وَفِيهِ -أَيْ: في العُلوِّ النِّسبيِّ أَيضًا- المُصَافَحَةُ، وَهي الاستواءُ مَعَ تِلْميذِ ذَلكَ المُصَنِّفِ عَلى الوَجْهِ المَشروحِ أَوَّلًا.
وَسُمِّيتْ مُصافحةً؛ لأنَّ العادةَ جَرتْ في الغالبِ بالمُصَافَحةِ بينَ مَنْ تَلاقَيا، ونَحنُ في هذِهِ الصُّورةِ كأَنَّا لَقينا النَّسائيَّ، فكأَنَّا صَافَحْناهُ.
ويُقابِلُ العُلُوَّ بأَقْسَامِهِ المَذكورةِ النُّزولُ، فَيَكونُ كلُّ قِسْمٍ مِن أَقسامِ العُلوِّ يُقابِلُهُ قِسْمٌ مِن أَقْسَامِ النُّزولِ؛ خِلافًا لمَنْ زَعَمَ أَنَّ العُلوَّ قد يَقعُ غيرَ تَابعٍ للنُّزولِ.
فَإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ رَوى عَنْهُ في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ واللُّقِيِّ، وهُوَ الأخذُ عن المشايخِ، فَهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لَهُ: روايةُ الأَقْرانِ؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يَكونُ راويًا عن قَرينِهِ.
فَإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ رَوى عَنْهُ في أَمرٍ مِن الأمورِ المتعلِّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثلِ السِّنِّ واللُّقِيِّ، وهُوَ الأخذُ عن المشايخِ، فَهُو النَّوعُ الَّذي يُقالُ لَهُ: روايةُ الأَقْرانِ؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يَكونُ راويًا عن قَرينِهِ.
[قوله] (^١): «المُصَافَحَة إلخ»: قال (ق) (^٢): «إذا كانت المصافحة ما ذكر فلم تدخل في تعريف العُلُو النِّسبيِّ كما مَرَّ في المساواة» انتهى.
(أ/١٦٠) ويمكِن دَفْعُه [بنظير] (^٣) ما دَفَعنا به كلامه في المساواة كما قاله (هـ) (^٤).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٢١).
(٣) في (ب): [بنظائر].
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٢٥٣).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (ج): «قوله: «وفيه» أي: العُلُو النِّسبيِّ «المصافَحة» لا يُنافي أنَّها لا تكون في غير العُلُو النِّسبيِّ على ما مَرَّ، وظاهر كلام ابن الصَّلاح والعراقيِّ -أي: تعريفهما لها - يقتضي [جريانها في العُلُو النِّسبيِّ والمُطْلَق؛ فما ذَكَره (ق) مما يقتضي] (^١) أنَّها لا تكون في العُلُو النِّسبيِّ فيه نظرٌ، قال العراقيُّ:
وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ (^٢)
قال شيخ الإسلام (^٣):
وحيث راجحه الأصل أي: علا سند أَحَد الستة، بالواحد أي: براوٍ واحد على سند المُخرِّج أي: أنَّه نَقَص سند أَحَد الستة عن سند المُخرِّج واحد فهو المصافحة له، بمعنى أن المُخرِّج كأنَّه لَقِيَ أحد الستة وصافَحه بذلك الحديث، ومع كونه مصافَحَة له فهو مساواة لشيخه» انتهى.
وقال المؤلِّف في شرحه: «أي: وحيث رَجَح واحد من الأئمة الستة براوٍ واحد على الراوي الذي وقع له الحديث سمِّي مصافَحَة، بمعنى أنَّ الراوي كأنَّه لقيَ أَحَدَ الأئمة الستة وصافحه بذلك الحديث، ومَثَّلْتُ بالكتب الستة؛ لأنَّ الغالب على المخرِّجين استعمال ذلك بالنسبة إليهم فقط، وقد استعمله الظاهريُّ وغيرُه بالنِّسبة إلى «مسنَد أحمد».
