* وَأَرْفَعُها: الوَصْفُ أَيضًا بما دلَّ على المُبالغَةِ فيهِ.
وأَصْرَحُ ذَلكَ: التَّعبيرُ بـ «أَفْعَلَ»؛ كـ: أَوْثَقِ النَّاسِ، أَو: أَثْبَتِ النَّاس، أَو: إِلَيْهِ المُنْتَهى في التَّثَبُّتِ.
ثمَّ ما تَأَكَّدَ بِصِفَةٍ مِن الصِّفاتِ الدَّالَّةِ على التَّعديلِ، أَو صِفَتَيْنِ؛ كـ: ثقةٌ ثقةٌ، أو ثبتٌ ثبتٌ، أَوْ ثقةٌ حافظٌ، أَو عدلٌ ضابِطٌ، أو نَحْوُ ذَلكَ.
* وَأَدْناهَا: ما أَشْعَرَ بالقُرْبِ مِنْ أَسْهَلِ التَّجْرِيحِ؛ كـ: شيخٌ، ويُرْوى حديثُهُ، ويُعْتَبَرُ بهِ، ونَحْوُ ذَلكَ.
وبَيْنَ ذَلكَ مَراتِبُ لا تَخْفى. وَهذهِ أَحْكَامٌ تَتعلَّقُ بذَلكَ، ذكَرْتُها هُنا لتَكْمِلَةِ الفَائدَةِ، فأَقُولُ:
[قوله] (^١): «وأصْرَحُّ ذلك»:
أي: وأشد ما دلَّ على المبالَغة في التعديل صراحةً وقوله: «ما تأكَّد بصفةٍ»
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأنْ ذَكَر اللفظ الأول وأتْبَعه بآخر من لفظه، وقوله: «أو صِفَتَينِ» أي: ما تأكَّد بصفتين بأنْ اتْبعتَ الصفة بأخرى من غير لفظه، فالأمثلة في كلامه من باب اللَّفِ والنَّشْر المُرَتَّب، ويُحْتَمل وهو الظاهر: أنَّه لم يذكر إلَّا أمثلة ما تأكَّد بصفةٍ واحدةٍ وسكَتَ عمَّا تأكَّد بصفتين فأكثر؛ لوضوحه، (هـ/٢٢٠) لكنَّه يشكل بأنَّه يُوهِم حينئذٍ أنَّ مَرْتبته كمَرْتبة ما تأكَّد بصفةٍ واحدةٍ، وليس كذلك.
[قوله] (^١): «أو ثَبَتٌ ثَبَتٌ»:
الثبْتَ بالإسكان: الثابت، ومُحَرَّكًا بالفتح: الثبات والحجة. (^٢)
[قوله] (^٣): «أو: ثِقَةٌ حافِظٌ، أو: عَدْلٌ ضَابِطٌ»:
[تنبيه] (^٤):
جَعْل هذا وأمثاله من هذه الرُّتبة يخالِف جَعْل العراقيِّ (^٥) والذَّهبيِّ (^٦): ثقةً، أو ثبَتًا، أو متقِنًا، أو حجَّةً، أو عدلًا حافظًا، أو عدلًا ضابطًا مَرْتبةً تلي مَرْتبة تكرير الصفة.
تتمة:
عُلِم من كلامه: أنَّ مجرد الوصف بالحفظ أو الضبط أو العدالة غير كاف في التوثيق، ألا ترى أنَّ بَيْن الحفظ والضبط وبَيْن العدالة عمومًا وخصوصًا من وَجهٍ؛ لأنَّهما يُوجَدان بدونها، [وتُوجَد بدونهما] (^٧)، وقد تَجْتَمع الثلاثة، كما عُلِم
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) جاء في (أ) زيادة [وما يُثبت فيه الحدِّث سماعه من أسماء المشاركين له فيه] ولم يتبين لي وجهها.
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (هـ): [تنبه].
(٥) شرح التبصرة (٢/ ١٧١).
(٦) ميزان الاعتدال (١/ ٤).
(٧) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه أنَّ الوصف بكلٍّ منهما مع العَدْلِ كافٍ.
[قوله] (^١): «وبَينَ ذلك»:
المذكور من الأرفع والأدنى «مراتبُ لا تخفى»، منها على ما قاله العراقيُّ (^٢)، وهي تلي مَرْتبة ما كُرِّرَت فيه الصفة:
ثقةٌ، أو ثَبَتٌ، أو مُتقِنٌ، أو حُجَّةٌ.
