الأغلب أن يكون التعارُضُ واقعًا بين أئمةٍ متعدِّدِينَ، أي أن يكون الجارحُ إمامًا غيرَ الإمام المعدِّل. ولكن قد تكون العبارات المتعارضة صادرةً من إمام واحد، فالإمام نفسُه اختلَف قولُه المحكيُّ عنه في الراوي.
ولكل حالةٍ من هاتين الحالتين طريقةٌ عِلْمية للتعامل مع التعارض، تتيح لنا الخروجَ من هذا التعارض بأَولى الأقوال بالصواب وأحقها بالاعتماد.
وتنبّه أن هذا الفصل (فصل تعارض الجرح والتعديل) هو أجلُّ فصول هذا العلم وأعمقها وأكثرها زللا لمن لم يتقنه! فعليك بالصبر في التدرّب على مراحله وخطواته، وأن لا تتعجل الخوضَ فيه قبل التمكن من هذا العلم تنظيرًا .. وتطبيقا عمليا، وذلك بالتفقه في العلم من خلال ممارساتِ أئمة الفن، كابن عدي من المتقدمين في كتابه (الكامل)، وكالذهبي من المتأخرين في عموم كتبه وخاصة (الميزان)، ومن خلال التَّمرُّنِ والتدريب الخاص على الرواة المختلَف فيهم، وموازنة نتائجك بنتائج العلماء.
وسنبدأ ببيان مراحل الدراسة عند وقوع التعارض بين عددٍ
[ ٣٥ ]
من الأئمة.
فعند تعارض العلماء في الجرح والتعديل: أسير على ثلاث مراحل، وتحت كل مرحلة خطوات أو تفصيل. فسوف نبدأ بذكر إجمال المراحل الثلاث، ثم سنعقد لكل مرحلة منها فصلا خاصًّا.
فنقول: عند تعارض العلماء جرحًا وتعديلًا، نسير وَفْقَ المراحل التالية:
المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وهميًا. فإن تبيّن أنه حقيقي، انتقلت إلى المرحلة الثانية.
وتحتها خطوات ثلاث:
١ - التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا).
٢ - أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف.
٣ - أن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف.
المرحلة الثانية: الترجيح. فإن عجزت عن الترجيح انتقلت إلى المرحلة الأخيرة.
المرحلة الثالثة: التوقُّف.
فإلى بيان مجمل هذه المراحل وشرحها:
[ ٣٦ ]
المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وَهْمِيًّا
ويتم ذلك من خلال الخطوات الثلاث التالية:
الخطوة الأولى: التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يثبت ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا. فإن ثبت التعارض، ولو ظاهريًّا، انتقلت للخطوة الثانية:
والخطوة الثانية: أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارض لفظيًّا ليس بحقيقي. فإن لم يمكن الجمع، مما يعني أن التعارض حقيقي، انتقلت للخطوة الثالثة:
الخطوة الثالثة: أن لا يمكن الجمع، لكن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف، فيكون لاغيًا لا وزن له.
* * *
[ ٣٧ ]
الخطوة الأولى
• أما الخطوة الأولى: وهي التثبت من صحة القول المعارض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يَثْبُتُ ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا، فمن أسباب عدم ثبوت القول في الجرح والتعديل ما يلي:
١ - أن يكون القول صادرًا ممن لا يُقبل قوله في الجرح والتعديل: كأبي العباس ابن عقدة - أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن - (ت ٣٣٢ هـ)، وأبي الفتح الأزدي - محمد بن الحسين بن أحمد - (ت ٣٧٤ هـ)، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن عثمان الأُموي مولاهم المديني نزيل مصر - يُعرف بابن أبي عُبيد الله - (ت ٣٠٣ هـ).
وكغيرهم ممن لا يُعتمَدُ قوله في الجرح والتعديل، لعدم توفر شروطه فيه، وإن كان راويًا ثقةً أو مقبولَ الرواية.
٢ - أن لا يثبت إسناد القول المعارِض عن الجارح والمعدِّل.
٣ - أن يكون قد وقع خطأٌ في نقل عبارة الجرح أو التعديل، فتكون قد قيلت في غير من حُكيت العبارة في ترجمته.
أو أنه نُقص من العبارة ما يُغيّر دلالتها.
٤ - أن يكون الناقد نفسه (الجارح أو المعدل) قد وقع في وهم الجمع أو التفريق، فأدَّى ذلك إلى اختلال تصوره عن حال الراوي.
٥ - أن يُفسَّر الجرح والتعديل بسببٍ، ويكون هذا السبب غيرَ مُصَحِّحٍ واحدًا منهما:
o فلا هو يُصَحِّحُ الجرحَ.
[ ٣٨ ]
o ولا هو يُصَحِّحُ التعديل.
٦ - أن يكون قد وقع خللٌ في فهم كلام الناقد أخرجَه عن دلالته الصحيحة.
٧ - أن يكون القول في الجرح والتعديل منسوبًا إلى غير قائله، فقد يُنسب إلى من يُقبل حكمه، والصحيح أنه قولٌ لغيره ممن لا يكون له وزنه في ذلك الحكم.
٨ - أن يكون التعارُضُ بين حكمٍ بالجهالة من ناقدٍ وحكمٍ بالجرح أو بالتعديل من ناقدٍ آخر، فالجهل بحال الراوي لا يُعارِضُ العلمَ بحاله؛ إلا إن لاحَ خطأُ المعدِّل، كأن يكون ظنَّ المجهولَ راويًا آخر، أو نحو ذلك من احتمالات الخطأ في التعديل.
٩ - أن يكون التَّعارُض بين ناقدٍ مجتهدٍ (كابن معين) وناقلٍ عن النقاد (كالذهبي وابن حجر)؛ إلا إن كان الناقلُ مُعْتَمِدًا على ناقدٍ مجتهدٍ، فيكون التعارُضُ حينها بين النُّقّاد المجتهدين.
فإذا انتهينا من الخطوة الأولى وتَبيَّنَ أن الجرح والتعديل ثابتان، ننتقل إلى الخطوة الثانية.
