المبحث الثاني: إفادة خبر الآحاد العلم أو الظن
المبحث الأول: إفادة خبر الآحاد العلم (١) أو الظن (٢)
لما كان البحث في الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد والأحكام، كان لزامًا علينا أن نصدر البحث بـ"هل يفيد خبر الآحاد العلم أو الظن؟ "؛ لأن من قال: إن خبر الآحاد يفيد العلم قال بالاحتجاج به في العقائد، ومن قال إنه يفيد الظن اختلفوا فيه: منهم من قال بالاحتجاج به في العقائد، ومنهم من قال بعدم الاحتجاج به.
وقبل أن أتعرض لآراء الأصوليين والمحدثين في هذا الأمر لا بد أن نحرر محل النزاع والخلاف.
حكى الشوكاني أن الخلاف في هذه المسألة مقيد بما إذا كان خبر الآحاد لم ينضم إليه ما يقويه أو كان مشهورًا أو مستفيضًا (٣) .
والذي ذكره جمهور الأصوليين أن خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول
_________________
(١) العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع (التعريفات للجرجاني/ ١٥٤) أما العلم الذي يفيده خبر الآحاد فقد اختلف فيه العلماء هل المراد به العلم الضروري وهو الذي يحصل دون استدلال، أو العلم النظري وهو الذي يحصل بعد نظر وتأمل، أو العلم اليقيني وهو القطعي الذي لا يحتمل الشك أو التردد. العدة ج١/٨٨.
(٢) الظن: هو أحد طرفي الشك بصفة الرجحان (التعريفات / ١٤٤) ويطلق الظن على معنى العلم كما في قوله تعالى: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ [الحاقة آية:٢٠] وعلى معنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [سورة البقرة آية: ٤٦] وعلى معنى الشك كما في قوله تعالى: ﴿إن نظن إلا ظن وما نحن بمستيقنين﴾ [سورة الجاثية آية: ٣٢] .
(٣) إرشاد الفحول / ٥٠.
[ ١٢ ]
أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف (١) .
والذي ذكره أيضًا أهل الحديث: "أن خبر الآحاد إذا تلقَّته الأمة بالقبول عملًا وتصديقًا يفيد العلم عند جماهير الأمة" (٢) .
ومذهب الأئمة الأربعة أن خبر الآحاد إذا حفَّت به قرائن، وتلقته الأمة بالقبول يفيد العلم (٣) .
وذكر ابن الصلاح أن من ضمن ما تلقته الأمة بالقبول ما انفرد به كل من البخاري ومسلم لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول (٤) .
وذكر ابن حجر أن خبر الآحاد المحتف بالقرائن المتصلة: منه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما والمسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين (٥) .
والذي نستطيع أن نقوله هو أنه اتفق أكثر أهل العلم من الأصوليين والمحدثين على أن خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول أو احتفت به قرائن فإنه يفيد العلم.
ولكنهم اختلفوا فيما إذا لم تتلقَّه الأمة بالقبول ولم تحتف به قرائن هل يفيد العلم أو يفيد الظن؟
فذهب جمهور الأصوليين إلى أن خبر الواحد العدل لا يفيد إلا الظن (٦)،
_________________
(١) الإحكام للآمدي ج ٢/ ٣١. المسودة/٢٤٢ فواتح الرحموت ج ٢/١٢١. أصول السرخسي ج١/٣٢.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية / ٢٢٨.
(٣) الإحكام للآمدي ج ٢ / ٣٢ شرح العضد ج ٢ / ٥٦ نهاية السول ج٢ /٢١٥ غاية الوصول/٩٧.
(٤) التقييد والإيضاح / ٤١ – علوم الحديث لابن الصلاح/ ٢٥.
(٥) النزهة للحافظ ابن حجر / ١٥.
(٦) أصول السرخسي ج / ٣٢ كشف الأسرار للبخاري ج ٢ / ٣٧٠ فواتح الرحموت ج ٢/ ١٢١.