ثُمَّ منها: ليس به بأسٌ، أو صدوقٌ، أو خيارٌ.
ثُمَّ منها: مَحِله الصِّدْق، وروي عنه، وشيخٌ وَسَطٌ، ووسَطٌ بلا شيخ، أو شيخٌ فقط، وصالح الحديث، أو حَسَنُه، أو صويلحٌ، وأرجو أن ليس به بأسٌ، وقضية كلام الشرح تخالِفه؛ لأنَّ «مَحِله الصِّدْق» قال الذهبي (^٣) فيها بما قاله العراقيُّ، وخالف ابن الصَّلاح (^٤) وابن أبي حاتم (^٥) فجعلاها في الرابعة.
ومن: «محله الصدق» إلى «شيخ فقط» لم يذَكَرَه ابن الصَّلاح وابن أبي حاتم، وإنَّما ذكرا «شيخًا» فقط وجَعَلاه ثالث المراتب.
وأمَّا صالح الحديث فهي عند ابن الصَّلاح (^٦) وأبي حاتم (^٧): رابعَةٌ، وعند
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) شرح التذكرة (٢/ ١٧٢).
(٣) الميزان (١/ ٤).
(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٢٤).
(٥) الجرح والتعديل (١/ ٣٧).
(٦) المرجع السابق.
(٧) المرجع السابق.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المؤلِّف كما عزاه له بعض تلامذته: سادسةٌ، وقد خالف الذَّهبيُّ (^١) في هذه المراتب فجَعَل: مَحِله الصِّدق، وصالح الحديث، وحَسَنَه، وصدوقًا إن شاء الله؛ مَرْتَبةً، وروى النَّاسُ عنه، وشيخًا، وصُوَيلحًا، ومقارَبًا مع ما به بأس، ويُكتب حديثه، وما علمتُ به جرحًا؛ أخرى.
فصرح ابن الصَّلاح (^٢) بأنَّ قولهم: «ما أعْلَم به بأسًا» دون «لا بأس به».
والحُكْم في هذه المراتب:
الاحتجاج بهم في الثلاثة الأول، بخلافهم في الباقي؛ لأنَّ ألفاظهم فيه لا تُشْعِر بشرطيه الضبط، بل يضبط حديثهم للاعتبار وللاختبار هل له أصل من رواية غيره؟ نعم حديث بعض أهل الخامسة لكونها دون الرابعة قد لا يُكتب. (أ/١٨٩)
[قوله] (^٣): «وهذه أَحْكَامٌ إلخ»:
أي: وهذه الأحكام الحاضرة أحكام تتعلَّق بذلك المذكور من التعديل والتجْريح.
قوله: «ذَكَرْتُهَا»:
أي: استطرادًا، فالإشارة متأخرة للمفسَّر في كلامه.
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٢٧).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٧١ ]
تُقْبَلُ التَّزكِيَةُ مِنْ عَارِفٍ بأَسْبَابِها، لَا مِنْ غيرِ عارِفٍ بأسبابها؛ لِئلَّا يُزكِّيَ بمُجرَّدِ ما يَظْهَرُ لهُ ابْتِداءً مِن غيرِ مُمَارسةٍ واخْتِبَارٍ.
ولَوْ كانتِ التَّزكيةُ صَادِرةً مِن مُزَكٍّ واحِدٍ عَلى الأصَحِّ؛ خلافًا لمَنْ شَرَطَ أَنَّها لا تُقْبَلُ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ؛ إِلْحاقًا لَها بالشَّهادَةِ في الأصحِّ أَيضًا!
وَالفَرْقُ بَيْنَهُما أَنَّ التَّزْكيةَ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الحُكْمِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فيها العَددُ، وَتزكية الشَّهَادةُ تَقعُ مِنَ الشَّاهِدِ عندَ الحَاكِمِ، فَافْتَرقَا.
ولَوْ قيلَ: يُفَصَّلُ بَيْنَ مَا إِذا كانتِ التَّزكيةُ في الرَّاوي مُستَنِدَةً مِنَ المُزكِّي إِلى اجْتِهادِهِ، أَو إِلَى النَّقْلِ عنْ غَيْرِهِ؛ لَكانَ مُتَّجهًا؛ لأنَّه إِنْ كَانَ الأوَّلُ، فَلَا يُشْتَرَطُ العَددُ أَصلًا؛ لأنَّهُ حِينَئذٍ يكونُ بمَنْزلةِ الحاكِمِ.