* * *
[ ٣٩ ]
الخطوة الثانية
والخطوة الثانية هي: أن يكون الجمعُ بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارُضُ لفظيًّا ليس بحقيقي.
وهذا الجمع يحتاج إلى علمٍ عميقٍ بألفاظ الجرح والتعديل وبمدلولاتها اللغوية والعُرفية وبمراتبها وطرائق استعمال الأئمة لها في التعبير عن أحكامهم.
ومن أمثلة هذه الألفاظ: لفظ (ضعيف)، الذي قد يُطلق على من كان في آخر مراتب القبول (مرتبةِ حَسَنِ الحديث، عند المتأخرين)، كما بيَّنتُه في (المرسل الخفي).
ومن الأمور التي يجب مراعاتها عند هذا الجمع، ما يلي:
أولا: مراعاة سياق الكلام الذي ذُكِرَتْ فيه تلك العبارة، إذ قد يكون الجرح أو التعديل نِسْبِيًّا:
* كمن ضُعِّفَ في بلد دون بلد: كمَعْمَر بن راشد.
* ومن ضُعِّف إذا حدَّثَ عن إقليم دون إقليم: كإسماعيل بن عيّاش وفَرَج بن فَضالة.
* ومن ضُعِّف إذا روى عنه أهل إقليم دون إقليم: كزهير بن محمد التميمي.
* من ضُعِّف في حديثه عن المجهولين، مع أن نكارة حديثه قد تكون جاءت من قِبَلِهم، لا منه.
* من ضُعِّف أو وُثِّق في شيوخ مُعَيَّنين: كسفيان بن حسين وجعفر بن بُرْقان في الزهري. ويكثر بيان ذلك عند كلام النقاد عن طبقات الرواة عن أئمة الرواية: كطبقات الرواة
[ ٤٠ ]
عن الزهري وعن الأعمش وعن نافع ونحوهم.
* من كان متقنا للرواية في باب من أبواب العلم وضعيفا في غيره أو أقل إتقانا في غيره.
* من ضُعِّفَ عَقِب حديث أخطأ فيه، أو وُثِّقَ عَقِب حديث وافق الثقات فيه.
* من ضُعِّفَ لبدعته (لا لأمرٍ آخر) ممن كان مذهبه التشديد في حكم رواية المبتدع. ومن ضَعّف المبتدع هجرانًا له وتأديبًا ولإماتة بدعته لا جرحًا له، ومن ضعّفه احتياطا مع الاستغناء عن حديثه بحديث غيره لعدم تفرّده بسُنّةٍ يُحتاج إليها.
* ونحوه من ضُعف لأخذ الأجرة مطلقا، ومن ضُعِّفَ لدخوله على السلطان.
* من ضُعِّفَ لروايته بالإجازة، عند من يُضَعِّف الرواية بها.
* من ضُعِّفَ في وقت دون وقت كالمختلط، ومن أضرَّ بصرُه في آخر عمره، ومن احترقت كتبه أو تَلِفَتْ، ومن طرأ عليه قبول التلقين.
* من ضُعِّفَ إذا حدَّث من حفظه، ووُثِّقَ إذا حَدَّثَ من كتابه.
* من ضُعِّفَ عندما قُرِنَ بمن هو أوثق منه، أو وُثِّقَ عندما قُرِنَ بمن هو أضعف منه.
* من ضُعّفَ لتدليسه عن الضعفاء؛ فإن التضعيف بذلك له شروط، فقد يكون التضعيفُ به مقبولا (كتضعيف غياث بن إبراهيم)، وقد يكون التضعيف به مردودا (كتضعيف بقية
[ ٤١ ]
بن الوليد).
ثانيا: مراعاة شمول عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة المتقدمين لمعانٍ ومراتب متعددة، وأن اللفظ الواحد قد تتجاذبه عدة مراتب متقاربة في أصل القبول أو في أصل الرد أو في أصل التوسُّطِ بين مرتبتين. خلافًا للمتأخرين الذين بالغوا في تكثير مراتب الجرح والتعديل وفي تنزيل ألفاظهما على تلك المراتب، وكأن كل لفظ من ألفاظ الجرح والتعديل لا بد أن يكون مُنَزَّلًا في تلك المرتبة الدقيقة دائما.
وفي ذلك يقول الإمام الذهبي في الموقظة: «ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات الجرح والتعديل، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة».
ومن أقوى الوسائل المبيّنةِ شمولَ عبارة الجرح أو التعديل لأكثر من مرتبة:
- تصريحُ الناقد نفسِه بذلك.
- أو استعماله هو نفسُه للعبارة بما يدل على أنها عنده عبارةٌ تتجاذبها أكثر من مرتبة.
على أن عامة أحكام النقاد لا يُراد بها إلا بيان المنازل الثلاثة الأساسية الكبرى، وهي:
١ - مطلق القبول.
٢ - أو الضعف الخفيف القابل للاعتبار.
٣ - أو شدّة الضعف المانعة من الاعتبار.
فالأكثر في أحكامهم بيان منزلة الراوي ضمن هذه المنازل
[ ٤٢ ]
الثلاثة؛ إلا في مراتٍ أقلَّ وقوعًا في كلامهم، وهي إن أرادوا بيانَ المنزلةِ الدقيقةِ للراوي ضمن منازل المقبولين، أو بيانَ منزلته الدقيقة ضمن خفيفي الضعف، أو تحديدَ شدة ضعفه إلى أين بلغت. وهذا التدقيق غالبا ما يقع من النقاد في مثل ما لو كان الناقد في سياق موازنة الراوي بغيره، أو في بيان طبقات الرواة عن شيخ معين، ونحو ذلك من سياقات الموازنات والترجيحات.
