وما قالَه مُتَّجِهٌ؛ لأنَّ العلَّةَ التي لَهَا رُدَّ حديثُ الدَّاعيةِ- وَارِدةٌ فيما إِذا كَانَ ظاهِرُ المرويِّ يُوافِقُ مَذْهَبَ المُبْتَدِعِ، ولَوْ لم يَكُنْ داعيةً، واللهُ أَعْلَمُ.
ثمَّ سُوءُ الحِفْظِ، وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعْنِ، والمُرادُ بهِ: مَنْ لم يُرَجَّحْ جَانِبُ إِصابتِهِ على جانِبِ خَطَئِهِ، وهُوَ على قسمينِ:
إِنْ كانَ لَازِمًا للرَّاوي في جَميعِ حالاتِهِ، فهُو الشَّاذُّ على رَأْيِ بعضِ أَهلِ الحَديثِ.
[قوله] (^١) «وما قاله»:
أي: الجُوْزَجانِيُّ من قَبول حديث المبتدع غَيْر الدَّاعية إلَّا إذا روى ما يقوي مذهبه.
وقوله «مَتَّجِهٌ»:
أي: له وجهٌ من النظر، هو ما علَّله به، ومن تعليله نشأ سؤال: أغنى اشتراط ألَّا يكون داعية عن اشتراط ألا يروي ما يقوي مذهبَه أو بالعكس، وتقدَّم جوابه.
[قوله] (^٢): «ثُمَّ سُوءُ الحِفْظِ وهو السَّببُ العاشِرُ مِن أَسبابِ الطَّعنِ (^٣)»:
قال بعضهم: كان ينبغي أن يقال: «وهو القِسم العاشر من أقسام الطَّعن إلخ» انتهى، أقول: قد جَعَل الردَّ إما لسَقْط أو لطَعْن، ثُمَّ عدَّد سبب الطَّعْن وجَعَله عشرة، فما سلكه هنا هو المناسب، وإنَّما يأتي ما ذَكَره المعترِض لو كان التقسيم الواقع في عبارته للطَّعْن، إذ كلُّ واحدٍ منها (أ/١٣٦) حينئذٍ قِسمٌ من أقسام الطَّعن؛ فكان الأَولى التعبير في كلِّ واحد بالقِسم الفلاني، وإنْ (هـ/١٥٨) سُلِّم هذا فتخصيص الاعتراض بهذا غير مُتَّجِه، قاله (ج) (^٤).
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في هامش (أ): السبب العاشر من أسباب الطعن.
(٤) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٧٥).
[ ٢ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقوله] (^١): «والمراد به إلخ»:
قال المؤلِّف: هذا صادقٌ بما إذا ترجَّح جانب خطئه، أو تساوى [جانب] (^٢) خطئه مع جانب إصابته، وفيه نظرٌ؛ إذ يكون حينئذٍ من ترجَّح جانب خطئه من المُنْكَر؛ لأنَّه جَعل من أقسام المنكر: رواية من فَحُش غلطه كما مَرَّ، ومن الشَّاذ أو المُخْتَلَط كما ذكره هنا، مع أنَّ مقتضى تقسيمه: أنَّ الأقسام متباينة، وفي كلام (ق) (^٣) نظر؛ حيث سَلَّم ما ذكره المؤلِّف، انظر حاشية (ج) (^٤).
وقال (هـ) (^٥) قوله: «والمراد به من لم يترجح جانب إصابته على جانب خطئه» صادقٌ بمن تساوى خطؤه وإصابته، وبمن رُجِّح جانب خطئه على جانب إصابته، وهو خلاف ما قدَّمه في التقسيم السابق من أنَّه: الذي يَغلب صوابُه على خطئه.
وقال (ق) (^٦) أيضًا: «وهذا ينافي ما مَرَّ من قوله: «أو سوء حِفظه» وهو عبارة عمن يكون غلطُه أقلَّ مِن إصابته، وقد أصلحه بلفظ نحو: من إصابته، وقال المؤلِّف: وفُهم ممن لم يرجح، إمَّا أن يرجح جانب خطأه أو استويا. قُلْتُ: وهذا يؤيد أنَّ قوله فيما تقدم في حدِّ سوء الحفظ: «وهي عبارة عمَّن يكون خطؤه
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠٢).
(٤) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٧٦).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١٢٢٣).
(٦) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠١ - ١٠٢).
[ ٢ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كإصابته» من النُّسخ الصحيحة، بخلاف نسخة: «أقلّ من إصابته»؛ فإنَّها مخالفة لما هنا، وليست صحيحة من جهة المعنى؛ لأنَّ الإنسان ليس بمعصوم من الخطأ؛ فلا يقال لمن وقع له الخطأ مرة أو مرتين: إنَّه سيِّئ الحفظ، وإن كان يصدق عليه أنَّ خطأه أقلُّ من إصابته؛ إلَّا أنَّه لا يصدُق أنَّه لم ترجُح إصابته» انتهى، ونحوه للمُحَشِّي الآخر في المبحث السابق، هو الجاري على قول العراقيِّ وغيره: «إنَّ طريق معرفة ضبط الراوي: أن يُعْتَبر حديثه بحديث الثقات الضابطين، فإنْ وافقهم في روايتهم في اللفظ أو في المعنى ولو في الغالب عَرَفنا حينئذٍ كونه ضابطًا، وإنْ كان الغالب على حديثه المخالفة لهم وإنْ وافقهم نادرًا عرَفنا حينئذ خطأه وعَدَم ضبطه ولم نَحتَجَّ به» انتهى.