وإِنْ كَانَ الثَانيَ، فيُجْرى فيهِ الخِلَافُ، ويَتَبَيَّنُ أَنَّه -أَيضًا- لا يُشْتَرَطُ العَددُ؛ لأنَّ أَصلَ النَّقْلِ لا يُشْتَرَطُ فيهِ العَددُ، فَكَذا ما تَفرَّعَ عَنهُ، واللهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا يَنْبَغي أَلَّا يُقْبَلَ الجَرْحُ والتَّعْديلُ إِلَّا مِن عَدْلٍ مُتَيَقِّظٍ، فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُ مَنْ أَفْرَطَ فِيهِ مُجَرِّحٌ بمَا لا يَقْتَضي رَدَّ حَدِيثِ المُحَدِّثِ.
كَمَا لَا يُقْبَلُ تَزْكِيَةُ مَنْ أَخَذَ بمُجرَّدِ الظَّاهِرِ، فأَطلَقَ التَّزكيةَ.
وَقَالَ الذَّهبيُّ -وهُوَ مِن أَهْلِ الاستِقْرَاءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجالِ: «لَمْ يجْتَمِعِ اثْنَانِ مِن عُلَماءِ هذا الشَّأنِ قطُّ عَلَى تَوثيقِ ضَعِيفٍ، ولَا عَلَى تَضْعِيفِ ثِقَةٍ». اهـ.
ولهَذَا، كَانَ مَذْهَبُ النَّسائيِّ أَلَّا يُتْرَكَ حَديثُ الرَّجُلِ حتَّى يَجْتَمِعَ الجَميعُ على تَرْكِهِ.
ولْيَحْذَرِ المُتكلِّمُ في هَذَا الفَنِّ مِن التَّساهُلِ في الجَرْحِ والتَّعديلِ، فَإِنَّهُ إِنْ
[ ٢ / ٣٧٢ ]
عَدَّلَ أَحدًا بغَيْرِ تَثبُّتٍ، كَانَ كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليسَ بثَابِتٍ، فيُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يدْخُلَ في زُمْرةِ «مَنْ رَوَى حَديثًا وَهُو يَظنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ».
وَإِنْ جَرَّحَ بغيرِ تَحرُّزٍ، فَإِنَّه أَقْدَمَ على الطَّعنِ في مُسْلمٍ بَرِيءٍ مِن ذَلكَ، ووَسَمَهُ بِمَيْسَمِ سُوءٍ يَبْقى عليهِ عَارُهُ أَبدًا.
[قوله] (^١): «من عَارِفٍ»:
لكن لا يُشْتَرَط أن يَذْكُر ما يَدُلُّ على تفصيل تلك الأسباب على مذهب الجمهور، كما مَرَّ بيانه.
قوله: «لِئَلَّا يزُكَّي إلخ»:
تعليلٌ لمَنْع تزكِّية العارف الذي لم يُلاحظ موجبات التَّزكِية، وليس تعليلًا لِمَنع تزكية غير العارف كما هو ظاهر.
[قوله] (^٢): «وينبغي»:
أي: وجوبًا.
[قوله] (^٣): «فلا يُقْبَل جَرْح مَنْ أَفْرَط فيه»:
الظاهر أنَّه مُحْترَزُ «عَدْلٍ»، وأنَّ قوله: «كما لا تَقْبَل تزكية من أَخَذَ» مُحْتَرَزُ «مُتَيَقِّظٍ» (^٤)؛ فمثال من أفرط في الجرح قول بعضهم وقد سُئل: لم تركتَ حديثَ
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) في (ب): [مستيقظ].
[ ٢ / ٣٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلان؟ رأيتُه يَرْكُض برْذَوْنًا، وكذلك قول بعضهم: رأيته يشير إلى دابةٍ بمخلاةٍ لا شيء فيها، ومثال من أَخَذَ في التعديل بمجرَّد الظاهر قول بعضهم: فلانٌ لا يَتَكلَّم فيه إلَّا رافضيٌّ مبْغضٌ لآبائه، لو رأيتَ كُحْلَه وخِضَابَه وصُفرةَ أثوابه لعلمتَ أنه عدْلٌ، كما يأتي عند قوله: «أو صَدَرَ مُبَيَّنًا من عَارِفٍ» قاله (هـ) (^١).
وفي كتابة: قوله: «فَجَرَّحَ بما لا يَقْتَضِي ردَّ حديث المحدِّثِ» مثاله ما رواه الخطيب (^٢) عن شعبة أنَّه قيل [له] (^٣): لم تركت حديثَ فلانٍ؟ قال: رأيته يركض على برذونٍ؛ فتَرَكْتُ حديثه، قُلْتُ: وروِّينا عن شعبة أنَّه قال: قُلْتُ للحكم بن عُتَيْبَة [لم] (^٤) ترو عن زاذان؟ [قال] (^٥): كان كثير الكلام. (هـ/٢٢١).
