ولهذِهِ النُّكْتةِ لم يُقْبَلِ المُرْسلُ، ولو أَرْسَلَهُ العَدلُ جازِمًا بهِ لهَذَا الاحتمالِ بعينِهِ.
وَقيلَ: يُقْبَلُ؛ تَمسُّكًا بالظَّاهِرِ؛ إِذ الجَرْحُ على خِلافِ الأصْلِ.
وقيلَ: إِنْ كانَ القائلُ عَالِمًا، أَجْزأَ ذلك في حقِّ مَن يُوَافِقُهُ في مَذْهَبِهِ.
وهَذَا ليسَ مِنْ مباحِثِ عُلُومِ الحَديثِ، واللهُ المُوفِّقُ.
فَإنْ سُمِّيَ الرَّاوي، وانْفَرَدَ راوٍ واحِدٌ بالرِّوايةِ عَنْهُ، فهو مَجْهولُ العَيْنِ؛ كالمُبْهَمِ، فَلَا يُقْبَلُ حديثُهُ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غيرُ مَنْ ينفَرِدُ عنهُ على الأَصحِّ، وكَذَا مَنْ يَنْفَرِدُ عَنهُ على الأصح إِذا كانَ مُتَأَهِّلًا لذلك.
أَوْ إِنْ رَوَى عنهُ اثنانِ فَصاعِدًا، ولم يُوَثَّقْ؛ فَهو مَجْهولُ الحالِ، وهُو المَسْتورُ، وقد قَبِلَ روايتَهُ جماعةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجُمهورُ.
[قوله] (^١): «ولهذه النُّكتة»: قد مَرَّ أنَّها: الدَّقيقة، وهي هنا كونه لا يَلْزم من كونه ثقة عنده ألا يكون مجروحًا عند غَيره، فقوله بعد: «فهذا الاحتمال» حشوٌ لا طائل تحته. (أ/١٣٠)
[قوله] (^٢): «وقِيل: يُقْبَلُ»: أي: تعديل المُبهَم، وهذا القول حكاه ابن الصباغ في العُدة عن أبي حنيفة، وهو ماشٍ على قول من يَحْتَج بالمرسل وأَولى بالقَبول، غير أنَّهم علَّلُوه بأنَّه: مأمونٌ في الحالين معًا، أي حال التَّسمية والإبهام، يعني أنَّه إذا سُمِّي كان تعْيينه ممَّن سمَّاه مؤكِّدًا فكذا إذا أبهمه، وأما تعليل الشُّيوخ فيُشبه أنَّه تعميمٌ له، فتأمل.
[قوله] (^٣): «وقيل: إنْ كان القائلُ عالِمًا»: كقول الشافعيِّ: أخبرني الثقة.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه (^١):
اتفقَت الأقوال كلُّها على كونه حجَّة في حقِّ ذلك المعدِّل؛ فيَلْزَمه العمل بخبره، وإنَّما الخلاف في قيام الحجَّة على غيره.
[قوله] (^٢) «فإن سُمِّي الراوي»:
بأنْ يقول: حدثني فلان ولم يذكر اسمه إلخ، مثاله: جبار الطائي وعبد الله بن أعز (^٣) بالزاي، فإن كلًّا منهما لم يروِ عنه إلا أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، ولكنَّهما سمِّيا، وكان الأولى أن يقول: فإن سُمِّي، أي: المروي عنه، وانفرد الراوي عنه؛ لأنَّه أبعد من حيرة المتعلِّم.
تنبيه:
لا بُدَّ مع الانفراد عن المروي عنه المذكورمن كونه لم يَشتهِر بنفسه بطلب العلم ولا يعْرِفه العلماء، ومن كون حديثِه لا يُعرَف إلَّا من جهته فيكون مجهول العين.
فائدة: (هـ/١٥١)
قال العراقيُّ (^٤): بيَّن بعض العلماء من أَبهمَه مالك والشافعي بقولهما: الثقة من شيوخهما، فحيث قال مالك: عن الثقة عن بُكير بن عبد الله بن الأشَجِّ؛ فالثقة: مَخْرمة بن بُكير.
وحيث قال: عن الثقة عن عمرو بن شعيب؛ فقيل: الثقة عبد الله بن وَهب،
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١١٨٣).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) الجرح والتعديل (٥/ ٨).