ولا يخفاك أنَّ التعويل إنما هو على مفهوم القِسم الأول من كلامه؛ فمتى تساوى صوابه وخطؤه كان من القسم الثاني، وإذا كان هذا ضابطًا لمن جهلنا حاله كان ضابطًا في من عَلِمْنا حاله من باب أَولى، وقد مَرَّ أنَّه لا يظهر مغايرة سوء الحفظ لفُحش الغلط على هذا [الاعتبار] (^١)، فمن حَفِظ ثلاثة آلاف حديث مثلًا فأخطأ في خمسين منها صَدُق عليه أنَّه فَحُش غَلَطُه وكثُر، ولم يَصْدُق عليه أنَّه ساء حفظه، فإنْ أخطأ في ألفين منها أو في ألف وخمسين يصدق عليه أنَّه ساء حفظه وفحُش، أي: كثر غَلَطه، وبالجُملة هذه التفرقة ما وَقَفْتُ عليها لغير المؤلِّف؛ فمَن وجدها فليضم لها بيانها ابتغاء لوجه الله.
_________________
(١) جاء في (أ) زيادة [العموم والخصوص]، ولم يظهر لي وجهها.
[ ٢ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «وهو على قِسْمَينِ»: أي: مُشتَمِل عليها اشتمال الكليِّ على جزئياته بمعنى تحقُّقه في ضمنها.
[قوله] (^٢): «في جَمِيع حَالَاتِه»: ظاهره: صغرًا وكِبرًا، صحةً ومرضًا، ومع وجود الكتب وعدمها، وفيها حالتي: العمى والبصر، والأظهر أنَّ المراد بجميع الحالات: ما كان لسبب طارئٍ أو لغير سببٍ، بأنْ كان أصليًّا، وإلَّا ربَّما تعذَّر وجود الشاذِّ فتدبَّره، على أن المقابلة بين اللازم، أي: الأصليِّ الغير طارئٍ وبين الطارئ خيرٌ من هذا التعميم.
[قوله] (^٣): «فهو الشَّاذُّ على رأي بَعْضِ أهلِ الحَديثِ»: وتقدَّم أنَّ الشَّاذَّ هو: الذي يُخالف الراوي فيه مَن هو أولى منه بالإتقان أو الحفظ، ثُمَّ إن في كلامه نظرًا من جهة أنَّ فيه إخراجَ المَتْن عن ظاهره؛ (هـ/١٥٩) لأنَّ المَتْن: «على رأيٍ» بالتنوين، وقدَّر المضاف إليه وهو يَمْنَع تنوينه؛ فلذا قال الكمال (^٤): «كان اللائق أنْ يُقال: هو رأيٌ لبعض أهل الحديث» انتهى، وأخصرُ منه أنْ يقول عَقِبَ قوله: «على رأي لبعض أهل الحديث».
وقال (هـ) (^٥): قوله: «فهو الشَّاذُّ على رأي» أي: فمرويُّ مَن هذه صفتُه هو المُسمَّى بالشَّاذِّ على رأي بعض أهل الحديث، وعلى رأي الجمهور هو من مُطْلَق الضعيف، والإضافة العارضة من مَزْج الشرح بالمَتْن منعت تنوين «رأي» الذي كان ثابت له قبلها في المَتْن وهو جائز؛ (أ/١٣٧) فالاعتراض عليه فاسدٌ، وقد مَرَّ الكلام في المسألة مِرارًا.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) ينظر: حاشية ابن أبي شريف (ص ١٤٦).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١٢٢٥).
[ ٢ / ١٤٨ ]
* أَوْ كَانَ سوءُ الحفظِ طَارِئًا على الرَّاوي؛ إِمَّا لكِبَرِهِ، أَو لذَهابِ بصرِهِ، أَوْ لاحتِراقِ كُتُبِهِ، أَو عَدَمِها بأَنْ كَانَ يعْتَمِدُها، فرَجَعَ إِلى حفظِهِ، فساءَ، فَهَذَا هو المُخْتَلِطُ.
[قوله] (^١): «أَوْ كانَ سُوءُ الحِفْظِ»:
يُحْتمل أنَّه قدَّر هذا البيان المعني دون الإعراب، ويُحْتمل أنَّه للإعراب، وأنَّ «طارئ» [ليس] (^٢) معطوفًا على «لازمًا» بل معمول المقدَّر المذكور، وتكون المسألة من عطف الجُمَل، والظاهر الأوَّل (^٣).
قوله: «إِمَّا (^٤) لِكِبَرِهِ»:
كعطاء بن السائب، وقال ابن حِبَّان (^٥): اخْتَلَط آخرَ عُمُرِه ولم يَفْحُش خطؤه.
قال ابن معين (^٦): وممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: شُعبة وسفيان الثوري، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: جَرير بن عبد الحميد وخالد بن عبد الله الواسطي في آخرين.
وكأبي مسعود سَعيد بن إياس الجُرَيريُّ، وممَّن سَمِع منه قبل التغَيُّر: شعبة وسفيان الثوري والحمادان في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد التغَيُّر: محمد بن أبي عَدِي وإسحاق الأزرق ويحيى بن سعيد القطان -ولم يحدِّث عنه بشيء لذلك- في آخرين.
وكسعيد ابن أبي عَرُوبةَ مِهران، فممَّن سمِع منه قبل اختلاطه: عبد الله بن المبارك ويزيد بن زُرَيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه في حال اختلاطه: أبو نُعَيم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٢٧).
(٤) في (ب) و(هـ): [إلا].