[قوله] (^٦): «وقال الذَّهَبيُّ وهو من أهل الاستقراء التامِّ في نَقْدِ الرِّجال»:
قال (ق) (^٧) في معناه ما حاصله: أنَّه لم يتَّفق اثنان على اتِّصاف شخصٍ بغير ما هو مُتَّصفٌ به في الواقع من تعديلٍ أو تجريحٍ.
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٥٤٥).
(٢) الكفاية (ص ١١٢).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) في (ب): [فقال].
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
(٧) حاشية ابن قطلوبغا (ص ١٤٧).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (هـ) (^١): «قوله: «وقال الذَّهبيُّ إلخ» قال (ق) (^٢):
«[قال] (^٣) المؤلِّف في تقريره: يعني يكون سببُ ضعفه شيئين مختَلِفَين، وكذا عكسه» انتهى.
قُلْت:
لم يُوقَفْ للمؤلِّف على هذا، ولم يُفهم المراد [من قبل هذا] (^٤) المؤلِّف، وإنَّما معناه: أن اثنين لم يتَّفقا في شخصٍ على خلاف الواقع في الواقع، بل لا يتفقا إلَّا على من فيه شائبةٌ ممَّا اتَّفقا عليه» انتهى، والظاهر أن (ق) (^٥) فَهِم قول المؤلِّف: «مُختلِفَين» على معنى: مُختَلَفٌ فيهما بين العلماء، ولا شكَّ أنَّه خارج عن المَحَل وأنَّ الصواب ما فَهِمَه المُحَشِّي، وطالما قرَّرناه بما قاله قبل الوقوف على كلامه؛ فلله الحمد.
[قوله] (^٦): «ولهذا كان مَذْهَبُ النَّسَائِيِّ إلخ»:
لا يَصْلُح تعلُّق هذا بما قَبْله، سواء حُمِل ما قَبْله على ما حَمَلَه عليه المؤلِّف،
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٥٤١).
(٢) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٤٧).
(٣) زيادة من (ب).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(هـ).
(٥) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٤٧).
(٦) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو على ما حمله عليه (ق) (^١)، قاله (ج) (^٢).
وقال (هـ) (^٣):
«ولهذا كان إلخ» أي: [وتقدَّم اجتماع الأئمة على توثيق من هو عند الله مجروح أو جَرْح مَن هو عند الله ثقة] (^٤)، وبهذا يسقط قول بعضهم: «في صلاحيته تعليلًا لِمَا قبله نَظَرٌ» انتهى، وصوابه: لما بعده فيه نظرٌ من وجه آخر، وهو أنَّ الإجماع ليس شرطًا في الاعتماد على السبب الذي يردُّ به الحديث المجروح، بل يكفي فيه قول من يقول عليه: إنَّ فيه من موجبات الردِّ كذا، والتعويل على ما في كتب القوم المعوَّل عليها في ذلك صحيحٌ.
[قوله] (^٥): «أنْ يَدْخُلَ في زُمْرَةِ: «مَنْ روى حَدِيثًا وهو يَظُنُّ أنَّهُ كَذِبٌ»»:
أي: فيكون أحد الكاذِبين [أو الكذابين] (^٦) كما مَرَّ، وأيضًا فالجرْح خطرٌ عظيم حتى قال ابن دَقِيق العيد: «أعراض المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النَّار، وقَفَ على شَفِيرِها طائفتان من النَّاس: المُحدِّثون والحكام» انتهى، فإنْ قُلْتَ: فما
_________________
(١) حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص ١٤٧ - ١٤٨).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٥٦٤).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٥٤٦).
(٤) كذا في (أ) و(ب) و(هـ)، ولم يتبين لي وجهها.
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
(٦) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَوَّغ التَّعَرُّض لهذا الخَطَر؟ قُلْتُ: وجوب النُّصح ووجوب الذبِّ عن الشريعة؛ إذ فيه حفظ الحقوق من: الدماء والفروج والأموال والأعراض، ولسائر الحقوق، ولكونه نصيحة لا يُعَدُّ غِيبة، نعم لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل الغَرَضُ بواحدٍ، ولا التَّصريح به إذا حَصَل الغَرَضُ بدونه (^١).