(٤) شرح التبصرة (١/ ١٥٤).
[ ٢ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: الزُّهْريُّ، ذكر ذلك أبو عُمر ابن عبد البرِّ.
وقال أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم السِّجِسْتانيُّ في «فضائل الشافعيِّ»: سمِعت بعض أهل المعرفة بالحديث يقول:
إذا قال الشافعي في كتبه: أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب؛ فهو ابن أبي فُدَيك.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد؛ فهو يحيى بن حسَّان.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن [الوليد بن كثير؛ فهو أبو أسامة.
واذا قال: أخبرنا الثقه عن] (^١) الأوزاعيِّ؛ فهو عَمرو بن أبي سَلَمة.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جُرَيج؛ فهو مُسْلِم بن خالد.
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن صالحٍ -مولى التَّوأَمَة-؛ فهو إبراهيم بن أبي يحيى.
[قوله] (^٢): «فهو»:
أي: المرويُّ عنه المُسمَّى الذي لم يرو عنه إلا واحدٌ فقط، «مجهول العين» أي: المُسمَّى اصطلاحًا بذلك، وفي مجهول العين خمسة أقوال، صحَّح بعضُهم عدمَ القَبول، وقد عَرَفْت آنفًا ما هو الحقُّ [كما] (^٣) قاله (هـ) (^٤).
[قوله] (^٥): «إلَّا أنْ يُوثِّقه إلخ»:
أي: إذا كان أهلًا لذلك، فحَذَفه من هنا لذِكْرِه في الثاني، وقد أشار الشيخ
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) قضاء الوطر (٢/ ١١٨٥)
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(ق) (^١) لهذا مع زيادة فقال: «قُيِّد الموَثِّق بكونه من أهل الجَرْح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ إنَّه يقال: إنْ كان الذي انفرد عنه راو واحد من التابعين فينبغي قَبولُ خَبرِه ولا يضرُّه ما ذُكِر؛ لأنَّهم قبلوا المبهَم من الصحابيِّ، وكذا مرسَل الصحابيِّ، وقالوا: كلُّهم عدولٌ، ولو استدل الخطيب في الكفاية على ذلك بحديث: «خير القرون قرني ثُمَّ الذين يلونهم» (^٢)، وهذا الدليل بعينه جارٍ في التابعيِّ؛ فيكون الأصل العدالة إلى أنْ يقوم دليل الجَرْح، والأصل لا يُترك للاحتمال، والله أعلم» انتهى.
قُلْتُ: وهو يفيد أنَّه إذا كان المبهَم صحابيًّا فإنَّه يُقْبل حديثه، وهو ظاهر [ما] (^٣) ذكره من أنَّ الدليل يفيد أنَّ التابعيَّ كالصحابيِّ، فيُبحَث فيه بأنَّ الحديث المستدَلَّ به تَكرَّر فيه: «ثُمَّ الذين يلونهم» مرتين، بل ثلاثًا على ما ذَكَره بعضهم؛ فيُفِيد أنَّ تابع التابعين كذلك، وهذا غير ظاهر، وقد ذَكَروا أنَّ الخيريَّة في القرن الأول وما بعده مختلِفة المعنى، قاله (ج) (^٤).
وقال (هـ) (^٥): «قوله: «كالمبهَم» بيان لحُكْم حديثه، يعني فيُرَدُّ حديثُه، وقوله: «إلَّا أنْ يوثِّقَه إلخ»: قال (ق) (^٦): هذا اختيار ابن القطان، وقُيِّد الموثِّق
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٩٨).
(٢) البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣)، بلفظ (الناس).
(٣) في (أ) و(هـ): [وأما].
(٤) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٦٤).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١١٨٦).
(٦) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ٩٧ - ٩٨).
