يقسم المحدثون الخبر من حيث عدد رواته إلى أربعة أقسام: (٧)
١ - الفرد المطلق، وهو الذي ليس له إلا راو واحد، ويسمى أَيْضًا الغريب سندًا ومتنًا.
٢ - العزيز، وهو ما رواه اثنان.
٣ - المشهور: وهو ما رواه جمع محصور بثلاثة فأكثر ولم يبلغ درجة التواتر.
٤ - المتواتر وهو الخبر الذي رواه جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إلى نهاية السند، وكان مستندهم الحس.
أما علماء أصول الفقه فيقسم الجمهور منهم الخبر إلى قسمين:
القِسْمُ الأَوَّلُ: الخَبَرُ المُتَوَاتِرُ:
وقد عرفته.
القِسْمُ الثَّانِي: خَبَرُ الوَاحِدِ أَوْ الآحَادِ:
وهو ما لم يبلغ درجة التواتر، فيشمل أنواع الفرد والعزيز والمشهور.
وأضاف الحنفية قسمًا ثالثًا هو المشهور، وهو عندهم الخبر الذي كان آحادي الأصل، متواترًا في القرن الثاني والثالث مع قبول الأُمَّةِ كما في " مسلم الثبوت ". قال في شرحه " فواتح الرحموت ": «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ خَبَرُ الوَاحِدِ» (٨).
وقد تَسَرَّعَ بعض العصريين في النقد لهذا التقسيم عند الحنفية، دون أن يرى لهم وَجْهًا أو عُذْرًا، مما لا نتعرض له هنا، وسنرجع إليه في حينه إن شاء الله تعالى.
وخبر الواحد الذي ذكرنا معناه ليس خَاصًّا بالصحيح، بل هو مشترك بين الصحيح وغيره، وسنفرد البحث هنا لدراسة أثر خبر الآحاد الصحيح دراسة تشمل أثره في العمل أي الأحكام، وفي العلم أي العقيدة. ونبدأ أولًا ببحث أثره في العمل، ثم نبحث أثره في العقيدة، فنقول وبالله التوفيق:
_________________
(١) " شرح نخبة الفكر " للحافظ ابن حجر العسقلاني ص ١٨ - ٣٧ نسخة شرحه للقاري.
(٢) ج ٢ ص١١١.
[ ١٦٢ ]
أَثَرُ خَبَرِ الآحَادِ الصَّحِيحِ فِي العَمَلِ:
قد ظهر لنا أن الحديث الصحيح - وهو هنا الذي لم يبلغ درجة التواتر- قد استوفى - متنًا وسندًا - شروطًا تتحرى نفي كل أسباب الخلل عنه، من أي جهة كانت، مما يلزم النفس السليمة بأن تقبله وتلتزم العمل به.
وذلك هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة وسائر فقهاء الأمصار، لم يشذ عن ذلك إلا نفر قليل جدًا من أهل العلم في العصور السالفة ممن لم يكونوا أئمة في علوم الدين.
قال الإمام السرخسي - ﵀ - (٩): «وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِقًوْلِهِ: خَبَرُ الوَاحِدِ لاَ يَكُونُ حُجَّةً فِي الدِّينِ أَصْلًا» انتهى. وهذا القائل الذي أشار إليه السرخسي هو الجُبَّائِي من المعتزلة، وبعض أهل الابتداع الخارجين على السُنَّةِ (١٠).
واستدلوا بأدلة عديدة تدور كلها حول نقطة واحدة هي أن كل راو من رواة الخبر الآحادي غير معصوم عن الكذب، ولا عن الخطأ فيحتمل أن يكون هناك كذب في الحديث أو خطأ، فلا يجوز أن يكون مصدرًا في الشرع، وأوردوا بناء على ذلك استدلالات من القرآن الكريم يشدون بها مذهبهم.
وقد عرض أعلام أصول الفقه أدلتهم على بساط البحث، وناقشوها مناقشة علمية موضوعية دقيقة، أعرض للقارئ هذه الأدلة من كلام للإمام السرخسي الحنفي لما امتاز به عرضه من الاستكثار لهم من الأدلة مع الوضوح:
قال الإمام السرخسي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وإذا كان خبر الواحد لا يوجب العلم لم يجز اتباعه والعمل به، بهذا الظاهر. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وخبر الواحد إذا لم يكن معصومًا عن الكذب محتمل للكذب والغلط، فلا يكون حَقًّا على الإطلاق، ولا يجوز القول بإيجاب العمل به في الدين. وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]،وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. ومعنى الصدق في خبر الواحد غير ثابت إلا بطريق الظن، ولأن خبر الواحد غير ثابت إلا بطريق الظن، ولأن خبر الواحد محتمل للصدق والكذب، والنص الذي هو محتمل لا يكون مُوجِبًا للعمل بنفسه مع أن كل واحد من المحتملين فيه يجوز أن يكون شَرْعًا، فلأن لا يجوز العمل بما هو محتمل لكذب. والكذب باطل -أصلًا - أولى» انتهى.