ولذلك كان من الخطأ أن يُعدَّ قولُ الناقد: «صدوق» معارِضًا مطلقًا قولَ آخر: «ثقة»، هكذا دائمًا وبإطلاق؛ فالأكثر أنهما إنما أرادا الحكم بقبوله: حُكمًا مطلقًا بالقبول، ولم يكونا يقصدان بيان منزلته الدقيقة من القبول؛ إلا إن ظهر من سياق كلامهما أو من كلام غيرهما أن الراوي مختلَفٌ في منزلته اختلافًا مشهورًا ضمن منازل المقبولين، ونحو ذلك من القرائن الدالة على أن اختلافَ ألفاظِهم في التعديل يدل على اختلافٍ حقيقيٍّ بينهم في بيان المنزلة الدقيقة للراوي، وليس اختلافَ لفظٍ لا يدل على اختلافِ معنى.
وكذلك من الخطأ أن أَعُدَّ قولَ ناقدٍ: «فيه لِين» مُعارِضًا مطلقًا قولَ من قال عنه: «ضعيف»، بحجة أن «فيه لِين» تدل على منزلة أخف ضعفًا من «ضعيف»؛ إلا إن تبيّن من سياق كلام النقاد أنهم أرادوا هذا التدقيق في بيان منزلته، وإلا فيبقى الحكم في الراوي هو خفة الضعف المطلق، بلا ادّعاءِ خلافٍ مزعوم.
وسبب هذا التخفُّفِ الواقع بكثرةٍ جدا في كلام النقاد عن
[ ٤٣ ]
التزام بيان المنزلة الدقيقة لمرتبة الراوي يرجع إلى عدة أمور، منها:
١ - أن الأمرَ الأهمَّ في الحكم على الرواة هو معرفةُ المنازل الكبرى الأساسية، وهي: القبولُ، وخفةُ الضعف، وشدة الضعف؛ لأنها هي التي سيصدر عنها الحُكم الأهمّ: قبولا، أو الردّ مع صلاحية الراوي للاعتبار، أو مع عدم صلاحيةٍ للاعتبار.
٢ - ولأن التدقيق في منزلة الراوي ضمن منزلته الأساسية أمرٌ في غاية الصعوبة، ويكتنفها من احتمالات الخطأ أكثر من احتمال الخطأ المتوقّع في الحكم عليه بالمنزلة الأساسية. لذلك يدعُ الناقدُ مزالقَ هذا التدقيق؛ إلا عند الحاجة، فعند الحاجة سوف يُضْطَرُّ الناقدُ إلى تَحَمُّلِ مَشَاقّ أدقِّ صُوَرِ السَّبْر والتحليل وأعمقِ عمليات القياس والتقويم ليصل إلى أدقِّ حُكْمٍ يُمكن أن يُتوصَّل إليه في الراوي، ليبيّن منزلته الدقيقة المحدَّدة ضمن منازل القبول المتعدّدة أو ضمن منازل الرد المختلفة (في مراتب الاعتبار ومراتب عدمه).
٣ - ولما كان تحديد المنزلة الدقيقة بهذا العمق والصعوبة لم يكن من المتيسِّر تحديدها في كثير من الرواة، ممن لم تتوفر فيهم مادةٌ تُتيحُ هذا التحديدَ الدقيقَ. إذن: ربما تعذَّرَ على الناقد التحديد الدقيق للمنزلة، حتى لو أراد الناقدُ ذلك، لعدم توفر معطيات الحكم.
ثالثا (من الأمور التي تجب مراعاتها عند محاولة الجمع):
[ ٤٤ ]
من أكثر ما يعين على فهم معاني عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة: هو محاولة فهم كلام الواحد منهم بكلامه هو نفسه وبتطبيقاته العملية، وللقيام بهذا النظر البحثي عليك التنبّه لما يلي:
١ - الراوي الذي للإمام فيه أكثر من حكم، سيكون الأصل في تَعدُّدِ العبارات فيه الصادرة من ناقدٍ واحد الدلالةَ على حكمٍ واحدٍ منه؛ لأن تغيُّر الاجتهاد خلاف الأصل (كما سيأتي بيانه). وبذلك يمكن فهم معنى إطلاقٍ من خلال إطلاقٍ آخر له. وبذلك نفسّر كلام الناقدِ بكلامه، ونشرح إطلاقَه بإطلاقه.
٢ - الرواة الذين جمع فيهم الناقدُ أكثرَ من لفظة في سياقٍ واحد، كأن يقول عن راو: «هو صدوق، مستقيم الحديث، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، ويُحوَّل من كتاب الضعفاء [أي لا يُذكر فيهم]». فهذا الجمع بين هذه الألفاظ يعني أنها إطلاقاتٌ تقبل الاجتماع، وأنها لا تَتَناقَضُ تَناقُضَ «صدوق» و«كذاب»، ولا تَناقُضَ «متروك الرواية» و«حجة». بل قد تتجاوز إفادةُ اجتماع أمثال تلك الألفاظ في سياق واحد فائدةَ نَفْيِ التضادّ، إلى ما هو أَدقُّ وأهَمُّ، وهو: أن يُفسِّرَ بعضُها بعضًا، أو أن يدل اجتماعُها على ترادفها في معناها، أو القُرب من الترادف.
٣ - المماثلة بين الرواة والتقريب بين أحوالهم: كأن يقول الناقد: فلانٌ مثلُ فلان، أو: فلان بابةُ فلانٍ، ونحو ذلك من
[ ٤٥ ]
عبارات تشبيه الحال بالحال وتقريب المنزلة من المنزلة. فقد يقول في أحدهما عبارة مشكلة، لكن التشبيه هو ما يبيّن مراده، ما دام هو نفسه قد صرّح بمنزلة الشبيه المشابه.
وليس بعيدا عن إفادة هذه العبارات إفادةُ عبارات المفاضلة بين الرواة أيضا، كأن يقول الناقد: «فلان فوق فلان»، أو: «دونه»، ونحو ذلك من عبارات المفاضلة، فلربما أعاننا ذلك على تحديد منزلة الراوي الذي أَشكَلَ علينا تحديدُ منزلته عند الناقد، لو كانت منزلةُ الراوي الذي فاضلَ بينه وبينه منزلةً أَوْضَحَ وأَبْينَ، فيُقاسُ الأقلُّ وضوحًا والمختلَفُ فيه بالراوي الأوضح منزلةً.
