ما سبق هو العَدْل في الشهادة، أما العَدْل في الرواية فيُشترط فيه مع العدالة الدينية أن يكون ضابطًا.
- تعريف الضبط: نَقْلُ المرويِّ كما تَلقّاهُ الراوي (لفظًا أو معنى).
- تعريف الضابط: هو من كان نَقْلُه للمَرْويِّ مُطابقًا لما تَلقّاهُ عن شيخه (لفظًا أو معنى).
هذا التعريف هو تعريف الضابط حال كونه ضابطًا لما رَوى، وأما تعريف الراوي الضابط مطلقًا: فهو من غَلَب على الظن أن نَقْلَه موافقٌ لما تلقّاه، أو هو: من كان احتمالُ صوابه أكبرَ من احتمال خطئه.
وكونُ الراوي ضابطا لا يعني قبول حديثه مطلقا، ولا يعني أنه لا يخطئ أبدًا، وإنما يعني أن الأصل قبول حديثه، بشرط أن لا يَظهر ما يستدعي الشّكَّ في ضبطه حديثًا معيّنًا:
o إما بسبب أنه خالف ما هو أَوْلى منه ضَبْطًا: كقوة الضبط وكثرة العدد.
o وإما لأنه انفرد بأصلٍ (مَتْنِيٍّ أو إسناديّ) بما لا يَقَعُ في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تَفَرُّدَه.
[ ٢٠ ]
والراوي غير الضابط: هو من كان احتمالُ خطئه أكبرَ من احتمال صوابه أو مساويًا له، إما بسبب كثرة أخطائه أو بسبب سوء الخطأ، مما شكّكَ في قدرته على الضبط (بتساوي الاحتمالين)، أو غلَّبَ الظنَّ بخطئه فيما يرويه (بكثرة احتمال خطئه على احتمال صوابه). فإن بلغ فُحْشُ الخطأ درجةَ بُعد احتمال وُقُوعِه إلا بسبب قادحٍ في العدالة: لغفلةٍ شديدةٍ تخالف شَرْطَ العقلِ في الراوي العدل، أو لورود احتمال تَعَمُّدِ الإخبار بخلاف الواقع (الكذب): فينتقل ذلك القادحُ من القَدْحِ في الضبط فقط إلى القَدْحِ الأشدّ، وهو القَدْحُ في العدالة.
واتِّصافُ الراوي بعدم الضبط قادحٌ خفيف يقبل التَّقَوِّي مطلقًا، على مراتب في ذلك بحسب درجة ضعف الضبط، ولا يبلغ الراوي درجةَ عدم الاعتبار؛ إلا إن تجاوز فحشُ الخطأ القدحَ في الضبط إلى القدح في العدالة (على ما بيّنّاه آنفًا) (^١).
وعدم الضبط قسمان:
- قائمٌ: وهو الذي يكون الراوي موصوفا به منذ عُرف بالرواية.
- وطارئٌ: وهو الراوي المختلِط، وهو من ساء حفظه بعد إتقان.
وحُكم الراوي المختلط: يُقبل في أربع حالات، ويُردّ في واحدة:
فيُقبل في الحالات التالية:
١ - ما رواه قبل الاختلاط (ويُعرف بتمييز من روى عنه قبل
_________________
(١) وأما (الحديث) فيبلغ درجةَ عدم الاعتبار: إما لعدم عدالة راوٍ في إسناده، أو لترجيح خطأِ راويه.
[ ٢١ ]
القسم الأول: ضبط صدر
الاختلاط ممن لا يتميّز بذلك).
٢ - ما توبع عليه متابعةً تُثبت ضبطَه له.
٣ - إن قُصد مِن وَصْفِه بالاختلاط: التغيّرُ اليسيرُ في الحفظ الذي لا يُنزل الراوي عن مرتبة القبول، وإن نزل به عن منزلته التي كان عليها قبل الاختلاط. فهذا ليس مختلطًا بالمعنى المبدوء بتعريفه، وإن وُصف بذلك.
٤ - إن حُجب عن الرواة بعد الاختلاط، فلم يُؤخَذْ عنه حال اختلاطه.
ويُردُّ ما سوى ذلك من حديث المختلط.