وأود أن ألفت نظر القارئ إلى هذا الأسلوب العلمي الذي يعرض حجة المخالف وكأنها حجج كثيرة، حتى لربما اقتنع بها بعض القراء إذا لم يكن من أهل التأمل الناقد، وإن كانت هي في الواقع مغالطات ضعيفة يمكن الاستغناء عن الرد عليها، لولا ما نبغ في هذا الزمان العجيب من فئة قليلة معزولة عن المجتمع تخطت تحقيق أئمة العلم والدين، وأخذت سبيل التكلف والتوعر والشذوذ سبيلًا لها، تستهوي بالإثارة العاطفية أغرار الشبان المتدينين تزعم لهم أنهم سيجدون الإسلام، وتلقنهم هذا المبدأ -فيما تلقنهم من شذوذ- مبدأ إنكار العمل بالحديث الصحيح، وإن كان معلم هذه الفكرة العصري لم يصل إلى أن يستند لدلائل كهذه التي ساقها علماؤنا -أجزل الله مثوبتهم- بدافع من أمانتهم العلمية، وإخلاصهم للحقيقة.
ونحن نحذر هؤلاء من أنهم سينتهون بهذا الشذوذ إلى أفجع نتيجة من تجديدهم المزعوم، ألا وهي أن يأتوا بإسلام بلا سُنَّةٍ، أي بعبارة
_________________
(١) " أصول الفقه " للسرخسي: ج١ ص ٣٢١.
(٢) صرح بهم العلامة الأصولي المحقق محب الله بن عبد الشكور في " شرح مسلَّم الثبوت ": ج ٢ ص ١٣١.
[ ١٦٣ ]
أخرى أصرح: إسلام بلا دين إلا مجرد التسمية .. !!. ونبين فيما يلي الخطأ في هذه الاستدلالات، ثم نبين كيف اطرح هذا المذهب المخالف كل دلائل الشرع القطعية من الكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، وخرقوا بداهة المنطق الذي تسير عليه الحياة.
أما الخطأ في الاستدلال فيقول فيه الإمام الغزالي في " المستصفى ": (١١)
«وهذا باطل من أوجه:
الأول: إنكارهم القول بخبر الواحد غير معلوم ببرهان قاطع، بل يجوز الخطأ فيه، فهو إذن حكم بغير علم.
الثاني: إن وجوب العمل به معلوم بدليل قاطع من الإجماع فلا جهالة فيه.
الثالث: أن المراد من الآيات منع الشاهد عن جزم الشهادة بما لم يبصر ولم يسمع، والفتوى بما لم يرو ولم ينقله العدول.
الرابع: إن هذا لو دل على رَدِّ خبر الواحد لَدَلَّ على رَدِّ شهادة الاثنين والأربعة والرجل والمرأتين والحكم باليمين، فكما علم بالنص في القرآن وجوب الحكم بهذه الأمور مع تجويز الكذب، فكذلك بالإخبار.
الخامس: أنه يجب تحريم نصب الخلفاء والقضاة، لأنا لا نتيقن إيمانهم فضلًا عن ورعهم، ولا نعلم طهارة إمام الصلاة عن الجنابة والحدث فليمتنع الاقتداء» انتهى.
هذا رد للإمام الغزالي على مغالطات المنكرين للعمل بالخبر الآحادي الصحيح، وهو ظاهر في إبطال مستنداتهم، ونوضح ذلك بأسلوب آخر فنقول:
أما ما ذكروه من عدم عصمة الراوي عن الكذب أو الخطأ فهو توهم ضعيف، لا يؤبه له بإزاء ما توفر من شروط العدالة والضبط والاتصال ثم تحري السلامة من الشذوذ والإعلال، ولو فتح باب رَدِّ الأدلة والقضايا الصحيحة بالأوهام على هذا النحو لما سلم للإنسان أمر قط في شأن من شؤون حياته، والنصوص التي أوردوها قد وضعوها في غير موضعها الصحيح، وصرفوها عن المعاني التي وردت لأجلها.
وجملة ذلك أن الله تعالى نهى عباده المؤمنين أن يتبعوا ما لم يثبت عندهم بدليل مقبول في شريعة الله من نص شرعي أو برهان عقلي صحيح، وهذا معنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] ونحوهما من النصوص التي سبق أن ذكرت، ونعى القرآن على الكافرين تقليد آبائهم من غير برهان من الله، لكنهم اتبعوا الظنون أي الأوهام التي قامت في نفوسهم وتمكنت بعامل التقليد، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
وقد توفرت الأدلة اليقينية القطعية على وجوب العمل بخبر الواحد الصحيح، وهي أدلة من الكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، كما نوضح فيما يلي:
أ - دلالة القرآن على حجية خبر الواحد الصحيح:
وذلك في مواضع عديدة، قال الإمام فخر الإسلام أبو الحسن البزدوي الحنفي في " أصوله " (١٢): «وَهَذَا فِي كِتَابِ اللهِ أَكْثَرُ مِنَ أَنْ يُحْصَى».
وقد عُنِيَ شارحه العلامة الأصولي عبد العزيز البخاري بالتوسع في إيرادها، مِمَّا لم يفعله غيره من الأصوليين، ونذكر طَرَفًا مِمَّا ذكره فيما يلي:
_________________
(١) ج ١ ص ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) ج ١ ص ٦٩٢ بهامش شرحه " كشف الأسرار ".
