وَمِنَ المُهِمِّ أَيضًا: مَعْرفةُ أَحْوَالِهِمْ؛ تَعْديلًا، وتَجْريحًا، وجَهَالةً؛ لأنَّ الرَّاويَ إِمَّا أَنْ تُعْرَفَ عَدالَتُهُ، أَو يُعْرَفَ فِسْقُهُ، أَوْ لَا يُعْرَفَ فيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلكَ.
[قوله] (^١): «وقد يَكُونُ إلخ»:
إن سُلِّمَ أنَّ «الواو» في قوله: «ولقاء الشيوخ» إن كانت على بابها؛ فَأَنَسٌ -﵁- من طبقة بعض الصحابة، وهو مَن شاركه في سِنِّه فقط، وإنْ كانت بمعنى «أو» فأنَسٌ -﵁- من طبقة الصحابة كلِّهم، هذا ومقتضى قوله: «ومَنْ نَظَرَ إِليهِم باعتبارِ قدرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إِلى الإِسلامِ إلخ» أنَّه لا يُنظر للمشاركة في السِّنِّ.
وفي كتابة: وقياس اعتبار الصُّحبة تُوجِبُ جعلهم طبقةً واحدةً في كلٍّ من (أ/١٨٧) الاعتبارين، وبالجملة ففي الكلام ما لا يخفى، قاله (ج) (^٢).
وقال (هـ) (^٣):
قوله: «وقد يَكُونُ الشَّخص إلخ» نَشَأ عن عَدَم تحرير التغايُر الاعتباريِّ فيه وفيما بعده غَلَطُ الكثير من المصنفين في الطبقات؛ بسبب اشتباهٍ في متفقين يُظَنُّ أحدهما الآخر، أو بسبب أنَّ الشائع روايته عن أهل طبقة ربما روى عن أقْدَم منها، أو بغير ذلك والله أعلم.
وقوله: «جَعَلَهُمْ طَبَقَاتٍ»:
هذا هو الأصحُّ كما مَرَّ.
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص ٥٥٣).
(٣) قضاء الوطر (٣/ ١٥٢٠).
[ ٢ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله] (^١): «مُحَمَّدُ بن سَعْدٍ»:
يُعْرَفُ بالهاشِمِيِّ.
وقوله: «وكِتَابُهُ إلخ»:
يعني به «الكبير»؛ فإنَّ له ثلاثة تصانيف في طبقات الصحابة، و«الكبير» منها جليلٌ كثير الفوائد، فهو إنْ كان ثقة في نَفْسِه لكنَّه روى في كتابه «الكبير» عن كثيرٍ من الضعفاء، كـ: محمد بن عمر الواقِدِيِّ، وهشام بن محمد بن السائب، ونصر ابن أبي سَهْلٍ الخُرَاسَانيِّ.
قوله: «قَسَّمَهُمْ كما فَعَلَ مَحَمَّدُ بن سَعْدٍ»:
أي: جَعَلَهُم طبقاتٍ، وقد قدَّمنا أنَّ هذا هو الأصحُّ، قاله (هـ) (^٢).
[قوله] (^٣): «وَوَفَيَاتِهِم»:
الوفاة تُجْمَع على وَفَيَات، بفتح أوله وثانيه وتخفيف ثالثة كفَتَيات، قال [الله] (^٤) تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ] ﴿النور: ٣٣﴾.
وقال (هـ) (^٥): قوله: «مَعْرِفة مَوَالِيدَهم إلخ» أي: مَعْرفة تاريخ مواليدهم،
_________________
(١) زيادة من: (أ) و(ب).
(٢) قضاء الوطر (٣/ ١٥٢٠ - ١٥٢١).
(٣) زيادة من: (أ) و(ب).
(٤) زيادة من (ب).
(٥) قضاء الوطر (٣/ ١٥٢٣).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جمع مَوْلِد بمعنى وِلَادَةٍ، كمواعيد جمع مَوْعِد، أو مِيلاد كمواعيد جمع مِيعَاد كذلك، والتاريخ هو: التعريف بوقتٍ يُضبط به ما يراد به ضبطه من نحو: ولادة أو وفاة، وفائدته: معرفة كذب الكذَّابِين، والوَفيات -بفتح الواو والفاء والياء مخَفَّفَات- كرقبات وقصَبات، جمع وفاة، والأصل: وَفَيَة كرَقَبَةٍ وقَصَبَةٍ، وكثيرًا ما يقول: فلان المتوفَى بفتح الفاء، ويجوز كسرها على معنى أنَّه مُستوفي أجَلَه، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ] ﴿البقرة: ٢٣٤﴾، بفتح الياء على قراءةٍ نُقِلَتْ عن عليٍّ، أي: يستوفون آجالهم، والحِكْمة في وضع أهل الحديث التاريخ لوفاة الرواة، ومواليدهم، وتاريخ السَّمَاع، وتاريخ قُدُوم فلانٍ مثلًا البَلَدَ؛ ليَخْتَبِروا بذلك من لم يَعْلموا صحة دعواه، كما روينا عن سفيان الثوريِّ (^١) قال: «لَمَّا استعمل الرواة الكذب اسْتَعْمَلَنَا لهم التاريخ».