(٥) الثقات (٧/ ٢٥١).
(٦) تاريخ ابن معين (٢/ ٤٠٣)، رواية الدوري.
[ ٢ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفَضْل بن دُكَين والمعافَى بن عِمران المَوصليُّ، وعَبدة بن سليمان (^١).
[قوله] (^٢): «أوْ لِذَهَابِ بَصَرِهِ»:
كعبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعانيِّ، قال أحمدُ (^٣): أتيناه قبل المائتين وهو صحيح البصر، وممَّن سَمِع منه بَعدَما ذَهَب بصرُه فهو ضعيف السَّمَاع. وقال أيضًا: كان يُلَقَّن بَعدَما عَمِي. فممَّن سَمِع منه قبل اختلاطه: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهَوَيْهِ ويحيى بن مَعِين وعليُّ بن المَدينيُّ ووكيع في آخرين، وممَّن سَمِع منه بعد الاختلاط: أحمد بن محمد بن شبّوية ومحمد بن حماد الطهرانى وإسحاق بن إبراهيم الدبري في آخرين.
وقوله: «أوْ لاحْتِراقِ كُتُبِهِ»:
كما وَقَع لبعضهم (^٤) أنَّه كان يَعْتمد على كُتُبه في تحديثه فاحترقت باحتراق مَحِلِّها، فحدَّث مِنْ حِفْظِه؛ فأخطأ وخانَه حِفْظُه.
_________________
(١) ينظر: الثقات لابن حبان (٦/ ٣٦٠).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) ينظر: تهذيب الكمال (٤/ ٥٠٠).
(٤) هو ابن لهيعة، يقول ابن رجب -﵀-: «وأما عبد الله بن لَهِيعة، قاضي مصر، فهو ممن أجمع العلماء على خِفَّة ضبطه قبل موته بسنين، والأكثر على أنَّ هذا راجع إلى احتراق كتبه، روى العُقَيلي من طريق البخاري عن أبي بكير، قال: احترقت كتب ابن لَهِيعة سنة سبعين ومئة. وقال ابن خِراش: كان يُكتب حديثه، احترقت كتبه، فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثًا وجاء به إليه قرأه عليه. قال الخطيب: فمن ثَمَّ كثُرت المناكير في روايته؛ لتساهله. وقال يحيى بن حسان: رأيت مع قوم جزءًا سمِعوه من ابن لَهِيعةَ، فنظرت فإذا ليس هو من حديثه، فجئت إليه، فقال: ما أصنع؟ يجيئون بكتاب فيقولون: هذا من حديثك؛ فأحدِّثهم». شرح علل الترمذي (١/ ١٠٩).
[ ٢ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «أوْ عَدَمِهَا»:
أي: بغير الاحتراق؛ لئلَّا يَلْزم عطفُ الخاصِّ على العامِّ بـ «أو» وهو ممتَنِعٌ.
[قوله] (^٢): «بأنْ كان يَعْتَمِدُها إلخ»:
«الباء» بمعنى مع، و«أنْ» والفعل في تأويل المصدر؛ مع كونه يعْتَمِدها، والضمير يُحْتمل رجوعه لكُتُب، ويُحْتمل عوده للبصر وللكتُبُ التي تَلِفَت بالاحتراق وللتي تَلِفَت بغيره.
[قوله] (^٣): «فهذا هو المُخْتَلِطُ»:
أي: فالطارئ عليه سوءُ الحِفْظ بسبب من تلك الأسباب هو المراد عندهم بالمُختلِط، والاختلاط: فساد العقل بحيث لا ينتظم الأقوال مع الأفعال، والمراد هنا: مُطْلَق الاختلاط المُنَافي للضَّبط.
تنبيه (^٤):
قال فيما قبلَه: «فهو الشَّاذُّ على رأي»، وقال في هذه: «فهذا هو المُختلِط» فعبَّر في هذا بما هو وَصْف الراوي، وعبر في الأول باسم المرويِّ؛ لأن الأول مما لِمَرْوِيِّه لقبٌ عند بعض العلماء، وليس الثاني كذلك.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٢٢٩).
[ ٢ / ١٥١ ]
والحُكْمُ فِيهِ: أَنَّ ما حَدَّثَ بهِ قَبْلَ الاختلاطِ إِذا تَميَّزَ قُبِلَ، وإِذا لم يَتَمَيَّزْ تُوُقِّفَ فِيهِ، وكَذَا مَن اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ، وإِنَّما يُعْرَفُ ذَلكَ باعْتِبَارِ الآخِذينَ عنهُ.
[قوله] (^١): «والحُكْمُ فيهِ»:
أي: في الحديث الذي رواه المُختلِط (هـ/١٦٠). واعلم أنَّ عبارة العراقيِّ (^٢) أدلُّ على المراد من هذه العبارة مع زيادة البيان، ولفظه: «ثُمَّ الحُكْم فيمن اختَلَط: أنَّه لا يُقْبل من حديثه ما حدَّث به في حال الاختلاط، وكذا ما أبهِم أمره وأَشكِل فلم يُدْرَ حدَّث به قبله أو بعده، وما حدَّث به قبل الاختلاط قُبِل، وإنَّما يتبين ذلك باعتبار الرواية عنهم، فمنهم مَنْ سَمِع منهم قَبل الاختلاط، ومنهم من سَمِع بعده فقط، ومنهم من سَمِع في الحالين ولم يتميَّز».