٤ - الحكم على حديث الراوي: فالحكم خلاصةُ رأيِ الناقد، فلو قال عن راو: «ليس بالقوي»، ثم إنه احتجّ بحديثٍ له، ربما دلَّ ذلك على أنه ما أراد بقوله «ليس بالقوي» الردَّ المطلق، وإنما أراد الردَّ المقيّدَ بما لا يحتمله ضبطُه من المفاريد.
رابعا: التنبّه إلى تفاوت درجات تَقبُّل ألفاظ الجرح والتعديل للتأوُّل، وأن منها ألفاظا يكثر استعمال النقاد لها في غير معناها الأصليِّ الغالبِ، وأن منها ألفاظًا أخرى يقلُّ استعمالُ النقاد لها في غير معناها الأصلي، وقد تصل هذه القِلّةُ درجةَ النُّدرةِ والاستبعاد.
حيث إن اللفظ كلما كَثُر خروجُه عن معناه الأصلي في استعمالات النقاد كان أَولى بالتأوّل وإخراجه عن دلالته الأصلية
[ ٤٦ ]
ليوافق دلالة اللفظ الذي عارضه، إذا كان اللفظُ المعارِض أقلَّ منه تَأوُّلًا في استعمالاتهم.
وإدراك الكثرة والقلة في الاستعمال - حتى الآن - لا يحددها إلا طولُ الممارسة ودقّة الخبرة بإطلاقات الجرح والتعديل عند أئمة النقد، مما يؤكد على شدّة عمق هذا العلم، وتعذُّر السير فيه على قليل الخبرة.
خامسا: مراعاة الاصطلاحات الخاصة لبعض الأئمة.
يقول الذهبي عقب عبارته السابقة مباشرة: «ثم أهم من ذلك: أن تعلم بالاستقراء التام عُرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحَه ومقاصدَه بعباراته الكثيرة».
وتنبّه: أن وصف الاستعمال بأنه اصطلاح خاص بفلان: لا يلزم منه أن ذاك الناقد المنسوب إليه الاصطلاح الخاص لم يستعمل لفظه المصطلح إلا بدلالته الخاصة به، بل لا يلزم أن يغلب استعمالُه للفظ بدلالته الخاصة به استعمالَه هو نفسُه بدلالته العامة التي تَوَاضَعَ عليها بقيّةُ النقاد سواه. فقد نَجِدُ الناقدَ قد استعمل اللفظ بالدلالة العرفية العامة التي تَشِيعُ بين عامة النقاد، وقد يغلب ذلك الاستعمال العام على استعماله، ثم نجده في مرات قليلة قد استعمل اللفظ بدلالةٍ أخرى تختلف عن الدلالة العرفية العامة، فنسمي حينئذٍ ذلك الاستعمالَ القليلَ: اصطلاحًا خاصًّا، رُغم قلة استعماله به، ورُغم أن صاحب الاصطلاح الخاص كان يغلب على استعماله له استعمالُه بالدلالة العامة. وليس الأمر كما ظُنّ: أن وصف اللفظ بأنه اصطلاح
[ ٤٧ ]
خاص بفلان أنه يجب بذلك أن يكون قد خُرج باللفظ عن الدلالة العامة خُروجًا كليا أو أغلبيا لديه، هذا ليس شرطا لوصف الاستعمال بأنه: اصطلاح خاص بناقدٍ معيّن.
ومما ذُكر من هذه الاصطلاحات الخاصة (وليس كل ما سأذكره الآن مما أُصحِّحُ أنه اصطلاحٌ خاص، وإنما أذكر بعض ما قيل):
o عند البخاري مصطلحان قيل إنهما خاصان به، هما:
١ - سكتوا عنه: وأنه يختصُّ بإطلاقها على شديدي الضعف، ولكن دعوى الاختصاص هذه لا تصحّ، بل البخاري فيها كغيره.
٢ - فيه نظر: وأنها تعني عنده شدة الضعف، وهو معنى لا يثبت عن الإمام البخاري.
o وعند ابن معين مصطلحان أيضا:
١ - ليس به بأس، وأنها تعني عنده (ثقة)، وهو فَهْمٌ لا يصحّ لكلامه واستعماله.
٢ - وليس بشيء، وأنه يعني بها: قلّة حديث الراوي. وهو وإن قصد هذا المعنى أحيانا، لكنه غالبا كان يقصد بها شدّة الضعف، كغيره من النقاد، وربما قصد بها خِفّة الضعف.
o وعند أبي حاتم:
١ - ليس بالقوي، وأنه يقصد بها إنزال الراوي عن منزلة الثقة إلى منزلة الصدوق وما دونه من المقبولين. والحقيقة أنه
[ ٤٨ ]
ربما أراد أبو حاتم هذا المعنى مرات قليلة، كغيره من النقاد أيضا، لكنه غالبا يطلقها على إرادة التضعيف.
٢ - لا يُحْتَجُّ به، وأنه يريد بها كثيرا: النزول عن درجة الحجة الثقة، إلى منزلة المقبولين ممن يخف ضبطه. ويُبيِّن معناها لديه سياق العبارة، وحال الراوي عند أبي حاتم وغيره من النقاد.
٣ - يُكتب حديثه، وأنها قد تعني أنه ليس في منزلة الثقة الحجة، فلا تُنافي منزلةَ القبول المتدنِّي. كما أنها قد تدل على الضعف الخفيف، وهذا الأخير هو الأصل في إفرادها.
٤ - صدوق، وأنه أطلقها على الثقات والحفّاظ الجِلّة، وأطلقها أيضًا كغيره على من نزلت درجةُ ضبطه عن درجة الثقات.
٥ - مجهول، وأنه ربما أطلقها بالمعنى اللغوي، ولذلك فقد يجتمع وصفه بالجهالة مع التعديل ومع الجرح.
o وعند أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وأنه يطلقها على معنى الحكم بالتفرّد، دون أن يقصد التضعيف والرد. ولكن هذا المعنى لا يصحّ عن الإمام أحمد ولا عن أحد من النقاد سواه.
o وعند البرديجي: منكر، وأنه يطلقه بمعنى التفرد، وهو فَهْمٌ لا يصح عنه.
o وعند البزَّار: لَيِّن، وفيه لِين. فقد ثبت أنه يطلق هذا الوصف على شديد الضعف عنده، ولم يكن يلتزم إطلاقَه على خفيف الضعف.