[ ١٣ ]
وذهب جمهور أهل الظاهر وأهل الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يفيد القطع (١) .
الأدلة:
استدل أصحاب المذهب الأول القائل بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن وهم جمهور الأصوليين وعزاه النووي إلى الأكثرين والمحققين (٢) بما يلي:
أولًا: أنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه (٣) فلو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لما ورد احتمال الكذب. فلما احتمل الكذب في الخبر ثبت أنه لا يوجب العلم.
أجيب عن هذا الدليل بما يلي:
١ - إننا جعلنا خبر الواحد مفيدًا للعلم للقرائن التي انضمت إليه ككون المخبر من أهل العدالة وكون الخبر قد تلقته الأمة بالقبول، وقد حصل اتفاق على هذا ولم ينكره أحد ممَّنْ يعتدُّ بقوله.
٢ -إننا لم نقل إن كل خبر واحد مفيد للعلم، بل اشترطنا في الخبر أن يرويه العدل الضابط عن مثله، من أول السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر الواحد العدل أما الفاسق فلا مجال للاحتجاج بحديثه ألبتة (٤) .
_________________
(١) مختصر الصواعق ج ٢ /٤٨٠. المسودة / ٢٤٢ المدخل / ٩١. شرح الروضة ج ٢ / ٦٠٣.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ج ١ /٢٠.
(٣) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣ / ١٢٣.
(٤) الإحكام للآمدي ج ٢ / ٣٢ المعتمد ج ٢ /٥٦٦.
[ ١٤ ]
٣ - هذا الدليل فيه ضعف؛ لأن حاصله يرجع إلى محض الدعوى في موضع الخلاف من غير دلالة ومع ذلك هي مقابلة بمثلها، وهو أن نقول: "ونحن نجد في أنفسنا العلم بذلك، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر" (١) .
ثانيًا: لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لما صح ورود خبرين متعارضين
- لاستحالة اجتماع الضدين - لكن رأينا وجود التعارض في أخبار الآحاد كثيرًا. إذ لو كانت مفيدة للعلم لما وقع التعارض بينها؛ لأن الخبرين المفيدين للعلم لا يتعارضان (٢) .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي:
١ - أن خبر الواحد إذا حُفَّت به قرائن تدل على صدقه لا يسوغ ولا يجوز أن يتعارض مع غيره أبدًا في الأمر نفسه إلا كما يسوغ ويجوز التعارض بين الأخبار المتواترة أو التعارض بين الآيات الكريمة، والتعارض في واقع الأمر نفسه لا يقع بين الأدلة الشرعية، وإنما يبدو لذهن المجتهد، وحينئذ لابد من الترجيح، وذلك بحمل العام على الخاص أو المطلق على المقيد أو الحقيقة على المجاز. وقبل الترجيح يسلك المجتهد طريقَ معرفةِ تاريخ ورود كل منهما، فإن علم تقدم أحدهما على الآخر حَكَمَ بالنسخ، ولا كلام في ذلك، فإن لم يعلم التاريخ فإنه يلجأ إلى الجمع بين الدليلين المتعارضين.
ثالثًا: أن خبر الواحد لو كان مفيدًا للعلم لجاز أن ينسخ القرآن والحديث المتواتر، لكونه بمنزلتهما في إفادة العلم، ولكن لما لم يجز نسخ خبر الواحد للقرآن والحديث المتواتر دلَّ على أنه لا يفيد العلم فصارت مرتبته أقل
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣/١٢٣.
(٢) الإحكام للآمدي ج ٢/ ٣٣. إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣/ ١٢٣.
[ ١٥ ]
وأضعف من مرتبتهما فهو يفيد الظن.
أجيب عن الدليل بما يلي:
أن هذا القول على مذهب بعض العلماء، ولكن البعض الآخر قالوا إن خبر الواحد ينسخ القرآن والسنة المتواترة، والدليل على ذلك الوقوع، إذ روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه القرآن وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" (١) .
والتحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع (٢) .