إذا عرَفت هذا؛ فمفهوم قوله: «قَبل الاختلاط» أنْ يُرَدَّ ما حَدَّث به بعد اتصافه به، وقوله: «إذا تميَّز» شرطٌ في قَبول ما حدَّث به قبل الاختلاط؛ فالمراد بـ «عُرِف» تميُّزه عما حدَّث به بعد اتصافه بالاختلاط، لا تميُّزه في نفسه؛ لوجوب ذلك للاعتراض بالذات.
وقوله: «وإِذا لم يَتَمَيَّزْ»:
تصريحٌ بمفهوم الشرط، وهذه هي الأحوال الثلاثة التي صرحَّ بها العراقيُّ.
وأمَّا قوله: «وكذا مَنِ اشتَبَهَ الأمرُ فيهِ» فالأظهر أنَّ معناه: أنَّ الشيخ الذي اختلف العلماء في اختلاطِه وعَدَمه، ولم يترجح لهم فيه مَقَال كمن ثَبَت اختلاطه، سواءٌ في تفصيل السَّماع منه إلى (أ/١٣٨) الأقسام الثلاثة كحُصين بن عبد الرحمن السُّلميِّ الكوفيِّ، أحد الثقات الأثبات، احتج به الشيخان، ووثَّقه:
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) شرح التبصرة (١/ ٤٤٦).
[ ٢ / ١٥٢ ]
أحمد وأبو زُرْعةَ والعِجليُّ وغيرهم، وذهب جماعة إلى أنَّه اختلَط، وقال أبو حاتم (^١): ثقة ساء حفظه في الآخر، قال يزيد بن هارون: إنَّه اختلَط، [وقال] (^٢) على بن عاصم: إنَّه لم يختلط.
ويَدْخُل: من اشتَبَه ابتداء اختلاطِه واخْتَلَف النَّاس فيه، كسعيد بن أبي عَروبةَ؛ قد اخْتُلف في ابتداء اختلاطه، وقال دحيم: اختلَط مَخْرَجَ إبراهيم، سنة: خمس وأربعين ومئة (^٣)، وقال ابن معين: [اختلَط] (^٤) بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن، سنة: ثنتين وأربعين ومئة. والمعروف عند أهل التاريخ الأوَّل: أنَّه قُتل فيها يوم الاثنين بخمس ليالٍ بقين من ذي القَعدة، احتُزَّ رأسه. فيدخل فيه أيضًا من اختلَط ثُمَّ راجعه عقله ثُمَّ اختلَط ولم يتميَّز أحواله كعارِم، فقد قال أبو داود: بلغني أنَّ عارمًا أنْكَر عَقْلَه سنة: ثلاثةَ عَشْرةَ، ثُمَّ راجعه، واستحكَم به الاختلاط سنة: ستَّ عَشْرةَ. وقال ابن حِبَّان: اختلَط في آخر عمره وتغيَّر، حتى كان لا يدري ما يحدِّث به، حتى وَقَع في أحاديثه المناكير الكثيرة (^٥).
وقال (ق) (^٦): «قوله: «وكذا مَنْ اشتبه أمره فيه» إيهامٌ بأنَّ ظاهر السِّياق أنَّ حديثه كحديث المُختلِط، ولفظةُ «مَنْ» لمَن يَعِقل؛ فلا تصلُح للحديث، وإن استعملها فيمن يَعْقِل يكون قد انتقل من الحديث إلى الراوي وليس بظاهر» انتهى.
ولا يخفاك أنَّ الثاني هو المراد، ولا يلزم اختلاف السياق بأنَّ المعنى: وكذا
_________________
(١) الجرح والتعديل (٣/ ١٩٣).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط (ص ١٣٩).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) المجروحين لابن حبان (٢/ ٢٩٤)، وينظر: تدريب الراوي (٢/ ٩٠٦).
(٦) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٠٣).
[ ٢ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحديث من اشتبَه الأمر فيه بدلالة السِّياق والسِّباق.
وفي كتابةٍ أخرى: قوله: «وإذا لم يَتميَّز» وذلك إذا اشتبه أمره فلم يُدْرَ: هل حدَّث به قبل الاختلاط أم بعده؟
وفي قوله: «[وكذا] (^١) من اشتبه الأمر فيه» تَكْرارٌ وتشبيهٌ للشيء بنفسه، وصواب العبارة: والحُكم فيه أنَّ ما حدَّث به قبل الاختلاط يُقْبَل منه، وما حدَّث به بعد الاختلاط لا يُقْبَل، وكذا ما أَشْكل أمره ولم يُدْرَ هل حَدَّث به قَبْلُ أو بعدُ؟ وإنَّما يتميَّز ذلك باعتبار الرواة عنه؛ إذ منهم من سَمِع منه قَبْلَ الاختلاط، ومنهم من سَمِع منه بعده، ومنهم من سَمِع منه في الحالين مع تميُّز وبدونه، وهذا إذا كانت الرواية من حِفْظه، فإنْ كانت كتابة قُبِلَت.
وفي كتابةٍ: مراده أنَّ من استُبْهِم الأمر فيه فلا يُدري أهو مختلِط أم لا، أي: حَصَل الشكُّ في اختلاطه وعَدَمه؛ فإنَّه يُتَوَقَّف في حديثه، وهذا غير ما قبله؛ إذ ما قبله تحقَّق [حصول] (^٢) سوء الحِفظ فيه، وشُكَّ فيما رواه هل قَبل ذلك أم بعده؟ وهنا شُكَّ في حصول سوء الحفظ له وعدمه؛ ولذا عَبَّر هنا بـ «مَنْ»، ولو عبر بـ «ما» لكان اشتبه الأمر فيه؛ إذ مدلوله هو مدلول قوله قبلَه: «وإذا (هـ/١٦١) لم يتمَّيز توقِّف فيه»؛ فيكون مَحْضَ تَكرار من غير فائدة، وكلام (ق) هنا مُعترَض، انظر حاشية (ج) (^٣).