[ ٤٩ ]
o وعند النَّسائي:
١ - ليس بالقوي، وهي كثيرًا ما تعني عنده النزولَ عن درجة الأقوياء المتقنين إلى من دونهم من المقبولين، وقد يُطلقها على خفيفي الضعف أيضا.
٢ - منكر الحديث: أنه يطلقه على الراوي الذي ينفرد بأحاديث، والصواب أنه لا يطلقه على كل منفرد ولا يطلقه على كل حديث فرْد، ولكنه يطلقه على الراوي الذي استحق القدح فيه لأجل تفرُّدِه بحديثٍ أو أحاديث شكّكت في عدالته أو نفت عنه الإتقان، أو خالف بما يُستفحش من المخالفات.
o عند ابن عدي:
١ - أرجو أنه لا بأس به، أنها تعني في مواضع نَفْيَ اتّهامِه بالكذب فقط، دون الحكم له بشيء من الضبط. وهذا - إن صحّ في مواضع - فهو خلاف الأصل فيه عند ابن عدي.
٢ - هو بَيِّنُ الضعف: أي أنه متّهم في عدالته، وقد يطلقها على الضعف اليسير، لكني وجدتها عند ابن عدي أقلَّ من الاستعمال الأول. ويبقى أن السياق وحال الراوي والمرويات التي يسوقها له هي التي تمنع من فهم كلامه على خلاف مقصوده.
٣ - ونحوها قول ابن عدي: هو إلى الضعف أقرب، فكثيرا ما يقصد بها: إلى التُّهمة بالكذب أو الطعن في العدالة أقرب. وهي مع هذه الدلالة إلا أنها تدل أيضًا على شيءٍ من التردّد، فلربما أُطلقت أيضًا على آخر مراتب الاعتبار
[ ٥٠ ]
التي تقترب من عدم الاعتبار.
٤ - له أحاديث صالحة: أي له أحاديث ذوات عددٍ أو أحاديث كثيرة، فهي بذلك ليست عبارةَ جرحٍ ولا عبارة تعديل.
سادسًا (من الأمور التي تجب مراعاتها عند محاولة الجمع): مراعاة الدلالة اللغوية وسَعَتَها واحتمالها لأكثر من مرتبة، إذ قد تُستعمل اللفظة بمعناها اللغوي، أو بأسلوب عربي مجازي.
مثل استعمال: (كَذَبَ) في أخطأ، و(منكر) أو (شيطان) بمعنى أنه عجيب الحفظ شديد الإتقان، و(صدوق) بمعنى: كذوب على التهكّم والقَلْب.
وقد دلّ الذهبي إلى هذه الدلالة اللغوية في مقدمة الميزان، عندما قال عَقِب ذكره لبعض الألفاظ ومراتبها، قال: «ونحو ذلك من العبارات التي تدل بوَضْعِها على اطّراح الراوي بالأصالة، أو على ضعفه، أو على التوقف فيه، أو على جواز أن يُحتج به مع لِينٍ ما فيه».
فيجب أن لا نبالغ في إعطاء بعض الألفاظ معاني اصطلاحية، نُضَيِّقُ بها دلالتها اللغوية.
فإذا لم يمكن الجمع، بقي احتمالٌ واحد يجب أن يُحرَص على التحرُّزِ منه، لتثبيت وقوع التعارض الحقيقي في الراوي جرحًا وتعديلا، وهو:
* * *
[ ٥١ ]
الخطوة الثالثة
• الخطوة الثالثة: أن تلوح قرائنُ تدل على أن الجرح والتعديل قد صدر من قائله بغير إنصاف، بسبب غُلُوِّ المحبّةِ أو غُلُوِّ العداوة، فيكون حُكمًا لاغيًا لا وزن له.
حيث إن أئمة الجرح والتعديل وإن كانوا أئمةَ الورعِ والنزاهةِ وأعظمَ الناس إنصافًا؛ إلا أنهم بشرٌ ليسوا بمعصومين، وقد يستولي الهوى على القلب، ويلتبس الحق بالباطل في النفس، فتجتمع شهوةٌ وشُبهة: فتجعل الشهوةُ الشبهةَ دليلا، وتجعل الشبهةُ الشهوةَ حميةً للدين وصدعًا بالحق، وحينها:
- لا تكون الشهوةُ شهوةً خالصةً، والشهوةُ الخالصة هي التي ما أسهلَ أن يفضحها الورعُ، فيحمي من الوقوع فيها الوازعُ الإيمانيُّ لدى العدول.
- ولا تكون الشُّبهةُ شُبهةً شاذّةً منفردة، والشبهةُ الشاذّةُ هي التي ما أسرع أن ينفيها العقلُ عن الدليل، ويُدرك أنها أجنبيةٌ عنه تماما، فيُقصيها العقلُ عن ساحة النظر البرهاني.
وإنما تكون مزيجًا مختلطًا بين هذا وهذا: شُبهة بشهوة، في ساعةِ ضعفٍ بشرية، فتزلّ حينئذٍ القدم الثابتة، وتتزلزل النفس المطمئنّة. والإنسانُ ضعيف، ما أسرع ما يميل به هوى، وما أقرب ما تخطفه شبهة! مهما تَحَفّظَ بالتقوى، واعتصم بالإيمان، فالزلّةُ البشرية جزءٌ من تكوينه، لا ينجو منها إلا من عصمه الله تعالى.