رابعًا: لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لأفاده على أي صفة وُجِد المُخْبِر، سواء أكان المخبر عدلًا أم فاسقًا نظرًا لاستوائهما في حصول العلم بخبرهما ولكن خبر الواحد يشترط في المخبر أن يكون عدلًا تقوية له فلا يقبل خبر الفاسق، فلو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لما فرق بينهما (٣) .
أجيب عن هذا الدليل بما يلي:
نظرًا إلى اشتراط العدالة في المخبر فإنه يقبل خبر الراوي العدل ولا يقبل خبر الراوي الفاسق، بخلاف الخبر المتواتر فنظرًا لكثرتهم فإنه يستوي الفاسق والعدل وغيرهما فيه.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ج ٥/١٠. كتاب المساجد. باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(٢) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي/ ١٠٣.
(٣) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظرج ٣/ ١٢٥.
[ ١٦ ]
كما أن هذا قياس عكس وقياس العكس يفيد الظن.
خامسًا: لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم لحصل العلم بنبوة من يخبر بكونه نبيًا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه (١) .
_________________
(١) الإحكام للآمدي ج ٢/ ٣١.
[ ١٧ ]
أجيب عن هذا الدليل بما يلي:
أن النبوة أمر في غاية الندرة ونهاية العظمة والعادة تحيل صدق مُدَّعيها من غير معجزة دالة على صدقه؛ لأنه يخبرنا عن الله تعالى. أمَّا من يُخبر عن رسول الله ﷺ فإنما يشترط فيه ما اتفق عليه من العدالة والضبط والإسلام والحفظ وغيرهما (١) .
أدلة المذهب الثاني:
وهو المذهب القائل بأن خبر الواحد العدل إذا صح فإنه يفيد العلم.
وذهب إلى هذا المذهب بعض أهل الحديث، وحكاه ابن حزم في الإحكام عن داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وقال: وبه نقول واختاره ابن خويز منداد من المالكية (٢) وذكر
ابن القيم أكثر من عشرين وجهًا في كتابه الصواعق المرسلة تدل على ذلك نذكر منها ما يلي:
_________________
(١) التقرير والتحبير ج ٢ /٢٧٢.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج ١ /١٠٧. العدة ج ٣ / ٨٩٩. المسودة / ٢٤٢. مختصر الصواعق ٢/ ٤٥٧. إتحاف ذوي البصائر ج ٣ /١٢٧.
[ ١٨ ]
الأدلة من القرآن:
أولًا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: [سورة المائدة آية:٦٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور آية:٥٤] .
وجه الدلالة: أن الله ﷾ أمر رسوله بالبلاغ، وحصر البلاغ عليه لأن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم. لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم وقد كان الرسول (يرسل الواحد من الصحابة يبلغ عنه فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات من أقواله وأفعاله وسننه، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة (١) .
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
[سورة الإسراء آية:٣٦] وقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم آية:٢٨] .
وجه الدلالة: حيث نهى الله ﷾ عن اتباع الظن ونعى على من يتبع الظن، ولم يزل الصحابة ومن بعدهم يعتدُّون بأخبار الآحاد ويعملون بها ولو كانت لا تفيد علمًا لكانوا قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم واتبعوا الظن
_________________
(١) مختصر الصواعق ٢/ ٤٧٩.
[ ١٩ ]
المنهي عنه (١) .
الأدلة من السنة:
أولًا: بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن قائلًا له: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض في أموالهم صدقة ترد من أغنيائهم إلى فقرائهم" (٢) .
وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ أرسل رجلًا واحدًا يبلغ شرائع الإسلام وقد قامت الحجة على أهل الكتاب بهذا الرجل، فلو كان مثل هذا البلاغ لا يفيد علمًا لم تكن الحجة على أي إنسان يبلغه عن الله تعالى أو عن رسول الله ﷺ فيرده (٣) .
ثانيًا: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه القرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة (٤) .
وجه الدلالة: أنهم قبلوا خبره، وتركوا الجهة التي كانوا عليها، واستداروا إلى القبلة، ولم يُنْكِرْ عليهم رسولُ الله ﷺ، بل شُكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم (٥) .