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٧٨).
[ ٢ / ١٥٤ ]
ومَتى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ -أَيْ: كَأَنْ يكونَ فَوْقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه، وَكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لم يتَمَيَّزْ، وَكذا المَسْتُورُ، وَالإِسنادُ المُرْسَلُ، وَكَذا المُدَلَّسُ إِذَا لم يُعْرَفِ المَحْذوفُ منهُ- صَارَ حَديثُهُم حَسنًا؛ لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذَلكَ باعتبارِ المَجْموعِ مِن المُتَابِعِ والمُتَابَعِ؛ لأنَّ معَ كُلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِهِ معه صَوابًا، أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ.
[قوله] (^١): «ومتى تُوِبع سَيِّئُ الحِفْظِ بمُعْتَبَرٍ إلخ»: فيه بحثٌ؛ إذ قد تقدَّم في تعريف الصحيح لا لذاته ما نقله ابن أبي شريف في التمثيل له عن ابن الصَّلاح من أنَّ محمد بن عمر بن علقمة مشهورٌ بالصِّدق متصِفٌ بسوء الحفظ؛ لكن بروايته من وجه آخر التحَق بدرجة الصحيح. وقد يجاب بأنَّ المراد بسوء الحفظ في بيان الصحيح لا لذاته: ما لم يبْلُغ بصاحبه درجة من لم يُقْبَل تفرُّده، وفي هذا المقام ما بَلَغ تلك الدرجة [وذلك] (^٢) لأنَّه له مراتب متفاوتة، فمن كان في أولها -أعنى: مرتبة التساوي- فحديثه حَسَنٌ؛ فيرتَقِي بالعاضد إلى درجة الصِّحة، ومن كان في المراتب الأخر حديثه متوقَّف فيه يبلغ بالعاضد درجة الحَسَن.
وفي كتابةٍ: مرادُه بالمُعتَبر [مَن] (^٣) لا تُرَدُّ روايته بوجه من وجوه الرَّد؛ وحينئذ (^٤) فحديثه إمَّا حَسَنٌ لذاته أو صحيح؛ فلا يصلُح قوله: «صار حديثه حَسَن لا لذاته».
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (هـ): [فذلك].
(٣) زيادة من (ب).
(٤) في (هـ): [فحينئذ].
[ ٢ / ١٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «بأنْ يكون فوقَه إلخ».
قال (ق) (^١): «المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى. وإنَّما كان المراد بذلك بأنَّ الغرض أنَّ المتابِع -بالكسر- معتبَر، والمتابَع -بالفتح- سيئ الحفظ؛ فلا يكون بينهما مماثَلة، وأيضًا يصِير قوله: «لا دُونَه» لا معنى له؛ إذ سيئ الحفظ لا يُقال فيمن دونه مُعتبَر، بل لا يُتَصَور الاتصاف بصفة دونه من صفات الطَّعن، وفيه شيء، انظر حاشية (ج) (^٢).
وقال (هـ) (^٣): ««ومتى تُوِبع إلخ» قال (ق) (^٤): قال المؤلِّف: إذا تابع سيئَ الحفظ شخصٌ فوقه انتقل بسبب ذلك إلى درجة ذلك الشَّخص، وينتَقِل ذلك الشَّخص إلى (أ/١٣٩) أعلى من درجة نفسه التي كان فيها حتى يترجح على مساويه من غير متابعة من دونه. قُلْتُ: المراد بقوله: «فوقه أو مِثله» أي: في الدرجة من السَّنَد لا في الصِّفة» انتهى.
وما قاله المؤلِّف تنبيهٌ حَسَنٌ خفي المَدْرك لكن بعيدٌ من لَقَطَه، وأمَّا قوله: «قُلْت إلخ» فغير بَيِّن؛ إذ لا عبرة بالرُّتبة السَّنَديَّة، وإنَّما المدار على الرُّتبة الوصفيَّة المفسِّرة عندهم للاعتبار والمتابعات؛ فصواب العبارة: أي: في الصفة لا في الدرجة من السَّنَد، فإن أردت الحق فاعلمْ أنَّ قوله: «كأنْ يكون فوقَه أو مِثله» تمثيل للمُعتبَر، وليس معناه إلَّا مَنْ يصلُح حديثه للاعتبار به، وهو من قَدَح الأئمة فيه بقولهم:
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٠٣).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٧٨) وما بعدها.
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٢٢٧).
(٤) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٠٣).
[ ٢ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضعيف، أو بمُنْكَر الحديث، أو بمضطرِبه، أو بِواهٍ، أو بـ: ضعَّفُوه، أو بلا يُحْتَجُّ به، وأخَفُّ من هذه المرتبة مَنْ قدحوا فيه بـ: فيه مقالٌ، أو مضعَّف، أو بـ: فيه ضَعْف، أو بليس بذاك، أو بليس بالمَتين، أو بـ: فيه خُلْف، أو بـ: طعنوا فيه، أو بسيئ الحفظ، أو بـ: تكلَّموا فيه.