[قوله] (^٢): «وهو في نَفْسِ الأَمْرِ ليس كذلك»:
جملة [فعليَّة] (^٣) من «المُدَّعِي»، وضمير «بعضهم» للعلماء الذين ادَّعى لقائهم والأخذ عنهم أو عن بعضهم (^٤).
_________________
(١) الجامع، للخطيب (١/ ١٣١).
(٢) زيادة من: (أ) و(ب).
(٣) في (ب): [حالية].
(٤) قضاء الوطر (٣/ ١٥٢٥).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «مِنْ تَدَاخُلِ الاسْمَينِ»:
المراد: اشتباه أحدُ الاسمين بالآخر حتى يُظَنَّ أنَّهما اسمٌ واحدٌ، وحقيقته: دخول أحدِّ الاسمين في الآخر وليست مرادة هنا، كما أنَّ حقيقة الاسم غير مرادة، وإنَّما المراد: المُسمَّى، ولا [تَنْحَصِرُ] (^١) فائدته في هذا بل (هـ/٢١٩) منها: تمْيِيز الراوي المدَلِّس من غيره، وما في السَّنَد من القَطْع والإرسال.
قوله: «ومن المُهِمِّ أيضًا: مَعْرِفَةُ أحْوَالِهِم»:
أي: الرواة، وكذا سائر أمثاله من الضمائر اللاحقة والسابقة، ولا يخفى أنَّ: «تَعْدِيلًا، وتَجْرِيحًا، وجَهَالَةً» الأليق بها أنْ تكون تمْيِيزات لأحوالهم، ويَتَوَجَّه عليه: أنَّ التعديل والتجريح والجهالة ليست عين تلك الأحوال ضرورةَ اختلاف المَحِل؛ [إذ مَحِلُّ] (^٢) الأحوال: الرواة، ومَحِل التمْيِيزات المعدَّلين والمجرَّحين والجاهلين، اللهم إلَّا أنْ تُجْعل مصادر لأفعالٍ مبينةٍ للمفعول لا للفاعل، أو تُجْعل من باب إطلاق المصدر وإرادة الحاصل به، وإنمَّا كانت مَعْرِفة هذه الأحوال من المُهِمِّ؛ لأنَّ بها يُعْرَف صحيح الأحاديث وسقيمها، وهي من أجَلِّ علوم الحديث حتى قال ابن المَدِينيُّ (^٣):
«التَّفقُّه في معاني الحديث نِصْفُ العِلْمِ، ومَعْرِفَةُ الرجال نصفه الآخر».
ولا يخفاك رجوع معرفة: الثِّقة والمجهول والضعيف من الرواة إلى هذه الأحوال التي أشار إليها.
_________________
(١) في (هـ): [ينحصر].
(٢) زيادة من (ب).
(٣) الجامع، للخطيب (٢/ ٢١٣).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَمِنْ أَهَمِّ ذَلكَ -بَعْدَ الاطِّلَاعِ- مَعْرِفةُ مَراتِبِ الجَرْحِ والتَّعديلِ؛ لأنَّهُم قد يُجَرِّحونَ الشَّخصَ بما لَا يَسْتَلْزِمُ رَدَّ حديثِهِ كُلِّهِ.
وقَدْ بَيَّنَّا أَسبابَ ذَلكَ فيما مَضَى، وحَصَرْناها في عَشْرةٍ، وتَقدَّم شَرْحُها مُفصَّلًا.
والغَرَضُ هُنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطِلاحِهِم على تِلْكَ المَرَاتِبِ.
وَللجَرْحِ مَرَاتِبُ:
* وَأَسْوَأُهَا: الوَصْفُ بما دلَّ على المُبالَغَةِ فيهِ.
[قوله] (^١): «وَمِنْ أَهَمِّ ذلك»:
الظاهر أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لمَعْرفة تلك الأصول، ومُتَعَلَّق «الاطلاع» محذُوفٌ؛ للعلم به، أي: بعد الاطِّلاع على الجَرْح والتعديل والجهالة، غير أنَّ السياق بقضية ما قبله من المعاطيف يفيدُ أنَّه عُطف على «طبقات الرواة»، وأنَّ التقدير: ومن المهم معرفة مراتب التعديل؛ فالأولى تقديره من نَمَط إخوانه.