[قوله] (^٢): «بِمِيْسَمِ»:
بكسر الميم وسكون الياء وفتح السين المهملة، آلة الوَسْم، وهو: الكَيُّ بالنَّار (^٣).
_________________
(١) قضاء الوطر (٣/ ١٥٤٧).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٥٤٧).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
والآفةُ تدخُلُ في هَذَا: تَارةً مِنَ الهَوَى والغَرَضِ الفاسِدِ -وكَلَامُ المتقدِّمينَ سَالِمٌ مِن هَذَا غَالبًا- وتَارةً مِن المُخالفَةِ في العَقَائدِ -وهُوَ مَوْجودٌ كثيرًا؛ قديمًا وحَديثًا- ولا يَنْبَغي إِطلاقُ الجَرْحِ بذَلكَ، فقَدْ قَدَّمْنا تحقيقَ الحالِ في العملِ بروايةِ المُبتَدِعَةِ.
وَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْديلِ، وأَطلقَ ذَلكَ جَماعةٌ، وَلَكنَّ مَحلَّهُ إِنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ؛ لأنَّه إِنْ كَانَ غيرَ مُفسَّرٍ، لَمْ يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُهُ.
وإِنْ صَدَرَ مِن غيرِ عَارِفٍ بالأسبابِ، لَمْ يُعْتَبَرْ بهِ أيضًا.
فَإِنْ خَلَا المَجْروحُ عَنِ التَّعديلِ، قُبِلَ الجَرْحُ فِيهِ مُجْمَلًا غيرَ مُبيَّنِ السَّببِ إِذا صَدَرَ مِنْ عَارِفٍ عَلَى المُخْتَارِ؛ لأنَّهُ إِذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعديلٌ، فَهُوَ في حَيَّزِ المَجْهولِ، وإِعْمَالُ قَوْلِ المُجَرِّحِ أَوْلَى مِن إِهمالِهِ.
[قوله] (^١): «سَالِمٌ من هذا غَالِبًا»:
احتَرَز به عن غير الغالب، كالنسائي في أحمد بن صالح المصريِّ، فإنَّه حضر مَجْلسه فطرده. فلما رأى ابن مَعِينٍ قال: أحمد بن صالح كذابٌ متَفَلسِف، قال هو: [إنَّه] (^٢) ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ، وغطى عليه التَّعَصُّب حتى لم يَعْلَم أنَّ أحمد ابن صالح الذي جرَّحه ابن مَعِينٍ: أحمد بن صالح الشموني المصري شيخٌ كان بمكة كان يضع الحديث (^٣)، وأمَّا المِصريُّ فثقةٌ باتِّفاق (أ/١٩٠) النَّاس، واحتجَّ به البخاري [في صحيحه] (^٤) وقال (^٥): «إنَّه ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلَّم فيه
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) راجع: تدريب الراوي (٢/ ٨٩٢).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) تاريخ بغداد (٤/ ٢٠١).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بحجَّة، كان أحمد وابن نُمَيرٍ وغيرهما يثبتونه، وكان يحيى بن معين يقول: سلوه؛ فإنَّه ثَبَتٌ».
وقال الذَّهبيُّ (^١): «النَّسائيُّ آذى نَفْسَه بكلامه فيه» والله أعلم.
[قوله] (^٢): «إنْ صَدَرَ مُبَيَّنًا إلخ»:
هذه التَّفرقة مع التفصيل بَيْن الجرْح والتعديل هو الذي عليه حفاظ الحديث ونقّاده كالبخاريِّ ومُسْلِمٍ، مع النُّظَّار من الفقهاء وأهل الأصول [كالشافعيِّ وهو الصواب] (^٣)، وقيل: لا بُدَّ في التعديل من بيان الأسباب بخلاف الجَرْح؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثر التَّصنع فيها، فربَّما بنى المعدِّل أمره فيها على الظاهر، كقول أحمد بن يونس لمن قال له: عبد الله العُمَريُّ ضعيفٌ: «إنَّما يضَعِّفه رافضيٌّ مُبْغِضٌ لآبائه، لو رأيت لحيته وخِضَابه وهيئته لعَرَفْتَ أنَّه ثقة»
فاحتج على أنَّه ثقة بما ليس بحجة؛ لأنَّ حُسْنَ الهيئة يَشْترِك فيه العَدْل وغيره، (هـ/٢٢٢).