وهذه -كلُّها- إنَّما هي دالَّةٌ على الأوصاف لا على الدرجات السَّندية كما لا يخفى، وإنْ كان صاحب البيت أدرى بالذي فيه ولكنْ رُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، فالمتبادَر «ممن يكون فوقه» أنْ يكون من أهل المرتبة الثانية هنا، و«ممن يكون دونه» أنْ يكون ممن قدَحوا فيه بـ: كذابٍ، أو وضَّاع، أو مُتَّهَمٌ بالكذب، أو بساقط، أو بهالك، أو بليس بالثقة، أو برد حديثه، أو بضعيف جدًّا، أو بـ: لا يساوي شيء؛ لأن أهل هذه الألفاظ وما في معناها لا يعتبَر بحديثه ولا يتابِع به؛ فقوله: «لا دونه» يعني أنَّه إذا توبِع ممَّن دُونه في المرتبة حفظًا وإتقانًا لا يَنْتَقل بذلك حديثه عن مرتبة الضعف إلى مرتبة الحُسْن.
وملخصه (^١):
أنَّ الضعف المجبَر هو الذي يكون خفيفًا؛ فلا ينجَبِر به الكذب وما جرى مجراه (هـ/١٦٢) مما أشرنا إليه في المرتبة الأخيرة وإنْ كثُرَت طرقه وتفرَّد عاضده، وذلك كما في طرق حديث: «مَن حَفِظَ على أُمَّتي أربعين حديثًا مِن أمر دينه بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء والفقهاء» (^٢)، فقد اتَّفق الحفَّاظ على ضَعفه مع كثرة طرُقه؛ لقوة ضَعفه وقصورها عن جبره.
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٢٣٩).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (١٥٩٧)، وابن عبد البر في الجامع (٢٠٥)، وابن عساكر في معجمه (٢/ ٩٥٨) (١٢٢٢).
[ ٢ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «وكذا المُخْتَلِطُ»:
إذا توبِع بمعتَبَرٍ صار حسنًا لغيره؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها رُدَّ حديثه؛ بسبب المتابعة من المعتبَر، وكذا إذا توبِع «المستور» أي: المجهول، وهو: من لم تُعرَف عدالته الباطنة -على ما مَرَّ تفسيره- بمعتَبَرٍ؛ صار حديثه حَسَنًا؛ لانتفاء العلَّة التي لأجلها يُرَدُّ، وإليه أشار بقوله: «والمستور».
[قوله] (^٢): «والإسناد المُرْسَلِ»:
الإسناد هنا بمعنى السَّنَد وهو الرجال أنفسهم، وإنَّما ترك أداة التشبيه معه كالذي قبله؛ لقربه مما هي داخلة عليه، ولذا أعادها مع ما بعده؛ لبُعده من مدخولها، ولعلَّه إنَّما قدَّر الإسناد مع المرسَل ويعتَبَر مثله مع «المدلَّس» لأجْل المتابعة؛ فإنَّها راجعة في الحقيقة إلى الإسناد؛ لأنَّ بالمتابعة من المعتَبَر يغلُب على الظَّنِّ إصابة الساقط في الإرسال والتدليس، ولأجْل قوله: «صار حديثهم» لئلا يلْزَم أنْ يكون للحديث المرسَل والحديث المدلَّس حديث، ولا يشترط في المرسَل خصوص المتابعة بالمسنَد، بل لو توبِع بمرسَلٍ يخرِجُه من لا يروي عن رجال الأول كفى في قَبوله، كما مرَّ صدر التعليق.
وقوله: «إذا لم يُعْرَفِ المَحْذُوفُ مِنْهُ»:
أي: كلٌّ من المرسَل والمدلَّس، وأمَّا لو عُرِف المحذوفُ منه عُمِل فيه بحسَب حاله من عدالةٍ أو جرْحٍ.
تتمة:
مثال سيِّئ الحفظ: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق شُعبة، عن عاصم بن
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه أنَّ «امرأة من بني فَزارةَ تزوجت على نَعْلين، فقال المصطفى: أرضيتِ من نفْسِكِ ومالِكِ بنعلين؟ قالت: نعمْ؛ فأجاز» (^١)، قال التِّرْمِذيُّ: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة. فعاصمٌ ضعيف لسوء حِفظه، وقد حَسَّن التِّرْمِذيُّ هذا الحديثَ؛ لوُروده من غير وجه.
ومثال المرسَل مَرَّ في مبحثه.
ومثال المدلَّس: ما رواه التِّرْمِذيُّ وحسَّنه من طريق هُشَيمٍ، عن يزيد بن زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء مرفوعا: «إنَّ حقًّا على المسلمينَ أنْ يغتسلوا يومَ الجُمُعةِ، ولْيَمَسَّ أحدُهم مِن طِيبِ أهلِه» (^٢) (أ/١٤٠) الحديثَ، فهُشيم موصوف بالتدليس لكن تابعه كما عند التِّرْمِذيِّ أبو يحيى [التَّيميُّ] (^٣)، وكان للمَتْن شواهد من حديث أبي سعيد وغيره [حَسَّنه] (^٤).
والضمير في «حديثهم» راجع لكلٍّ من: المختلِط، والمستور، ورجال السَّنَد المرسل، ورجال السَّنَد المدلَّس إنْ ضُبِط بفتح اللام، أو نفْس الراوي المدلِّس إنْ ضبط بكسرها، وهذا لا غبار عليه. ومعنى «صار» التحول والانتقال ولو باعتبار الوصف كما هنا، ويرشِد إليه قوله بعد: «بل وصفه ذلك إلخ». وانظر ما الحكمة في عدوله عن أنْ يقول: لغيره، وهو أخصر من قوله: «لا لذاته»، مع أنَّ الحَسَن لا يخرج عن القسمين، ولعلَّها أنَّ الأصل في الحَسَن لغيره وقاعدته
_________________
(١) أحمد (١٥٦٧٦)، والترمذي (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، والبيهقي (١٤٣٧٤).