_________________
(١) مختصر الصواعق ٢/ ٤٧٨.
(٢) صحيح البخاري ج٢ /٥٢٩. كتاب الزكاة – باب لا تؤخذ كرائم الناس في الصدقة.
(٣) مختصر الصواعق / ٤٧٩.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي. ج ٥/ ١٠ كتاب المساجد باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(٥) مختصر الصواعق ٢/ ٤٧٧.
[ ٢٠ ]
ثالثًا: أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ لو رويا شيئًا عن النبي ﷺ قد سمعاه منه أو أخبرا عن شيء قد رأياه، فإن السامع يصدق ذلك نظرًا لحصول العلم بخبره، ولا يمكن أن يشك أدنى شك في هذا النقل (١) .
رابعًا: أن علماء السلف﵏ – قد أجمعوا على نقل أخبار صفات الله ﷿، ومعروف أن تلك الصفات ليس فيها عمل وإنما المراد بها العلم والاعتقاد والإيمان بها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه فهنا أفادت أخبار الصفات العلم مع أن أكثرها آحاد، وسبب ذلك أن تلك الأخبار قد أيدت بقبول الأمة لها وعدم وجود أي منكر يعتد بقوله - منهم لها فهذا يدل دلالة واضحة على أن خبر الواحد يفيد العلم إذا توافرت فيه تلك الشروط.
تعقيب:
بعد عرض آراء العلماء في إفادة خبر الآحاد للعلم أو الظن وذكر أدلة كل منهم نستطيع أن نقول ما يلي:
أولًا: أن هذا الخلاف لفظي؛ لأن الذين يقولون إن خبر الآحاد يفيد الظن يقولون بوجوب العمل به فكيف يتصور العمل بدون علم؟ فالعمل فرع تصور العلم.
ثانيًا: لا بد أن نستفسر عن حقيقة الظن الذي يفيده هل المراد به الشك والخرص والوهم والتخمين الوارد في قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا
_________________
(١) إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر ج ٣ /١٣٠.
[ ٢١ ]
تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [سورة النجم آية:٢٣] أو قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم آية:٢٨] أو قوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [سورة الجاثية آية:٣٢] وهذا هو الظن المذموم.
أو المراد به الظن الغالب الملحق باليقين أو الظن الراجح دون مرتبة اليقين كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ [سورة يوسف آية:١١٠] وقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [سورة ص آية: ٢٤] . وهذا هو الظن المحمود.
ولا أعتقد أن أحدًا من أهل العلم يقول بالمعنى الأول، وإنما المعنى الذي يتفق مع إفادة أخبار الآحاد هو الظن الغالب الملحق باليقين أو الظن الراجح دون مرتبة اليقين، يؤيد هذا أن من العلماء الذين قالوا بإفادة أخبار الآحاد للظن قالوا بوجوب الاحتجاج بها في العقائد كأبي الحسين البصري وابن عبد البر والغزالي والقرافي والنووي والبيضاوي والأسنوي.
ثالثًا: أن أهل الحديث - وقولهم مقدم على غيرهم في هذا الموضوع -
لم يختلفوا في إفادة أخبار الآحاد العلم، وإنما اختلفوا في نوعية العلم: أهو قطعي، أم ضروري أم نظري ولم يفرقوا بين أحاديث الرسول ﷺ بعضها يفيد العلم وبعضها يفيد الظن لأن مصدر الأخبار عندهم واحد.
رابعًا: أن الذين قالوا إن أخبار الآحاد تفيد الظن نجدهم يقولون بصحة أقوال أئمتهم ومذاهبهم، مع أن هذه الأقوال وصلت إليهم بطريق الآحاد فكيف حصل لهم ذلك.
[ ٢٢ ]
المبحث الثاني: الأدلة على وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد
استدل القائلون بوجوب الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة بأدلة كثيرة، فذكر الدكتور عمر الأشقر أن الشيخ ناصر الدين الألباني ساق عشرين وجهًا تدل على ذلك.
