول.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَمِثَالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ -الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ- ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تَعلُّقٌ ببَيَانِ لُغةٍ، أَو شرحِ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ، وأَخْبارِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام، أَو الآتيةِ كالملَاحِمِ والفِتَنِ، وأَحوالِ يومِ القيامةِ.
وَكَذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ، أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ.
وإِنَّما كَانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّا النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتُبِ القديمةِ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني، وإِذا كَانَ كذلك، فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ.
[قوله] (^١): «ومِثالُ المرفوعِ حُكْمًا إلخ»:
«مِثال» مبتدأ، و«ما يقول إلخ» خبره، و«حكمًا من المرفوع» ولعله لأنَّ المضاف في حُكم الخبر، إذ لو قلنا: المرفوع قول الصحابي إلخ صحَّ المعنى واستقام اللفظ أيضًا، والظاهر أنَّ «ما» من: «ما يقول» مصدريَّة، ومن قوله: «ما لا مجال إلخ» موصولة أو موصوفة معمولة ليقول، أو مدلولها الحُكْم، وإنْ كان لا يُقال، لكن يُقال اللفظ الدالُّ عليه، وقد يُحْمل على الحديث وهو يُقال، والظاهر -كما قاله بعضهم- نفي الحالية ظاهرا من غير تكلُّف، وهو حَسَنٌ لا بأس به.
و«الاجتهاد» هنا: بَذْلُ الوُسْع في تحصيل العِلْم بحُكمٍ شرعيٍّ، ومِثال الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليَّات: الخلفاء الأربعة، ومثال من أَخَذَ منها عنهم: عبد الله بن سَلَام، قيل: وعبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فإنَّه لمَّا فُتِح الشام
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَخَذ حِمْل بَعيرٍ من كتب أهل الكتاب وكان يحدِّث منها؛ فلذا اتقى النَّاس نَقْل حديثه، وإنْ كان أكثر حديثًا من أبي هريرة باعترافه، والمراد بها: قصص بني إسرائيل وما جاء في كتبهم (^١).
قال (ب) في حواشي شرح الألفية (^٢): «ثُمَّ إنَّ القول (هـ/١٦٧) السَّديد في أصل المسألة: أنَّ ما يأتي عن الصحابة ممَّا لا مجال للرأي فيه إنْ كان حُكْمًا من الأحكام فهو مرفوعٌ؛ لأنَّ الاحكام لا تؤْخَذ إلَّا بالاجتهاد، أو بقول من له الشَّرع، وقد فرضنا أنَّه فيما لا يُجْتَهد فيه؛ فانحصر أنَّه من قوله -﵊-، وإنْ لم يكن من الأحكام فإنْ كان ذلك الصحابيُّ لم يأخُذْ عن الإسرائيليات فكذلك؛ لأنَّه لا مجال للرأي فيه، لا بُدَّ للصحابيِّ فيه من مُوَقِّفٍ، فيكون هو النبيُّ -﵊-؛ إذ المسألة مفروضة فيمن لم يأخذ عن أهل الكتاب، وإلَّا فموقوف؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعَه من أهل الكتاب.
[قوله] (^٣): «ولا له تَعَلُّقٌ ببيان لغة إلخ»:
ما يتعلَّق به بيان اللُّغة يشمَل الغريب وغيره، والبيان واقع فيه بالمعنى اللُّغويِّ، و«شَرْحُ الغَريب» هو بيان الغريب سواء بُيِّن بالمعنى اللُّغويِّ أو بغيره كالمعنى المجازي؛ فبينهما عموم وخصوص، تأمل.
[قوله] (^٤): «ولا له تَعَلُّقٌ إلخ»: لكونه من أهل اللسان لا يحتاج فيه إلى توْقِيف.
وقال (هـ) (^٥):
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٢٦٣).
(٢) النكت الوفية بما في شرح الألفية (١/ ٣٥٥).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٢٧١).