* * *
• قِسْما الضبط:
القسم الأول: ضَبطُ صَدْرٍ: هو القدرةُ على استحضار المرويِّ من الصدر، كما تلقَّاه الراوي (تَلَقِّيَ الإتقان)، دون الرجوع إلى الكتاب، مع شرط عدم إحالة المعنى فيما إذا ما روى بالمعنى.
وصحة الرواية بالمعنى تستوجبُ اجتماعَ أمرين، هما:
١ - فقهُ النَّفْس (وهي القدرة على إدراك مراد الشارع من الدليل الشرعي)، ومما يُعِين عليه: العلمُ بالفروع الفقهية، وبالاختلاف فيها، وبأدلة الاختلاف وأسبابه، وبأصول
[ ٢٢ ]
القسم الثاني: ضبط كتاب
الفقه.
أو أن يَتلقَّى الراوي هذا الفقهَ ممن وُجدت فيه أهليتُه.
٢ - والعلمُ باللغة الممكِّنُ للراوي بأن يحكي المعنى بغير لفظه.
مع العلم بأنّ من الأحاديث النبوية مالا تصحّ فيها الرواية بالمعنى، كالأدعية والأذكار المأثورة عن النبي ﷺ، ومنها ما يُتعبَّد بألفاظها، وكالألفاظ التوقيفيّة (كأسماء الله تعالى وصفاته)، وكجَوَامع كلمه ﷺ.
القسم الثاني: ضَبْطُ كتاب: وهو الروايةُ من كتابٍ فيه مرويَّاتِه التي تلقاها عن شيوخه كما تلقاها عنهم.
وشرطه:
١ - أن يكون المرويُّ مكتوبًا كتابةً صحيحةً تُمكِّن من القراءة الصحيحة منه.
٢ - أن يكون محفوظًا من التغيير أو التلف أو الفقدان.
٣ - وأن لا يُحدِّث صاحبُ هذا الضبط (إذا لم يكن لديه ضبط الصدر) إلا من كتابه هذا أو من نسخةٍ مطابقةٍ له.
* * *
[ ٢٣ ]
• كيفيّةُ معرفةِ العلماء المتقدّمين لضبط الرواة:
وقد كان للنُّقّاد وسائلُ عديدةٌ لمعرفة ضبط الرواة، منها:
١ - الإبدال عمدًا، للاختبار.
٢ - سؤال الراوي عن حديثه في أزمانٍ متباعدة.
٣ - النظر في أصوله وضبطِها، إن كان يروي من كتاب.
٤ - مطالبتُه بأصله للتَّثَبُّت من حفظه، إذا ما حدّث من حفظه.
٥ - الرجوع إلى كُتُب شيخِ الراوي، فَمَن فوقَه، أو جمعُ حديثِه.
٦ - سَبْرُ حديث الراوي، وهي من أهمّ وأدَقّ وسائل معرفة ضبط الراوي:
وهذا السَّبر يتمُّ من خلال عمليّةٍ شاقّةٍ تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فنونها.
على أنه ليس كل الرواة يُمكن سَبْرُ حديثِهم: كالمجهول الذي لم يَرْوِ عنه إلا تلميذٌ ضعيف، أو لم يَرْوِ هو إلا عن شيخٍ ضعيف، أو أنه ما عُرف له حديثٌ إلا محاطًا بضعيفٍ من الجهتين: فكان شيخُه فيه ضعيفًا، وتلميذُه الراوي عنه ضعيفًا. إلا في حالة واحدة، يمكن فيها سَبْرُ حديث مثل هذا المجهول، وهي حالة أن تكون نكارة الحديث أشدّ من درجة ضَعْفِ الراوي الذي فوقه (الشيخ) والراوي الذي تحته (التلميذ)، مما ينتجُ عنه: أن درجةَ النكارة وشدّتَها لا تليق إلا بذلك المجهول.
وكذلك يجب التنبّه إلى أن هذا السَّبْرَ قد يَصعُبُ (ولا يستحيل) حتى على النُّقّاد: إذا لم يكن للراوي إلا رواياتٌ موقوفةٌ ومقطوعة،
[ ٢٤ ]
أو مراسيل غير متصلة أصلا.