ولكننا نركز على أهم الأدلة التي استدلوا بها ونذكر منها ما يلي:
أولًا: الأدلة من القرآن الكريم:
١- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةًفَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة آية:١٢٢] .
وجه الدلالة: أن الطائفة تطلق على الواحد فما فوق في اللغة. وذكر الإمام البخاري أن الرجل يسمى طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَاعَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات آية:٩] . فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية (١) .
فأفادت الآية أن الطائفة تنذر قومها إذا رجعت إليهم، والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، وهو يكون بتبليغ العقيدة وغيرها مما جاء به الشرع، وإذا كان
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح فتح الباري ج ٣ / ٢٣١.
[ ٢٣ ]
الرجل يؤخذ بما يخبر به من أمور دينه، كان هذا دليلًا على أن خبره حجة، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفقه في العقيدة أهم من التفقه في الأحكام (١) .
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء آية:٥٩] .
وجه الدلالة: أجمع المسلمون على أن الرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا على أن فرض هذا الرد لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينا لم يكن للرد إليه وجه، (٢) ولما كانت أخبار الآحاد تفيد العلم كانت حجة في العقيدة.
ثانيا: الأدلة من السنة:
١- قول الرسول ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم
_________________
(١) أصل الاعتقاد/ ٦٣. العقيدة في الله / ٥١.
(٢) مختصر الصواعق ج ٢ / ٣٥٢.
[ ٢٤ ]
فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (١) .
وجه الدلالة: الحديث نص في المطلوب؛ إذ إن فيه دعوة صريحة إلى التوحيد أي الإيمان بالله والرسول والإيمان بالله ورسوله من أصول العقائد وبالتالي فخبر الآحاد حجة في العقائد.
٢- عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه وَرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (٢) .
وجه الدلالة: ما ذكره الشافعي في رسالته بقوله: "دلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤَدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال، وحرام يجتنب، وحدٌّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، ودل على أنه يحمل الفقه غير فقيه، يكون له حافظًا ولا يكون فيه فقيهًا. وأمرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين لازم" (٣) .
وهذا الحديث هو الحديث الأول من جملة أحاديث ساقها الشافعي للاحتجاج بأخبار الآحاد في العقائد.
وهذا الحديث عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام والعقائد، ولولم يكن الإيمان بما يثبت عنه ﷺ من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا لما كان لهذا الأمر من النبي ﷺ بتبليغ حديثه مطلقًا معنى.
٣- ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن وفد عبد القيس
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٢/٥٢٩. كتاب الزكاة. باب لا تؤخذ كرائم الناس في الصدقة.
(٢) سنن الترمذي ج ٥ /٣٣. كتاب العلم. باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع رقم / ٢٦٥٦.
(٣) الرسالة / ٤٠٣.
[ ٢٥ ]
لما أتوا رسول الله ﷺ قال: "من الوفد أو من القوم؟ " قالوا: ربيعة، فقال: "مرحبًا بالقوم - أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى". قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مضر، فمرنا بأمر فصلٍ نخبر به مَنْ وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة - وصيام رمضان - وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أرْبع: الدباء والحنتم والمزفت والنقير" (١) قال: احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم (٢) .
وجه الدلالة: ما ذكره ابن حجر بقوله: "والغرض من قوله في آخره احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم، فإن الأمر بذلك يتناول كل فرد فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضهم عليه" (٣) .
٤- ما تواتر من إرسال رسول الله ﷺ رسله وسعاته إلى الآفاق والملوك المجاورين لجزيرة العرب والقبائل لتبليغ الرسالة.
فمن ذلك أنه بعث ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم بصرى، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي بكتابه إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة، وعثمان بن أبي العاص إلى الطائف، وحاطب بن أبيض
_________________
(١) الدباء: هو القرع. وقال النووي المراد هو اليابس منه. والحنتم: الجرة وفي رواية إنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. والمزفت. ماطلي بالزفت والمقير ما طلي بالقار ويقال له القير وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها. والنقير أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. (فتح الباري ج ١/١٣٤) .
