الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاةِ الحَدِيثِ عَدْلًا:
أي متحليًا بصفة العدالة. والعدالة خصلة تلزم صاحبها سبيل الاستقامة والصدق. لأنها كما عرفها العلماء: «مَلَكَةٌ تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَىَ التَّقْوَى وَاجْتِنَابِ الأَدْنَاسِ وَمَا يُخِلُّ بِالمُرُوءَةِ عِنْدَ النَّاسِ».
وتتضمن العدالة خصالًا عدة كما هو ظاهر لمن تأمل في تعريفها، قد فصلها العلماء (٤) وفرعوا أحكام العدالة في الرواية على هذه الخصال (٥). ويجب أن يتنبه إلى أن العدالة لا تعني العصمة من الخطأ، لكن تستلزم تغلب عنصر الاستقامة بحيث لا يكاد يحيد عنه حتى يثوب ويرجع إليه، لذلك قالوا: من غلب نقصه على فضله وهب نقصه لفضله.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي ضَابِطًا لِمَا يَرْوِيهِ:
وهذه الصفة تمنح الراوي القدرة على أن يروي الحديث كما سمعه. ويقسم المحدثون الضبط إلى قسمين:
القسم الأول: ضَبْطُ صَدْرٍ: ومعناه أن يحفظ الحديث عن ظهر قلب من حين سماعه إلى أن يؤديه، ويشترط فيه التيقظ لما يرويه، وألا يكون مُغَفَّلًا، وإن كان حَدَّثَ بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عَالِمًا بما يحيل المعاني.
القسم الثاني: ضَبْطُ كِتَابٍ: ومعناه أن يعتمد الراوي في الرواية على وثائق كَتَبَ فيها الأحاديث التي تلقاها من شيوخه، ويشترط فيه أن يكون ضابطًا لكتابه محافظًا عليه أن تمتد إليه يَدٌ بالتبديل أو التغيير.
_________________
(١) " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي " للسيوطي: ج١ ص ٤١.
(٢) انظر التعريف في مطلع كتاب " علوم الحديث " للإمام أبي عمرو ابن الصلاح.
(٣) منذ عصر الأولى كما نجده عند الشافعي في " الرسالة ": ص ٣٧٠.
(٤) انظر على سبيل المثال " علوم الحديث " لابن الصلاح ص ٩٤ و" شرح الألفية في علم الحديث " للحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي: ج٢ ص ٢ - ٨ وكتابنا " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ٧٩ وما بعد. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هذا العنصر من وضعي أدرجته لتناسق البحث.
[ ١٥٩ ]
وللضبط مقياس دقيق وضعه العلماء، عَوَّلُوا عليه في كشف مستوى حفظ الراوي للحديث، وهو كما لخصه الإمام ابن الصلاح (٦): «أَنْ نَعْتَبِرَ - أي نقايس - رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ الْمَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً - وَلَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى - لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالْمُخَالَفَةُ نَادِرَةُ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطًا [ثَبْتًا]، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهُمْ، عَرَفْنَا اخْتِلاَلَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ».
فإذا اجتمع في الراوي هذان الركنان: العدالة والضبط فهو حجة يلزم العمل بحديثه إذا استوفى الحديث بقية شروطه، ويطلق على الراوي حينئذ «ثِقَةٌ». وذلك لأنه تحقق فيه الاتصاف بالصدق، وتحلى بقوة الحفظ الذي يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، فتحقق أنه أدى الحديث كما سمعه فصار حجة، وإذا اختل فيه شيء من خصال الثقة كان مردود الحديث بحسب الاختلال الذي لحقه.