[ ٢ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بكونه من أئمة الجرح والتعديل، وقد أهمله المؤلِّف، ثُمَّ يقال: إن كان الذي انفرد إلخ قوله: والأصل لا يُترك للاحتمال» انتهى، وليس مِثل قول ابن كَثيرٍ: المبهَم إذا سُمِّي ولم تعرف عينُه لا تقبل روايته عند أحدٍ عَلِمْناه إلَّا إذا كان من عصر التابعين؛ لأنَّ هذا إنما أشار لمَحِل الخلاف وليس فيه أنَّه مختارٌ له، ولا يخفاك بقرينة آخر كلامه أنَّ مراده: أنَّ المجهول من التابعين بالمعنى (أ/١٣١) المذكور ينبغي قَبول خبره كما في المجهول من الصحابة؛ لثبوت عدالة التابعين بهذا الحديث كما هي ثابتة للصحابة، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ الثابت الخيريَّة لمجموع القرن الثاني، وذلك لا يستلْزِم ثبوتها لكلِّ فرْدٍ فَرْدٍ منه؛ بدليل وجود كثير من أهل الجرْح في القرن الثاني، ولكلِّ فرْدٍ فرْدٍ من أهل القرن الأول كما حمله على ذلك الأئمة، ومنهم النوويُّ في «شرح مُسْلِمٍ»؛ فقول المُحَشِّي (هـ/١٥٢): «فيكون الأصل العدالة» إنْ أراد في الجملة فمسَلمٌ، لكنَّه لا يفيد؛ لاحتمال أنَّ هذا الفردَ ليس متصفًا بها، وإنْ أراد بهذا الفرْد [فليس] (^١) في الحديث ما يدلُّ عليه، وأمَّا أصل القياس على الصحابة فهو قياس بلا جامعٍ؛ لما مَرَّ. وأمَّا قوله: «وقد أهملَه المؤلِّف» إنْ سُلم الإهمال فهو لا يضرُّه للحُكْم به؛ لأنَّ التوثيق والتعديل كالتجريح لا يعتد بها إلَّا إذا صَدَرتْ من المتأهِّلين لها، لكنَّا لا نسلِّمُه؛ لجواز أن يكون قول الشارح: «إذا كان متأهِّلًا لذلك» راجعًا للصورتين جميعًا، بل هذا هو الصواب، وبه يندفع قوله المبني على هذا الفَهْم. قد يُقال: ما الفَرْقُ بَيْن من ينفرد عنه وبَيْن غيره حتى شَرَط تأهُّل غير المنفرِد
_________________
(١) زيادة من (ب).
[ ٢ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للتوثيق دون المنفرِد، وحينئذٍ فصواب عبارته إسقاط «غير» من الأول وإثباتها في الثاني، كما هو كلام الشرح الذي استشكله.
[قوله] (^١): «وكذا مَنْ يَنْفَرِدُ عنه إلخ»:
ظاهره أنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الأصحَّ فيه القَبول؛ إذ الأصل في التشبيه التمام، ولا شكَّ أنَّ التوهُّم في عدم قَبول توثيق هذا أقوى منه في مَنْ قبله.
[قوله] (^٢): «إذا كان متأهِّلًا لذلك»:
أي: للتوثيق؛ بأنْ يكون من الحفَّاظ المطَّلِعين المتقِنين، والظاهر: أنَّه لا كبير فائدة في هذا باعتبار خصوص هذا الموضِع؛ إذ كلُّ تعديلٍ أو تجْريح لا بُدَّ فيه من أهليَّة المعدِّل والمجرِّح.
واعلم أنَّ هذا القِسم من أقسام المجهول رَدَّه أكثر العلماء فلا يقبلونه مُطْلَقًا، وهو الصحيح؛ للإجماع على عدم قَبول غير العَدْل، والمجهول ليس عدْلًا، ولا في معناه في حصول الثقة به، ولأنَّ الفِسْق مانعٌ من القَبول، كالصِّباء والكُفر؛ فيكون الشكُّ فيه مانعًا من ذلك كما أنَّه منهما كذلك.
قوله: «أو: إنْ روى إلخ»:
أشار بتقدير «إن روى عنه» إلى «اثنان» في المَتْن معطوف على «واحد» عطْفَ الجُمَل، و«إن انفرَد» معطوف على «سُمِّي»؛ فإفادة الشرط داخلة عليه تقديرًا، وأنَّ قوله: «ولم يُوثَّق» راجع لهما معًا، وملخصه: أنَّ مجهول الحال
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِسْمٌ واحدٌ، وهو: مَنْ سُمِّي وروى عنه اثنان فصاعِدًا ولم يوثَّق، هو المستور، وقد بيَّن حُكْمه في الشرح، وهذا غير وافٍ ببيان حقيقة الحال، والكشف عنها بالمقال: أنَّ القِسم الثاني من أقسام المجهول هو: مجهول الحال في العدالة في الظاهر والباطن مع كونه معروفَ العين برواية عَدْلين عنه، وفيه أقوال:
«أحدُها -وهو قول الجماهير كما حكاه ابن الصَّلاح (^١) -: أنَّ روايته غيرُ مقبولة مُطْلَقًا.
