الخبر في اللغة هو النبأ، ويقصد به ما يخبر به أو يرويه شخص واحد (١) ويجمع على أخبار، والآحاد جمع أحد، وأصله وحد، وهو هنا بمعنى واحد، ولذلك يقال: خبر الواحد، وخبر الآحاد، وأخبار الآحاد.
أما خبر الآحاد اصطلاحًا فقد عرف بأنه: "ما كان من الأخبار غير مُنْتَهٍ إلى حد التواتر" (٢)، وعرف أيضًا بأنه: "ما لم يجمع شروط التواتر" (٣) .
ومؤدى التعريفين أن خبر الآحاد لا ينحصر في الخبر الذي ينقله الواحد كما قد تفيده عبارة "خبر الواحد" بل يشمل الذي ينقله اثنان أو أكثر ما لم ينته إلى حد التواتر كما تفيده عبارة "خبر الآحاد". قال الزركشي: "وليس المراد ما يرويه الواحد فقط، وإن كان موضوع خبر الواحد في اللغة يقتضي وحدة المخبر الذي ينافيه التثنية والجمع، لكن وقع الاصطلاح به على كل ما لا يفيد القطع، وإن كان المخبر به جمعًا إذا نقصوا عن حد التواتر" (٤) .
أما نشأة المصطلح فلم أهتد بعدُ إلى نصوص تبين أول من أطلقه،
_________________
(١) قال في لسان العرب: "الخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر" مادة خبر.
(٢) البحر المحيط ١/٢٥٥-٢٥٦، وشرح الديباج المذهب في مصطلح الحديث لشمس الدين التبريزي.
(٣) نزهة النظر لابن حجر ص ٢٦.
(٤) البحر المحيط١/٢٥٥-٢٥٦.
[ ٥ ]
لكن ما أستطيع أن أجزم به أن المصطلح قديم، وأقل ما يمكن قوله: إنه استعمل في أوائل المائة الثانية، فقد استعمله الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤هـ) في «الرسالة» تسع عشرة مرة بعبارة "خبر الواحد" (١) واستعمله مرات في كتابه "اختلاف الحديث" (٢) وفي كتابه "جماع العلم" (٣) .
كما استعمله الإمام البخاري (ت: ٢٥٦هـ) في «صحيحه» وقد ترجم لأحد أبواب "كتاب الأحكام" (٤) بعنوان: «باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام» .
وهذا يدل على أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد، لم يعده العلماء المتقدمون -فيما اطلعت عليه- بدعة، وإن أوهمت عبارة بعض الباحثين المعاصرين أن هذا التقسيم بدعة؛ فقد كرر الأستاذ القاضي برهون «أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من ابتداع الجهمية والمعتزلة والرافضة» (٥)، "فخالفوا بهذا التقسيم إجماع
_________________
(١) انظر الرسالة ص: ٣٦٩-٣٨٣-٣٨٤-٣٨٦-٣٨٧-٣٩٠-٤٠١-٤٠٧-٤٠٨-٤١٠-٤٣٣-٤٣٥-٤٥٣-٤٥٧-٤٥٨.
(٢) من بداية الجزء السابع من الأم إلى ص ٣٨.
(٣) في الجزء السابع من الأم من ص ٢٥٠.
(٤) وقع في نسخة الصغاني كتاب أخبار الآحاد، وعلى ما في هذه النسخة فقد خصص البخاري كتابا لأخبار الآحاد، والكتاب يحتوي على أبواب، وعلى ما في النسخ الأخرى يكون هذا الباب وما بعده من أبواب كتاب الأحكام، أو يكون من جملة أبواب كتاب الاعتصام بعده، وهو مناسب له فيكون تقديمه عليه من فعل بعض المبيضين للكتاب، كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢٧/٢٦٨.
(٥) خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته ص ٩٢.
[ ٦ ]
الصحابة والتابعين" (١) . فهو إذًا " قول محدث من غير أهل الحديث" (٢) لكنه لم يلبث أن استدرك قائلا: "وهذا لا يعني أن ما رواه العدد الكثير الذي اصطلح عليه بالمتواتر غير موجود فهو واقع فعلًا، وموجود بكثرة، وإنما نعني ما أدى إليه التقسيم من آثار على ما روي آحادا وهو أكثر" (٣) .