[ ١٦٤ ]
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
قال في " مسلَّم الثبوت " و" شرحه " (١٣):
«فإن الحذر إنما يكون من الواجب، والكريمة دلت على الحذر فيكون الأخذ بمقتضى أخبار الطائفة وَاجِبًا، والطائفة من كل فرقة لا تبلغ مبلغ التواتر، بل الطائفة على ما قال ابن عباس - ﵁ - تشمل الواحد والجماعة».
٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] و[الأنبياء: ٧].
أمر الله تعالى في هذه الآية بسؤال أهل الذكر، ولم يفرق بين المجتهد وغيره، وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الإخبار بما سمع دون الفتوى، ولم لم يكن القبول وَاجِبًا لما كان السؤال وَاجِبًا (١٤).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥].
«أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، ومن أخبر عن الرسول بما سمعه فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك وَاجِبًا عليه بالأمر، وإنما يكون وَاجِبًا لو كان القبول وَاجِبًا، وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع» (١٥).
ب - دَلاَلَةُ السُنَّةِ:
وهو أمر أشهر من أن يخفى لكثرة ما تواردت عليه الأحاديث في الوقائع التي لا تحصى كثرة كما صرح بذلك أئمة أهل العلم (١٦)، أذكر منها هذه الأحاديث مُبَيِّنًا تَخْرِيجَهَا:
١ - «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
وهذا حديث متواتر بلغ رواته من الصحابة نحو ثلاثين صَحَابِيًّا، كما ذكر الإمام السيوطي في " تدريب الراوي " (١٧).
وهو دليل جَلِيٌّ جِدًّا على الموضوع، استدل به الإمام السرخسي الحنفي على وجوب قبول حديث الواحد الصحيح، قال يوجه استدلاله (١٨): «ثم أن مَنْ بعثه رسول الله - ﷺ - خليفته في التبليغ - يعني واجب الامتثال - فكل من سمع شَيْئًا في أمر الدين فهو خليفته في التبليغ، مأمور من جهته بالبيان». يعني فيكون واجب القبول أيضًا، فثبت بذلك وجوب العمل بخبر الواحد.
٢ - حديث أنس بن مالك - ﵁ - في تحريم الخمر: قال: « إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ، وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ»، فَقَالَ أبو طلحة: يَا أَنَسُ، أَرِقْ هَذِهِ الْقِلاَلَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا، وَلاَ سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ». متفق عليه.
٣ - حديث عبد الله بن عباس - ﵄ - قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلاَلَ - قَالَ الحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ - يَعْنِي هِلاَلَ رَمَضَانَ -، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «يَا بِلاَلُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ صُومُوا غَدًا» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وورد نحوه عن ابن عمر وأنس بن مالك وربعي بن حراش (١٩) وقد صحح العلماء ذلك.
_________________
(١) ج ٢ ص ١٣٤.
(٢) " كشف الأسرار " لعبد العزيز البخاري: ج ١ ص ٦٩٢.
(٣) نفس المكان.
(٤) البزدوي في كتابه " أصول الفقه "، وكذا غيره، وانظر مَزِيدًا من سرد الأحاديث في " شرح البخاري " عليه: ج١ ص ٦٩٣ - ٦٩٤.
(٥) ج ٢ ص١٧٩، وانظر " كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس " للعجلوني: ج٢ ص ٤٤١.
(٦) " أصول السرخسي ": ج١ ص ٣٢٥.
(٧) انظر " توضيح الأفكار ": ج ٢ ص ٤٦٧.
[ ١٦٥ ]
وغير ذلك كثير لا نطيل به، فقد بلغ مبلغ التواتر المعنوي، فضلًا عن تواتر الحديث الأول بنفسه كَمَا بَيَّنَّا، نحيل القارئ للتوسع فيه إلى المراجع.
ج - إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ:
فقد تواتر عنهم العمل بخبر الواحد، حتى تركوا لأجله اجتهادهم. قال الإمام الغزالي في " المستصفى " (٢٠): «تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ فِي وَقَائِعَ شَتَّى لاَ تَنْحَصِرُ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ آحَادُهَا فَيَحْصُلُ العِلْمُ بِمَجْمُوعِهَا» أي أنها بمجموعها تبلغ درجة التواتر المعنوي، فتفيد بمجموعها العلم اليقيني القطعي.
وقال العَلاَّمَةُ المُحَقِّقُ محب الله بن عبد الشكور في كتابه "مُسَلَّم الثبوت" (٢١):
«ثَانِيًا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، بِدَلِيلِ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ مِنَ الاِحْتِجَاجِ وَالعَمَلِ بِهِ فِي الوَقَائِعِ التِي لاَ تُحْصَى مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ عَادَةً ».
ومن أمثلة عمل الصحابة بخبر الواحد:
١ - عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - بحديث عبد الرحمن بن عوف في قضية المجوس، وهم عبدة النار، حيث شهد عبد الرحمن بن عوف «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» يعني الجزية. فأخذ بذلك عمر. أخرجه " البخاري " وغيره (٢٢).