(٢) صحيح البخاري ج ١ / ١٢٩ كتاب الإيمان. باب أداء الخمس من الإيمان. رقم /٥٣.
(٣) فتح الباري ج ١ / ١٣٣.
[ ٢٦ ]
بلتعة إلى المقوقس. وغيرهم ولم يبعث هؤلاء إلا ليقيم بهم الحجة على من بعثوا إليهم ومن المعلوم أن أهم ما بعث به هؤلاء هو الدعوة إلى التوحيد (١) .
ثالثا: من العقل:
١- أن القول بأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقائد قول مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج جميعًا بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية؛ وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله عن ربه سواء كان عقيدة أو حكمًا لتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد، تخصيص بدون مخصص وذلك باطل وما لزم من الباطل فهو باطل (٢) .
٢- أن القول بعدم قبول خبر الآحاد في العقائد يستلزم رد السنة؛ لندرة المتواتر، ولأن كل حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة ولا بد أن ترجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولولا أنه أخبرنا به في سنة نبيه ﷺ لما وجب التصديق والعمل ولذلك لم يجز لأحد أن يُحَرِّمَ أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [النحل آية:١١٦] . فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على الله تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد وإننا به ننجو من القول على الله فكذلك
_________________
(١) خبر الواحد وحجيته د. أحمد الشنقيطي / ٢٠٤- ٢٠٥.
(٢) أصل الاعتقاد / ٦٤.
[ ٢٧ ]
يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق بينهما، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب الله وسنة رسوله، ودون ذلك خرط القتاد (١) .
٣- أن أخبار الآحاد لولم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمنع إثبات الأحكام الطلبية فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؛ وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بأحاديث الآحاد في الخبريات العلميات كما تحتج به في الطلبيات العملية، ولاسيما أن الأحكام العملية تتضمن الخبر من الله بأنه شرع كذا أو أوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم يزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ولم ينقل عن أحد منهم ألبتة أنه جَوَّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته.
فأين سَلَفُ المفرقين بين البابين..؟ نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين. فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية، وسمُّوها أصولًا وفروعًا (٢) .
٤- أن الخلاف في الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد مسبوق بانعقاد
_________________
(١) وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة / ٢٠. خبر الواحد للشنقيطي / ٢١٥.
(٢) مختصر الصواعق ٢/ ٤٨٩. خبر الواحد في التشريع الإسلامي. أبي عبد الرحمن برهون/ ٣٨١.
[ ٢٨ ]
الإجماع المتيقن على قبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى والأمور العلمية الغيبية بها فيقول ابن القيم: "فهذا لا يشك فيه من له خبرة بالمنقول، فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقَّاها بعضهم عن بعض بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على مرادها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومَنْ سمعها منهم تلقَّاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابع التابعين عن التابعين. هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث، كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتها ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرنا، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ﷺ ألبتة وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل (١) .
تعقيب:
وبعد عرضنا الأدلة الدالة على وجوب الآخذ بخبر الآحاد في العقائد، فالحق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول. وبهذا نعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، ولا يثبت بها شيء من صفات الله، زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم ردَّ الروايات الصحيحة
_________________
(١) أصل الاعتقاد / ٧٧. مختصر الصواعق ٢/ ٥٠٢ مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي/ ١٢٥.
[ ٢٩ ]
الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل (١) . ولاسيما أن الذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقائد يلزمهم أن يردوا كثيرًا من العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد ومنها (٢):
١ - أفضلية نبينا محمد على جميع الأنبياء والمرسلين.
٢ - شفاعته العظمى في المحشر.
٣ - شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
٤ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.
٥ - كيفية بدء الخلق وصفة الملائكة والجن وصفة الجنة والنار ممالم يذكر في القرآن الكريم.
٦ - سؤال منكر ونكير في القبر.
٧ - ضغطة القبر للميت.