(٢) الترمذي (٥٢٨).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) زيادة من (ب).
[ ٢ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكثير فيه: أنَّ السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متَعَيِّن وهنا ليس كذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد من الطريق بانفراده ضعيف، وإنَّما وصل الحَسَن بالنظر لمجموع الطريقين، أو الطُّرُق من حيث [إنَّه] (^١) مجموع، تأمل.
[قوله] (^٢): «بل»:
أي: صار «وَصْفه» أي: حديث كلِّ [واحد] (^٣) ممن ذَكَره «بذلك» أي: بالحُسْن لا لذاته «باعتبار المجموع»، وقوله: «من المتابِعِ والمتَابَعِ» أحدهما مكسور الباء، والآخر مفتوحها؛ بيانٌ للمجموع.
وقوله (هـ/١٦٣): «لأنَّ كُلَّ واحدٍ إلخ»:
علَّة لوصف حديث من ذُكِر بالحُسْن باعتبار المجموع، وهذا لا يوجِب أنَّ الحَسَن: إمَّا لذاته، وإمَّا لغيره، وإمَّا للمجموع؛ لا بما قُلنا إنَّ قاعدة الحَسَن لغيره باعتبار كثرة إطلاقه: أنْ يكون السَّنَد المحكوم عليه بالحُسْن متميِّز، وهذا لا ينافي أنَّ منه ما قد لا يكون السَّنَد المحكوم عليه بذلك متميِّزًا؛ تأمل، قاله (هـ) (^٤).
[قوله] (^٥): «احْتِمَالُ كَوْنِ رِوَايَتِه إلخ»:
هو مرفوع بالابتداء، وخبره: «على حدٍّ سواء»، والجملة: خبر «أنَّ» والرابط موجود، ويُحْتمل نصبه على أنَّه بدل اشتمِال؛ فالمعنى: لأنَّ احتمال كون روايته، أي: كل واحد منهما صوابًا أم لا على حدٍّ سواء.
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٢٤٣).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٦٠ ]
فَإِذَا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم، رُجِّحَ أَحدُ الجَانِبَيْنِ مِن الاحْتِمالَينِ المَذْكُورَيْنِ، ودَلَّ ذَلكَ على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ، فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبُولِ، واللهُ أَعلمُ.
ومَعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ، فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِهِ، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ.
وقَد انْقَضى ما يَتعلَّقُ بالمَتْنِ مِن حيثُ القَبولُ والرَّدُّ.
ثمَّ الإِسْنادُ، وهُو الطَّريقُ المُوصِلَةُ إِلى المتنِ.
[قوله] (^١): «من المُعْتَبَرِينَ»:
«مِنْ» هنا ابتدائية لمكان اعتباريٍّ، نحو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ] ﴿النمل: ٣٠﴾، و: «من محمد رسول الله»، و«المعتبَرِين» هنا اسم مفعولٍ، أصله: المعتَبَر بهم، وضمير «لأحدِهم» مِثل ضمير قوله قبله: «لأنَّ كلِّ واحدٍ منهم» راجعٌ للمختَلِط وسيئ الحِفْظ ومن معهما.
[قوله] (^٢): «رَجَحَ أَحَدُ إلخ»:
وبهذا التوجيه سَقَطَ ما يقال: كيف ينجَبِر الضعيف بمتابعة ضعيف ويصِير حجَّة مع أنَّه شُرِط في رواية كلِّ من الصحيح والحَسَن: الضبط والعدالة والتوثيق؟ وبيان سقوطه: أنَّ المتابَعة كاشفة عن ثبوت ذلك في نَفْس الأمر وإنْ لم يطلع على ذلك بِحَسَب الظاهر، وأمَّا الجواب عنه بأن يحصل من الهيئة الاجتماعيَّة قوة لم يكن حالة الانفراد؛ فيُرَدُّ بعدم اكتفائهم بكلِّ ما فيه هيئة اجتماعيَّة، بل لا بُدَّ أنْ تكون تلك الهيئة حاصلة بواسطة معتَبَر به، وبما بيَّنَّا به السقوط اندفع أنْ يتوجه على
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جواب الشرح: أنَّ شهادة غير العدل إذا انضمَّت (هـ/١٦٤) إليها شهادة غير العدل لم يُعْمَل بهما ولا بأحدهما، على أنَّ باب الشَّهادة أضيق؛ لكونها عند من يُطلب منه التحقُّق من باب الرواية؛ لأنَّ المدار فيها على غَلَبةِ الظَّنِّ.
وفي كتابةٍ: لو قال: رَجَح جانب الإصابة؛ كان أحسن. وقوله: «على أنَّ الحديث محفوظ» أي: مقبول، وليس مراده المحفوظ بالمعنى المصطلح عليه؛ فإنَّه رواه مَن هو أولى بالإتقان والحِفْظ كما مَرَّ.
وقوله: «مُنْحَطٌّ عن رُتْبة الحَسَن لذاتِه»:
فيه نظرٌ؛ إذ المتابِع -بالكسر-: إمَّا حَسَنٌ لذاته وصحيح؛ فيكون حديث المتابَع -بالفتح- كذلك، بل أقوى لرواية المتابَع -بالفتح- له، وهي تقوي رواية المتابِع -بالكسر-.