٢ - كذلك عمل عمر بن الخطاب في دية الجنين، كما رواه عنه ابن عباس - ﵄ -: أَنَّ عُمَرَ نَاشَدَ النَّاسَ فِي الجَنِينِ فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [بِمِسْطَحٍ] فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي [جَنِينِهَا] بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا». أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي، وأخرجه ابن حِبَّان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " (٢٣)، وأصله في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة.
فقد عمل الصحابة بحديث الواحد ولم يختلفوا في الاحتجاج بأخبار الآحاد، حتى تم إجماعهم على العمل بموجبها كما في الحديثين اللذين ذكرناهما، مما يدل على استقرار قضية العمل بخبر الواحد الصحيح لديهم، وأنها قضية مسلمة عندهم إجماعًا.
إِشْكَالٌ عَلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ:
اعترض المخالفون على ما ذكرنا ببعض ما ورد من تحري الصحابة وتثبتهم، فجعلوه اعتراضًا على دلائل إجماعهم على وجوب العمل بخبر الواحد، ولعل أشهر ذلك وأقواه هذان الحديثان:
١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالمَدِينَةِ فِي مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ أَبُو مُوسَى فَزِعًا لَهُ، فَقَالُوا: مَا أَفْزَعَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرَ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنًا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلاَثًا، فَلَمْ تَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ».
قَالَ: لِتَأْتِيَنِي عَلَى هَذَا بِالبَيِّنَةِ!.
فَقَالُوا: لاَ يَقُومُ إِلاَّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي مُوسَى: «إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٢٤).
_________________
(١) ج ١ ص ١٤٨.
(٢) ج ٢ ص ١٣٢ من نسخة " شرحه " مع " المستصفى ".
(٣) " نصب الراية ": ج ٣ ص ٤٤٨.
(٤) " نصب الراية " للزيلعي: ج ٤ ص٣٨٤.
(٥) " فواتح الرحموت ": ج ٢ ص١٣٣.
[ ١٦٦ ]
٢ - حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فقالت عائشة - ﵂ -: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)؛ [وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ]: (إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. متفق عليه.
زاد مسلم: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ».
والجواب عن هذا: أنه ليس من إنكار خبر الواحد، لكن من باب التثبت والاحتياط لضبط الحديث، فهذا عمر - ﵁ - يقول: «إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ » وحديث تعذيب الميت ببكاء أهله رَدَّتْهُ عائشة - ﵂ - اجتهادًا منها كما هو ظاهر، لكن الحديث وارد في معنى صحيح يتحمل فيه الميت مسؤولية ذلك مثل أن يوصي أهله بالبكاء عليه كما كان يفعله أهل الجاهلية، يؤيد ذلك أن في رواية عمر - ﵁ - لفظ الحديث: «بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ».
فظهر بذلك أنه لا إشكال على حجية خبر الواحد الصحيح عند الصحابة الكرام.
[د] دَلاَلَةُ العَقْلِ عَلَى حُجِّيَّةِ الوَاحِدِ:
وحقيقة ذلك أن الاحتجاج بخبر الواحد الصحيح أمر بدهي تقضي به الفطرة، لا يحتاج إلى كثير من الاستدلالات والبراهين، فما من إنسان إلا وهو يعول في إبرام شؤونه في العمل أو التجارة أو الدراسة أو غيرها على ما يخبره به واحد موثوق من الناس، حيث يقع في نفسه صدق المخبر، ويغلب على احتمال الغلط أو احتمال الكذب، بل إن الشؤون الكبرى في مصير الأمم يعتمد فيها على أخبار الآحاد المعتمدين، كالسفراء، أو المبعوثين من قبل الحكومات، فالتوقف عن قبول خبر الواحد يفضي إلى تعطيل الدين والدنيا.
اشْتِبَاهُ تَرْكِ الفَقِيهِ لِلْحَدِيثِ:
تردد في بعض الأبحاث نسبة ترك الحديث إلى الفقهاء، وربما عَبَّرَ بعض الكاتبين بما لا يفهم حقيقة موقف الأئمة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، بل إن بعضهم ربما صدر عنه مثل هذا لأنه لم يحتمل أن يرى عند أحد من الأئمة فهمًا أو استنباطًا غير فهمه هو، وقد جازف بعضهم فزعم أن «الأحاديث التي خالفوا أوامره - ﷺ - فيها التي لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف كما قال ابن حزم». هكذا بصيغة الألوف جمع الكثرة لا (الآلاف) جمع القلة.
وهذا قول غريب جِدًّا، فهل ترك أئمة الإسلام كل أحاديث الأحكام؟؟ ثم ها هي ذي مصادر تخريج أحاديث الأحكام التي هي موضوع نظر الفقهاء ليخبرونا كم بلغت فيها عدة هذه الأحاديث؟؟.
إن القضية في واقع الأمر أن الإمام المجتهد قد يجد أمامه من الأدلة ما يجعله يقدم -على الدليل الذي بين يديه دليلًا أقوى منه، أو يفهم منه معنى غير الذي أخذ به غيره أو استنبطه من النص.
