الدكتور الشيخ محمد محمد أبو شهبه.
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ:
الحمد لله الذي كرم الإنسان، وميزه على كثير من خلقه بنعمة العقل والبيان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد: فمرجع الشريعة الإسلامية إلى أصلين شريفين:
القرآن الكريم، والسُنَّة النبوية.
والقرآن أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، ومعجزة النَّبِي العظمى، وآياته الباقية على وجه الدهر.
والسُنَّة بيان للقرآن، وشرح لأحكامه، وبسط لأصوله، وتمام لتشريعاته، والسُنَّة متى تثبت عن المعصوم - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - فهي تشريع وهداية، وواجبة الاتباع ولا محالة.
والسُنَّة بعضها بوحي جلي عن طريق أمين الوحي جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - (١) وبعضها بالإلهام والقذف في القلب (٢) وبعضها بالاجتهاد على حسب ما علم النَّبِي من علوم القرآن، وقواعد الشريعة، وما امتلأ به قلبه من فيوضات الوحي والتعليم الإلهي الذي لا يتوقف على قراءة وكتابة وكسب وبحث، وصدق الله حيث يقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٣) فالتعليم بالقلم إشارة إلى العلم الكسبي،
_________________
(١) كما في قصة من أحرم بعمرة وهو متضمخ وهي مروية في " الصحيحين ".
(٢) كما يدل على ذلك الحديث المرفوع «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي، لَنْ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» رواه الحاكم عن ابن مسعود وصَحَّحَهُ، وأبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة والبزار عن حذيفة، ورواه صاحب " مسند الفردوس " عن جابر.
(٣) [سورة العلق، الآيات: ١ - ٥].
[ ٥ ]
وما بعدها إشارة إلى العلم الوهبي الذي يضعه الله حيث شاء.
ومتى اجتهد النَّبِي - ﷺ - وسكت الوحي عن اجتهاده اعتبر هذا إقرارا من الله - ﷾ - له واكتسب صفة ما أوحى إليه به وبهذا المعنى يعتبر كل ما صدر عن النَّبِي وحيا، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)
وقد عنيت الأُمَّة الإسلامية بتبليغ هذين الأصلين عناية فائقة لم تعهد في أمَّة من الأمم نحو ما أثر عن أنبيائها وملوكها وعظمائها، فقد حفظ الصحابة القرآن وتدبروه وفقهوه، وبلغوه كما أنزله الله إلى من جاء بعدهم من التابعين وحمله التابعون وبلغوه - كما تلقوه - إلى من جاء بعدهم، وهكذا تداوله الجم الغفير الذين لا يحصون في كل عصر إلى أهل العصر الذين يلونهم، وانضم إلى الحفظ والتلقي الشفاهي التقييد بالكتابة في عصر النَّبِي - ﷺ - وبعد عصر النَّبِي - ﷺ -، حتى وصل إلينا لا تزيد فيه ولا اختلاق ولا تحريف ولا تبديل، مصداقا لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
وكذلك عني الصحابة بالسُنَّةِ المحمدية حفظًا وفهمًا وفقهًا وبلغوها بلفظها - وهو الغالب والأصل - أو بمعناها إلى من جاء بعدهم من التابعين، وبلغها التابعون لتابعي التابعين وهَلُمَّ جرًا.
ولم تكن السنن والأحاديث مدوَّنة بصفة عامة في القرن الأول وذلك لما ورد من النهي عن ذلك خشية اختلاطها بالقرآن أو اشتغال الصحابة بها عن القرآن وبذلك انتهى القرن الأول والكاتبون للسُنَّة قليلون وإنْ كان الحافظون لها المقيِّدُون لها في الصدور كثيرين.
ولم يكد يبدأ القرن الثاني حتى بدأ التدوين بصفة عامة، ونشط العلماء لهذا العمل المشكور نشاطًا قويًا، وقد اقترنت حركة التدوين بحركة النقد والتعديل والتجريح والتحرِّي عن الحق والصدق والصواب، ووضع أئمة الحديث وصيارفته لهذا أدقَّ قواعد النقد وآصلها وأعدلها سواء أكان ذلك يتعلق بنقد الأسانيد أم المتون.
_________________
(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
(٢) [سورة الحجر، الآية: ٩].
[ ٦ ]
وقد تمخضت هذه الحركة التدوينية عن كتب قيمة، وموسوعات ضخمة اشتملت على الأحاديث النبوية التي تصلح للاحتجاج، أو للتقوية والاستشهاد، ومن هذه الكتب ما هو خاص بالصحيح، ومنها ما هو مشتمل على الصحيح والحسن والضعيف، ومنها ما هو خاص بالحديث النبوي، ومنها ما يشتمل على أقوال الصحابة والتابعين.
وقد مني الإسلام من قديم الزمان بأعداء لا ينامون. يُضْمِرُونَ له الكيد وينسجون الخيوط ويحيكون المؤامرات لذهاب دولته وسلطانه.
وهؤلاء لما لم يتمكنوا من المجاهرة بالعداوة لجأوا إلى الدسِّ والخديعة واتبعوا في سبيل ذلك وسائل متعددة: فَطَوْرًا عن طريق إظهار الحب والتودد لآل بيت الرسول كما فعل [السَّبَئِيُّونَ] (١) وطورًا عن طريق التأويل في النصوص الدينية تأويلًا لا يشهد له لغة ولا شرع، ومحاولة إبطال التكاليف الدينية كما فعل الباطنية والقرامطة وأضرابهم.
وقد حاول هؤلاء الأعداء أن يُشَكِّكُوا المسلمين في أساس دينهم وهو القرآن الكريم وذلك بالتشكيك في تواتره وإعجازه وسلامته من الاختلاف والتناقض وصلاحية إحكامه لكل عصر ولكل بيئة، وفي سبيل هذه الغاية اختلقوا الروايات وحرَّفوا معاني الآيات.
وكذلك حاولوا أنْ يُشَكِّكُوا المسلمين في الأصل الثاني وهو السُنَّةُ النبوية وقد اتَّخذوا للوصول إلى هذه الغاية الدنيئة أساليب متعددة، فتارة عن طريق التشكيك في ثبوتها، وأنها آحادية وليست متواترة.
وتارة أخرى عن طريق اختلاق الروايات التي تظهر الأحاديث بمظهر السطحية والسذاجة في التفكير ومخالفة الواقع المحسوس أو العقل الصريح أو النقل الصحيح أو التجربة المُسَلَّمَةِ إلى غير ذلك من الأساليب، وقد حمل لواء هذا التهجُّم من قديم الزمان «النظَّام» ومن على شاكلته من أعداء السُنَن النبوية، وقد عرض للكثير من مقالاتهم في الأحاديث العلاَّمة «ابن قتيبة» في كتابه " تأويل مختلف الحديث ".
_________________
(١) هم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام واستبطن الكفر.
[ ٧ ]
وقد جاء القساوسة والمُسْتَشْرِقُونَ في العصور الحديثة فأخذوا هذه الطعون والشبهات فنفخوا فيها وزادوا فيها ما شاء لهم هواهم أنْ يزيدوا وحملوها أكثر مِمَّا تحمل وطلعوا بها على الناس.
ومِمَّا يؤسف له غاية الأسف أنَّ بعض الذين يثقون بكل ما يرد عن الغربيين من آراء ومذاهب قد تلقفوا هذه الشبهات والطعون ونسبها بعضهم إلى نفسه زورًا فكان كلابس ثوبي زور، والبعض الآخر لم ينتحلها لنفسه ولكنه ارتضاها وجعل من نفسه بوقًا لترَدًّادها، ومن هؤلاء من ضَمَّنَ كُتُبَهُ هذه الشبهات بل وقَوَّى من أمرها وذلك كما فعل الأستاذ أحمد أمين - ﵀ - في كتابيه " فجر الإسلام " و" ضُحى الإسلام " وهو وإنْ كان جَارَى المُسْتَشْرِقِينَ في كثير مِمَّا زعموا فقد خالفهم في بعض ما حدسوا، وكان عفيفًا في عبارته، مترفِّقًا في نقده.
وبعض هؤلاء المتلقفين كانوا أشد من المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ هوى وعصبية وعداءً ظاهرًا للسُنَّة وأهلها وزاد عليهم الإسفاف في العبارة وأتى في تناوله للصحابة ولا سيما الصحابي الجليل «أبو هريرة» - ﵁ - بألفاظ نابية عارِيَّةَ من كل أدب ومروءة، وذلك كما صنع الشيخ محمود أَبُو رَيَّةَ في كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية ".
وشتان ما بين صنيع الأستاذ أحمد أمين، وبين ما صنع أَبُو رَيَّةَ، والفرق بينهما فرق ما بين العالم والمُدَّعِي، والباحث الأصيل والمتعلق بأذيال الباحثين.
والبحث في السُنَّة وعلومها ليس هيِّنًا ولا سهلًا، وإنما يحتاج إلى صبر وأناة، وإعمال رويَّة وإطالة نظر، والنظر السطحي والبحث الخاطف لا يؤديان إِلاَّ إلى آراء مبتسرة ونتائج فاسدة.
وقد تكشَّف لي أنَّ بعض الأخطاء التي وقع فيها المُسْتَشْرِقُونَ ومتابعوهم جاءت مِنْ أنهم لم يستكنهوا الأمور، ولم يصلوا إلى الأعماق والجذور، ولم يَسْتَشِفُّوا ما وراء الظواهر، ولم يتمثَّلوا حق التمثل البيئة والعصر والملابسات التي جمعت فيها الأحاديث، والصفات التي كانت مِنْ ملازمات أئمة الحديث من دين، وعلم، وتثبُّت، وحذر بالغ، وأمانة فائقة، ومراقبة لله في السرِّ والعلن.