فالمستنكر ليس تقسيم الأخبار في حد ذاته؛ إذ لا ينتج عنه ما يخدش حجية السنة، وإنما المستنكر ما بناه بعض الناس على التقسيم، فكان لازمًا بيان أن المبتدع ليس أصل التقسيم، وإنما المبتدع ما فرعوه على التقسيم من القبول أو الرد، وإلا فكثير من المصطلحات الحديثية غير معروفة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فهل يقال: إن تلك المصطلحات بدع غير محمودة؟!
ألا ترى أن ابن القيم ﵀ لم ينتقد تقسيم الأخبار نفسه، وإنما انتقد تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت، فقال: "تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد، ولا منعكس، ولا عليه دليل صحيح" (٤) .
فها أنت ترى ابن القيم لم ينكر تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وإنما
_________________
(١) السابق ص ٩٣.
(٢) السابق ص ٩٤.
(٣) السابق ص ٩٣.
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ص ٤٩٥.
[ ٧ ]
أنكر تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد كالأحكام، وإلى ما لا يثبت به وهو العقائد، ولعل هذا ما حاول الأستاذ القاضي برهون التعبير عنه بقوله: "ومن نظر فيما ذكرنا علم أن تقسيم الدين إلى متواتر وآحاد، وعقائد وفروع باطل" (١) لكن ما عبر عنه غير ما عبر عنه ابن القيم، والباطل الذي حكم به يحتاج إلى دليل، وإلا فما الذي دفع أميرُ المؤمنين في الحديث الإمامُ البخاريُّ إلى عقد باب بعنوان: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد.. في صحيحه؟ فهل الدافع هو رده التفرقة بين المجالين كما يتضح من الأحاديث التي ساقها؟ وهل ذلك إقرار منه بصحة التقسيم وبِرَدِّ التفرقة بين العقائد والأحكام، كما صنع الإمام الشافعي في الرسالة؟
وادَّعى الأستاذ بعد ذلك أن تقسيم الأصوليين للحديث إلى متواتر وآحاد كان نتيجة تأثرهم بمنهج المعتزلة (٢) .
لكن كلام الشافعي – وهو رأس الأصوليين، ومن أعلام المحدِّثين – يفيد أن هذا التقسيم معروف في عهده، بدليل تكراره لمصطلح "خبر الواحد" كما سبق، وبدليل قوله: "لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع" (٣) .
فقوله: "لأن الأخبار كلما تواترت" إقرار منه بوجود أحاديث متواترة، وإن أمكن ادعاء أن التواتر في كلامه يحتمل المعنى اللغوي بدليل
_________________
(١) خبر الواحد ص ٩٨.
(٢) خبر الواحد للقاضي برهون ص٩٧.
(٣) الرسالة ص ٤٣٣.
[ ٨ ]
عطف التظاهر عليه.
ومن ثم فلا نُسَلِّم قول من قال: "لم يذكر التواتر باسمه الخاص إلا الحاكم النيسابوري (ت: ٤٠٥هـ) وابن حزم (ت: ٤٥٦هـ) والخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣هـ) وابن عبد البر (ت: ٤٦٣هـ) وابن الصلاح (ت: ٦٤٣هـ)، وقد تبعوا فيه أهل الأصول (١) "، لوجود إشارات قوية للمتواتر في كلام الإمام الشافعي في النص السابق، وقد وافق مناظره على إطلاق التواتر في قوله: "فما الوجه الثاني؟ قال: تواتر الأخبار، فقلت له حدد لي تواتر الأخبار بأقل ما يثبت الخبر ؟ " (٢) فهو لم ينكر تقسيم مناظره الأخبار، وإلا لقال له: لقد جئت شيئًا نكرًا بابتداعك تواتر الأخبار.
بل إن ابن القيم نفسه قسم الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام: متواترة لفظًا ومعنى، ومتواترة معنى لا لفظًا، ومستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، وأخبار آحاد عدول (٣)، فكيف ينكر التقسيم، ثم يقره؟
ونقل عن شيخه ابن تيمية ﵀ أنه قسم الأخبار إلى متواتر وآحاد (٤) .
_________________
(١) خبر الواحد (مرجع سابق) ص ٩٦.
(٢) جماع العلم بهامش الأم ٧/٢٥٨-٢٥٩.
(٣) مختصر الصواعق المرسلة ص ٤٥٣.
(٤) السابق ص ٤٦٤.
[ ٩ ]