ولئن قيل «حُبُّكَ الشيء: يُعْمي ويُصِمّ»، فإن بُغْضَك الشيء
[ ٥٢ ]
يطمس الحواسّ ويضرب على القلب:
وعينُ الرّضا عن كلِّ عيبٍ كَليلةٌ … ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
ومع ذلك فإن أئمة الجرح والتعديل كانوا مضرب المثل في القدرة على الانتصار على هوى النفس غالبًا في هذه المعارك النفسيّة، إذْ كانوا من أقوى الناس على هزيمة دواعي الهوى وعَتادِه من الشُّبهات. كما أنه مما ساعد على تمييز الحكم الجائر عن طريق الإنصاف وتفريقه عن الحكم المنصف الغالب على حال أحكام أئمة الجرح والتعديل: أنها في غالب الأحوال أحكامٌ صادرةٌ من أئمة متعدّدين، كلهم من أهل الاجتهاد في الحكم على الرواة، وليست أحكامًا لفردٍ واحدٍ منهم لا تُعرف أحوال الرواة إلا من طريقه. وتزداد هذه الميزة ظهورًا بتعدُّدِ أعصارهم وبلدانهم أيضًا، وباختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومصالحهم ورغباتهم ومخاوفهم؛ ولذلك: لئن قَوِيَتْ أسبابُ الزلل عند واحدٍ منهم، فَتَعثَّرَ حُكْمُه في وَهْدةِ غُلُوٍّ في المحبة أو اشتطاطٍ في العداوة، على خلاف عادته في رَدْمِه وَهْداتِ الباطل وصَدِّه جيوشَ الشُّبهة والشهوة وفي كَسْرِه النفسَ السَّبْعِيّة، فإن أسباب الزلل تلك ستضعف أو تزول تمامًا عند عشراتٍ من العلماء سواه؛ لأنهم لم يقعوا تحت ضغوطها أصلا، فقالوا الحقَّ وحكموا بالعدل.
فانظر إلى إنصافهم في قواعد علمهم ومجال تطبيقاتهم
[ ٥٣ ]
وأحكامهم الجزئية:
- من مثل إنصافهم أهلَ البدع، مهما غَلُظَتْ بِدَعُهم، ما داموا مُسْلِمينَ متأوِّلين: فحكموا بعدالتهم ورأوا الحجةَ لازمةً بنقلهم، ما لم يرووا حديثًا منكرًا يؤيِّدون به بدعتهم المقطوع ببطلانها.
- ومن مثل طعنهم في أقرب الناس إليهم، إذا كانوا أهلا للطعن، دون محاباة: كالأب، والابن، والأخ، والصديق، ووليّ الإحسان.
أما متى نحكم بخروج الناقد عن معهودِ إنصافِه، ومتى نُسقط الجرحَ أو التعديل الصادرَينِ ممن الأصلُ قَبولُ جرحه وتعديله بحجة أنهما صدرا بغير موضوعيّةِ العلم وعَرِيَّينِ عن حِيادِهِ وإنصافِ ميزانه = فذلك الحكم والإسقاط يرجع إلى يقينٍ أو إلى ظنٍّ غالب:
فنقطع بحصول ذلك من الناقد:
- إذا ما كان جَرْحُه متوجِّهًا إلى من استفاضت ثقته واشتهرت وثبتت، حتى تيقَّنَّا ذلك: كمن جرح إمامًا من أئمة السنّة.
- وإذا ما كان تعديلُه متوجِّهًا إلى من استفاض تضعيفُه واشتهر وثبت، حتى قطعنا بجرحه: كمن وثَّق أحدَ مشاهير الكذبة الدجّالين.
ويغلب على الظن إسقاطُ الجرح والتعديل عن استحقاق الاعتبار إن لاحت قرائن تدل على ذلك:
وقاعدة القرائن في ذلك: هي أن ينفرد الجارحُ بجرحه في
[ ٥٤ ]
مقابل ثناءٍ كثيرٍ مِن غيره، قد لا يصل الثناءُ درجةَ الاستفاضة القاطعة، لكنه يقترب منها. أو العكس: فينفرد المعدِّل بثناءٍ وتعديلٍ في راوٍ تَكَاثَرَ جارِحُوهُ بجارح، قد لا يصل جرحُه حدَّ اليقين، لكنه يفيد غلبة الظن.
وهذه القاعدة وحدها لا تكفي لرمي الجارح أو المعدِّل بعدم الإنصاف، وإن كَفَتْ في ردِّ قوله غالبا؛ إذْ قد نَرُدّ الجرحَ أو التعديل أو نُرجّحُ عليه ضدَّه على أنه اجتهادٌ خطأٌ وَوَهَمٌ من الناقد، ولا يلزم من ردِّ جرح أو تعديل أن يكون سبب الردِّ هو أنه حُكْمٌ صَدَرَ بغير إنصاف.
لكن إن انضمَّ إلى تلك القاعدة قرينةٌ أخرى تُرشِّحُ اختلالَ ميزانِ الإنصاف المحايد، عندها يمكن إلحاقُ القول الجارح أو المعدِّل بما لا وزن له من الجرح والتعديل، بغلبة الظن التي استفدناها من مجموع تلك القرائن.
ومن هذه القرائن:
١ - عِلْمُنا بوجود سببٍ يؤثّر على الإنصاف في عادة الناس: كالعداوة الشخصية، والعداوة العقائدية، أو التعصُّبِ على المذهب، أو له، أو كعاطفةِ القرابة بالمحبة، أو الخضوعِ للإحسان ولأَسْرِ قُيودِ الإنعام.
٢ - مجازفة عبارة الجرح والتعديل، وغُلُوّ المادح أو الذام، وخروج العبارة عن حدّ الاعتدال مدحًا أو ذمًّا، حتى لو كانت في جانب الصواب (كمبالغة في مدح ممدوحٍ وتعديلِ ثقة) أو في جانب الخطأ (كمبالغةٍ في جرح ضعيفٍ وفي
[ ٥٥ ]
القدح في عدالة مردود)، فللخطأ غير المقصود علامات وحدود، فإن تجاوزها صار قريبًا من التعمّد.
باجتماع إحدى هاتين القرينتين مع قاعدة هذا الفصل، وهي ظهور خطأ الحكم بالجرح أو التعديل (كما سبق): سيغلب على الظن أن الجرح كان بغير إنصاف وأن التعديل لم يُوزن بميزان الاعتدال.