وتحقيق هذين الشرطين في توثيق الراوي يستدعي استيفاء النظر فيه من جميع وجوه البحث في الرواة، وتتركز في وجهين يجمع كل واحد منهما عَدَدًا من علوم الحديث وقواعده:
الوجه الأول: البحث في الراوي من حيث تحديد شخصه، أي بعبارة عصرنا تحصيل ما يسمى الآن بطاقة شخصية «تَذْكِرَةُ هَوِيَّةٍ» للراوي، وذلك من ناحيتين:
- الأولى: ناحية اسم الراوي واسم أبيه وقبيلته ونسبته وتمييزه عما يشابهه في شيء من ذلك من أسماء الرواة، وذلك بدراسته في ضوء مجموعة علوم تدرس الرواة من هذه الناحية تبلغ ثلاثة عشر عِلْمًا في أصولها، سميتها علوم أسماء الرواة.
الناحية الثانية: تحديد شخص الراوي من حيث وجوده الزماني والمكاني، وذلك بمجموعة علوم نُسَمِّيهَا "علوم الرواة التاريخية "، يبلغ عدد أصولها عشرة أنواع من العلوم.
الوجه الثاني: البحث في الراوي من جهة العلوم التي تُعَرِّفُ بحاله من حيث القبول أو الرد.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الاِتِّصَالُ:
أي اتصال السند: ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة من أول السند حتى يبلغ التلقي قائله.
وهذا الشرط يستدعي البحث من جهتين:
الأولى: بحث السند من حيث الاتصال أو الانقطاع، فإذا كان مُتَّصِلًا بقانون أي نوع من أنواع الاتصال - وهي خمسة أنواع - كان مقبولًا إذا ثبت استيفاؤه بقية الشروط، أما إذا كان مُنْقَطِعًا بموجب أي قانون من قوانين أنواع الانقطاع - وهي ستة أنواع - كان غير مقبول.
الجهة الثانية: قوانين الرواية وهي خمسة أنواع من العلوم الحديثية، ولها صلة وثيقة بالاتصال لأن بعض طرق تحمل الحديث لا يعتبر الحديث به متصل السند، مثل الوجادة، كما أن المقبول منها درجاته متفاوتة، فَضْلًا عن دلالة هذه العلوم على جانب التوثيق السابق فيما يتبين من تطبيق الراوي لها بدقة، أو تساهله فيها، وبيان مدى ذلك التساهل.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَكُونَ الحَدِيثُ شَاذًّا:
الحديث الشَاذُّ هو ما رواه الثقة مُخَالِفًا لمن هو أوثق منه بمزيد ضبط، أو كثرة عدد.
وينقسم إلى قسمين: شاذ المتن، وشاذ السند.
_________________
(١) في كتاب " علوم الحديث ": ص ٩٥، ٩٦.
[ ١٦٠ ]
والسبب في اشتراط عدم الشذوذ أن الثقة إذا خالفه من هو أقوى منه كان ذلك دليلًا على أن هذا الثقة قد وهم في رواية هذا الحديث.
وقد يقال: ما فائدة هذا الشرط طالما أننا اشترطنا في الراوي أن يكون ضابطًا؟.
والجواب أن الضبط ملكة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وَهْمٌ في بعض ما يرويه، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ.
الشَّرْطُ الخَامِسُ: أَلاَّ يَكُونَ الحَدِيثُ مُعَلًاّ:
والحديث المُعَلَّلُ هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحة الحديث مع أن ظاهره السلامة منها. وهو على قسمين: معلل السند، ومعلل المتن.
وهذا الشرط يفيد في خلو الحديث من أي وصف قادح في صحة الحديث يكون الحديث بحسب الظاهر سليمًا منه.
وتعبيرنا بقولنا «وَلاَ مُعَلًاّ» موافق لعبارة ابن الصلاح، وهو أصح وأدق من تعبير غيره بقوله: «مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلاَ عِلَّةٍ» وهو تعبير درج عليه بعض العصريين، وذلك لأن كلمة «عِلَّةٍ» تطلق على نوعين، علة قادحة، وعلة غير قادحة كما هو مُقَرَّرٌ في أصول الحديث، فلم يكن التعبير بـ «عِلَّةٍ» صريحًا في المراد، أما المُعَلَّلُ فلا يكون إلا مُتَضَمِّنًا في باطنه وَصْفًا قَادِحًا في صحة الحديث.