وأسرد لذلك ثلاثة أمثلة أشرح بها للأخوة القرّاء مواقف المجتهدين، فيتذكروا بذلك ما يجب تجاه أئمة هذا الدين، ولا يغتر أحد بما يردد من القيل حول هذه القضية من هجر الفقيه للحديث الصحيح، أو ادعاء أنه لم يطلع على الحديث. وهي أمثلة لفقهاء كبار من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.
[ ١٦٧ ]
المثال الأول: حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل رسول الله - ﷺ - لها سكنى ولا نفقة، قال عمر ﵁: «لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ، أَوْ نَسِيَتْ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، قَالَ اللهُ - ﷿ -: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]» متفق عليه (٢٥).
فقد وجد عمر - ﵁ - أن الأقوى هو الأخذ بنصوص القرآن وَالسُنَّةِ التي تدل على وجوب النفقة والسكنى لكل مطلقة مدة العدة، ومن ذلك المطلقة ثلاثًا، فقدم ذلك على حديث فاطمة بنت قيس ووافقه على ذلك كثير من الصحابة، وعمل بعض الصحابة بحديث فاطمة بنت قيس، لكن أحدًا لم يتهم عمر - ﵁ - بترك الحديث وعصيان أمر النبي - ﷺ -.
المثال الثاني: حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» متفق عليه (٢٦).
التصرية هي ربط أخلاف (أي أثداء) الناقة والشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فنهى عن التصرية عند البيع لذلك.
وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى الأخذ بظاهر الحديث لمن اشترى شاة مصراة، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر مقابل الحليب الذي احتلبه منها.
وذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن وعليه الفتوى عند الحنفية إلى أنه لا يرد البيع بعيب التصرية، بل يجب الأرش، وهو أن يدفع البائع للمشتري عوضًا عن نقصان ثمن الشاة، الذي تبين له باكتشاف العيب أنها كانت مِصَرّاةً.
وقد اشتهر عن الحنفية أنهم قدموا القياس على الحديث الصحيح، والقياس رأي، ومعلوم أنه لا رأي في مقابل النص.
والحقيقة أن لفظة قياس هنا أوهمت غير المراد، وإن استعملت في بعض كتب أصول الحنفية، فإن المراد بالقياس هو الأصل الشرعي الثابت بأدلة القرآن وَالسُنَّةِ القطعية، التي توجب المساواة في العوض. مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وهذا عمل بالنص في الموضوع مُدَعَّمًا بأصول متفق عليها في المعاملات المالية (٢٧)، نحو صنيع عمر - ﵁ - في قصة فاطمة بنت قيس.
المثال الثالث: ما أخرجه مالك عن نافع عن ابن عمر: ان النبي - ﷺ - قال: «المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ» وهو حديث متفق عليه، (٢٨). وهذه السلسلة أصح الأسانيد وتسمى سلسلة الذهب، فقال الشافعي وأحمد بظاهر النص وهو تشريع الخيار بعد عقد البيع بعد أن يتفرق البَيِّعَانِ.
وخالف الإمام مالك راوي الحديث بهذا السند الذي هو أصح الأسانيد وكذا الحنفية، وقالوا لهما الخيار بعد إيجاب أحدهما بقوله: «بِعْتُ» مثلًا قبل قبول الآخر بقوله: «اشْتَرَيْتُ».
والسبب في ذلك أن القرآن أباح الانتفاع بالمبيع وبالثمن بمجرد العقد في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] لم يقيده بما بعد المجلس، وكذلك ما قاله الإمام مالك نفسه في " الموطأ " فقال عقب رواية الحديث: «وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ، وَلاَ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ».
_________________
(١) انظر كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ٥٣، ٥٤. وتنبه إلى أن لفظة «صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لا أصل لها في رواية الحديث.
(٢) انظر دراسة الحديث من كتابنا " دراسات تطبيقية في الحديث النبوي " - المعاملات -: ص ١٣٧ - ١٤١.
(٣) انظر التفصيل في كتابنا " دراسات تطبيقية "، وقد وضحنا هناك ميلنا مع الجمهور، ونبين هنا دفع الطعن عن الحنفية ومن وافقهم في أصل الفكرة مثل الزيدية وغيرهم.
(٤) انظر تخريج الحديث ودراسته في كتابنا " دراسات تطبيقية ": ص ١٥٧ - ١٦٠.
[ ١٦٨ ]
وحاصله أنه لم يَدْرِ كَمْ يَسْتَمِرُّ المَجْلِسُ، فلو توقف الملك على التفرق لأدى إلى الغرر، وقد ثبت تحريم بيع الغرر بالسنن الصحيحة والإجماع. لذلك قالوا: إن المراد من الحديث إلا أن يتفرقا بأقوالهما، وذلك بأن يتم الإيجاب والقبول، ولفظ الحديث يتحمل هذا المعنى فعملوا بالحديث عليه للأدلة التي عرفتها، وهذا لا يجوز أن يجعل تَرْكًا لِلْسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
أَثَرُ الخَبَرِ الآحَادِي الصَّحِيحِ فِي العَقِيدَةِ:
نمهد لهذا البحث ببيان مراتب العلم الذي يستفاد من الدليل المعمول به في الشريعة: وهي ثلاث مراتب:
١ - العلم اليقيني القطعي: وهو ما ثبت بالأدلة القطعية اليقينية، كنص القرآن الكريم والحديث المتواتر، والحكم العقلي الذي لا يقبل رَدًّا، لكونه مِنَ المُسَلَّمَاتِ، مثل: «الثَّلاَثَةُ أَكْثَرُ مِنَ الاثْنَيْنِ»، وكون «الاثْنَيْنِ نِصْفُ الأَرْبَعَةِ». وهذا النوع يعرفه كل متعقل، ولو لم يكن من أهل الاختصاص العلمي في المسألة.