كما قد يصعب هذا السَّبرُ أيضًا (ولا يستحيل) عند إقلال الراوي جدًّا، كمن ليس له إلا الرواية الواحدة أو الروايتان، فيصعب غالبا على النُّقّاد سَبْرُ حديث المقلِّين، لكنه لا يمتنع دائمًا. وقد يتوقف فيه بعضهم، وقد يتنبّه غيرُهم لأسباب الحُكم فيه، فيحكمون عليه رُغمَ قِلّةِ حديثِ الراوي.
وعمليّةُ السَّبرِ هذه هي باختصار بالغ: تقوم على تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين:
- الأحاديث التي تَفرَّدَ بها.
- والأحاديث التي شُوْرِكَ في أصل روايتها.
فإن غلبت عليه المفاريد: كان ذلك دليلَ ضعفه، بل ربما كانت دليل وَضْعِه للحديث.
فإن لم تغلب عليه المفاريد، لكنها لم تزل في حيِّز الكثرة، وجب سَبْرُ ما شُورِك فيه وَحْدَهُ، ثم ما انفرد به وَحْدَهُ، ثم يُوازَنُ بين النظرَيْنِ، ليَخرج الناقدُ بالنتيجة.
فبالنظر إلى التّفرّدِ يجب أن تُلْحَظَ ملاحظُ دقيقةٌ جِدًّا، كالملاحظ التالية:
١ - قوّة تأثير المفاريد على دلالة إتقانِه المستنبَطِ مما لم ينفرد به من الحديث وشُورِكَ في أصل روايته:
o فقد يقع في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تفرُّدَه، وقد لا يقع فيه ما يَجبُره.
o وما لا يقع في إتقانه ما يَجبُره: قد تدلّ خِفّةُ درجةِ خطئه
[ ٢٥ ]
على أنه مجرّدُ وَهَمٍ غيرِ مقصود، فلا يؤثّر في عدالة الراوي، وقد تَفْحُشُ درجةُ النكارةِ حتى يغلب على ظن الناقد أو يتيقّن أنّ تلك النكارة لا تقع من عَدْل (كما سيأتي).
٢ - درجة غرابتها، حيث إن الغرابة درجات، وتَفَاوُتُ درجاتها يرجع إلى درجة توفُّر الدواعي لنَقْل الحديث قوةً وضعفا. ومع تَفاوُتِ الدرجات يجب أن يُلْحَظَ موطنُ التفرّد أيضًا: هل هو في المعنى، أم اللفظ، أم الإسناد:
o ففي المعنى: هل تفرّد الراوي بأصل؟ أم كان تَفرُّدُه مجرَّدَ تَفَرُّدٍ بلفظٍ لأصلٍ مشهورِ المعنى؟
o وفي اللفظ: هل اللفظ مما يُستنكر على اللفظ النبوي؟ أم هو مما يليق به؟
o وفي الإسناد: هل هناك تَفَرُّدٌ بأصلٍ إسناديٍّ يصل حَدَّ ما لا يصحّ أن يقع مثله أصلا، أو هو فقط ما لم يقع مثله قط، أم هو إسنادٌ معروف لكنه تفرّد بذلك المتن، فكل واحدة من صور التفرّد هذه أشدُّ غرابةً من الأخرى.
٣ - طبقة الراوي الزمنية: فتفرُّدُ كبار التابعين أوْلى قبولًا من صغارهم، وكبار أتباع الأتباع وإن كانوا دون التابعين في احتمال التفرّد منهم: لكنّ تَفَرُّدَهم أقربُ احتمالا من صغار أتباع التابعين أيضًا.
٤ - علاقة الراوي بمن تفرّد عنه: هل يَحتمِلُ التفرُّدَ عنه لشدّة ملازمته وقوة خبرته بحديثه، أم ليس كذلك.
[ ٢٦ ]
فإن كانت المفاريد قليلةً ولم تصل حدّ التشكيك في عدالته، أو كانت المفاريد لا وجود لها في حديث الراوي، فهو مُشَارَكٌ في كل حديثه. نُظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شُورِكَ في أصل روايته. هل الغالب عليه فيه موافقةُ الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فُحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم.
فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابطٌ في الجملة، عُدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وُجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرّد به؟ هل يحتمل ضبطُه التَّفرُّدَ بما تَفَرَّدَ به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطُه، نظرنا:
هل فيها منكراتٌ شديدة؟ فإن كان فيها شيءٌ من ذلك: ربما أسقطنا حديثه؛ فرُبّ حديثٍ واحدٍ أَسقطَ مائة ألف حديث (كما قال الدارقطني).
ولا يعني ذلك أن الناقد لا ينظر إلى هذا القسم (قِسْمِ ما شُورك فيه الراوي) إلا بعد قِسْمِ ما تَفرَّدَ به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شُورِكَ فيه أصحّ، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل، وهو أقل عمقًا من سَبرِ المفاريد (مع عمقه أيضًا).
وكما أن ما يُردُّ من مفاريد الرواة مراتب (كما سبق)، فكذلك ما يُردُّ من جهة المخالفة مما شُورِكُوا في أصل روايته وتبيّنت فيه مرجوحيّةُ روايتهم، فهو أيضًا مراتب:
ومرجع ذلك إلى الموازنة بين درجة الغلط وحال الراوي من جهة العدالة:
[ ٢٧ ]
o فإن كانت درجةُ الغلط لا تفوقُ درجةَ متانةِ عدالتِه وقوةَ يقينِ الناقدِ منها: رُدّ غلطُه فقط، دون أن يُجرح الراوي.
o وإن كانت درجةُ النكارةِ تَفُوقُ ما عَرَفَهُ الناقدُ من عدالة الراوي: رُدَّ المرويُّ والراوي معًا، فجُرح الراوي بهذا الحديث.
وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مُقِلًّا، بل ليس له إلا الحديثُ الواحد أو الحديثان ونحوها. فإن الحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النُّقّاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم:
- فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقلّ مما شُورِكَ في نقله: سَهُلَ الحكمُ عليه من خلال ذلك.
- وإن كان جميع حديثه مفاريدَ، أو فيها مفاريدُ مع ما شُورِك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديثٌ واحد تَفرّدَ به: ففي هذه الحالة قد يَصْعُبُ الحكمُ عليه جدًا على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقاتِ فيما شاركهم في روايته، إلا أن قِلّةَ حديثِه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه، ولا بُدّ حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) أمرٌ في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارةٍ ظاهرةٍ في ذلك الحديث الفرْد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرّد (كالتابعين ثم أتباعهم).
- فإن كان في إسناد الحديث المدروس أكثر من راوٍ يُمكن أن
[ ٢٨ ]
تُلحق به نكارتُه أو غلطُه: أُلحقت بالأضعف، فإن احتملها عددٌ من الرواة المتشابهين في الضعف: توقّف الناقد عن إلحاق الغلط بأحدهم.
ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديثٌ واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنّه، ولوجود عباراتٍ لابن عَدِيّ قد تُوهِمُ بذلك = فقد أخطأ ظنُّه وفهمُه، بدليل أن ابنَ عدي كثيرًا ما ذكر تلك العبارات في حقّ من تكلم فيهم غيرُه من النُّقّاد، فما توقّف فيه ابنُ عدي، كان قد توصّل غيرُه فيه إلى حكم.
ويدل على إمكان ذلك عددٌ من الأدلة، منها:
١ - وقوع ذلك مرات كثيرة: يقول أبو حاتم الرازي عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا». مع أن حديثَه هذا قد استنكره غيرُه. وقال أبو حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن حرملة عمّ القاسم بن حسان: «ليس بحديثه بأس»، رغم أن عليّ ابن المديني قال عن حديثٍ له: «لا أعلم رُوي عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيءٌ؛ إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله».
٢ - وجود عبارات أخرى لابن عديّ تدل على إمكان ذلك أحيانًا.
٣ - وقد نصَّ الخطيبُ على إمكان ذلك في (الكفاية).
* * *
[ ٢٩ ]
• كيفيّةُ معرفةِ المتأخِّرِينَ والباحثينَ المعاصرينَ للضبط:
من خلال طرائق معرفة العدالة نفسِها (الاستفاضة، والتنصيص، والتوثيق الضِّمني). وذلك لأن أحكام أئمة الجرح والتعديل جاءت لبيان ما إذا كان الرواة مُحْتجًّا بما رَوَوْه أو غير محتجٍّ به، وذلك لا يحصل إلا بالحكم عليهم من خلال عدالتهم وضبطهم جميعًا؛ ولهذا جاءت أحكام أئمة الجرح والتعديل متناولةً الرواة من هاتين الجهتين جميعًا: العدالة، والضبط.