أما بغير تحقق هذه القرائن: فيبقى الأصل على أصله، وهو حمل كلام الناقد على الاجتهاد المنصِف: سواء أقبلناه منه ورجَّحناه، أو رَدَدْناه ورَجَّحْنا غيرَه عليه؛ فليس سببُ كل خطأ في حكمٍ هو عدمَ الإنصاف، ولا يقتصر تفسير مرجوحيةُ قولٍ على حَيْفِ مجازفته، بل هذا خلاف الأصل في أحكام النقاد: أصابوا، أم أخطؤوا. فكما ينشأ الصواب في كلام النقاد عن اجتهاد، فالغالب في منشأ الخطأ منهم عن الاجتهاد أيضَا.
وبذلك تعلم أن قاعدة (كلام الأقران يطوى ولا يروى) ليست على إطلاقها، وأنها لا تصحّ إلا في حالة ما أن تلوح قرائنُ تدل على وجود سببٍ لعدم الإنصاف. وإلا فإن المعاصرَ والقرين أَولى بمعرفة حال من عاصره ممن تأخر عنه غالبًا، فلو توقفنا عن كلام كل قرين في قرينه نكون بذلك قد أهدرنا أحد أقوى أحكام النقاد على الرواة.
[ ٥٦ ]
المرحلةُ الثانية: الترجيح
ويجب التفريق عند إرادة الترجيح: بين حالتين:
١ - حالة كون الجرح مفسَّرًا (مبيَّنًا سببُه).
٢ - وحالة أن يكون الجرح مبهمًا (غير مبيَّنٍ سببُه).
الأولى: أن يكون الجرح مفسَّرًا بجارح: فيُقدَّم الجرح؛ إلا في حالات قليلة يظهر فيها خطأ الجارح، كردّ المعدِّل على الجارح بما يبيّنُ أنه جرح بما لا يُصَحِّحُ الجرح، ومن خلال توارد قرائن متتابعة تدل على خطئه.
الثانية: إذا كان الجرح مبهمًا غير مفسَّر: فإنّ الأصل تقديمه على التعديل؛ لأنه إذا صدر من عارف بأسباب الجرح والتعديل، فالغالب والأصل أنه لم يجرح إلا بجارح. ومادام أنه كذلك لزم تقديمه على التعديل؛ لأن مع الجارح زيادة علم، «فمن عمل بقول الجارح لم يتهم المُزَكِّي، ولم يُخرجه بذلك عن كونه عدلًا. ومتى لم نعمل بقول الجارح كان ذلك تكذيبًا له ونقضًا لعدالته (ورفضًا لموجِب عِلْمِه بأسباب الجرح والتعديل)، وقد عُلم أن حاله في الأمانة (والعلم) مخالفةً لذلك» - من الكفاية للخطيب؛ إلا ما بين قوسين فهو مِنِّي زيادةً في الحجة.
لكن يمكن أن نقدِّم التعديل على الجرح المبهم إذا لاحت قرائن تدل على قوة التعديل على الجرح المبهم.
وبهذا تبيَّن أن الأصل تقديم الجرح (مفسَّرًا كان أو غير
[ ٥٧ ]
مفسَّر)؛ إلا إن جاءت قرائنُ ترجح التعديل على الجرح المبهم:
ومن هذه القرائن:
١ - كثرة عدد المعدِّلين.
٢ - جلالة المعدِّل وزيادة علمه على علم الجارح.
٣ - إنصاف المعدِّل في مقابل تشديد الجارح.
ومن أمثلة هؤلاء العلماء في كل طبقة من طبقاتهم:
المنصِفون «» المتشددون
الثوري «» شعبة
ابن مهدي «» القَطَّان
أحمد «» ابن معين
أبو زُرعة «» أبو حاتم
البخاري «» النَّسائي
ابن عدي «» ابن حبان (أحيانًا)
تنبيه: وُصف بعض علماءِ الجرح والتعديل بالتساهل، وأشهر من وُصف بذلك: ابن حبان، والعِجلي.
- أما ابن حبان: فالصواب في شأنه: أن له مقصدًا في كتابه (الثقات) أوْهَمَ تساهلَه فيه خاصة، دون بقية كتبه. ولذلك لا يُكتفى بمجرد ذكره الراوي في (الثقات) ليُنسب توثيقه إليه، إلا بشروط. وليس هذا التعامل الخاص به ناشئًا عن توثيقه المجاهيل، كما قيل. وإنما نشأ من غرضه في كتابه، والذي كان قد أشكَلَ على إدراكه عباراتٌ له لم تكن كافيةً لمنع الاختلاف في فهمها.
[ ٥٨ ]
- وأما العِجلي: فلم يصفْه بالتساهل المُفْضِي لإهدار توثيقه إلا بعضُ العَصْريِّين، وإلا فهو معتمدُ الجرح والتعديل عند كل العلماء السابقين.
تنبيه: يقول المعلِّمي في مقدمة الفوائد المجموعة: «ما اشتُهر من أن فلانًا من الأئمة مسهِّلٌ وفلانًا متشدد ليس على إطلاقه، فإن منهم من يُسهِّل تارةً ويشدد تارة، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم = لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم، مع التدبر التامّ».
بل الأهم مما قاله المعلِّمي أن تعلم أن هذه الأوصاف بالتشدّد والتساهل لا تعني اختلالَ المنهج عند الإمام الجارح أو المعدِّل، وإنما تعني أحد معنيين:
١ - أن ذلك العالم إذا أخطأ في حكمه ربما مالت أخطاؤه إلى جانب التشديد (فيمن وُصف بالتشدد) أو إلى التسهيل (فيمن وُصف بالتساهل)، أو ربما ظهرت له عباراتٌ نادرةٌ فيها مجازفةٌ وغُلُوٌّ في الجرح أو في التعديل كانت هي سبب وصفه بالتشدد أو التساهل. ولكن لم تبلغ أخطاؤه تلك درجةَ القدحِ في صحة منهجه العام؛ لقِلّتها أو نُدرتِها؛ وإلا لن يكون إمامًا معتمدَ القولِ في الجرح والتعديل.