وقد قيَّض الله - سُبْحَانَهُ - للسنن والأحاديث من نافح عنها وَرَدَّ كيد الكائدين
[ ٨ ]
لها، ولن يخلو عصر من العصور من عالم ينفي عنها تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين.
ورحم الله الإمام «ابن قتيبة» فقد عرض لكثير من الشُبَهِ التي أوردها أعداء الأحاديث، وكان له في ردِّها جهاد مشكور مذكور بالإكبار والإعظام.
ولا يزال في كل قُطْرٍ من أقطار الإسلام من شغف بالسُنن والأحاديث، وتعمَّق في دراستها، وجاهد في ردِّ الشبهات عنها، وألَّفُوا في هذا السبيل المؤلفات القيِّمة، من علماء الأزهر وغيرهم من علماء الحجاز والشام والهند والمغرب.
وقد شاء الله سُبْحَانَهُ لي - ولله الحمد والمِنَّة - أنْ أكون من المتشرفين بدراسة السُنَّة والمدافعين عن ساحتها الطاهرة دفاعًا عن علم وتثبت، ودراسة واقتناع، لا عن عصبية وعاطفة، وقد عرضت لبعض هذه الشُبُهَات وَرَدِّهَا رَدًّا علميًا صحيحًا في كتابي الذي نلت به درجة الأستاذية «الدكتوراه» وسمَّيْتُهُ " الوضع في الحديث، وردِّ شُبَه المُسْتَشْرِقِينَ والكُتَّاب المعاصرين " (١).
ولما صدر كتاب " أضواء على السُنَّة المحمدية " وجدت مؤلفه تلقف فيه كل ما قاله الأقدمُون والمُحَدِّثُونَ من طُعُون في الأحاديث، ورجالها، وما قاله المُسْتَشْرِقُونَ والمُبَشِّرُونَ، وأذنابهم، وحرص أشدَّ الحرص على أنْ يُظْهِرَ السُنَّة بمظهر الاختلاف والتناقض، والتحريف والتبديل، والسذاجة والتخريف، وفي سبيل هذا الغرض زَيَّفَ الصحيح، وصَحَّحَ المختلق المكذوب، وقد رأيت أنَّ الرَدِّ على هذا الكتاب يعتبر رَدًّا لكل ما أثير حول السُنَّة من طُعُونٍ ولغط فمن ثَمَّ أسميته " دِفَاعٌ عَنْ السُنَّةِ، وَرَدِّ شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ وَالكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ ".
وقد بدأت الرَدِّ على صفحات " مجلة الأزهر "، وكتبت فيها سبع مقالات متوالية (٢)، ثم جدت أحوال وملابسات توقفت بسببها عن الرَدِّ على صفحات هذه
_________________
(١) ألَّفتُهُ عام ١٣٦٥ هـ الموافق سنة ١٩٤٦ م.
(٢) من المُحرَّم إلى شعبان عام ١٣٨٧ هـ. يعني قبل أنْ يُقدِّمَ الدكتور مصطفى السباعي - ﵀ - كتابه " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " بعام لأنَّ تاريخ كتابته لمقدمة الطبعة الأولى لكتابه: ١٥ شعبان ١٣٧٩ هـ - ١٢ شباط ١٩٦٠ م وقد ذكر السباعي - ﵀ - في كتابه: ص ٤٦ (*) أنَّ كتابه صدر في عام ١٩٦١ م حين كان يستشفي بالقاهرة. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: في ذكر الرجوع إلى كتاب الدكتور مصطفى السباعي " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " ذكر في طبعة مجمع البحوث الإسلامية - الأزهر الشريف. المؤتمر العاشر: القاهرة. الطبعة الثانية: صفر ١٤٠٦ هـ - نوفمبر ١٩٨٥ م (كتب رقم الصفحة ٤٦٠ وفي طبعة دار السنة: ٤٦) وهو خطأ (وإنما هي الصفحة ٤٦٥). انظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، ص ٤٦٥، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان.
[ ٩ ]
المجلة، ثم أخذت في إكمال الرُدُود وتفرَّغت لذلك، وقد يسَّر اللهُ - وله الحمد والمنَّة - وأعان، فكان هذا الكتاب.
ولا يفوتني أنْ أُنَوِّهَ بما قام به في هذا المضمار أخوان كريمان وشيخان جليلان، هما الأستاذان: عبد الرحمن بن يحيى المعلَّمي اليماني، ومحمد عبد الرزاق حمزة.
فقد أخرج كل منهما في ذلك كتابًا حافلًا، فلهما من الله سبحانه الجزاء الأوفى، ومن الناس الثناء والدعاء.
وها أنذا أزف كتابي إلى قراء العربية، وعُشَّاق السُنَّة ومُحِبِّيهَا ذوي الغيرة عليها، وإلى طلاَّب الحقيقة، ومُحِبِّي المعرفة في كل قطر من أقطار الإسلام والعروبة، وسأقدِّم بين يدي الرَدِّودَ بحوثًا في منزلة السُنَّة من الدين، والاحتجاج بها، وموجزًا في الأطوار التي مَرَّتْ بها، والأصول والقواعد التي وضعها علماء الرواية وأئمة النقد في الإسلام.
فإنَّ كل ما قلته صوابًا فمن الله، وإنْ كانت الأخرى فالحقَّ أردتُ، والصوابَ قصدْتُ «وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».
كتبه أبو محمد محمد بن محمد أبو شهبة
من علماء الأزهر الشريف
[ ١٠ ]
مَنْزِلَةُ السُنَّةِ مِنَ الدِّينِ:
القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين، والسُنَّة هي الأصل الثاني، ومنزلة السُنَّة من القرآن أنها مبيِّنة وشارحة له تُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، وتوضِّحُ مُشْكِلَهُ، وتُقَيِّدُ مطلقه، وتُخَصِّصُ عامَّه، وتبسط ما فيه من إيجاز، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (٢).
وقد كان النَّبِي - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - يُبَيِّنُ تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بهما، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه فسَّر الظلم في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣) بالشرك، وفسَّرَ الحساب اليسير بالعرض في قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (٤).
وأنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه " البخاري " وأنه قال في حُجَّة الوداع: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لاَ أَدْرِي لَعَلِّي أَنْ لاَ أَحُجَّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» وفي رواية «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». رواه " مسلم " و" أبو داود " و" النسائي ".
وروى " أحمد " و" مسلم " و" أبو داود " و" الترمذي " و" النسائي " و" ابن ماجه "عن عُبادة بن الصامت في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥).
. أن رسول الله - ﷺ - قال: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (٦).
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٢) [سورة الشورى، الآيتان: ٥٢، ٥٣].
(٣) [سورة الأنعام، الآية: ٨٢].
(٤) [سورة الانشقاق، الآيات: ٧ - ٩].
(٥) [سورة النساء، الآية: ١٥].
(٦) أخذ بظاهر الحديث بعض الفُقَهَاء، وذهب إلى نسخ التغريب في البكر والجلد في الثيب آخرون.
[ ١١ ]
مَثَلٌ مِنْ بَيَانِ السُنَّةِ لِلْقُرْآنِ:
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ولكنه لم يبين عدد الصلوات ولا كيفيتها ولا أوقاتها ولا فرائضها من واجباتها من سُننها فجاءت السُنَّة المُحمَّدية فبيَّنت كل ذلك، وكذلك لم يبين متى تجب الزكاة؟ وأنصبتها ومقدار ما يخرج فيها وفي أي شيء تجب؟ فجاءت السُنَّة فبيَّنت كل ذلك.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاَ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) ولم يبين ما هي السرقة؟ وما النصاب الذي يحد فيه السارق؟ وما المراد بالأيدي؟ ومن أي موضع يكون القطع؟ فبينت السُنَّة كل ذلك.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ولم يبين الحد فجاءت السُنَّة فَبَيَّنَتْهُ.
وقال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ (٤) ولم يبين لمن هذا الحُكْم فبينت السُنَّةُ أنَّ هذا الحُكْم للزاني غير المحصن أما المحصن فَحَدُّهُ الرجم.
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ (٥) ولم يبين قصتهم وجنايتهم فجاءت السُنَّة فبينت قصتهم غاية البنيان، إلى غير ذلك من المثل الكثيرة التي تفوق الحصر، والتي لولا بيان السُنَّة لها لاستعجم علينا القرآن
_________________
(١) [سورة البقرة، الآيات: ٤٣، ٨٣، ١١٠]، [سورة النساء، الآية: ٧٧]، [سورة النور، الآية: ٥٦]، [سورة المزمل، الآية: ٢٠].
(٢) [سورة المائدة، الآية: ٣٨].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٩٠].
(٤) [سورة النور، الآية: ٢].
(٥) [سورة التوبة، الآية: ١١٨].
[ ١٢ ]
وتعذَّر فهمه وتدبُّره، وقد كان الصحابة ومن جاء بعدهم يعلمون هذه الحقيقة.
روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: «إِنَّكَ [امْرُؤٌ] أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟» ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَإِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ». وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: «كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَيَحْضُرُهُ «جِبْرِيلُ» بالسُنَّة التي تُفَسِّرُ ذلك.
وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ». وقال الإمام أحمد: «إِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ الكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ»
اسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالتَشْرِيعِ:
وقد تستقل السُنَّة بالتشريع أحيانًا وذلك كتحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، وتحريم سائر القرابات من الرضاعة - عدا ما نص عليه في القرآن - إلحاقًا لهن بالمحرَّمات من النسب، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وتحليل ميتة البحر، والقضاء باليمين مع الشاهد إلى غير ذلك من الأحكام التي زادتها السُنَّة عن الكتاب (١).
حُجِيَّةُ السُنَّةِ:
وقد اتفق العلماء الذين يعتد بهم على حُجية السُنَّة، سواء منها ما كان على سبيل البيان أو على سبيل الاستقلال، قال الإمام الشوكاني: «إِنَّ ثُبُوتَ حُجِّيَّةِ السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ وَاسْتِقْلاَلَهَا بِتَشْرِيعِ الأَحْكَامِ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ، وَلاَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ لاَ حَظَّ لَهُ فِي الإِسْلاَمِ» (٢).
_________________
(١) " مقدمة تفسير القرطبي ": ج ١ ص ٣٧ - ٣٩.
(٢) " إرشاد الفحول " للشوكاني: ص ٢٩.
[ ١٣ ]
وصدق «الشوكاني» فإنه لم يخالف في الاحتجاج بالسُنَّة إِلاَّ الخوارج والروافض، فقد تمسَّكوا بظاهر القرآن وأهملوا السُنن، فضلُّوا وأضلُّوا، وحادوا عن الصراط المستقيم.
وقد استفاض القرآن والسُنَّة الصحيحة الثابتة بحُجية كل ما ثبت عن الرسول - ﷺ -، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢).
. قال ميمون بن مهران: «الرَدُّ إِلَى اللهِ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَدُّ إِلَى الرَّسُولِ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ».
وقال سبحانه: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) وما قضى به النَّبِي - ﷺ - يشمل ما كان بقرآن أو بِسُنَّةٍ، وقد دلَّت الآية على أنه لا يكفي في قبول ما جاء به القرآن وَالسُنَّةِ الإذعان الظاهري بل لا بُدَّ من الاطمئنان والرضا القلبي.
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤) فقد جعل - ﷾ - طاعة الرسول من طاعته، وحذَّر من مخالفته فقال - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) فلولا أنَّ أمره حُجَّةٌ ولازم لما تَوَعَّدَ على مخالفته بالنار.
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (٦).
_________________
(١) [آل عمران، الآية: ٣١].
(٢) [سورة النساء، الآية: ٥٩].
(٣) [سورة النساء، الآية: ٦٥].
(٤) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٥) [سورة النور، الآية: ٦٣].
(٦) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].
[ ١٤ ]
وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) فقد جعل سبحانه أمر رسوله واجب الاتباع له، ونهيه واجب الانتهاء عنه.
وأما الأحاديث فكثيرة منها: ما رواه أبو داود في " سننه " عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْقِبَهُمْ (٢) بِمِثْلِ قِرَاهُ». قال الإمام الخطابي: قوله: «أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلوِّ مثل ما أعطي من الظاهر المتلوِّ
والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيًا يُتلى، وأوتي من البيان مثله أي أذن له أن يُبَيِّنَ ما في الكتاب فيعم ويخص، ويزيد عليه ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن».
وقوله: «يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ » يحذِّر بهذا القول من مخالفة السُنن التي سنَّها مِمَّا ليس له من القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تمثَّلوا بظاهر القرآن وتركوا السُنن التي قد ضمنت بيان الكتاب فتحيَّروا وضلُّوا، وأراد بقوله: «مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ» أنه من أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه (٣).
وقد دلَّ الحديث على معجزة لِلْنَّبِيِّ - ﷺفقد ظهرت فئة في القديم والحديث إلى هذه الدعوة الخبيثة وهي الاكتفاء بالقرآن عن الأحاديث، وغرضهم هدم نصف الدين أو إنْ شئت فقل: تقويض الدين كله، لأنه إذا أهملت الأحاديث والسُنن فسيؤدِّي ذلك - ولا ريب - إلى استعجام كثير من القرآن على الأمَّةِ وعدم
_________________
(١) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٢) روي مشدَّدًا ومخفَّفًا من المعاقبة أي يأخذ من أموالهم بقدر قراه.
(٣) " تفسير القرطبي ": ج ١ ص ٣٨.
[ ١٥ ]
معرفة المراد منه، وإذا أهملت الأحاديث واستعجم القرآن فَقُلْ: على الإسلام العفاء.
وفي حديث العرباض بن سارِيَّةَ مرفوعًا: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وروى الحاكم عن ابن عباس - ﵄ - أنَّ النَّبِي - ﷺ - خطب في حَجَّةِ الوَدَاعِ فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَمْرِكُمْ فَاحْذَرُوا، إِنِّي تَرَكْتُ مَا إِنِْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ». وروى مثله الإمام مالك في " الموطأ ".
وهي صريحة في أنَّ السُنَّة كالكتاب يجب الرجوع إليها في استنباط الأحكام وقد أجمع الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - على الاحتجاج بالسُنن والأحاديث والعمل بها ولو لم يكن لها أصل على الخصوص في القرآن ولم نعلم أحدًا خالف ذلك قط فكان الواحد منهم إذا عرض له أمر طلب حكمه في كتاب الله، فإن لم يجده طلبه في السُنَّة، فإن لم يجده اجتهد في حدود القرآن والسُنَّة وأصول الشريعة.
وقد وضع لهم النَّبِي - ﷺهذا الأساس القويم بإقراره لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقد قال له: «بِمَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: «بِكِتَابِ اللَّهِ». قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: «بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -». قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: «أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو». فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَدْرَهُ وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ..
وقد فهم الصحابة رجوع جميع ما جاءت به السُنَّة إلى القرآن من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
روى البخاري في " صحيحه " عن عبد الله بن مسعود قال: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوسْتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فقالت أم يعقوب: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «[وَمَا لِي] لا َأَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَتْ: «وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ»، قَالَ: «وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، [أَمَا قَرَأْتِ]: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)».
_________________
(١) و(٢) [سورة الحشر، الآية: ٧].
[ ١٦ ]
وهذه الآية تعتبر أصلًا لكل ما جاءت به السُنَّة مِمَّا لم يرد له في القرآن ذكر وعلى هذا الدرب والطريق الواضح من جاء بعد الصحابة من أئمة العلم والدين، روي عن الإمام الشافعي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَقَالَ: «لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَبْتُكُمْ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «مَا تَقُولُ فِي المُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ الزُّنْبُورَ؟» فَقَالَ: «لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللهِ؟» فَقَاَل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
ثم ذكر إسنادًا إلى سيدنا عمر أنه قال: «لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ».
وذكر ابن عبد البر في كتاب العلم (٢) له عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه رأى مُحرما عليه ثيابه، فقال: «ائْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَنْزِعُ [بِهَا] ثِيَابِي، قال: فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
حَدِيثُ عَرْضِ السُنَّةِ عَلَى القُرْآنِ مَكْذُوبٌ:
أما الحديث الذي يرويه القائلون بعدم استقلال السُنَّةِ بالتشريع، وهو: «إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه» فقد بَيَّنَ أئمة الحديث وصيارفته أنه موضوع مُختلق على النَّبِي - ﷺ - وضعته الزنادقة كي يصلوا إلى غرضهم الدنيء من إهمال الأحاديث، وقد عارض هذا الحديث بعض الأئمة فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مخالفًا له، لأنَّا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) ووجدنا فيه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) ووجدنا فيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦)، (٧).
وهكذا نرى أنَّ القرآن الكريم يُكَذِّبُ هذا الحديث ويرُدُّهُ.
وقد حاول بعض المُسْتَشْرِقِينَ وأتباعهم الذين صنعهم الاستعمار على يديه أنْ يُحْيُوا ما اندرس من هذه الدعوة الخبيثة، ولكن الله سبحانه قَيَّضَ لهؤلاء في الحديث - كما قَيَّضَ لأسلافهم في القديم - من وضع الحق في نصابه، وردَّ كيدهم في نُحُورهم: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٨).
_________________
(١) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٢) [أي " جامع بيان العلم وفضله "].
(٣) و(٤) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٤) [آل عمران، الآية: ٣١].
(٥) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٦) " إرشاد الفحول ": ص ٢٩.
(٧) [سورة التوبة، الآية: ٣٢].
[ ١٧ ]
عِنَايَةُ الصَّحَابَةِ بِالأَحَادِيثِ وَالسُّنَنِ:
ولمكانة السُنَّة من الدين، ومنزلتها من القرآن الكريم عُني الصحابة بالأحاديث النبوية عناية فائقة، وحرصوا عليها حرصهم على القرآن، فحفظوها بلفظها أو بمعناها وفهموها، وعرفوا مغازيها ومراميها بسليقتهم وفطرتهم العربية، وبما كانوا يسمعونه من أقوال النَّبِي - ﷺ -، وما كانوا يشاهدون من أفعاله وأحواله، وما كانوا يعلمونه من الظروف والملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث، وما كان يشكل عليهم منها ولا يدركون المراد منه يسألون عنه الرسول - ﷺ -.
وقد بلغ من حرصهم على سماع الوحي والسُنن من رسول الله أنهم كانوا يتناوبون في هذا السماع، روى البخاري في " صحيحه " عن عمر - ﵁ - قال: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ (١) - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ » (٢) الحديث.
وبذلك جمعوا بين خيري الدين والدنيا، فما شغلهم دينهم عن دنياهم ولا شغلتهم دنياهم عن دينهم.