أما طريقة السَّبر التي سار عليها المتقدمون فلا يمكن للمتأخرين الاعتماد عليها لمعرفة ضبط الرواة استقلالًا (أي دون أن يكونوا مسبوقين بنحو حكمهم من إمامٍ متقدّم)، إلا في حالتين خاصّتين بمن لم نَجِد فيه جرحًا أو تعديلًا (كالمجهولين وشبه المجهولين):
الحالة الأولى: أن نَجِدَ لهذا الراوي المجهول حديثًا ظاهرَ النكارةِ أو واضحَ البطلان، فأحكمُ على الراوي بالذي يليق بمقدار تلك النكارة من الضعف أو شدة الضعف أو الاتّهام بالكذب. وذلك بشرط أن يكون الإسناد الذي فيه ذلك المجهول والذي فيه تلك النكارة مقبولَ الرُّواة نظيفًا؛ إلا من ذلك المجهول. وهذه الطريقة سار عليها الذهبي في (الميزان)، فيمن استقل بتضعيفهم، والحافظ ابن حجر في (اللسان)، والعبد الفقير في (ذيل اللسان).
الحالة الثانية: وهي التي تكون نتيجتها الحكم بقبول
[ ٣٠ ]
حديث الراوي، وهي أشق من الأولى وأصعب. ولا يمكن ذلك إلا في حالة ما إذا كان الراوي مقلًّا، ويُنصّ على إقلاله، أو أَجِدُ ما يشهد لإقلاله من الحديث، بل قد يَنصُّ العلماءُ على عدد ما روى؛ ثم أقف على أحاديثه، وأستقصي في البحث؛ فيمكن حينها للعالم المتأخر صاحب الفهم الدقيق والممارسة الطويلة أن يحكم بالقبول إذا ظهرت له علاماتُه. خاصة إن وجد قرائن تؤيّد نتيجة سَبرِه هذا، من مثل كون الراوي من التابعين، أو روى عنه جمع، أو وَجَدَ قرائن تشهد لقبول المتقدمين له، مثل أن يوجد حديثُه في بعض أمهات السنة التي الأصل في أحاديثها الانتقاء، ك (السنن) لأبي داود (دون أن يُصَحَّحَ له؛ لأن التصحيح توثيقٌ ضمني، لا يحتاج معه الراوي إلى هذا السَّبر غالبًا).
أما الرُّواة المكثرون: فلو قَدَّرْنا عدمَ وجود جرح أو تعديل فيهم، فلا يمكن - مع كثرة حديثهم وانتشاره - أن يُحكم عليهم بالقبول؛ إذ يُحتمل - احتمالًا قويًا - أن يكون فيما سيفوت المتأخر (حتمًا) مِن حديثهم ما يَسْقُطُ به حديثُهم (ورُبَّ حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث).
ولا يعني ذلك أن سَبْرَ المتأخرين من المتأهلين لذلك عديمُ الفائدة إلا في هاتين الحالتين، بل هو مفيدٌ حتى في غير هاتين الحالتين.
فالراوي الذي اشتدّ فيه الاختلاف جرحًا وتعديلًا، يمكن الاستفادة من سَبْرِ حديثه - سواءٌ أكان مكثرًا أم مقلًّا، وسواءٌ
[ ٣١ ]
أكانت نتيجة سَبْرِ حديثِه القبول أم الرد - في الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة. فيكون السَّبر حينها للوصول إلى مرجِّحٍ فقط، لا إلى حُكمٍ اسْتِقْلاليّ.
تنبيهٌ: الضبطُ هو (غالبًا) سببُ تباين مراتب الرواة في مراتب الجرح والتعديل، أما القدحُ في العدالة (غير فِسْق المتأوّل فيه) فهو مرتبةٌ واحدةٌ إجمالًا، هي مرتبةُ شِدّةِ الضعفِ ممن لا يُعتبر بحديثهم من الرواة. أما من لم يُقدح في عدالته (بكذبٍ أو اتّهامٍ به أو فسقٍ أو جنون أو غفلةٍ شديدة تُنزَّل منزلةَ الجنون) فهو معتبَرٌ به، مهما اشتدّ ضعفُه في الضبط؛ إلا فيما تبيَّن أنه قد وَهِمَ فيه، فوَهْم الثقات لا يُعتبَر به أيضًا. إلا إن بَلَغت نكارةُ وَهْمِه درجةَ التشكيكِ في عدالته، على ما سبق بيانه.