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) التبصرة والتذكرة (ص ١٥٩).
(٣) فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (٢/ ١٤١).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «على الوَجْهِ المَشْرُوحِ أوَّلًا»:
يعني في مثال النَّسَائيِّ المذكور في المساواة قاله (ق)، وحاصله: (هـ/١٨٧) اعتبار المساواة في العَدَد مع عَدَم ملاحظة الإسناد الخاصِّ؛ فإن كانت المساواة للتلميذ فالمصافَحَة له، وإن كانت لشيخ شيخه فالمصافحة لشيخ شيخه وهكذا.
[قوله] (^٢): «ويُقَابِل العُلُوَّ بأقْسَامِهِ إلخ»:
أنت خبيرٌ بأنَّ المؤلِّف لم يَذْكُر من أقسام العُلُوِّ صريحًا إلَّا اثنين، لكن قد عَلِمْتَ انطباق كلامه على أقسام العُلُو الخمسة بالتقرير الذي قدَّمناه؛ فكلامه إما من باب إطلاق الجمع على ما زاد على الواحد، أو مراعاة لمعنى الكلام وما يَتَضَمَّنه، وعبارة العراقيِّ: «وأمَّا أقسام النُّزول فهي خمسةٌ أيضًا؛ فإنَّ كلَّ قِسْمٍ من أقسام العُلُو ضده قِسْمٌ من أقسام النُّزول، فهي خمسةٌ كما قاله ابن الصَّلاح (^٣)» قاله (هـ) (^٤).
[قوله] (^٥): «خِلافًا لمَنْ زَعَمَ إلخ»:
قال (ق) (^٦): «هو الشيخ زَيْنُ الدين العراقيُّ، فإنَّه نازع في ذلك الشيخَ
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) معرفة أنواع علوم الحديث (ص ٢٦٣).
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٣٦٦).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٢١ - ١٢٢).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقي الدين ابن الصَّلاح، ذَكَرَه في «شرح الألفيَّة»» انتهى، واعتُرِض على عَزْوِه لذلك بما يُعْلَم بالوقوف عليه.
[قوله] (^١): «في أمْرٍ من الأُمورِ إلخ»:
لمَّا كان ظاهر المَتْن يوهم أنَّه لا بُدَّ من التشارك في الأمرين جميعًا صَرَفه في الشرح عن ظاهره، وأفاد أنَّ الاجتماع ولو في أحدهما كافٍ، غير أنَّ الإطلاق في الأحَديَّة يشمل السِّنَّ، وفيه نظرٌ؛ فقد قال العراقيُّ (^٢): «القرينان من استويا في الإسناد والسِّنِّ غالبًا؛ إذ المراد بالاستواء في ذلك على المقاربة كما قال الحاكم (^٣): إنما القرينان إذا تقارب سنُّهما وإسنادهما. وقولي: «غالبًا» يَتعلَّق بالسِّنِّ فقط إشارة إلى أنَّهم قد يكتفون بالإسناد دون السِّنِّ، قال ابن الصَّلاح (^٤): وإنَّما اكتفى الحاكم بالتقارب في الإسناد وإن لم يوجَد التقارب في السِّنِّ» انتهى.
فكان الأليقُ بقاء المَتْن على ظاهره وحَمْله على الغالب، وجَعْل مُقابِله الاكتفاء باللقاء دُونَ السِّنِّ؛ فتدبَّره، قاله (هـ) (^٥).
وقال (ج) (^٦) قوله: «في السن واللُّقيِّ» أي: غالبًا، ومن غير الغالب الاكتفاء
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) شرح التبصرة (٢/ ١٧٤).
(٣) معرفة علوم الحديث (ص ٥٧٧).
(٤) مقدمة ابن اصلاح (ص ٣٠٩).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٣٨١).