وإذا علمنا أنَّ القرآن والسُنَّة استفاضا ببيان فضل العلم والعلماء، وأنَّ الصحابة كانوا يعلمون أنَّ السُنَّة هي الأصل الثاني للدين، وأنهم كانوا يُحِبُّونَ رسول الله أكثر من حُبِّهِمْ لأنفسهم، وأنهم كانوا يجدون في الاستماع إليه لَذَّةً وروحًا. وأنهم كانوا يعتقدون أنه ما ينطق عن الهوى إنْ هو إِلاَّ وحي يوحى، وأنهم كانوا يجدون فيما يسمعونه منه غذاء الإيمان وزاد التقوى (٣)، وأنه سبيل إلى الجنة (٤).
إذا علمنا كل هذا أدركنا مبلغ حرص الصحابة على استماع السُنن والأحاديث
_________________
(١) أي ناحية بني أمية، سميت البقعة باسم من نزلها.
(٢) " صحيح البخاري " - كتاب العلم - باب التناوب في العلم.
(٣) كان الواحد منهم يقول لصاحبه وهو ذاهب إلى مجلس الرسول: «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً».
(٤) في الحديث الذي رواه مسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
[ ١٨ ]
وأنَّ ذلك أمر يكاد يكون من المُسَلَّمَات البدهيات.
وكذلك عنوا بتبليغ السُنن لأنهم يعلمون أنها دين واجبة البلاغ للناس كافة، وكثيرًا ما كان النَّبِي - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - يحضهم على الأداء لغيرهم بمثل قوله: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».
وفي رواية بلفظ: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
رواه الشافعي والبيهقي في " المدخل ".
وفي خطبته المشهورة في حَجَّةِ الوَدَاعِ قال: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى مِنْهُ» رواه البخاري في " صحيحه ".
وكان إذا قدم عليه وفد وعلَّمهم من القرآن والسُنَّة أوصاهم أنْ يحفظوه ويبلِّغوه، ففي " صحيح البخاري " أنه قال لوفد عبد القيس: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» وفي قصة أخرى قال: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ» (١).
وكثيرًا ما كان يقرع أسماعهم بقوله: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فمن ثم كانوا جد حريصين على حفظ السُنن والحفاظ عليها وتبليغها بلفظها أو بمعناها.
النَّهْيُ عَنْ كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ:
ولم تكن الأحاديث مُدَوَّنَةً في عصر النَّبِي - ﷺلأمرين:
١ - أحدهما: الاعتماد على قوة حفظهم وسيلان أذهانهم وعدم توفُّر أدوات الكتابة فيهم.
٢ - ثانيهما: لما ورد من النهي عن كتابة الأحاديث والإذن في كتابة القرآن الكريم.
روى مسلم في " صحيحه " عن أبي سعيد الخُدْرِي أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلاَّ الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا فَلْيَمْحُهُ» ولهذا كره بعض السلف
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ١ ص ١٢٨، ١٤٩.
[ ١٩ ]
كتابة الحديث والعلم.
والظاهر أنَّ نهي النَّبِي - ﷺ - عن كتابة الأحاديث كان خشية أنْ يلتبس على البعض بالقرآن الكريم، أو أنْ يكون شاغلًا لهم عنه ولا سيما أنَّ القوم كانوا أُمِيِّينَ، أو أنَّ النهي كان بالنسبة لمن يوثق بحفظه، أما مَنْ أمن عليه اللبس بأنْ كان قارئًا كاتبًا، أو خيف عليه النسيان وعدم الضبط لما سمع فلا حرج عليه في الكتابة، وعلى هذا يحمل ما ورد من الروايات الثابتة الدالة على الإذن في الكتابة لبعض الصحابة.
روى أبو داود والحاكم وغيرهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ قَالَ: «قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الشيء فأكتبه»، قال: «نعم»، قلت: «في الغضب والرضا؟» قال: «نَعَمْ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا» وروى البخاري عن أبي هريرة قال: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَكُنْتُ لاَ أَكْتُبُ». ومثل عبد الله مِمَّنْ يُؤْمَنُ عليه الالتباس، وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: «كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله - ﷺ - فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه فشكا ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ. وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى اِلْخَطِّ» وروى البخاري ومسلم في " صحيحيهما ": «أنَّ أبا شاه اليَمَنِي التمس من النَّبِي - ﷺ - أنْ يكتب له شيئًا سمعه من خطبته عام الفتح فقال: «اكْتُبُوا لأبِي شَاهٍ». وروى البخاري في " صحيحه ": «أنَّ عليًا - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: «لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِلاَّ أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ»، قُلْتُ: «وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟» قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره.
ومن العلماء من يرى أن أحاديث الإذن ناسخة لأحاديث النهي، إذ النهي كان في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن بالأحاديث أو خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن، ثم لما أَمِنَ ذلك نسخ النهي ولعلَّ مِمَّا يُؤَيِّدُ القول بالنسخ أنَّ بعض أحاديث الإذن متأخِّرة التاريخ، فأبو هريرة راوي حديث الكتابة أسلم عام سبع، وقصة أبي شاه كانت في السَنَةِ الثامنة عام الفتح.
[ ٢٠ ]
ومهما يكن من شيء فقد انقضى العهد النبوي والذين كتبوا الحديث من الصحابة عدد غير كثير.
كِتَابَةُ الأَحَادِيث بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
وما أنْ توفي الرسول - ﷺ - وجاور الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من كان يكتب الحديث من الصحابة، وكذلك كتب التابعون وأكثروا، روي عن سعيد بن جُبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه الحديث فيكتبه في واسطة الرحل فإذا نزل نسخه، وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّهُ [أُحْرِقَتْ] كُتُبُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي»
وَقَدْ هَمَّ الفَارُوقُ عٌمَرَ - ﵁ - أَنْ يَجْمَعَ الأَحَادِيثَ وَيُقَيِّدَهَا بِالكِتَابَةِ وَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِكِتَابَتِهَا، وَطَفِقَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ مُدَّةً وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ لَهُ، روى البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَشَارُوا عَلَيْهِ [أَنْ يَكْتُبَهَا] فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ أَصْبَحَ [يَوْمًا] وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَلْبَسُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا».
تَدْوِينُ الأَحَادِيثِ تَدْوِينًا عَامًّا:
واستمر الأمر على ذلك، البعض يكتب والبعض لا يكتب إلى أنْ كان عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - ﵁ - فرأى جَمْعَ السُنن وتدوينها خشية أنْ يضيع منها شيء أو يلتبس الحق بالباطل، وكان ذلك على رأس المائة الأولى فكتب إلى بعض المبرزين من العلماء في الأمصار الإسلامية وأمرهم بجمع الأحاديث، وكتب إلى عُمَّاله في الأمصار يأمرهم بذلك، روى مالك في " الموطأ " - رواية محمد بن الحسن - أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أَنْ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَوْ سُنَنِهِ أَوْ حَدِيثِ عُمَرَ أَوْ نَحْوِ هَذَا فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابِ العُلَمَاءِ» وأوصاه أنْ يكتب ما عند عَمْرَةَ بنت
[ ٢١ ]
عبد الرحمن الأنصارِيَّةَ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
وعَلَّقَهُ (١) البخاري في " صحيحه " فقال: «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ (٢): [انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ]، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ».
وأخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَاجْمَعُوهُ».
ومِمَّنْ كتب إليه الخليفة العادل الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِي المدني أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة ١٢٤ هـ.
نَشَاطُ حَرَكَةِ التَّدْوِينِ:
وقد قام العلماء في كل مِصْرٍ بما ندبوا إليه خير قيام، وأقبلوا على جمع الأحاديث والسُنن وتمحيصها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها، ولم يعد أحد من السلف يتحرَّجُ من الكتابة، وبذلك ارتفع الخلاف الذي كان بينهم أولًا في كتابة الأحاديث، واستقرَّ الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابته، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي عليه النسيان مِمَّنْيتعين عليه تبليغ العلم (٣).
وقد أخذت الحركة العلمية التدوينية في الحديث في الإزدهار، وتجرَّد لهذا العمل الجليل قوم عرفوا بالأمانة والصدق والتحري والتثبت، وأخذوا أنفسهم بمجافاة المضاجع، ولازموا الدفاتر والمحابر، وحرصوا على لقاء الأشياخ، والأخذ من
_________________
(١) التعليق هو أن يُحذف من مبتدأ الإسناد راوٍ أو أكثر وقد أكثر من التعليقات البخاري في " صحيحه " وذلك في التراجم والشواهد لا في أصول الكتاب فإنا كلها متصلة مسندة.
(٢) نسب إلى جد أبيه ولجده عمرو صحبة ولأبيه محمد رؤية وهو فقيه تابعي استعمله عمر بن عبد العزيز على إمارة المدينة وولاَّهُ قضاءها ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر، وقيل كُنيته أبو عبد الملك واسمه أبو بكر توفي سنة ١٢٠ هـ.
(٣) " فتح الباري ": ١/ ١٦٥.
[ ٢٢ ]
الأفواه، وسهروا في سبيل ذلك الليالي الطوال، وقطعوا الفيافي والقفار، وطوفوا في البلدان والأقاليم، وضربوا في سبيل العلم والرواية، على ما كانوا عليه من قلة المؤنة وعسر وسائل السفر والارتحال، مُثُلًا عليا تجعلهم في عداد العلماء الخالدين.