وهذان الشرطان الأخيران يستوجبان بحث الحديث من ناحية متنه على ضوء علوم المتن كلها، وذلك لأنه لا يمكن الحكم على المتن بالشذوذ أو الإعلال أو بسلامته منهما إلا بعد دراسته من جميع الوجوه، وقد تكفلت بذلك علوم المتن.
كذلك يستوجب هذان الشرطان بَحْثَ الحديث من ناحية تفرد الراوي به أو عدم تفرده؛ وأنه قد تعدد رواته، وهل التعدد وقع من الرواة مع الاتفاق في المروي أو مع الاختلاف في المروي، وهو بحث يشترك فيه السند والمتن، وفيه ثلاث مجموعات من علوم الحديث هي:
أولًا: تفرد الراوي بأي نوع من أنواع التفرد.
ثانيًا: مجموعة علوم تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم.
ثالثًا: مجموعة علوم تعدد رواة الحديث مع اختلافهم.
وربما يتوهم بعض الناس الاكتفاء بالحديث المعلل عن المجموعة الثالثة وتضم عشرة أنواع من علوم الحديث، منها الحديث المعلل؟ لكن هذا ليس صحيحًا، لأن أسباب القدح في الحديث المعلل كثيرة، تستنبط من الأنواع الأخرى لاختلاف الروايات سَنَدًا أَوْ مَتْنًا، ويستعان بها للتوصل إلى إعلال الحديث.
وهكذا اشتملت شروط الحديث الصحيح على اختبار الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا من جميع جوانب البحث، واتضح بطلان ما وقع في كلام بعض المستشرقين من ادعائهم أن المحدثين ينظرون في نقدهم للحديث إلى الشكل فقط، فقد تبين من هذا البحث الموجز كيف احتاج الحُكْمُ بتصحيح الحديث إلى إعمال كل قواعد المصطلح، وأن هذه القواعد تعنى بدراسة المضمون «المَتْنِ» من جميع الجهات كما تعنى بدراسة السند أَيْضًا.
وقد أصبح هذا الشرح والفهم العميق الكلي للحديث الصحيح مُيَسَّرًا بنتيجة ما وُفِّقْنَا
[ ١٦١ ]
إليه بفضل الله تعالى من التوصل إلى صياغة هذا العلم صياغة جديدة تدرس قواعده في شكل نظرية نقدية متكاملة، تتألف فيها أنواع علوم الحديث، وتدرس كل مجموعة من المجموعات التي سبق أن ذكرناها في باب مستقل بعد أن كانت مفرقة مختلطة ببعضها، وتنتقل بقواعد هذا العلم من التجزيء إلى التكامل، ومن المسائل المتفرقة التي قد يظن أنها وضعت دون غاية إلى النظرية المتناسقة التي تجلو دقة علم المصطلح وشموله، وقد أبرزنا ذلك ههنا في شرح تعريف الصحيح بإجمال يلقي ضَوْءًا على الفكرة العامة لهذه النظرية، ويوضح في نفس الوقت دقة علماء الحديث في هذه الشروط التي جعلوها دليلًا على صحة الحديث وأن رواته أَدُّوهُ كما سمعوه.
وذلك أن العدالة والضبط يحققان أداء الحديث كما سمع من قائله، واتصال السند على هذا الوصف، في الرواة يمنع اختلال ذلك في أثناء السند، وعدم الشذوذ يحقق ويؤكد ضبط هذا الحديث بعينه، وعدم الإعلال يدل على سلامته من القوادح الخفية بعد أن استدللنا بسائر الشروط على سلامته من القوادح الظاهرة، فكان الحديث بذلك صحيحًا لتوفر عامل النقل الصحيح، واندفاع القوادح الظاهرة والخفية، فيحكم له بالصحة بالإجماع.