[ ٢ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «ولا له» أي: لذلك الحكم تعلُّق ببيان لغةٍ أو شرح غريب لا خصوصية لهما، بل سائر تفاسيره التي تنشأ من معرفة طرق البلاغة واللغة وغيرهما مما للرأي فيه مجال؛ فهو معدود من الموقوفات لا من المرفوعات، غيرَّ أنَّ عطفه قوله: «ولا له إلخ» على ما قبله يوهِم عدم إغناء الأول عنه، وليس كذلك (أ/١٤٤)؛ إذ هذه الأمور ممَّا للرأي فيها مجالٌ، فالاحتراز عنها حاصل بما قبلها، وأمَّا ما فسَّره الصحابيُّ من آي القرآن فما كان من تفسيره يرجع للأحكام الاجتهادية فموقوف، وما كان منه لا يرجع إلى ذلك فهو محمول عندهم على بيان أسباب نزولها التي يتصف بالرفع، وعليه يُحْمل كلام الحاكم وعزاه للشيخين؛ لأنَّ أسباب النزول لا مجال فيها للاجتهاد، نحو قول جابر: «كانت اليهود تقول عمَّن أتى امرأته من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحول؛ فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ] ﴿البقرة: ٢٢٣﴾ الآية» (^٢)
وكتفسيره أمرًا مغيَّبًا من أمور الدنيا والآخرة؛ كتعْيين ثوابٍ أو عقاب.
تنبيه:
مثَّلوا ما لا مَدْخل للاجتهاد فيه بقول أبي هريرة: «ومن لم يُجِبِ الدعوةَ فقد عصى اللهَ ورسولَه» (^٣)، وقول ابن مسعود: «من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد -﵊-» (^٤)، ونوقش في حديث ابن مسعود بأنَّ التمثيل به غير صحيح؛ لأنَّه يمكِن أنْ يُقال من جهة الرأي، فإنَّ الحديث جاء في
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) البخاري (٤١٦٤)، ومسلم (٢٥٩٢).
(٣) مسلم (١٤٣٢) من مسند أبي هريرة -﵁-.
(٤) أحمد (٩٥٣٦)، والحاكم (١٥)، والبيهقي في الكبرى (١٦٤٩٦).
[ ٢ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعض طرقه تقْييد الكُفْر بأنْ يصدِّقه، والعرَّاف يدعي علم الغيب فمن صدَّقه في هذه الدَّعوى فقد كذَّب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ] ﴿النمل: ٦٥﴾، ومن كذَّب بحرفٍ من القرآن فقد كفر، وأيضًا فقد أخبر النبيُّ -﵊- أنَّهم ليسوا بشيء، وأنَّهم كذَبةٌ، فمن صدَّقهم فقد كَفَر بتكذيبه -ﷺ-، ومن أتى السَّاحر مُصدِّقًا بسِحْره، أي: مُؤمِنًا بأنَّه حَقٌّ، أو أنَّه يؤثِّر بطبعه فقد كذَّب بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ] ﴿البقرة: ١٠٢﴾ الآيةَ، وفيه نظرٌ مع قول بعضهم لا بُدَّ أنْ تكون المدخَلِيَّة ظاهرة، والأمر ليس كذلك.
[قوله] (^١): «مِنْ بَدْءِ الخَلْقِ إلخ»:
لو قال: كبَدء الخَلْق؛ لَسَلِم من كون البيان قاصرًا عن المبين. و«أخبار الأنبياء»: قصصُهم ووقائعهم مع أممهم وغيرهم.
وقوله: «أو الآتية»:
عطف على «الماضية» أو «الملاحِم»، جمع: مَلْحَمَة، وهي المعركة؛ سُمِّيَت بذلك لالتحام الأبطال فيها بعضِهم ببعضٍ، أو لكثرة اللحم فيها، أي: القتلى.
وقوله: «والفِتَنِ»:
جمع فِتْنَة، من ذِكْر العامِّ بعض الخاصِّ.
وقوله: «ثَوَابٌ مَخْصُوصٌ»:
وكذا لو أَخبَر عن مجرد ما فِعله طاعة أو معصية فقط من غير تعين ثوابٍ
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا عقابٍ كذلك، كما يأتي آخر المبحث (هـ/١٦٨).
[قوله] (^١): «فلذا»:
أي: لكون التَّوقيف يَحْصُل ممَّن يخبر عن الكتب القديمة، الاحتراز عن القِسم الثاني، وهم: «من يُخْبِر عن الكتب القديمة»، والاحتراز عنه وَقَعَ بقوله: «الذي لم يأخذه عن الإسرائيليَّات».