وما زال العلماء يجمعون الأحاديث، وينقدون ويمحصون، ويؤلفون الصحاح والسنن والمسانيد حتى جمعت الأحاديث كلها تقريبا في القرن الثالث الذي يعتبر العصر الذهبي للأحاديث والسنن، وبانتهاء هذا القرن كاد ينتهي الجمع والابتكار في التأليف، والاستقلال في النقد والتعديل والتجريح، وبدأت عصور الترتيب والتهذيب، أو الاستدراك والتعقيب، وذلك في العصر الرابع وما تلاه من العصور.
وهكذا نخلص إلى هذه النتيجة:
وهي أن السُنَّة لم يطل العهد بعدم تدوينها، وأنَّ التدوين بدأ بصفة خاصة في عصر النَّبِي، وأنه قوي وغلظ عوده في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين، وأنه أخذ صفة العموم في أواخر عصر التابعين، ولم يزل يقوى ويشتد حتى بلغ عنفوانه واستوى على سوقه في القرن الثالث الهجري خاتمة القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرِيَّةَ، خيرِيَّةَ الإيمان والعلم والعمل، والهُدَى والفلاح والاستقامة على الجادة.
الرِّحْلَةُ فِي سَبِيلِ العِلْمِ:
لعل ما يتميَّز به أئمة العلم في الإسلام، ولا سيما أئمة الحديث وجامعوه كثرة الارتحال، وملازمة الأسفار، وقد جَرَوْا في ذلك على سُنَنِ الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لقد كان الواحد منهم يبلغه الحديث بطريق الرُواة الثقات فلا يكتفي بهذا، بل يرحل الأيام والليالي حتى يأخذ الحديث عمَّنْ رواه بلا واسطة، وقد ثبت في " صحيح البخاري " تعليقًا بصفة الجزم أنَّ جابر بن عبد الله الأنصاري رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنَيْسٍ (١) في حديث واحد، والقصة بتمامها - كما أخرجها البخاري في: " الأدب المفرد " وأحمد وأبو يعلى في " مُسْنَدَيْهِمَا " - من طريق عبد الله بن محمد
_________________
(١) بضم الهمزة مصغرًا، وهو جُهَنِيٌّ حليف للأنصار.
[ ٢٣ ]
بن عقيل أنه سمع جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُول الله - ﷺ - فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا ثُمَّ شَدَدْتُ رَحْلِي فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَإِذَا عَبْد اللَّه بْن أُنَيْسٍ»، فَقُلْتُ لِلْبَوَّابِ: «قُلْ لَهُ جَابِرٌ عَلَى الْبَابِ»، فَقَالَ: «اِبْنَ عَبْدِ اللهِ؟» قُلْتُ: «نَعَمْ»، فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي. فَقُلْتُ: «حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُول الله - ﷺ - فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ» فَقَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً » الحديث.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ يَبْلُغْنِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثٌ فِي الْقِصَاصِ، وَكَانَ صَاحِبُ، الحَدِيثِ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ، فَقَصَدْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ». فذكر نحو القصة الأولى.
وأخرج الطبراني من حديث مسلمة بن مخلد قال: أتاني جابر فقال لي: «حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْوِيهِ فِي السَّتْر عَلَى اَلْمُسْلِمِ»،فذكره. والظاهر أنها قصص مُتَعَدِّدَةٌ رحل فيها جابر - ﵁ - مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَة.
وَرَحَلَ السَيِّدُ الجَلِيلُ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ بِسَبَبِ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ فِي السَّتْر عَلَى اَلْمُسْلِمِ، رواه أحمد بسند منقطع، وروى أبو داود في " سننه " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ [أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ] رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ في حديث.
وعلى هذا الدرب الواضح سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والدين، روى الخطيب عن عبيد الله بن عدي قال: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَخِفْتُ إِنْ مَاتَ أَنْ لاَ أَجِدهُ عِنْدَ غَيْرهِ، فَرَحَلْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الْعِرَاقَ».
وروى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: «إِنْ كُنْت لأَرْحَلُ الأَيَّام وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ».
وأخرج الخطيب عن أبي العالية قال: «كُنَّا نَسْمَع عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ فَلاَ نَرْضَى حَتَّى خَرَجْنَا إِلَيْهِمْ فَسَمِعْنَا مِنْهُمْ» (١).
قال الشعبي في مسألة أفتى فيها: «أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، [قَدْ] كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ».
وقد روى " الدارمي " بسند صحيح عن بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «إِنْ كُنْتُ لأَرْكَبُ إِلَى
_________________
(١) " فتح الباري ": ١/ ١٤١، ١٤٢.
[ ٢٤ ]
المِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، [لأَسْمَعَهُ]». وَقَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: «لَقَدْ أَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ [ثَلاَثًا] مَالِي حَاجَةً إِلاَّ رَجُلٌ عِنْدَهُ حَدِيثٌ يَقْدَمُ فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ».
وَقِيلَ أَحْمَد: «رَجُلٌ يَطْلُبُ العِلْمَ، يَلْزَمُ رَجُلًا عِنْدهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ، أَوْ يَرْحَلُ؟ قَالَ: يَرْحَلُ، يَكْتُبُ عَنْ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ».
ومِمَّنْ ارتحل في سبيل العلم والرواية الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم ومن المُحَدِّثِينَ جَمٌّ غَفِيرٌ، ويأتي في الرعيل الأول منهم الأئمة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم، وإنَّ منهم من لم يذق طعم الراحة والإقامة والاستقرار طوال حياته.
الأَطْوَارُ التِي مَرَّ بِهَا تَدْوِينُ الحَدِيثِ:
قلنا إنَّ التدوين العام بدأ في آخر القرن الأول من الهجرة وإنَّ العلماء في الأمصار استجابوا لدعوة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وتجرَّد لجمع الأحاديث في الأمصار أناس لهم قدم ثابتة في الدين والعلم، وتبارى العلماء في هذا المضمار الفسيح فألف الإمام مالك (م ١٧٩) بالمدينة، وألف أبو محمد عبد العزيز بن جريج (م ١٥٠) بمكة والأوزاعي (م ١٥٦) بالشام، ومعمر بن راشد (م ١٥٣) باليمن، وسعيد بن أبي عروبة (م ١٥٦) وحماد بن سلمة (م ١٧٦) بالبصرة، وسفيان الثوري (م ١٦١) بالكوفة، وعبد الله بن المبارك (م ١٨١) بخراسان، وهُشيم بن بشير (م ١٨٨) بواسط، وجرير بن عبد الحميد (م ١٨٨) بالري وغير هؤلاء كثيرون، وكلهم من أهل القرن الثاني الهجري.
وكان منهج المؤلفين في هذا القرن جمع الأحاديث مختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ويظهر ذلك بجلاء في " موطأ الإمام مالك ".
ثم حدث طور آخر في تدوين الحديث، وهو إفراد حديث رسول الله - ﷺخاصة وكانت تلك الخطوة على رأس المائتين، وهؤلاء الذين خطوا هذه الخطوة، منهم من ألَّف على المسانيد، وذلك بأنْ يجمع أحاديث كل صحابي على حدة من غير تقيد بوحدة الموضوع فحديث صلاة بجانب حديث زكاة بجانب حديث في الجهاد وهكذا، وذلك كـ " مسند الإمام أحمد " وعثمان بن شيبة واسحق بن راهويه
[ ٢٥ ]
وغيرهم، وأصحاب المسانيد لم يتقيَّدوا بالصحيح بل خَرَّجُوا الصحيح والحسن والضعيف.
ومنهم من ألَّف على الأبواب الفقهية كأصحاب " الكتب الستة " المشهورة وهؤلاء منهم من تقيد في جمعه الأحاديث بالصحاح كالإمامين البخاري ومسلم ومنهم من لم يتقيَّد بالصحيح بل جمع الصحيح والحسن والضعيف مع التنبيه عليه أحيانًا ومع عدم التنبيه أحيانًا أخرى، اعتمادًا على معرفة القارئ لهذه الكتب ومقدرته على النقد وتمييز الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود وذلك مثل أصحاب " السنن الأربعة ": أبي داود والترمذي والنَسَائي وابن ماجه.
وقد كان القرن الثالث الهجري (٢٠٠ - ٣٠٠) أسعد القرون بجمع السُنَّة وتدوينها ونقدها وتمحيصها، ففيه ظهر أئمة الحديث وجهابذته، وحُذَّاق النقد وصيارفته، وفيه أشرقت شموس " الكتب الستة " وأمثالها التي كادت تشتمل على كل ما ثبت من الأحاديث، ولا يغيب عنها إِلاَّ النذر اليسير والتي يعتمد عليها الفُقَهَاء والمستنبطون، والمؤلفون والمعلِّمون، ويجد فيها طلبتهم الهُداة والمصلحون، والمتأدبون والأخلاقيون، وعلماء النفس والاجتماع.
عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِالنَّقْدِ وَالدِّرَايَّةِ:
إنَّ أئمة الحديث كما عنوا به من ناحية جمعه في الكتب الجامعة لمُتُونه عنوا بالبحث عنه من نواح أخرى تتصل به من جهة سنده ومتنه مِمَّا يتوقف عليه قبوله أو رَدُّهُ، ولعمر الحق إنَّ البحث عنه من هذه النواحي بحث جليل القدر، جَمُّ الفائدة إذْ يتوقف عليه تمييز الطيب من الخبيث، والصحيح من العليل، وتطهير السُنَّة مِمَّا عسى أن يكون دخلها من التزيد والاختلاق، وبذلك تسلم الشريعة من الفساد، وتلك النواحي التي بحثوا فيها مثل كون الحديث صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا وأحوال كل وبيان أقسام الضعيف كالمنقطع والمعضل، والشاذ والمقلوب، والمنكر، والمضطرب، والموضوع، وما يتصل بذلك من البحث عن أحوال الرجال من الجرح والتعديل، وألفاظ كل، والرواية، وشروطها، والتحمُّل وكيفياته، والأداء وألفاظه، وبيان علل الحديث، وغريبه، ومختلفه، وناسخه ومنسوخه، وطبقات الرُواة، وأوطانهم، ووفِيَّاتِهِم، إلى غير ذلك مِمَّا تجده مبسوطا في كتب علوم الحديث والرجال.