٨ - الإيمان بأن الله تعالى كَتَبَ على كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.
٩ - الصراط والحوض والميزان ذو الكفتين.
١٠ - خصوصياته ﷺ مما جمعه السيوطي في كتاب "الخصائص الكبرى" مثل دخوله في حياته الجنة، وإسلام قرينه من الجن.
_________________
(١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي / ١٢٥.
(٢) أشراط الساعة يوسف الوابل / ٥٢.
[ ٣٠ ]
المبحث الثالث: شبه منكري الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد والرد عليهم
ترتب على الخلاف السابق خلاف للعلماء في الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد، فمن ذهب إلى أن خبر الآحاد يفيد العلم قال بالاحتجاج به في العقائد، ومن قال إن خبر الآحاد يفيد الظن قال بعدم الاحتجاج به في العقائد.
وبالتالي فنحن أمام مذهبين في الاحتجاج به في العقائد: مذهب أوجب الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد، ومذهب أنكر الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد.
أولًا: الذين أنكروا الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد قديمًا:
وقد ذهب جمع من العلماء (١) إلى عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد، وهو مذهب أهل الكلام والأصوليين، وقال القاضي عبد الجبار المعتزلي عن خبر الواحد: فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا (٢) .
وقال البزدوي: خبر الواحد لما لم يفد اليقين لا يكون حجة فيما يرجع إلى الاعتقاد لأنه مبني على اليقين، وإنما كان حجة فيما قصد به العمل (٣) .
وقال الأسنوي: إن رواية الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظن، والشارع إنما
_________________
(١) تحقيق الوصول إلى الأصول / ٢ /ص١٦٣.
(٢) شرح الأصول الخمسة / ٧٦٩.
(٣) أصول البزدوي ج ٢/ ٤٠٨.
[ ٣١ ]
أجاز الظن في المسائل العملية، وهي الفروع دون العلمية كقواعد أصول الدين (١) .
وقال ابن برهان: "خبر الواحد لا يفيد العلم - خلافًا لأصحاب
الحديث - ولا تثبت به العقائد" (٢) .
وقال السمرقندي: "خبر الواحد لا يحتج به في العقائد لأنه يوجب الظن" (٣) .
وقال أبو الوليد الباجي - في معرض مناقشته لمنكري جواز العمل بخبر الواحد -: فإن قالوا: فيجب قبول خبر الواحد في التوحيد وأعلام النبوة وما طريقه العلم؛ لأن رسله أيضًا كانوا ينفذون بذلك إلى أهل النواحي. قال: والجواب: أن هذا غلط لأنه إنما كان ينفذ رسله بأحكام الشريعة بعد انتشار الدعوة وإقامة الحجة، وكيف يقول رسوله: إن رسول الله ﷺ يخبركم في الزكاة بكذا وكذا، وهم لا يعرفون الله ولا رسوله (٤) .
وهؤلاء المنكرون لهم شبه تتمثل فيما يلي:
أن خبر الآحاد يفيد الظن ويعنون به الظن الراجح؛ لجواز خطأ الواحد أو غفلته أو نسيانه، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية، ويستدلون على ذلك ببعض
_________________
(١) نهاية السول للأسنوي/٢٥٨.
(٢) الوصول إلى الأصول ج ٢ / ١٦٣.
(٣) ميزان الأصول ج ٢ / ٦٤٣.
(٤) أحكام الفصول للباجي / ٣٣٩.
[ ٣٢ ]
الآيات التي تنهى عن اتباع الظن كقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَالْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم آية: ٢٨] .
الجواب عن هذه الشبهة:
إن الظن في هذه الآية وأمثالها ليس الظن الغالب الذي عنوه، وإنما هو الشك والكذب والخرص والتخمين، فقد ذكر ابن الأثير أن المراد بالظن في اللغة الشك يعرض لك في شيء فتحققه وتحكم به (١) .
وذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿مالهم به من علم﴾ أي ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع" إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا" أي لا يجدي شيئًا ولا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (٢) .