[قوله] (^٢): «بواسِطَةٍ»:
ولا يَضُرُّ جَهْل حالة هذه الواسطة؛ لأنَّ الصحابة محمولون على العدالة حتى يثبت القادح (^٣). قيل: يُحْتَمل أنْ يكون أخبَر به شخصٌ بحضرته -﵊- وأقرَّه، فنَقَل بعضُ من سَمِعَ من الصحابة لذلك؛ فيكون من المرفوع تقريرًا، ومقابِل الأصح أنَّه لا يُحْتج به؛ لاحتمال أنْ يكون سَمِعه من تابعيٍّ، وعليه الأستاذ أبو إسحاق، وعليه جرى القاضي (^٤) في «التقريب»، وممَّن حكى الخلاف [ابن برهان] (^٥) في «الأوسط» والآمِديُّ (^٦) وغيرُهما.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (هـ): [قادج].
(٤) المقصود الباقلاني.
(٥) في (ب): [هارون]، وهو خطأ.
(٦) الإحكام (٢/ ٩٥).
[ ٢ / ١٧٥ ]
وَمِثالُ المَرْفوعِ مِن الفِعْلِ حُكْمًا: أَنْ يَفْعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجَالَ للاجْتِهَادِ فِيهِ، فَيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قالَ الشَّافعيُّ -﵁- في صلاةِ عَليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكُوعَيْنِ.
وَمِثَالُ المَرْفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْمًا: أَنْ يُخبِرَ الصَّحابيُّ أَنَّهُم كانُوا يفْعَلونَ في زَمَانِ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا، فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكمُ الرَّفعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ هو اطِّلاعُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذَلكَ؛ لتوفُّرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أُمورِ دِينِهم.
وَلأنَّ ذَلكَ الزَّمانَ زَمانُ نُزولِ الوَحْيِ، فلا يَقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شَيْءٍ، ويَسْتَمرُّونَ عليهِ إِلَّا وهُو غيرُ ممنوعِ الفعلِ.
وقدِ استدلَّ جابِرٌ وأَبو سعيدٍ الخُدريُّ -﵄- على جوازِ العَزْلِ بأَنَّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ يَنزِلُ، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرْآنُ.
[قوله] (^١): «فَيُنَزَّلُ»:
أي: يُحْمل بالبناء للمفعول، على أنَّ ذلك الفعل مرويٌّ؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
[قوله] (^٢): «كما قال الشافعيُّ إلخ»:
قال (ب) (^٣): أظن قوله: «في الكُسوف» وهْمًا، وإنَّما هو في الزَّلزلة، فقد رواه البيهقي (^٤) في «السنن» و«المعرفة» عن الشافعي فيما بلَغه عن عبَّاد، عن عاصم الأحول، عن خُزيمة، عن عليٍّ -﵁-، عنه -ﷺ-: «في الزلزلة ست ركعات في أربع
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٧٦).
(٤) السنن الكبرى، للبيهقي (٦٣٨١).
[ ٢ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة، وركعة وسجدتين في ركعة»، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن عليٍّ كرَّم الله وجهَه لقُلْت به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به (^١)، وأمَّا الكسوف فقد رُوي عن النبيِّ -﵊-: أنَّ في كل ركعة أكثر من ركوعين (^٢)، من عدة طرق فلا يُحْتاج فيه إلى التمسك بفعل عليٍّ -﵁- إلخ.
تنبيه:
ولبعضهم مناقشة في المثال الذي ذكره المؤلِّف قائلًا: «لا يتأتَّى جعلُه مرفوعًا حُكمًا؛ لاحتمال أنْ يكون عن قوله -ﷺ-[لا] (^٣) عن فعله، بأنْ أخبر بجواز ذلك الفعل مثلًا وبين كيفيَّته (أ/١٤٥) بالقول، ففعله الصحابيُّ مُعْتَمِدًا على ذلك؛ فظهر أنَّه لا يَلْزم من كون الفعل عند الصحابيِّ عن النبي أنْ يكون عنده من فعله عيله الصلاة والسلام؛ لجواز أنْ يكون عنده مِنْ قوله» انتهى.
