إذا كان التصديق يلزم بالحديث الصحيح الآحادي المجرد عن القرائن المقوية له، فإن من الأولى إلزام الاعتقاد بالحديث الصحيح المحتف بقرائن تجعله يفيد العلم النظري.
لكن هل يبلغ خبر الآحاد قوة إفادة العلم بالقرائن، أو لا يمكن أن يبلغ ذلك المبلغ:
يرى الإمام الغزالي أن القرائن قد ترقى بالخبر الصحيح إلى إفادة العلم، ويقول في ذلك (٣٤):
«وَمُجَرَّدُ القَرَائِنِ أَيْضًا قَدْ يُورِثُ العِلْمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْبَارٌ؛ فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ تَنْضَمَّ القَرَائِنُ إلَى الأَخْبَارِ فَيَقُومُ بَعْضُ القَرَائِنِ مَقَامَ بَعْضِ العَدَدِ مِنْ المُخْبِرِينَ، وَلاَ يَنْكَشِفُ هَذَا إلاَّ بِمَعْرِفَةِ مَعْنَى القَرَائِنِ وَكَيْفِيَّةِ دَلاَلَتهَا، فَنَقُولُ: لاَ شَكَّ فِي أَنَّا نَعْرِفُ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، إذْ نَعْرِفُ مِنْ غَيْرِنَا حُبَّهُ لإِنْسَانٍ وَبُغْضَهُ لَهُ وَخَوْفَهُ مِنْهُ وَغَضَبَهُ وَخَجَلَهُ، وَهَذِهِ أَحْوَالٌ فِي نَفْسِ المُحِبِّ وَالمُبْغِضِ لاَ يَتَعَلَّقُ الحِسُّ بِهَا قَدْ تَدُلُّ عَلَيْهَا دَلاَلاَتٌ آحَادُهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، بَلْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ تَمِيلُ النَّفْسُ بِهَا إلَى اعْتِقَادٍ ضَعِيفٍ.
ثُمَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ آحَادُهَا لَتَطَرَّقَ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ يَحْصُلُ القَطْعُ بِاجْتِمَاعِهَا».
ويقول الغزالي أَيْضًا (٣٥): «وَكُلُّ دَلاَلَةٍ شَاهِدَةٍ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الاحْتِمَالُ كَقَوْلِ كُلِّ مُخْبِرٍ عَلَى حِيَالِهِ، وَيَنْشَأُ مِنْ الاجْتِمَاعِ العِلْمُ، وَكَأَنَّ هَذَا مَدْرَكٌ سَادِسٌ مِنْ مَدَارِكِ العِلْمِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي المُقَدِّمَةِ مِنْ الأَوَّلِيَّاتِ وَالمَحْسُوسَاتِ وَالمُشَاهَدَاتِ البَاطِنَةِ وَالتَّجْرِيبَاتِ والمُتَواتَرَاتِ فَيُلْحَقُ هَذَا بِهَا.
وَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ مُنْكَرٍ فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ التَّصْدِيقُ بِقَوْلِ عَدَدٍ نَاقِصٍ عِنْدَ انْضِمَامِ قَرَائِنَ إلَيْهِ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ القَرَائِنِ لَمْ يُفِدْ العِلْمُ، فَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ عَنْ مَوْتِ إنْسَانٍ لاَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِصِدْقِهِمْ، لَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ خُرُوجُ وَالِدِ المَيِّتِ مِنْ الدَّارِ حَاسِرَ الرَّأْسِ حَافِيَ الرِّجْلِ مُمَزَّقَ الثِّيَابِ مُضْطَرِبَ الحَالِ يَصْفِقُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ذُو مَنْصِبٍ وَمُرُوءَةٍ لاَ يُخَالِفُ عَادَتَهُ وَمُرُوءَتَهُ [إلا عن ضرورة فيجوز أن يكون قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد] (*) وَالتَّجْرِبَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ ».
_________________
(١) " المستصفى ": ج ١ ص ١٣٥.
(٢) ص١٣٦، لكن الغزالي يتوقف عن إفادة الخبر الآحادي الفرد للعلم، كما هو صريح كلامه بعد هذا. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ما بين [] لم أجده في " المستصفى " للإمام الغزالي.
[ ١٧٣ ]
وخالف في أصل المسألة صاحبا " مُسلِّمِ الثبوت " وشرحه " فواتح الرحموت " من الحنفية، وقالا: إنه لا يفيد العلم، وفي " المُسلَّم " و" شرحه " مناقشة مطولة متسلسلة حول هذه القضية، يمكن أن تتبلور فكرتها أمام القارئ بهذا النقاش الموجز نسوقه من المتن والشرح (٣٦):
«إن دلت القرينة على تحقق مضمون الخبر قَطْعًا، كالعلم بخجَل الخجِل ووجَل الوَجِل الحاصلين من مشاهدةَ الحمرة والصفرة، فالعلم بها أي بالقرينة دون الخبر، وإن دلت القرينة عليه ظَنًّا، والخبر يدل على تحقق مضمونه أَيْضًا يدل ظَنًّا، فمن الظنين الحاصل أحدهما بالقرينة والآخر بالخبر لا يلزم العلم ضرورة». انتهى.
وفي رأيي أن التحقيق والتدقيق في مناقشات الفريقين يؤدي إلى أن الخلاف بينهم في هذه القضية ليس خِلاَفًا حَقِيقِيًّا، بل هو خلاف لفظي، لأن الذي ينفيه دليل المانعين في شقه الأول هو إفادة خبر الآحاد العلم بنفسه، وهذا لا يمنع إفادة العلم بالمجموع، وهو المطلوب، والذي ينفيه دليل المانعين في شقه الثاني هو لزوم إفادة مجموع الخبر والقرائن العلم ضرورة، وليس هذا هو المدعى، إنما المدعى إمكان إفادة العلم النظري، فإذا تحقق هذا الإمكان، فما المانع من الأخذ به عند تحقيقه؟.