[والقول] (^٤) الثالث: أنَّه لا بُدَّ من ذِكْر سَبَبِهِما جميعًا؛ لأنَّه قد يُجَرِّح الجارح بما لا يَقْدَح، كذلك يُوَثِّق العَدْلُ بما لا يقتضي العَدَالة، والقول الرابع: عَكْسُ الثالثة إذا كان الجَرْح والتعديل من عالمٍ بصيرٍ قُبِلَ مبهَمًا، وبه قال إمام
_________________
(١) ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال (١/ ٣٤٠ - ٣٥٤)، وتهذيب التهذيب (١/ ٣٩ - ٤٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في قضاء الوطر (٣/ ١٥٥١): [كالشافعي، وقال ابن الصلاح: إنه ظاهر مقرر في الفقه والأصول، وقال الخطيب: إنه الصواب].
(٤) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحرمين، وتلميذه الغَزاليُّ، وفَخْرُ الدين الرازيُّ، واختاره القاضي أبو بكرٍ الباقِلَانيُّ ونقله عن الجمهور (^١)، ورد جماعةٌ منهم: ابن السبكي كون هذا قولًا مستقِلًا، بل هو تحريرٌ لمَحِل النِّزاع، إذ من لا يكون عالمًا بأسبابهما لا يُقْبَلان منه لا بإطْلاق ولا بتقْيِيد؛ لأنَّ الحُكْم على الشيء فرعُ تصوره، فليس النِّزاع إلَّا في إطلاق العالم دون غيره (^٢)، قيل: وفيه نظرٌ؛ إذ لو سَلَمْناه مَنَعْنا أنَّ تفسير غير العالم بهما لا يُعْتبر، إذا عَلِمْتَ هذا عَلِمْتَ أنَّ ما ذَهَب إليه المؤلِّف من قوله: «فإنْ خلا إلخ» قول آخر اخترعه، فهو طريقة له كما نَبَّه عليه بعض تلامذته.
[قوله] (^٣): «فإنْ خَلَا المَجْرُوحُ»:
أي: من هو بصدَدِ الجَرْح، فهو من مجاز الأول؛ فسَقَطَ الاعتراض بأنَّه غير صواب.
[قوله] (^٤): «لأنَّه إذا لم يَكُنْ إلخ»:
لا يخفاك أنَّ خبر «أنَّ» قوله: «في حَيِّزِ المجهول».
_________________
(١) المحصول (٢/ ٥٨٧)، والبرهان (١/ ٦٢٢)، وراجع: فتح المغيث (٢/ ٣٠).
(٢) راجع: الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٢٢).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وَمَالَ ابنُ الصَّلاحِ في مِثْلِ هَذَا إلى التَّوقُّفِ فِيهِ.
[قوله] (^١): «ومَاَل ابنُ الصَّلاحِ إلخ»:
والجمهور أنَّه لا بُدَّ من بيان أسباب الجرْح فلا يُقْبَل إلَّا خسرا مفَسَّرًا لا مُجْمَلًا؛ فأورِد عليه: أنَّه كثيرٌ في أئمة الحديث الاقتصار غالبًا على مجرَّد قولهم: فلانٌ ضعيفٌ، أو ليس بشيء، من غير بيان لسببٍ يقتضي التَّجريح؛ فاشتراط التَّصريح بأسباب الجَرْح والتضعيف يُفضِي إلى تعطيل [مثل] (^٢) ذلك، وسَدِّ باب الجَرْح في الأغلب؛ فأجاب ابن الصَّلاح (^٣) عن الإيراد:
بأنَّا لا نَعْتَمِد التَّجريح ولا التَّضعيف المُجْمَلَين، لكنه لا يَلْزَمُ من عَدَمِ اعتماد ذلك قَبول الحديث والعمل به، بل يجب لأجْل [قيام التُّهمة في الجملة: التَّوَقُّف عن الاحتجاج بالرأي أو بالحديث] (^٤) للرِّيبَة القويَّة الحاصلة بذلك، وغاية الوقف حتى يَتَبَيَّن لنا ببحثنا حال راويه من عدالته أو فِسْقه؛ فيُعْمل بما ظهر، كما إذا جُرِح شخصٌ جَرْحًا مُبْهَمًا، ثُمَّ رأينا أحدًا ممَّن الْتَزَم الصِّحَة خرَّج حديثه فإنَّا نَقْبَلُه؛ لأنَّ رواية من ذُكِر عنه تَوْثيقٌ له.