والدليل الذي يثبت هذا العلم يجب قبوله والاعتقاد به وَيُكَفَّرُ جَاحِدُهُ، لأنه لفرط ظهور قطعيته صار مِنَ المُسَلَّمَاتِ المَقْطُوعِ بِهَا. وصارت الوسائط كأن لم تكن، وصار المطلع عليه كالسامع من النبي نفسه سواء بسواء، فيكون منكره مُكَذِّبًا بِالنَّبِيِّ - ﷺ -.
٢ - العلم النظري: وهو علم يقيني، لكن ليس ضروريًا، أي ليس ظاهرًا لكل أحد، إنما هو علم نظري استدلالي، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في العلم، لتبحر الباحث في علم الحديث وفي أحوال الرواة والعلل
٣ - علم غلبة الظن، والمراد بها: إدراك رجحان صدق القضية ووقوع ذلك في القلب موقع القبول، وذلك في كل قضية دَلَّ دليل صحيح على ثبوتها، لكن بقي احتمال مغلوب بعدم الثبوت، لم يقطع الدليل ذلك الاحتمال، فهذا الاحتمال لا يمنع من القبول، وربما يظنه بعض الناس ولا سيما العوام يَقِينًا، لعدم تفريقهم بين الأمرين، وإنما هو علم قائم على الشعور القوي بصحة القضية، وهذا يجب العمل به والأخذ بمقتضاه في الأحكام، كما أوضحنا فيما سبق، وهو في الواقع نوع من العلم، كما قال بعض الأصوليين. إنه إدراك الطرف الراجح. وهو ملزم أَيْضًا، لكن العلماء نَبَّهُوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي في هذا النوع والذي لا يلتفت إليه، ليأخذ حكمه المناسب، بإزاء المرتبتين السابقتين.
بعد هذا البيان لمراتب العلم فإني أرى أَيْضًا استكمال التمهيد بأن أقسم خبر الواحد الصحيح إلى قسمين:
القسم الأول: خبر الواحد الصحيح من حيث هو. أي لم تحتف به قرائن تقويه.
القسم الثاني: خبر الواحد الصحيح الذي احتف بقرائن تقويه، وترتفع به عن غلبة الظن.
وهذا التمهيد في الواقع مُهِمٌّ جِدًّا لتسهيل فهم البحث على القارئ ووضوح الرؤية فيه، كي لا يتوهم من البحث ما لا يقصد من سياق العبارات.
عِبَارَاتٌ مُوهِمَةٌ فِي أَثَرِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ:
وقع في بعض النشرات التي صدرت في بيان حكم الحديث الصحيح عِبَارَاتٌ مُوهِمَةٌ، تحتاج إلى تحرير المراد منها، نسوق للقارئ بعض النماذج منها فيما يلي:
[ ١٦٩ ]
١ - «فكما كان لا يجوز للصحابي مثلًا أن يرد حديث النبي - ﷺ - إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه - ﷺ -، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها ما دام أن المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين، كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي - ﵀ - تعالى.
ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا السنة النبوية وأهملوها، بسبب أصول تبناها بعض علماء الكلام وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين».
٢ - «إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية تثبت بحديث الآحاد، وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام ».
٣ - «لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة! وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن، ويعنون به الظن الراجح طَبْعًا، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام، اتفاقًا ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية، والمسائل العلمية، وهي المراد بالعقيدة».
٤ - ذكروا تحت عنوان: فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم:
قال ابن القيم - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (٢/ ٣٦٨):
«وَإِنَّمَا أُتِيَ مُنْكِرُ إِفَادَةِ خَبَرِ الوَاحِدِ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُ قَاسَ المُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَرْعٍ عَامٍّ لِلأُمَّةِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى خَبَرِ الشَّاهِدِ عَلَى قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا! فَإِنَّ المُخْبِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَذَبَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ إِضْلاَلُ الخَلْقِ، إِذِ الكَلاَمُ فِي الخَبَرِ الذِي تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ وَعَمِلَتْ [بِمُوجَبِهِ]».
٥ - سبق قبل هذا قولهم: «والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث أحادي صحيح تلقته الأمة بالقبول من غير نكير منها عليه أو طعن فيه، فإنه يفيد العلم واليقين، سواء كان في أحد " الصحيحين " أو في غيرهما».