[ ٢٦ ]
وقد علمت آنِفًا أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ تدوينًا عَامًّا إِلاَّ في آخر القرن الأول، ولا يشكلنَّ عليك أنَّ مباحث الرواية وشروطها، والرُواة وصفاتهم، والتعديل والتجريح، لم تكن مدوَّنَةً آنَئِذٍ، لأنها كانت منقوشة في الحوافظ والأذهان، وعلى صفحات القلوب، شأنها في ذلك شأن متون الأحاديث، وما كان أئمة الحديث الجامعون له بغائبة عنهم هذه القواعد بل كانوا يعرفونها حق المعرفة، فكان وجودها في الأذهان وإن لم توجد في الأعيان، وكان من أثر هذه المعرفة ما نقل إلينا من التثبت البالغ والتحوط الشديد في قبول المرويات وتدوينها، وصيانتها عن أنْ يتطرق إليها الكذب، أو الغلط، أو الخطأ.
وإنك لتلمس هذا جَلِيًّا في الكتب التي ألِّفَتْ في القرون الأولى فقد مزجت فيها المتون بأصول علم النقد والرواية، ومن ذلك ما نجده في أثناء مباحث كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي (م ٢٠٤) وما نقله تلاميذ الإمام أحمد (م ٢٤١) في أسئلتهم له ومحاورتهم معه، وما كتبه الإمام مسلم (م ١٦١) في " مقدمة صحيحه " وما ذكره الإمام أبو داود (م ٢٧٥) في " رسالته إلى أهل مكة " في بيان طريقته في كتابه " السُنَنْ " المشهور، وما ذكره الإمام أبو عيسى الترمذي (م ٢٧٩) في كتابه " العلل " الذي هو في آخر " جامعه " من تصحيح وتحسين وتضعيف، وما ذكره الإمام البخاري (م ٢٥٦) في " تواريخه الثلاثة "، إلى غير ذلك.
ومن ثَمَّ يَتَبَيَّنُ لنا أنَّ نقد المرويات، وتمييز صحيحها من زائفها قد كان ملازمًا لجمعها في الكتب والجوامع والمسانيد، وإذا كان بعض هذه الكتب الجامعة للمتون يوجد فيها الضعيف والمنكر والموضوع - على ندرة جدًا - من غير تنبيه إليه، فمرجع ذلك اختلاف أنظار أئمة الحديث في الجرح والتعديل وشروطهم في التصحيح والتضعيف فمنهم المُشَدِّدُ، ومنهم المتساهل، ومنهم المتوسط في الجرح، وقد يخفى على بعضهم من العلل ما لا يخفى على الآخر وهذا شيء يدل على حرِيَّةَ البحث في الإسلام، حرِيَّةَ منشؤها الرغبة في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، لا الهوى والشهوة.
شُرُوطُ الرِّوَايَةِ المَقْبُولَةِ فِي الإِسْلاَمِ:
وقد وضع المُحَدِّثُونَ شروطًا للرواية المقبولة بحيث تكفل هذه الشروط
[ ٢٧ ]
الضمانات الكافية لصدق الرُواة وسلامتهم من الكذب والخطأ والغفلة في النقل وإليك هذه الشروط.
١ - الإسلام: وهو الانقياد ظاهرًا وباطنًا، فيشمل التصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقبول شرائعه وأحكامه، والتزام ذلك علمًا وعملًا، وإنما اشترطوا الإسلام وإنْ كان الكذب مُحَرَّمًا في سائر الأديان لأنَّ الأمر أمر دين والكافر يسعى في هدم غير دينه ما استطاع، وهو متهم فيما يتصل به، وما دام عنصر الاتهام موجودًا كان من الحق والعدل عدم قبول روايته فيما هو دين، أما إنْ تَحَمَّلَ وهو كافر ولكن أدى وهو مسلم قُبِلَتْ روايتُهُ.
٢ - التكليف: وذلك يتحقق بالبلوغ والعقل فلا تقبل رواية الصبي والمجنون، أما الأول فلأنه لا وازع له عن الكذب لعدم مؤاخذته شرعًا، وأما الثاني فلعدم إدراكه وتمييزه، نعم إنَّ تَحَمَّلَ الصبي المُمَيّز قبل البلوغ وأدَّى بعده تقبل روايته، يدل على هذا إجماع الصحابة - ﵃ - على قبول رواية جماعة من أحداث الصحابة كابن عباس وابن الزبير ومحمود بن الربيع وغيرهم وعلى هذا درج من جاء بعدهم، وقد حدَّدوا سِنَّ التمييز بخمس سنين، واستأنسوا في هذا بحديث محمود بن الربيع «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ [مِنْ دَلْوٍ]» رواه البخاري.
٣ - العدالة: وهي ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.
والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وذلك بأنْ لا يفعل كبيرة ولا يُصِرُّ على صغيرة، ولا يكون مبتدعًا.
والمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.
وما يُخِلُّ بالمروءة قسمان:
[أ] الصغائر الدالة على الخسة كسرقة شيء حقير مثلًا.
[ب] المباحات التي تُوَرِّثُ الاحتقار وتُذْهِبُ الكرامة كالبول في الطريق وفرط المُزَاحِ الخارج عن حَدِّ الأدب، ومرجع هذا إلى العادة والعُرْفِ.
[ ٢٨ ]
والمراد من العدل عند المُحَدِّثِينَ عدل الرواية فيدخل فيه الذكر والأنثى والحُرُّ والعبد والمُبصر والكفيف، وقد كان المُحَدِّثُونَ على حَقٍّ في عدم اشتراط الذكورة أو الحرِيَّةَ أو الإبصار، لأنَّ كثيرًا من الأحاديث رَوَتْهَا أمهات المؤمنين وغَيْرُهُنَّ من النساء، ورواها الموالي كزيد بن حارثة، والأكفاء كابن أم مكتوم.
٤ - الضبط وهو قسمان:
[أ] ضبط صدر.
[ب] ضبط كتاب.
فالأول: أنْ يحفظ ما سمعه من شيخه بحيث يتمكَّن من استحضاره والتحديث به متى شاء من حين سماعه إلى حين أدائه.
والثاني: هو محافظته على كتابه الذي كتب فيه الأحاديث وصيانته عن أنْ يتطرَّق إليه تغيير ما منذ سماعه فيه وتصحيحه إلى حين الأداء منه، ولا يعيره إِلاَّ لمن يثق فيه ويتأكد من أنْ لا يغيِّر فيه.
وضبط الصدر مُجْمَعٌ عليه، وأما ضبط الكتاب فخالف في قبول الرواية به بعض الأئمة الكبار كأبي حنيفة ومالك (١) - رَحِمَهُمَا اللهُ -، والجمهور على قبول رواية من روى من كتابه بشرط التحفُّظ عليه.
فإذا اجتمع في الراوي هذه الشروط كان أهلًا لقبول روايته، وليس من شك في أنَّ مَنْ توفَّرت فيه هذه الشروط ترجَّح ترجُّحًا قويًّا صدقه على جانب كذبه، بل مَنْ اطَّلع على منهج المُحَدِّثِينَ في النقد وطريقتهم في التعديل والتجريح ومُبالغتهم في التحري عن معرفة حقيقة الراوي وطويَّة نفسه، والأخذ بالظنَّة والتُّهمة في رَدِّ مروياته، يكاد يجزم بأنَّ تجويز الكذب على الراوي المستجمع لهذه الشروط أمر فَرَضِيٌّ واحتمالٌ عقليٌّ، وهذه الحقيقة قد تبدو لبعض مَنْ لَمْ يدرس كتب الرجال والنقد عند المُحَدِّثِينَ فيها شيء من المُغالاة ولكن الحق ما ذكرتُ، ومن أبعد النجعة في كتب القوم عرف، ومن عرف اعترف.
_________________
(١) " مقدمة ابن الصلاح ": ص ١٨٥.
[ ٢٩ ]
وكذلك بعد اشتراطهم للضبط - على المعنى الذي قدَّمناهُ - يكون احتمال الغلط أو الخطأ في روايته احتمالًا بعيدًا، وقد رَدُّوا رواية من كثر غلطه وغفلته وساء حفظه، وكذا من تساوى صوابه وغلطه واعتبروا حديثه مُنكرًا، ومن ثَمَّ نرى أنَّ المُحَدِّثِينَ احتاطوا غاية الاحتياط في الرواية، ولم يأخذوا إِلاَّ عن العدل الفطن اليقظ، ونبذوا أحاديث المُغَفَّلِينَ والغالطين وأصحاب الأوهام، ولم يتسامحوا إِلاَّ في الغلط أو الغفلة النَّادِرَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يسلم منها غالب البشر (١) وكم من رجل من أهل الديانة والأمانة ولكنه في نظرهم ليس أهلًا للرواية، وإليك بعضًا مِمَّا رُوِيَ عنهم في هذا.