فقد احتجَّ البخاريُّ بعِكْرِمَة مولى ابن عباس مع ما فيه من كثرة التَّكلُّم، وأخرج أيضًا لابن مرزوق عمرو الباهِليِّ متابعةً مع ما فيه من القَدْح، واحتجَّ مُسْلِمٌ بسُوَيد بن سعيد، وكذلك البخاريُّ (^٥) مع أنَّه ضعَّفه جماعةٌ إذ هو صدوقٌ في نَفْسِه، وأكثرُ من فَسَّر الجَرْح فيه ذَكَر: أنَّه عَمِيَ وربَّما تَلَقَّن الشيء، وهذا وإنْ كان قادحًا فإنَّما يَقْدَح فيما حَدَّث به بَعْدَ العَمَى لا فيما قَبْلَه، ولعلَّ مُسْلِمًا إنَّما خَرَّج عنه ما عَرَف أنَّه حدَّث به قَبْل عَمَاه، أو ما صَحَّ عِنْده، والله أعلم.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) زيادة من (ب).
(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٠٨).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) لم يخرج البخاري لسويد بن سعيد في صحيحه، وإنما أخرج له مسلم وابن ماجه فقط.
[ ٢ / ٣٨١ ]
فَصْلٌ
وَمِنَ المُهِمِّ في هَذَا الفنِّ:
* مَعْرِفةُ كُنَى المُسَمَّيْنَ مِمَّن اشْتُهِرَ باسمِهِ، وَلَهُ كُنْيةٌ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يأْتِيَ في بَعْضِ الرِّوَاياتِ مُكَنَّيًا؛ لئلَّا يُظَنَّ أَنَّه آخَرُ.
[قوله] (^١): «فَصْلٌ»:
وهو إما [باق] (^٢) على مصدريَّته، أو نُقِل لمعنى المفعول أو الفاعل.
[قوله] (^٣): «المُسَمَّيْنَ»:
أي: الرواة المشهورون بأسمائهم دون كناهم وكذا الباقي، وهو بفتح الميم الثانية وسكون المثناة تحت بعده، أصله: مُسَمَّيَيْن بيائين، أولاهما لام الفعل تحَرَّكت وانفتح ما قَبْلَها فَقُلِبَت ألفًا، ثُمَّ حُذِفَت لالتقاء الساكنين؛ فَأُعِلَّ بالقلب والحذف.
[قوله] (^٤): «مَكْنَّيًّا»:
تواطأت النُّسخ على إثبات يائه، وهو غير لائقٍ، لأنَّه من باب المقصور كفتًى لا من باب المنقوص، كما لا يخفى على أدنى الطَّلبة.
[قوله] (^٥): «لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّهُ إلخ»:
تعليل لقوله: «من المُهِمِّ»، أو لقوله: «مَعْرِفة إلخ»، وملخَّص كلامه: أنَّ مَعْرِفة الأسماء المشهورة لذوي الكُنى الخَفِيَّة، ومعرفة الكُنى المشهورة لذوي الأسماء الخفِيَّة أمرٌ ينبغي الاعتناء به؛ لأنَّه نوعٌ مُبْهَمٌ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) في (ب): [باق].
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من: (أ) و(ب).
(٥) زيادة من: (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن فوائده: الأمنُ من ظَنِّ تعدُّدِ الراوي الواحد المسمَّى في موضعٍ (أ/١٩١) المُكَنَّى في آخر كما قاله الشارح.
قال ابن الصَّلاح (^١): «ولم يَزَل أهل العلم بالحديث يَعْتَنون به، ويَتَطَارَحُونه فيما بينهم، ويُنْقِصُون به من جَهِلَه».
وقد قسم ابن الصَّلاح (^٢) هذا النَّوع تسعة أقسام أو عشرة: (هـ/٢٢٣)
الأول: من ليس له إلَّا كُنيةٌ واحدة، نحو: أبي بلالٍ الأشعري، فإنَّه قال: كُنيتي واسمي واحد، وأبو بكر بن عَيَّاشٍ.
الثاني: من له كُنية ولا يدرى أله اسم نَقِف عليه، أو لا اسم له إلَّا هي؟
نحو: أبي شَيْبَة الخُدْريِّ، أخي أبا سعيد الخُدْريِّ، صحابيٌّ مات في حِصَار القُسْطَنْطِينِيَّة ودُفِن هناك، ولا يُعْرَف له اسمٌ.
والثالث: كُنى الألقاب، أي: المشبَّهَة بها في إشعارها بِرِفْعَه المُّسمَّى أو بِضَعَتِه، مع أنَّ لصاحبها كُنيةً غيرها، نحو: أبي الشيخ وأبي محمد للحافظ عبد الله بن محمد بن جعفر بن [حيَّان] (^٣) الأصبهانِّي، ونحو: أبي تُرابٍ وأبي الحَسَنِ لعليِّ بن أبي طالبٍ.