٦ - وفي نشرة أخرى يقولون: «إن دعوى اتفاق الأصوليين على ذلك القول دعوى باطلة، وجرأة زائدة، فإن الاختلاف معروف في كتب الأصول وغيرها، وقد نص على أن خبر الواحد يفيد العلم الإمام مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كابن حزم ».
٧ - نقلوا عن الشيخ أبي اسحاق الشيرازي من فقهاء الشافعية قوله: «وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب العلم والعمل، سواء عمل به الكل أو البعض». ونقلوا قول القاضي أبي يعلى الحنبلي: «خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده، ولم تختلف الرواية فيه، وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه الأمة بالقبول». قال: «والمذهب على ما حكيت لا غير».
ففي هذه العبارات إيهامات لغير الحق منها:
١ - إيهام أن المتأخرين من علماء المذاهب لم يأخذوا بالحديث الآحادي الصحيح في العقائد، كما قد يفهم من العبارتين رقم / ١ و٢/ وأنهم خالفوا مذاهب أئمتهم، في هذا الأمر، وأسلوب العبارة قد يؤخذ منه
[ ١٧٠ ]
التعميم، كما أنه لم يميز بين ما احتف بالقرائن وبين ما لم يحتف، ولم يوضح الوجه الذي حصل به عدم أخذهم بالحديث الصحيح الآحادي في العقائد؟!
٢ - يؤخذ من العبارات عدم التمييز بين الخبر الآحادي الصحيح المحتف بالقرائن وبين المجرد عنها، حيث يذكر كلام العلماء في أن الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم ويجعل هذا شاهدًا على إفادة الحديث الصحيح للعلم بتعبير مطلق لم يقيده بأنه محتف بالقرائن، كما يلاحظ أن التقديم الملخص لفكرة النشر التي نناقشها، يذكر اختيار إفادة الحديث الصحيح المتلقى بالقبول عند الأمة للعلم، ومضمون النشرة تارة يتقيد بذلك وتارة لا يتقيد وهو الأكثر.
٣ - في العبارة رقم /٦/ ينسب القول بإفادة الخبر الآحادي العلم إلى الشافعي ومالك وأصحاب أبي حنيفة، دون تقييد بكونه تلقته الأمة بالقبول، بينما كلام الإمام الشيرازي الشافعي واضح بأن هذا الحكم إنما هو للحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، وكذلك صرح أبو يعلى الحنبلي بأن على هذا أَيْضًا المذهب أي مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - تعالى.
ونحرر فيما يلي البحث في هذه النواحي، بتحقيق يضع كل جزئية في موضعها الصحيح إن شاء الله تعالى:
أَثَرُ الخَبَرِ الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ فِي العَقِيدَةِ:
المعروف أن الخبر الآحادي الصحيح الذي لم تتلقه الأمة بالقبول، ولم يحتف بقرائن تُقَوِّيهِ لا يفيد العلم اليقيني، بل يفيد علم غلبة الظن، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وجماهير علماء أصول الفقه، وعباراتهم في ذلك أكثر من أن تحصر.
وذهب ابن حزم وبعض أهل الحديث إلى أنه يفيد العلم، ونسب ذلك الباجي إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد للإمام مالك.
لكن في هذه النسبة إشكال: فقد رأيت من كلام القاضي أبي يعلى الجزم بأن مذهب الإمام أحمد إنما هو في إفادة الخبر المتلقى بالقبول للعلم، خِلاَفًا لمن لم يقيده بذلك، وكذلك نازع المازري ابن خويز منداد فيما نسبه لمالك (٢٩)، وكتب أصول الفقه المالكي واضحة في اتجاه المازري. وقد استنكر الأصوليون أصل هذا المذهب، وَأَوَّلُوا مَا عُزِيَ مِنْهُ لِلأَئِمَّةِ؛ قال الإمام الغزالي (٣٠): «خَبَرُ الوَاحِدِ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّا لاَ نُصَدِّقُ بِكُلِّ مَا نَسْمَعُ، وَلَوْ صَدَّقْنَا وَقَدَّرْنَا تَعَارُضَ خَبَرَيْنِ فَكَيْفَ نُصَدِّقُ بِالضِّدَّيْنِ وَمَا حُكِيَ عَنْ المُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُوبِ العَمَلِ؛ إذْ يُسَمَّى الظَّنُّ عِلْمًا». أي لكن لا يراد به المعنى الاصطلاحي الذي شرحناه من قبل.
فالحقيقة أن مستقر هذه الفكرة هو مذهب الظاهرية، وقد قال بها بعض العصريين وَرَجَّحَهَا تَبَعًا لميله إلى ابن حزم الظاهري.
وليس مراد الجمهور من قولهم: «لاَ يُفِيدُ العِلْمَ» أنه لا يلزم تصديقه كما قد يتوهم، بل مرادهم أنه ليس بمنزلة المتواتر لأن المتواتر يفيد عِلْمًا قَاطِعًا يَقِينِيًّا لا يخطر في البال وجود أي احتمال للخطأ فيه، مهما كان الاحتمال ضعيفًا، مثل واحد من مليون. أما خبر الواحد فيفيد الصدق والقبول، لكن يقع في ذهن الباحث العالم أنه قد يحتمل وقوع الخطأ أو الكذب فيه، لما سبق أن الثقة ليس معصومًا من الذنب، وليس وصفه بالضبط يعني أنه لا يخطئ، بل يعتبر ثقة إذا كانت أوهامه
_________________
(١) " تدريب الراوي ": ج ١ ص ٧٥.