صَحَّ عن ابن سيرين أنه قال: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» وهذا هو إمام دار الهجرة مالك بن أنس - ﵀ - يقول: «لَقَدْ أَدْرَكْنَا فِي هَذَا الْمَسْجِد سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُونَ: قَالَ فُلاَنٌ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - وإنَّ أحدهم لو اؤتمن على بيت مالٍ لكان أمينًا عليه، فما أخذت عنهم شيئًا، ولم يكونوا مِنْ أهل هذا الشأن» وقال يحيى بن سعيد القطان: «كَمْ مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ لَوْ لَمْ يُحَدِّثْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ» يريد مَنْ عنده غفلة وسُوءِ حفظٍ، وقال الإمام أحمد: «يُكْتَبُ الحَدِيثُ عَنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلاَّ عَنْ ثَلاَثَةٍ: صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو إِلَيْهِ، أَوْ كَذَّابٌ، أَوْ رَجُلُ يَغْلِطُ فِي الحَدِيثِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ فَلاَ يُقْبَلُ» وقال سليمان بن موسى: «كَانُوا يَقُولُونَ - يَعْنِي أَئِمَّةَ الحَدِيثِ -: لاَ تَأْخُذُوا العِلْمَ عَنْ الصُحُفِيِّينَ» (٢)، يعني الذين يأخذون الأحاديث عن الصحف لا بالرواية لكثرة ما يقع لهم من الخطأ والتصحيف وعدم التمييز، والأئمة الذين جمعوا الأحاديث في كتبهم المشهورة كان الاعتماد عندهم فيها على الرواية، والتلقِّي شِفَاهًا من الرُواة العُدُولِ الضابطين، وإنما كانت الكتابة زيادة في الوُثُوقِ والضبط، وحتى يرجع إليها مَنْ لم يكن في درجتهم مِنْ طالبي الحديث مِمَّنْ سيأتي بعدهم.
عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِنَقْدِ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ:
وقد عني المُحَدِّثُونَ عناية فائقة بنقد الأسانيد بحيث لم يَدَعُوا زيادة لمستزيد وقد خلَّفوا لنا في نقد الرجال ثروة هائلة ضخمة، منها ما ألِّف في الثقات، ومنها
_________________
(١) " جامع الأصول ": ١/ ٧٢، " شرح نخبة الفكر ": ص ٣٢ مطبعة الاستقامة.
(٢) " الآداب الشرعية " لابن مفلح: ٢/ ١٥٥ وما بعدها.
[ ٣٠ ]
ما ألِّف في الضعفاء، ومنها ما ألِّف فيما هو أعم منهما، ولم يكتفوا في نقدهم للرجال بالتجريح الظاهري، بل عنوا اَيْضًا بالنقد النَفْسِي، وليس أَدَلَّ على هذا مِنْ تفريقهم بين رواية المُبْتَدِع الداعية وغير الداعية، فردُّوا رواية الأول وقبلوا رواية الثاني، لأنَّ احتمال الكذب في الأول قريب، ولا كذلك الثاني، وكذلك رَدُّوا رواية المُبْتَدِع وإنْ كان غير داعية إذا روى ما يُؤَيِّدُ بِدْعَتَهُ، لأنَّ احتمال الكذب قريب لتأييد بِدْعَتِهِ، وقبلوا رواية المُبْتَدِع الداعية إذا روى ما يخالف بدعته، لأنَّ احتمال الكذب من الناحية النفسية بعيد جدًا في هذا.
وكذلك اعتبروا من الجرح الذهاب إلى بيوت الحكام، وقبول جوائزهم ونحو ذلك مِمَّا راعوا فيه أنَّ الدوافع النفسية قد تحمل صاحبها على الانحراف.
وكما عني المُحَدِّثُونَ بنقد الأسانيد - النقد الخارجي - عنوا بنقد المتون - النقد الداخلي - وليس أدلَّ على هذا أنهم جعلوا من أمارة الحديث الموضوع مخالفته للعقل أو المشاهدة والحس مع عدم إمكان تأويله تأويلًا قريبًا محتملًا وأنهم كثيرًا ما يَرُدُّونَ الحديث لمخالفته للقرآن أو السُنَّة المشهورة الصحيحة أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق، وأنهم جعلوا من أقسام الحديث الضعيف المنكر والشاذ، ومُعَلَّلَ المتن ومضطرب المتن إلى غير ذلك.
نعم لم يبالغ المُحَدِّثُونَ في نقد المتون مبالغتهم في نقد الأسانيد لأمور جديرة بالاعتبار تشهد لهم بأصالة النظر وعمق التفكير والاتئاد في البحث الصحيح، وسأعرض لهذا بالتفصيل والتوضيح فيما بعد.
عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِفِقْهِ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِيهَا:
وكذلك عنوا بفقه الأحاديث وفهمها، ولم يكونوا زَوَامِلَ للأخبار لا يفقهون لها معنى كما زعم بعض المُتَخرِّصِينَ على المُحَدِّثِينَ، والرعيل الأول من أئمة الحديث الذين جمعوه وغربلوه ونخلوه حتى صار نقيًّا من الشوائب والغرائب، كانوا أهل فقه ودِراية بالمتون، وذلك أمثال الأئمة مالك وأحمد والسُفْيَانَيْنِ الثَوْرِي وابْنِ عُيَيْنَةَ، والبخاري ومسلم، وباقي أصحاب الكتب الستة وغيرهم، قال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعتُ أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: «إِذَا كَانَ يَعْرِفُ الحَدِيثَ وَمَعَهُ فِقْهٌ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّنْ حَفِظَ الحَدِيثَ وَلاَ يَكُونُ مَعَهُ فِقْهٌ».
[ ٣١ ]
وروى الحاكم في " تاريخه " عن عبد العزيز بن يحيى قال: قال لنا سفيان بن عُيينة: «يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ تَعَلَّمُوا مَعَانِي الحَدِيثِ، فَإِنِّي تَعَلَّمْتُ مَعَانِي الحَدِيثِ ثَلاَثِينَ سَنَةً» (١). وإنك لتلمس أثر الفقه والفهم للأحاديث في " صحيح الإمام البخاري " في تبويبه الأبواب، وطريقته في التراجم، وتكراره أو تقطيعه للحديث الواحد في مواضع بحسب مناسباته الفقهية، وكثيرًا ما يُدْلِي برأيه في مسائل تكون موضع الخلاف، وقد يترك المسألة من غير قطع إذا لم يَتَرَجَّحْ عنده شيء حتى لقد قيل: «فِقْهُ البُخَارِي فِي تَرَاجِمِهِ»، وكذلك طريقة مسلم في ترتيب كتابه، وطريقة أصحاب السُنن ولا سيما الترمذي فقد عرض في " سُننه " لكثير من الآراء الفقهية عَرْضَ رجلٍ وَاعٍ فاهمٍ عارفٍ.
نعم لقد وُجِدَ في العصور المتأخِّرة أناس - وَهُمْ قلَّة - جعلوا هَمَّهُمْ الرواية والجمع دون الفقه والفهم للمتون، وهؤلاء إنما وجدوا بعد أنْ جُمِعَتْ السُنن والأحاديث في دواوينها المعتمدة ولعلَّ هؤلاء هم الذين عناهم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " صيد الخاطر " ووصفهم بأنهم زوامل للأسفار يحملون ما لا يعلمون (٢)، وإلاَّ فقد كان هناك من أمثاله كثيرون.
الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى:
لا خلاف بين العلماء أنَّ المحافظة على ألفاظ الحديث وحروفه أمر من أمور الشريعة عزيز، وحُكْمٌ من أحكامها شريف، وأنه الأولى بكل ناقل والأجدر بكل راوٍ المحافظة على اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، بل قد أوجبه قومٌ ومنعوا نقل الحديث بالمعنى.
والذين أجازوا الرواية بالمعنى إنما أجازوها بشروط وتَحَوُّطَاتٍ بالغة فقالوا: نَقْلُ الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بالألفاظ الخبير بمعانيها، العارف بالفرق بين المُحْتَمَلِ وغير المُحْتَمَلِ، والظاهر والأظهر، والعام والأعمّ، فقد جَوَّزُوا له ذلك، وإلى هذا ذهب جماهير الفُقَهَاء والمُحَدِّثِينَ.
_________________
(١) " الآداب الشرعية ": ٢/ ١٢٩.
(٢) المرجع السابق: ص ١٣٢.
[ ٣٢ ]
وقد كان السلف الصالح يحرصون على الرواية باللفظ ويرون أنَّ الرواية بالمعنى رُخْْصَةً تتقدَّر بقدرها، وكان منهم مَنْ يتقيد باللفظ ويَتَحَرَّجُونَ مِنَ الرواية بالمعنى، قال وكيع: «كَانَ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ - ﵏ - يُعِيدُونَ الْحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ» ومِمَّنْ كان يُشَدِّدُ في الألفاظ الإمام مالك - ﵀ - فقد منع الرواية بالمعنى في الأحاديث المرفوعة وأجازها فيما سواها، رواه البيهقي عنه في " المدخل ".
ومن السلف من كان يرى جواز الرواية بالمعنى، قال ابن سيرين: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ - ﵏ - يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي» (١).
ومِمَّا ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ جواز الرواية بالمعنى في غير ما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أنْ يُغَيِّرَ لفظ شيء من كتاب مُصنَّف ويُثْبِتَ بَدَلَهُ فيه لفظًا آخر بمعناه، فإنَّ الرواية بالمعنى رَخَّصَ فيها مَنْ رَخَّصَ لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب ولأنه إنْ ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره كما قال ابن الصلاح (٢)
ومِمَّا ينبغي أنْ يُعْلَمَ اَيْضًا أنهم استثنوا من الأحاديث التي جَوَّزُوا روايتها بالمعنى الأحاديث التي يُتَعَبَّدُ بلفظها كأحاديث الأذكار والأدعية والتشهد ونحوها كجوامع كلمه - ﷺ - الرائعة.