والرابع: من له كُنًى متعدِّدةٌ، نحو: أبي الوليد وأبي خالد لعبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجٍ.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٣٠).
(٢) المرجع السابق.
(٣) في المخطوطات الثلاث [حبان] والتصويب من تاريخ أصبهان (٢/ ٥١).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخامس: من عُلِمَت أسماؤهم واختلف في كناهم، كأسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله -ﷺ- لا خلاف في اسمه، واختُلِف في كنيته، أهي: أبو خارجة، أو أبو زيد، أو أبو عبد الله، أو أبو محمد؟
والسادس: عَكْسُ الخامس كأبي هريرة الدوسي، فإنَّه لا خِلاف في كُنيته بها، واختُلِف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرين قولًا، أصحها: عبد الرحمن ابن صخر (^١)، رُوي عنه أنَّه قال (^٢):
إنَّما كُنِّيت بها لأنِّي وجدتُ أولادَ هِرةٍ وَحْشِّيَةٍ فحَمَلْتُها، فقيل لي: ما هذه؟ فقُلْتُ: هِرةٌ؛ فقيل لي: فأنت أبو هريرة، قيل: وكان قبلها يُكْنَى أبا الأسود، وعن أبي رافع قال: قُلْتُ لأبي هريرة: لمَ كُنِّيت بأبي هريرة؟ قال: كنتُ أرعى غَنَمَ أهلي، وكانت لي هِرَةٌ صغيرةٌ، فكُنْتُ أجْعَلُها بالليل في شجرةٍ وإذا كان النهار ذَهبتُ بها معي فَلُقِّبتُ بها؛ فكَنُّوني: أبا هريرة.
والسابع: من اختلف في كُناهم وأسمائهم، كسفيان مولى رسول الله -ﷺ-، فسفينة لقبه وبه اشْتَهَر، واسمه: عُمَيرٌ أو صالح أو مِهران أو طهمان؛ أقوالٌ، وكُنيته: أبو عبد الرحمن، أو أبو البختري؛ قولان.
والثامن: عَكْسُ السابع، وهو: من لم يُخْتلف في اسمه وكُنيته، كأئمة المذاهب الأربعة: أبي حنيفة النُّعمان، وأبي عبد الله: مالك، ومحمد بن إدريس الشافعيِّ، وأحمدُ بن حنبل، كلٌّ منهم يكنى بأبي عبد الله.
_________________
(١) جاء في (أ) و(ب) و(هـ) زيادة: [وهو من كنى بها].
(٢) الإصابة (٣/ ٤١٦).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتاسع: من اشتَهر باسمه دون كُنيته، كطَلْحة بن عبيد الله، كُنيته: أبو محمد.
والعاشر: عكس التاسع، نحو: أبي الضحى كُنية، اسمه: مُسْلِمِ بن صُبَيحٍ -بضم المهملة-.
إذا عرفت هذا فاعلم أنَّه [إن] (^١) حُمِل قول المؤلِّف: «كنى المُسَمَّين» و«أسماء المُكَنَّين» على من اشتهر باسمه دون كنيته ومن اشتهر بكنيته دون اسمه فقط كما يعطيه ظاهر الشرح؛ كان كلامه في القسمين خاصًا بالقِسمين الأخيرين، وإن عُمِّمَ وخُولِف به ما يقتضيه ظاهر الشرح كان مُنطبقًا على الأقسام الستة الأخيرة من العشرة، ولا يخفى عليك التداخل بين العبارتين في كلامه؛ إذ إحداهما تَصْلُح لشمول الأقسام السِّتةِ وَحْدَها، وأمَّا الأقسام الأربعة الأول فيَنَدَرِج الأولان منها تحت قوله: «من اسمه كُنيته» باعتبار شموله لمن له كُنية دون اسم وهي واحدة أو متعددة، ومن له كنية ولا يدري له اسم أو لا، والباقيات منه تحت قوله: «من كَثُرَت كُناه»، وقوله: «ونُعُوتُه» كما بَيَّنَّاه، وأما قوله: «ومن وافَقَتْ كُنيته اسم أبيه» إلى قوله: «أو كُنيته كُنية زوجته» فممَّا زاده على ابن الصَّلاح، والله أعلم وبيده الإصلاح والصَّلاح.
_________________
(١) زيادة من (ب).
[ ٢ / ٣٨٥ ]