ومن ذَلكَ: قولُهُ: كنَّا نَفْعَلُ كَذا، فلَهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا كما تَقدَّمَ.
ومِنْ ذَلكَ: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طَاعةٌ للهِ تعالى، أَو لرسولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَو معصيةٌ؛ كقولِ عَمَّارٍ: «مَنْ صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فِيهِ، فَقدْ عَصى أَبا القاسِمِ -ﷺ-».
فلهَذَا حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تَلقَّاهُ عنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
أَوْ تَنْتَهي غَايةُ الإِسنادِ إلى الصَّحابِيِّ كَذلكَ؛ أَي: مِثْلَ ما تَقدَّمَ في كونِ اللَّفْظِ يَقْتَضي التَّصريحَ بأَنَّ المَقُولَ هُو مِن قولِ الصَّحابيِّ، أَو مِن فعلِهِ، أَو مِن تقريرِهِ، ولَا يَجيءُ فِيهِ جَميعُ ما تَقدَّمَ، بَلْ مُعْظَمُه.
والتَّشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فِيهِ المُسَاواةُ مِن كلِّ جِهَةٍ.
[قوله] (^١): «ومن ذلك قَوْله: كنَّا نَفْعَلُ كذا»:
قال المؤلِّف: «وهو أنْزَلُ رُتْبَةً من قولهم: كنَّا نَفْعَل في عَهْد (أ/١٤٨) النبيِّ -﵊-؛ لأنَّ هذا أورَدَه مُحتجًّا به، يَحْتمل أنْ يريد الإجماع أو تقرير النبيِّ؛ [فالاحتجاج صحيح، وفي كونه من التَّقرير التردُّد»] (^٢). انتهى
تنبيه (^٣):
ضمير قول للصحابِّي المصرَّح به فيما قبله، واحترز به عن قول التابعيِّ: كنا نفعل كذا ونحوه؛ فإنَّه ليس مرفوع قَطعًا، ولا بموقوف إذا لم يُضِفْه إلى زمن
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) سقطت من مطبوع قضاء الوطر (٣/ ١٢٩٣).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٩٤).
[ ٢ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصحابة بل مقطوع، فإنْ أضافه احتمل الوَقْف وعَدَمه، قاله شيخ الإسلام الأنصاريُّ في شرح الألفيَّة (^١).
[قوله] (^٢): «أو يَنتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابيِّ»:
كذلك لفظ «غاية» لا يفيده المَتْن بل يفيد إسقاطه، لكنَّ ذِكْره ليس فيه خَللٌ إلَّا أنَّ ترَكْه أولى؛ لئلا يُوهِم توقَّف المعنى عليه.
وقال (هـ) (^٣):
قد عَلِمْتَ ممَّا مَرَّ أنَّ غاية الإسناد هو المَتْن، ومن هنا يُعْلَم ما أشرنا إليه فيما مَرَّ من تقدير المضاف قَبْل النبيِّ -﵊-.
قوله: «يَقْتَضِي التَّصْريح إلخ»:
ظاهره أنَّه لا يُعْتَبَر هنا ما يقتضي لفظه، أي: لفظ التابعيِّ أنَّ المنقول: من قول الصحابيِّ، أو من فعله، أو من تقريره حُكْمًا وهو واضحٌ؛ لأنَّ المرفوع حُكمًا اعتُبِر فيه أنْ يَدُلَّ على أمر ليس فيه للاجتهاد دَخْلٌ، وهنا لا يتأتى من جانب الصحابيِّ فلا يكون لنا الموقوف حُكمًا، ثُمَّ إنَّ قوله: «ولا يَجِيءُ فيه جَمِيعُ ما تَقَدَّم» فيه نوع تَكرار مع ما أفاده مفهوم التصريح.
وقال (هـ) (^٤): ولو أبْدَل «الواو» في قوله: «ولا يَجِيءُ فيه» بـ «الفاء» إشعارًا
_________________
(١) فتح الباقي (١/ ١٩٠).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٩٥).
(٤) المصدر السابق.
[ ٢ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتفرُّعه على ما قبله من قَصْره على الصَّريح دون غيره؛ كان أظهر، وشمول لفظه لصور التصريح الثلاث، وهي: قول صريح، وفعل صريح، وتقرير صريح بَيِّنٌ، وينبغي أنَّ القول الحُكميَّ نحو: الإشارة المفهمة كالقول الصريح، وأمَّا الفِعل الحُكميُّ والتقرير الحُكميُّ فلا يتأتيان فيه؛ لأنَّه لما كان غير معصوم لم يَستحِلْ عليه صدور المنكر بحضرته، ومن هُنا [قال] (^١): «بل مُعْظَمُه».
وفي كتابة:
قوله «بل مُعْظَمُه» الذي لم يجئْ هنا هو تقرير الصحابيِّ حُكْمًا، كأن يقول التابعيُّ: كانوا يفعلون في زمن الصَّحابة كذا؛ فإنَّه لا يكون له حُكْم الرَّفع، كذا بخط شيخ الإسلام (^٢).
وقوله: «والتَّشْبيه إلخ»:
جواب سؤالٍ مقدَّر بِيِّنُ التقدير.
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) فتح الباقي (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ١٩٥ ]