والثاني: أنَّها تُقْبَل مُطْلَقًا وإن لم تُقْبَل رواية القِسم الأول، قال ابن الصَّلاح (^٢): «وقد يَقْبَل رواية المجهول العدالة من لا يَقْبَل رواية المجهول العين».
والثالث: إنْ كان الراويان أو الرُّواة عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قُبِل وإلَّا فلا» انتهى كلام العراقيِّ (^٣)؛ فقد عرَفتَ أنَّ مذهب الجمهور في هذا القِسم رَدُّ روايته مُطْلَقًا، وأنَّ الراويين عنه لا بُدَّ من كونهما عَدْلين، وقد حكى ابن السُّبْكِيِّ (^٤) في هذا القِسم: أنَّ روايته مردودة بالإجماع.
وأمَّا القِسم الثالث من أقسام المجهول، وهو: مجهول العدالة الباطنة فقط مع كونه عدْلًا في الظاهر، بمعنى أنَّه في الظاهر لم يُطَّلع فيه على قادحٍ ولم يُزكَّ، وهذا يَحتَجُّ به بعض من رَدَّ القِسمين الأولين، وبه قَطَع الإمام سليم بن أيوب الرازيُّ، قال: «لأنَّ [الأخبار] (^٥) تُبنى على حُسْن الظَّنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١١١).
(٢) المصدر السابق (ص ١١٢).
(٣) شرح التبصرة (١/ ١٦٠).
(٤) الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣١٩).
(٥) في (هـ): [الأخيار].
[ ٢ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن؛ فاقتُصر (هـ/١٥٣) فيها على معرفة ذلك في الظاهر، وتُفارق الشَّهادة بأنَّه قد تكون عند الحُكام ولا يتعذر عليهم ذلك؛ فاعتُبر فيها العدالة في الظاهر والباطن»، وعَزاه النووي (^١) لكثير من المحقِّقين وصححه أيضًا.
قال ابن الصَّلاح (^٢): «ويُشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة (أ/١٣٢) في غير واحدٍ من الرواة الذين تقادَم العهد بهم وتعذَّرت الخبرة الباطنة بهم، والله أعلم». ولما ذَكَر ابن الصَّلاح هذا القِسم قال: «وهو المستور» بعد: «قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا تعرف عدالته باطنًا» انتهى، ومراده بذلك البعض الذي لم يُسمِّه: البَغَويُّ.
تنبيه:
لا بُدَّ في هذا القِسم الأخير من زيادة رواته على اثنين من غير أن يوثقوهم ولا غيرهم، ومن غير أن يجرِّحوه أيضًا كذلك، وقد جَزَم ابن السُّبْكيِّ (^٣) بما قاله البَغَويُّ من أنَّ:
«المجهول باطنًا هو المستور، وجَزَم برَدِّ حديثه، ونَقَل عن إمام الحرمين أنَّه توقف عن القَبول لحديثه والردِّ له إلى أنْ يظهر حاله بالبحث عنه، كما أنَّه يجب الانكفاف عما ثبت حِله بالأصل إذا روى هذا المجهول فيه التحريم إلى ظهور حاله احتياطًا، وإنْ ردَّه بعضُهم بأنَّ الحِلَّ ثابتٌ بالأصالة فلا يرتفع بالتحريم المشكوك فيه بروايته» انتهى.
_________________
(١) التقريب والتيسير للنووي (ص ٤٨).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٢).
(٣) الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٤٠).