٢ - أن تكون العبارات توهم بظاهرها التشدُّدَ أو التساهلَ، ولكن صاحب العبارة نفسه لا يريد ذلك الظاهر. ففي الموصوف بالتشدد تجد عباراته تَشِحُّ عن الثناء الكبير،
[ ٥٩ ]
حتى إنه ربما أطلق وصف (الصدوق) على من هو (ثقة) عنده، وربما أطلق (ليس بالقوي) على من كان في آخر مراتب القبول لديه. وفي الموصوف بالتساهل: ربما قال (لَيِّن) أو (فيه ضعف) عمّن هو عنده شديد الضعف. وهذا الحال هو الذي يُعبَّر عنه بأنه شِدّةُ النَّفَس (في التشديد) أو رَخَاوتُه (في التساهل). وما يوهمه الاختلافُ الناشئُ عن شِدّةِ النَّفَس ورخاوته خلافٌ لفظيٌّ، وليس حقيقيا.
وعليه: فلا يعني وَصْفُ الإمام بالتشديد إهدارَ تضعيفه، ولا وَصْفُه بالتساهل إهدارَ توثيقه، ولا وَصْفُه بالإنصاف ترجيحَ حُكمِه مطلقًا على غيره. وإنما فائدة هذه الأوصاف تنحصر في اعتبارها قرينةً من قرائن الترجيح عند التعارض .. فقط.
٤ - أن يكون المعدِّل معاصرًا للمتكلَّم فيه، خلافًا للجارح.
٥ - أن يكون المعدِّل بَلَدِيًّا للمتكلَّم فيه، وليس كذلك الجارح.
٦ - قوة عبارة التعديل ووضوحها (مثل: حافظ، أو: من أوثق الناس، أو: صدوق لا يُرَدُّ حديثه، أو: محلّه الصدق يحوّل من كتاب الضعفاء)، في مقابل لِين عبارة الجرح (مثل: ليس هو من أهل الحفظ، كان فلان لا يرضاه، ليس هو بالقوي، فيه بعض اللين، فيه ضعف).
٧ - أن يكون مَن جَرَحَهُ جرحًا ظاهرُه الشدة قد روى هو عنه؛ إذا كان من سادة العدول.
٨ - أن يَهْجُرَ قولَ الجارح بعضُ أَتْبَعِ الناس لأقواله في العادة من أهل العلم.
[ ٦٠ ]
٩ - أن يظهر من كلام المعدِّل احتمالُ تَأوُّلِ عبارة الجارح وتَوْجِيهِها بما لا يُعارِضُ التعديلَ.
١٠ - عِلْمُ المعدِّل بكلام الجارح، ورَفْضُه له (دون تفصيلِ الرَّدِّ؛ لأنه بالتفصيل يرتفع أن يكون مجرّدَ قرينةٍ).
١١ - أن يكون للجارح كلامٌ آخر يوافق فيه المعدِّلَ، ولا تظهر قرينةُ اختلافِ الاجتهاد بالجرح بعد التعديل.
١٢ - أن يُنزل الجارحُ الراويَ المضعَّفَ منزلةَ راوٍ هو نفسه قد حكم بقبوله، فيقول: هو مثل فلان، أو هو بابةُ فلان، بل ربما رفعه عليه.
[ ٦١ ]
المرحلةُ الثالثة: التوقُّف
فعند عدم وجود مرجِّح، وعند تكافؤ الأقوال، وبعد العجز عن جميع المراحل السابقة: لن يبقى إلا التوقف عن الحكم على الراوي بجرح أو تعديل. والتوقف في ذلك يعني التوقف عن الحكم على حديثه، والمتوقَّف عن الحكم عليه لا يُحتجُّ به.
* * *
مسألةُ تَعارُضِ أقوالِ الإمامِ الواحدِ في الراوي جرحًا وتعديلًا
إذْ كان ما سبق كلّه في حلّ إشكال تعارض أقوال الأئمة المتعدّدين جرحًا وتعديلا في الراوي الواحد. أما إذا كان الجرح والتعديل المتعارضان صادرَينِ من إمام واحد: فطريقة السَّير لحل إشكال هذا التعارض كما يلي:
أولًا: التَّثبُّتُ من صحة النقل (على ما سبق شرحه).
ثانيًا: إذا نُصَّ على اختلاف اجتهاد الإمام: أخذتَ بآخر الاجتهادَينِ، كما تفعل في النسخ: من الأخذ بالناسخ دون المنسوخ.
ثالثًا: طلب الجمع: مع جواز التوسع في الجمع في هذه الصورة؛ لِكون الأقوال صادرةً من إمام واحد، والأصل فيه أنه
[ ٦٢ ]
على الصواب في جميع أقواله، وبناء على هذا الأصل فالأحرى بأحكامه المتعارضة أن تكون مُتَّفِقةً، وأن يكون التعارُضُ ظاهريًّا لفظيا غيرَ حقيقي. ولا يعني ذلك أن الجمع في هذه الصورة يصحّ بلا حدود، لكن المقصود أننا نقبل فيه من التجوُّزِ والتأويل ما هو أوسع مما لو كانت الأقوالُ المتعارضةُ صادرةً عن عددٍ من الأئمة؛ لأن اختلافَ الاجتهاد بين الأئمة المتعدِّدين أقوى حصولًا وأكثر وقوعًا من اختلاف اجتهاد الإمام الواحد.
رابعًا: الترجيح: ويتم من خلال مرجّحاتٍ كثيرة، منها:
١ - كثرة عدد الناقلين عن ذلك الإمام أحدَ قَوْلَيْهِ في الراوي.
٢ - ترجيح ما نقله أوثقُ تلامذة ذلك الإمام عنه وأعرفُهم به وبأقواله وأحكامه.
٣ - ترجيح ما نقله آخرُ تلامذته أَخْذًا عنه.
٤ - ترجيح ما يوافق مِن قَوْلَيْهِ بقيةَ الأئمة، خاصة إذا كانوا من أقرانه في العلم والطبقة.
خامسًا: التوقف: عند العجز عما سبق.
[ ٦٣ ]