(٦) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٤٢٣).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالمشاركة في اللُّقي، أي: الأخذ عن المشايخ، ثُمَّ إنَّ المراد بالمشاركة في السِّنِّ والأخذ عن الشيوخ أو في الأخذ عن الشيوخ: الاستواءُ فيهما والمُقارَبة فيهما، والاستواء في الثاني فقط أو المُقاربة فيه. ولو قال المؤلِّف: فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في اللُّقي والسِّنِّ غالبًا؛ إذ قد يُكتفي بالمشاركة في الأول فقط؛ كان لا غبار عليه، فقول الشارح: «ومن روى عنه في أمر من الأمور المتعلِّقة بالرواية مثل: السِّنِّ واللُّقي، وهو: الأخذ عن المشايخ»؛ فيه إخراج للمَتْن عن ظاهره، وإنْ جُرَّ «السِّنُّ» وما عُطِف عليه بالمضاف لا بـ «في»، ثُمَّ إنَّ مِثلها السِّنُّ فقط كما يفيده كلام العراقيِّ. فإن قُلْت: قوله: «في أمر إلخ» تقتضي الاكتفاء في ذلك بالمشاركة في السِّنِّ فقط؛ قُلْت: لا نُسَلِّم أنَّ المشاركة في السِّنِّ فقط يَصْدُق عليه قوله: «أمْرٌ من الأمور المتعلِّقة بالرواية».
[قوله] (^١): «فهو النوع إلخ»:
فيه إشارة إلى الجواب عن إفراد الضمير وتذكيره كما لا يخفى، والمراد بالنوع رواية من ذَكَر عمن ذُكِر، فلو قال: فهي؛ ليعود الضمير على الرواية لأنَّها المسمَّاة بذلك؛ كان أولى؛ (أ/١٦١) فقوله: «يُقال له» أي: يسمَّى، مِثْل: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ] ﴿الأنبياء: ٦٠﴾.
و«الأقران» وجمع قَرِين، لا بُدَّ في هذا النوع أنْ تكون بالرواية الرواية من أحَدِ القَرينين فقط عن الآخر، بحيث يُعْلَم أنَّ هذا روى عن ذاك ولا يعلم أنَّ ذاك روى عن
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا، مثاله: رواية سليمانَ التَّيمِيِّ عن مِسْعَرٍ، قال الحاكم (^١): «ولا أحفظ (هـ/١٨٨) لمِسْعَرٍ عن سليمانَ روايةً»، ورُبَّما اجتمع جماعة من الأقران في حديث واحدٍ؛ كحديثٍ (^٢) رواه أحمد بن حنبل، عن أبي خَيْثَمةَ زُهيرِ بن حربٍ، عن يحيى بن مَعِينِ، عن علي بن المَدِينيِّ، عن عُبيد الله بن معاذٍ، عن أبيه، عن شُعبةَ، عن أبي بكر بن حَفصٍ، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: «كان أزواج النبيِّ -﵊- (^٣) يأخُذن من شُعورهن حتى تكون كالوفرة» (^٤)، فأحمد والأربعة خمستهم أقرانٌ كما قال الخطيب. ومن فوائد هذا النَّوع: الأمن من ظنِّ الزيادة في السَّنَد (^٥)، والاعتراض على المؤلِّف بتغْيير إعراب المَتْن مَرَّ جوابه مرارًا، قاله (هـ) (^٦).
[قوله] (^٧): «لأنَّه حِينئذٍ»:
أي: حين إذا روى عن مَنْ شاركه في السِّنِّ واللُّقيِّ.
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٥٨٦).
(٢) ينظر: فتح المغيث (٤/ ١٣٢).
(٣) في (هـ): -﵇-.
(٤) مسلم (٣٢٠) (٤٨١).
(٥) فتح المُغيث (٣/ ١٦٠).
(٦) قضاء الوطر (٣/ ١٣٨٢).
(٧) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٢٥٠ ]