قُلْتُ: المناقِش في ذلك الشمُنِّيُّ، ولا يخفى أنَّ مناقشته ليست خاصَّة بهذا المِثال، بل هو مُنْكِرٌ لتحقُّق وجود الرَّفع الحُكْميِّ في الأفعال مُطْلَقًا. ويمكِن أنْ يُقال: عُهِد منه -﵊- البيان بالقول والبيان بالفعل، وعُهِد من الصحابة نَقْل بيانه القوليِّ كما هو إمَّا باللفظ وإمَّا بالمعنى على سبيل المحافظة والملازمة؛ فصار ما سكتوا عنه من الأفعال الصادرة عنهم التي لا مجال للرأي فيها محمولة على أنَّهم شاهدوا فعله -﵊- إيَّاها كذلك، والمسألة ظنيَّة يكفي فيها الظهور، قاله (هـ) (^٤).
_________________
(١) الأم، للشافعي (٧/ ١٧٧).
(٢) مسلم (٩٠١، ٩٠٤، ٩٠٨).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٢٧٨).
[ ٢ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «أنَّهُم كانوا يَفْعَلُون»:
أو يقولون، أو يرون كذا جائزًا، ويمكن جَعْلُ «يَفعلون» كفايةً. وما جَزَم به من كون هذا النَّوع مرفوعًا حُكْمًا هو مذهب الحاكم والرازيِّ، قال النوويُّ: «وهو أقوى الأقاويل من حيث المعنى»، وسواء قَيَّد الصحابي بعصر النبي أو لم يقَيِّده به على هذا القول، والذي ذهب إليه ابن الصَّلاح التفصيل، وهو أنَّه إنْ صرحَّ بعَصْر النبيِّ كان له حُكْم المرفوع، وإلَّا كان موقوفًا، ونحوه للخطيب.
وقوله: «في زَمَانِ النَّبِيِّ»:
ومِثله ما لو قال: على عَهْد النبيِّ -﵊- وما في معناه، أمَّا لو قال الصحابيُّ: كنَّا نفعل كذا ولم يضفه إلى عهد النبيِّ -﵊- فهل له حكم المرفوع؟ كما قاله الحاكم من المحدِّثين والإمام فخر الدين من الأصوليين، وقال ابن الصباغ في «العدة»: إنَّه الظاهر، ومثله قول عائشة -﵂-: «كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه» (^٢)، ونَقَله النوويُّ (^٣) في «شرح المهذَّب» عن كثيرٍ من الفقهاء، وقال: «إنَّه قوي من حيث المعنى»، أو: ليس له (هـ/١٦٩) حُكْم المرفوع كما قال الخطيب (^٤) ثُمَّ ابن الصَّلاح.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) البيهقي (١٧١٦٧).
(٣) ينظر: شرح مسلم (١/ ١٩٤).
(٤) الجامع (٢/ ٢٩١).
[ ٢ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «وقد استدَلَّ جابرٌ -﵁- إلخ»:
أنت خبيرٌ بأنَّ جابرًا قيَّد بالعصر النبويِّ فيما ذَكَرَه هنا: «والقرآن يَنْزِل»، وفيما حكاه غيره: «كنَّا نَعْزِلُ على عَهْد الرسول»، وكقوله: «كنا نأكل لحوم الخيل على عَهْد النبي -﵊-» (^٢)، والأوَّل مُتَّفق عليه، والثاني أخرجه النَّسائيُّ وابن ماجَهْ.
تنبيهان (^٣):
الأول: «إذا قال التابعيُّ: كنَّا نفعل كذا أو نحوه، فليس بمرفوع قطعًا، ولا بموقوف إنْ لم يُضِفْه [إلى] (^٤) زمن الصحابة بل مقطوعٌ، فإنْ أضافه احْتَمل الوقف وعدمه» انتهى كلام بعضهم.
الثاني: قوله: «ولأنَّ ذلك الزَّمان زمان نزول القرآن إلخ» علَّة لرَفْع مَنْع اطِّلاع النبيِّ عليه وعِلْمه به، وحاصل الرَّفع أنَّه لو كان ممنوعًا لأعْلَمَه الله به إنْ لم يكن عَلِمَ به؛ فالاعتراض به على التَّمثيل ذهولٌ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) النسائي (٤٣٣٠)، وابن ماجه (٣١٩٧).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٨١).
(٤) تكررت هذه الكلمة في (أ).
[ ٢ / ١٧٩ ]