وقال (هـ) (^١): «قوله: «فهو مُنْحَطٌّ إلخ» قال (ق) (^٢): مقتضى النَّظر أنَّه أرجح من الحَسَنِ لذاته؛ لأنَّ المتابِع -بالكسر- إذا كان معتبَرًا فحديثه حَسَنٌ، وقد انضم إليه المتابَع -بفتح الباء-» انتهى.
قُلْتُ: سبحان الله! هذا اشتباه عجيب؛ فإنَّك قد عَرَفْتَ آنفًا: أنَّ المراد من المعتَبَر من يَصلُح أنْ يُخَرَّج حديثه للاعتبار والمتابعة والاستشهاد، وقد مَرَّ أنَّه شامل لمَنْ قُدِح فيه بقادِحٍ ممَّا مَرَّ بيانُه، ومن أين لمِثل هذا أنْ يكون حديثه حسنًا في نفْسِه وقد انضم إليه المتابَع -بالفتح-؟ وأين المعتبَرُ بهذا المعنى من المعتبَر بمعنى ذي الشأن الجليل الملتفت كما هو مدلوله اللُّغويُّ، ومَن يستضيء
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٢٤٤).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠٤).
[ ٢ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإصباح لم يستضيء بمصباح! (أ/١٤١)
قوله: «وربَّمَا يوقِف اسم الحُسْن»:
أي: فيقول: هو صالحٌ، ولا بأس به، ونحو ذلك.
قوله: «ثُمَّ الإسناد إلخ»:
قد مرَّ أوَّل الكتاب تعريف الإسناد بأنَّه: حكاية طريق المَتْن؛ فهو مخالِفٌ لما هنا، ويتجه أنْ يُقال: السَّنَد هو الطريق الموصِّلة إلى المَتْن، وتلك الطريق هي روايته، والإسناد وذِكْر السَّنَد: بأنْ يَذْكُر أسماء الرواة وكناهم وألقابهم التي يمتازون بها، والمؤلِّف على طريق المحدِّثين في اتحاد معنى السَّنَد والإسناد؛ فيعَرِّف تارةً الإسناد بتعريف السَّنَد تارةً بأنَّه: حكاية السَّنَد. ونبَّه بقوله: «من الكَلام» على أنَّ المَتْن يتناول الحديث النبويَّ وغيرَه؛ كأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المصنِّفين. وإضافة «غاية» إلى «ما ينتهى»: بيانيَّة؛ فسَقَط اعتراض تلميذه (ق) (^١).
وفي كتابة: اعلم أنَّ «ما ينتهي إليه الإسناد» هو المَتْن، و«غايته» هي آخر حرف منه، وهذا غير مراد، وقد أشار إلى ذلك (ق) (^٢) فقال: «لفظ «غاية» زائدة مفسِدٌ للمعنى؛ لأنَّ لفظ «ما» المراد به الكلام كما فسره بقوله: «من الكلام»، فيصير التقدير: غاية كلام ينتهى إليه الإسناد، فعلى هذا المَتْن حرف اللام من قوله -﵊-: «مَن جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتَسِلْ» (^٣)» انتهى. وجوابه: أنَّ إضافة «غاية» إلى ما بعده إضافةٌ بيانيَّة، وانظر لم جعل المؤلِّف المُقْسِمَ هنا الإسناد ولم يجعله المَتْن مع صحة جعله المَتْن على سنن ما قبله، والأول هو
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠٤).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٠٤ - ١٠٥).
(٣) البخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤).
[ ٢ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهر قول العراقيِّ في المرفوع:
وَسَمِّ مَرْفُوْعًا مُضَافًا لِلنَّبي (^١)
وقوله في الموقوف:
وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ (^٢)
وقوله في المقطوع:
وسَمِّ بالمقطوعِ قولَ التَّابِعي (^٣)
ثُمَّ إنَّ تقدير الشارح يوجب أنْ يكون خبر «الإسناد» محذوفًا، أي: فيه تفصيل، كما في حاشية (ج) (^٤).
وقال (هـ) (^٥): «ما ذكره المؤلِّف من تفسير الإسناد بالطريق مبنيٌّ على جواز إطلاق كلٍّ من الإسناد والسَّنَد بمعنى الآخر، كما قاله القاضي وابن جَمَاعةَ، وهو اصطلاح مشهور بينهم لا يَخْتلف فيه اثنان»، وبه يندفع قول (ب): «ينبغي أنْ يقول: ثُمَّ السَّنَد، كما قرَّره في أول الكتاب من أنَّ الإسناد: حكاية طريق المَتْن لا الطرق نفسُها، أو يقول هناك: إنَّ السَّنَد والإسناد مترادفان، وهو الحقُّ الذي لا يَشُكُّ فيه محدِّثٌ» انتهى، وقد قدَّمنا بيان ما يندفع به تامًّا على أنَّه تقوَّل هنا في النَّقل عما سبق للمؤلِّف؛ إذ لم يقل ثمَّة: لا الطريق نفسُها، ولا يخفى أنَّ المصطلح عليه كالمصرَّح به. وأتى قوله: «الموصِّلة» بناء على تأنيث الطرق، وشَمِل كلامه المتَّصل وغيره.
_________________
(١) التبصرة والتذكرة (ص ١٠١).
(٢) في بعض النسخ [ما أضفت لصاحب إلخ]، والتصويب من التبصرة والتذكرة (ص ١٠٢).
(٣) التبصرة والتذكرة (ص ١٠٢).
(٤) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٨٠ - ٣٨١).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٣٤٩).
[ ٢ / ١٦٤ ]