وتنبيهٌ ثانٍ: أنّ الرواةَ الضعفاءَ الذين يُعتبَرُ بحديثهم هم أيضًا درجاتٌ ومراتب، فليس من اختُلف في قبوله وفي ردّه من الضعفاء كمن اختُلف في الاعتبار به وفي عدم الاعتبار.
* * *
• أئمّةُ الجرحِ والتعديل
شروط المعدِّل والجارح: يقول الذهبي في الموقظة: «الكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ مِن الهوى والميْل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعِلَلِه ورجاله».
[ ٣٢ ]
كيف نعرف من وُجدت فيه هذه الشروط:
١ - من خلال الكتب المصنّفة في ذلك:
أ - وأَوّلُ هذه الكتب: كتاب (الجرح والتعديل) لابنِ أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ)، فقد صرّح ابنُ أبي حاتم في مقدمة كتابه أنه لن يَنقُل إلا كلامَ من كان يستحقّ الاعتمادَ عليه عنده في الجرح والتعديل (^١).
ولذلك فقد جمع أسماءَ هؤلاء الأئمة الدكتور هشام بن عبد العزيز الحلَّاف في كتاب سمّاه (المزكُّون لرواة الأخبار عند ابن أبي حاتم)، ورتَّبهم على حروف المعجم.
ب - كتاب الأربعين المرتَّبة على طبقات الأربعين: لعليّ بن المفضَّل المقدسي (ت ٦١١ هـ).
ت - (ذِكْرُ من يُعتمَدُ قولُه في الجرح والتعديل): للذهبي (ت ٧٤٨ هـ).
ث - (المتكلِّمون في الرجال): للسَّخاوي (ت ٩٠٢ هـ).
٢ - من خلال ترجمته وما تتضمَّنُه الترجمةُ من وصفٍ بالحفظ والإمامة والنقد.
تنبيهٌ: يُقبل الجرح والتعديل من إمام واحدٍ إذا تحقّقت فيه شروطُ أهليّة الكلام في الرواة.
* * *
_________________
(١) قال ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه: «وقَصَدْنا بحكايتنا الجرحَ والتعديلَ في كتابنا هنا إلى العارفين به العالمين له، متأخِّرًا بعد متقدِّمٍ، إلى أن انتهتْ بنا الحكايةُ إلى أبي وأبي زرعة (رحمهما الله). ولم نَحْكِ عن قومٍ قد تكلّموا في ذلك؛ لقلّةِ معرفتهم به». الجرح والتعديل (٢/ ٣٨).
[ ٣٣ ]
• تفسيرُ الجرحِ والتعديلِ وإبهامُهُما
الجرحُ والتعديل المفسَّر: هو الذي بيّنَ الجارحُ أو المعدِّلُ فيه سببَ الجرح أو التعديل.
الجرحُ والتعديل المبهم: هو الذي لم يبيّن الجارحُ والمعدِّلُ فيه سببَ جرح الراوي أو تعديله.
على أن التعديل يكاد يتعذّر ذِكْرُ أسبابه، ولذلك لا كلامَ في قبوله مبهمًا (غيرَ مفسَّر). وأما الجرح: فهو الذي يَسْهُلُ ذِكْرُ أسبابه.
والصحيح: أنه لا خلاف في قبول الجرح والتعديل المبهمَينِ كليهما: عند عدم وقوع تَعارُضٍ في الراوي جرحًا وتعديلًا. وليس لقبولهما شرطٌ (رغم إبهامهما) في هذه الحالة؛ إلا أن يكونا صادِرَينِ ممن يُقبل قولُه في الجرح والتعديل، والذي مِن شروطه أن يكون عارفًا بأسباب الجرح والتعديل.
فإن تعارضَ الجرحُ والتعديل، فهي المسألة الكبرى التالية:
[ ٣٤ ]