(٢) " المستصفى ": ج ١ ص ١٤٥. وانظر " شرح مسلم الثبوت ": ج ٢ ص ١٢١.
[ ١٧١ ]
نادرة. فالاحتمال موجود في تصور العقل، لكنه بعيد لغلبة صدق الراوي وأمانته وضبطه للحديث، فكان من منهج العلماء العلمي الدقيق التنبيه على مثل هذا الفرق، لوضع كل شيء في موضعه الذي هو عليه، وإن كان مثل هذا قد يخفى على كثير من الناس، ولا سيما العوام، بل إن عامة الناس، بل بعض أهل العلم الذين لم يمهروا في تطبيق أصول هذا الفن قد يكتفي بتدين الشخص عن اتصافه بالضبط، يقول أحدهم: «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ وَهُوَ رَجُلٌ صَدُوقٌ لَوْ قُطِعَتْ عُنُقُهُ لَمْ يَكْذِبْ!». أما المحدث فلا يكتفي بذلك لقبول خبره، حتى يتثبت من ضبطه.
لكن ليس معنى هذا أنه لا يجب التصديق بخبر الواحد الصحيح، كَلاَّ، ثُمَّ كَلاَّ، بل قد قرر العلماء من كل المذاهب لزوم الاعتقاد بالخبر الآحادي الصحيح، كما قرروا وجوب العمل به أَيْضًا، ولم يفرقوا بين الأمرين كما قد يظن.
يقول الإمام السرخسي الحنفي - ﵀ - بعد بيان نحو ما قدمناه (٣١): «فأما الآثار المروية في عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهورة وبعضها آحاد، وهي توجب عقد القلب عليه، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل به أو أهم ».
وقال الإمام البَزْدَوِيُّ في " أصوله " (٣٢): «فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور ومن ذلك ما هو دونه، لكنه يوجب ضَرْبًا من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أَيْضًا، وهو عقد القلب ..».
وقال الإمام الشافعي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - في " الرسالة " (٣٣): «أما ما كان نص كتاب بَيِّنٍ أَوْ سُنَّةٍ مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب.
فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملًا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد، فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصًا منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله.
ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تُبْ، وقلنا: ليس لك إن كنت عالمًا أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم». انتهى.
وغير ذلك كثير لا نطيل به من نقل كلام الأئمة وغيرهم - ﵃ -، يدل على أنهم ألزموا قبول خبر الواحد الصحيح في الاعتقاد والعمل، ولم يفرقوا بينهما في حكم اللزوم هذا.
نعم إنهم فرقوا في هذا الموضوع تفريقًا آخر، هو التفريق في بعض النتائج بين خبر الواحد الصحيح وبين الخبر المتواتر. وهذا الفرق هو أنهم قالوا: من أنكر مسالة فكرية وردت في خبر آحادي صحيح فإنه لا يحل له ذلك ويأثم، لكنه لا يكفر، أما إذا جحد ما ثبت بالتواتر القطعي أو بنص القرآن القطعي فإنه يكفر عِيَاذًا بِاللهِ تَعَالَى.
والسبب في ذلك ما ذكرناه أن إنكار النص اليقيني القطعي يعني التكذيب بالشارع لا محالة، أما إنكار الخبر الآحادي ففيه شبهة احتمال الإنكار على الرواة، وشبهة خطئهم، لما عرفنا أن رواة الخبر الصحيح غير
_________________
(١) ج ١ ص ٣٢٩، ٣٣٠.
(٢) ج ١ ص ٦٩٦.
(٣) ص ٤٦٠، ٤٦١.
[ ١٧٢ ]
معصومين من الخطأ والكذب، وإن كان ذلك مُسْتَبْعَدًا كما ذكرنا، لكن ذلك أورث شبهة منعت من الحكم عليه بالكفر.
وكلام الإمام الشافعي الذي ذكرناه واضح في هذا الحكم قال: «ولو شك في هذا شاك لم نقل له تُبْ، وقلنا: ليس لك إن كنت عالمًا أن تشك كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم».
وقال الإمام صدر الشريعة في كتاب " التوضيح " في أصول الحنفية: «وَالوَاجِبُ لاَزِمٌ عَمَلًا، لاَ عِلْمًا، فَلاَ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ، بَلْ يَفْسُقُ إِنْ اسْتَخَفَّ بِأَخْبَارِ الآحَادِ الغَيْرِ المُؤَوَّلَةِ، وَأَمَّا مُؤَوَّلًا فَلاَ».
ومعنى قوله مُسْتَخِفًّا أي بغير حجة على الإنكار، بدليل مقابلته بالمتأول. أما المستخف حقيقة فحكمه أشد.
وبهذا تكون قضية الخبر الآحادي الصحيح المجرد عن القرائن قد استكملت بيانها بما فيه الكفاية حسب مقتضى هذا المقام هنا إن شاء الله تعالى.