فالشك والكذب هو الظنُّ الذي ذمَّه الله تعالى ونعاه على المشركين؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّالظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾
[الأنعام آية:١١٦] حيث وصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحَرْز والتخمين، وإذا كان الخرص والتخمين هو الظن فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام لأن الأحكام لا تبنى على الشك والتخمين.
وأمَّا ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه فهو مدفوع بما يشترط في
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ج ٣ /١٦٢_١٦٣.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٤ /٤٣٤.
[ ٣٣ ]
خبر الواحد من كون كل من الرواة ثقة ضابطًا، فمع صحة الحديث لا مجال لتوهُّم خطأ الراوي، ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لرد خبره لمجرد احتمال عقلي تنفيه العادة (١) .
ثانيًا: الذين أنكروا الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد حديثًا:
وقد امتد الإنكار للاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد من القديم إلى الحديث، فنجد الشيخ محمد عبده يقول: "وأخبار الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد ولو صحت" (٢) .
ويقول محمد فريد وجدي: "وقد ضعف كثيرون من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه" (٣) .
ويقول الشيخ شلتوت: "والأحاديث المروية إذا لم تتوفر فيها أركان التواتر فلا تفيد بطبيعتها إلا الظن والظن لا يثبت العقيدة" (٤) .
ويقول سيد قطب: "ونحن على منهجنا في هذه الظلال لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي متواتر فهي من أمور الاعتقاد التي لا يُلتزم فيها إلا بنص هذه درجته ولكننا في الوقت ذاته لا نقف موقف الإنكار والرفض" (٥) .
ويقول الغزالي في كتاب هموم داعية: "خبر الآحاد لا مدخل له في إنشاء
_________________
(١) أشراط الساعة/ ٤٦-٤٧.
(٢) التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي ج ٢ /٥٧٤.
(٣) دائرة المعارف ج ١٠ /٤٨١.
(٤) الإسلام عقيدة وشريعة/٥٢٤.
(٥) في ظلال القرآن ج ٣ / ١٥٣١.
[ ٣٤ ]
العقائد" (١) . ولهم شبه تتمثل فيما يلي:
الشبهة الأولى:
العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد لأن العقيدة ما يطلب الإيمان به، والإيمان معناه اليقين الجازم إلا ما كان قطعي الورود والدلالة وهو المتواتر والأحاديث المروية إذا لم تتوافر فيها أركان التواتر فلا تفيد بطبيعتها إلا الظن، والظن لا يثبت العقيدة (٢) .
الرد عليها:
إن الذين يقولون إن أخبار الرسول ﷺ الآحاد والصحيحة لا تفيد العلم فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة (٣) .
الشبهة الثانية:
دعوى الإجماع على أن خبر الآحاد لا تثبت العقيدة فيقول الشيخ شلتوت: "ومن هنا يتأكد أن ما قررناه من أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء" (٤) .
الرد عليها:
_________________
(١) هموم داعية للغزالي / ١١٦.
(٢) الإسلام عقيدة وشريعة / ٥٢٤.
(٣) الصواعق المرسلة / ٤٩٠.
(٤) الإسلام عقيدة وشريعة / ٧٥.
[ ٣٥ ]
أن هذه عادة أهل الكلام يحكون الإجماع على ما لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل أئمة الإسلام على خلافه.
وذكر الشنقيطي: أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شيء من صفات الله تعالى زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين، باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل (١) .
ومن ادعى الإجماع فقد كذب وهذه دعوى يريدون بها إبطال سنن رسول الله ﷺ.
فقد ذكر الخطيب البغدادي: وإنما دفع خبر الآحاد بعض أهل الكلام لعجزه - والله أعلم - عن علم السنن، رغم أنه لا يقبل منها إلا ما تواترت به أخبار من لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهذا عندنا ذريعة إلى إبطال سنن المصطفى ﵊ (٢) .
_________________
(١) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي / ١٢٤.
(٢) الفقيه والمتفقه ج ١/ ٩٨.
[ ٣٦ ]