[ ٢ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا عَلِمْتَ هذا؛ فاعلم أنَّ القِسم الأول متميِّز في كلام المؤلِّف بلا شُبهة، وأنَّ القِسمين الأخيرين جمعهما المؤلِّف في وصفٍ واحدٍ وهو المشهور، حيث قال: «أو: إنْ روى عنه اثنان فصاعِدًا إلخ» جازمًا بما قاله: البَغويُّ والرافعيُّ وابن الصَّلاح وابن السُّبْكِيِّ، مُخَالِفًا للنوويِّ (^١).
وتفصيلهما: أنَّ القِسم الثاني من الأقسام الثلاثة التي فصَّلناها أشار له بـ «مَن روى عنه اثنان»، وأنَّ الثالث منهما أشار له بقوله: «فصاعِدًا»، لكنَّك عَرَفْت ممَّا فصَّلناه أنَّ حُكْم القِسم الأول: الردُّ مُطْلَقًا، وقد خالف الشارح هذا ففصَّل في حُكْمه جريًا على اختيار بعض الأقوال فيه، وأنَّ حُكْم القِسم الثاني: الردُّ مُطْلَقًا عند الأكثرين، وقد [خالف] (^٢) الشارح فيه فاختار فيه الوَقْف حتى يتبين الحال، كما اختار مثل ذلك في القِسم الثالث، الذي قد عَرَفْت أنَّ حُكْمه: القَبولُ عند المحقِّقين وابن الصَّلاح.
وقوله: «ولم يُوَثَّقْ»:
يريد ولم يجرَّح أيضًا، وإلَّالم يكُن مجهولًا، قاله (هـ) (^٣).
[قوله] (^٤): «وهو المَسْتُورُ»:
لعلَّه أراد به المعنى اللُّغويَّ؛ فإنَّ القِسم الأول منه إنَّما هو معروف عندهم كمجهول الحال، كما أنَّ الثاني عندهم معروف بمجهول العدالة، قاله (هـ) (^٥).
_________________
(١) قضاء الوطر (٢/ ١١٩٥).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) قضاء الوطر (٢/ ١١٨٦).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١١٩٧).
[ ٢ / ١٣١ ]
وَالتَّحقيقُ: أَنَّ روايةَ المستورِ ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ لا يُطلَقُ القَوْلُ بِرَدِّها، ولا بِقَبولِها، بَلْ يقال هي موقوفةٌ إِلى اسْتِبانَةِ حالِهِ كما جَزَمَ بهِ إِمامُ الحَرَمينِ.
ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بجَرْحٍ غيرِ مُفَسَّرٍ.
[قوله] (^١): «والتَّحْقِيقُ إلخ»: هذا التحقيق هو قول إمام الحرمين السابق، لكنَّه لم يَذْكُره إلَّا في القِسم السادس كما عَرَفت، على أنَّ توافق طريقي المحدِّثين والأصوليين غيرُ لازم، قاله (هـ) (^٢).
[قوله] (^٣): «ونحوِهِ ممَّا فيهِ الاحتِمالُ»: فسَّره الكمال بمن جُرِح ولم يفسَّر جَرْحُه كما جَزَم به إمام الحرمين، أي: في المستور ونحوه، هذا ظاهر كلامه، ولكن ما تقدم يقتضي أنَّ قول إمام الحرمين هذا في المجهول الحال فقط، قاله (ج) (^٤).
وقال (هـ) (^٥): [قوله] (^٦): «ونحوه» أي: المستور، وأنت خبيرٌ بأنَّ المستور عنده شاملٌ للقِسمين الباقيين من أقسام المجهول، فماذا أراد بالنَّحو المبين بما فيه احتمال؟ ويمكِن أنْ يكون أراد به المبهَم الذي لم يوَثَّق، ويكون معنى ردِّه: عدم قَبول روايته حتى يتَبَيَّنَ حاله بعد ذلك، كما يمكِن أنْ يكون أراد به من جُرِح جرحًا غير مفسَّر الآتي عن ابن الصَّلاح، وهذا صواب قولِه: (هـ/١٥٤) «ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ» أي: ونحو القول بالوقف في المستور قول ابن الصَّلاح، فالجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة، وليس لفظ: «نحو» مثالًا لنحو السَّابق وضميره له كما توهَّمه ضَعَفَة الطَّلبة.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) المصدر السابق.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٣٦٨).
(٥) قضاء الوطر (٢/ ١١٩٧).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ١٣٢ ]