فإذا علمنا أنَّ التدوين الخاص وجد في القرن الأول، وأنَّ التدوين العام كان في أول القرن الثاني، وأنَّ الرواية بالمعنى لا تجوز في الكتب المدونة، والصحف المكتوبة، وأنَّ الذين نقلوا الأحاديث وَرَوَوْهَا منهم من التزم اللفظ ومنهم من أجاز الرواية بالمعنى، وهؤلاء المُجِيزُونَ كانوا عربًا خلصًا غالبًا، وأنهم كانوا أهل فصاحة وبلاغة، وأنهم قد سمعوا من الرسول أو مِمَّنْ سمعوا من الرسول وشاهدوا أحواله، وأنهم أعلم الناس بمواقع الخِطاب ومحامل الكلام، وأنهم يعلمون حق العلم أنهم يَرْوُونَ ما هو دين، ويعلمون حَقَّ العلم حرمة الكذب على رسول الله، وأنه كذب
_________________
(١) " جامع الأصول ": ١/ ٥٤، " الباعث الحثيث ": ص ١٦٦.
(٢) " مقدمة ابن الصلاح: ص ١٨٩.
[ ٣٣ ]
على الله فيما شرع وحكم.
إذا علمنا كل ذلك - وقد دَلَّلْنَا فيما سبق - أَيْقَنَّا أنَّ الرواية بالمعنى لم تَجْنِ على الدِّينِ، وأنها لم تُدْخِلْ على النصوص التحريف والتبديل كما زعم بعض المُسْتَشْرِقِينَ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ، وأنَّ الله الذي تَكَفَّلَ بحفظ كتابه قد تَكَفَّلَ بحفظ سُنَّة نبيِّه من التحريف والتبديل، وقَيَّضَ لها في كل عصر من
ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، فذهب الباطل الدخيل، وبقي الحق مورَدًّا صافيًا للشاربين ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (١).
والآن لنشرع في الرَدِّودِ والدفاع، ومن الله أستمدُّ العونَ والتوفيقَ.
نَقْدٌ إِجْمَالِيٌّ لِكِتَابِ أَبِي رَيَّةَ:
في رمضان من عام ١٣٦٤ هـ (أغسطس عام ١٩٤٥) نشر الأستاذ «محمود أَبُو رَيَّةَ»
مقالًا بـ " الرسالة " العدد «٦٣٣» تحت عنوان «الحَدِيثُ المُحَمَّدِي» ضَمَّنَهُ آراءه في بعض مباحث الحديث، وذكر أنها خلاصة كتاب سينشر، فلما قرأته وجدت فيه عُزُوفًا عن الحق والصواب في بعض ما كتب، فأخذتُ بالقلم وكتبت رَدًّا أرسلتُ به إلى " الرسالة " فنشر بالعدد «٦٤٢» وقلت في ختام الرَدِّ: «وحيث إنَّ المقال خلاصة كتاب سينشر، فإني لأهيب بالأستاذ أنْ يراجع نفسه في بعض الحقائق التي تَكَشَّفَتْ له، وليكر على الكتاب من جديد بالتمحيص والتدقيق، وعلم الحديث ليس بالأمر الهَيِّنِ، والبحث فيه يحتاج إلى صبر وأناة وتمحيص وتدقيق» وقد أبى الكاتب أنْ يُسَلِّمَ بكل ما أخذته عليه، فكتب رَدًّا على رَدِّي نشر بـ " الرسالة " العدد «٦٥٤» وذكر في مقدمة رَدَّهِ أنَّ مقالي «ينزع إلى الحق ويطلبه، وأنه يستحق العناية ويستأهل الرَدَّ» ثم تَرَيَّثَ الأستاذُ في نشر ما عَنَّ له من فصول هذا الكتاب فقلتُ: لعلَّه راجع نفسه.
وفي عامنا هذا (١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م) طلع علينا الأستاذ «أَبُو رَيَّةَ» بكتاب تحت عنوان: " أضواء على السُنَّة المحمدية " فقرأت الكتاب قراءة باحث مُتثبَّتٍ مُستبصرٍ، فإذا هو صورة مُكَبَّرَة لما أوجز في مقاله القديم، وإذا بالمؤلف لم يُغَيِّرْ
_________________
(١) [سورة سبأ، الآية: ٤٩].
[ ٣٤ ]
من أفكاره إِلاَّ في القليل النادر، فعزمت على الرَدِّ عليه رَدًّا مُسْهَبًا ولا سيما أنَّ الكتاب أحدث بلبلة في الأفكار عند من لم يتعمَّقوا في دراسة السُنَّة، وقوي عزمي على الرَدِّ رغبات الكثيرين من الفضلاء الذين لا يزالون يذكرون ردِّي الموجز القديم، وحُسْنُ ظَنِّهِمْ بِي.
وقد رأيت أنْ أنشر هذه الرُّدُودَ على صفحات مجلة الأزهر " الزهراء "، وأي مجلة أحق بمثل هذه البحوث من مجلة الأزهر؟ وهي لسان الأزهر وحاملة لواء الإسلام والتعريف به والذبِّ عنه، وإليها يسكن المسلمون في جميع أقطار الأرض.
وقد آثرت أنْ أقدِّم بين يَدَيْ النقد التفصيلي للكتاب صورة موجزة، وإنْ شئتَ فَقُلْ خطوطًا عريضة تعطينا فكرة عن الكتاب وطريقة مؤلِّفه ومنهجه في البحث، وإليك البيان:
١ - إنَّ المؤلف يدَّعي دعاوى عريضة ولا يُدَلِّلُ عليها، أو يحاول أنْ يُدَلِّلُ عليها، فيعوزه الدليل، أو يستدل فيأتي الدليل قاصرًا عن الدعوى .. وذلك مثل ما ذكره في ص (٥) من: «أنَّ علماء الحديث قد بذلوا أقصى جُهدهم في دراسة علم الحديث من حيث روايته .. على حين أهملوا جميعًا أمرًا خطيرًا كان يجب أنْ يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه - ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تَحَدَّثَ به النَبِيُّ - ﷺ -، وهل أمر بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه أو تركه ونهى عن كتابته؟ وهل دَوَّنَهُ الصحابة ومن بعدهم أو انصرفوا عن تدوينه؟ وهل ما روي منه قد جاء مطابقًا لحقيقة ما نطق به النَّبِي - لفظًا ومعنى - أو كان مخالفًا له؟
ويعلم الله والراسخون في العلم أنَّ كل ما ادَّعَى أنهم أهملوه جميعًا قد قتلوه بحثًا وبذلوا فيه غاية الوسع.
ومثل ما ذكره في [ص ٧] من: «أنه وجد أنه لا يكاد يوجد في كُتُبِ الحديث كلها - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحًا أو حسنًا - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومُحْكَمِ تركيبه ».
ومثل قوله في [ص ١٣]: «ولما كان هذا البحث لم يعن به أحد من قبل رأيت أنْ أسوِّي منه كتابًا مُبَوَّبًا جامعًا أذيعه على الناس حتى يكونوا على بَيِّنَةٍ من أمر الحديث المحمدي».
[ ٣٥ ]
وفي الحق أنه ما مِنْ بحث عرض له إِلاَّ قد أشبع العلماء فيه القول، وَلِنَدَعْ التدليل إلى مقام التفصيل.
٢ - أنَّ المؤلف اعتمد في التدليل على بعض ما ذهب إليه على كلام المُسْتَشْرِقِينَ!! وأي والله المُسْتَشْرِقِينَ، وذلك كما فعل في ص ٨١، ١٧١، ١٧٢ وكيف خَفِيَ على المؤلف الحصيف أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - إِلاَّ القليل منهم - يحملون الضغن للإسلام والمسلمين، وأنهم نَفَثُوا سمومهم في بحوث ادَّعُوا أنها حُرَّةٌ نزيهة - وما هي من النزاهة في شيء - وأنَّ من مقاصدهم تقويض صرح الإسلام الشامخ، وذلك بتقويض دَعَامَتَيْهِ القرآن والسُنَّة؟ وأنهم لما عَزَّ عليهم التشكيك في القرآن - على كثرة ما حاولوا - رَكَّزُوا معظم جهودهم في السُنَّة بحُجَّةِ عدم تواترها في تفصيلها، فلبسوا الأمر على بعض الناس حتى كان من أثر ذلك ما يطلع علينا بعض الباحثين في الأحاديث النبوية بين الحين والحين - ومنهم الأستاذ المؤلف - من آراء مبسترة جائرة، ويشهد الله أنها مصنوعة في معامل المُسْتَشْرِقِينَ، ثم اسْتَوْرَدَهَا هؤلاء فيما اسْتَوْرَدُوا من أفكار وادَّعَوءهَا لأنفسهم زُورًا وبُهْتَانًا.
٣ - إنَّ المؤلف أفاض في بعض المباحث وأكثر من النقول وذلك لكي يُرَتِّبَ عليها ما يريد من نتائج هي أبعد ما تكون مترتبة عليها، وذلك كما صنع في مَبْحَثَيْ الرواية بالمعنى وضررها الديني واللغوي والأدبي، بينما أوجز إيجازا مخلا في بعضها كما فعل في مَبْحَثَيْ العدالة والضبط وهل تعلم أنَّ هذين المَبْحَثَيْنِ اللَّذَيْنِ يقوم عليهما علم الرواية ونقد المرويات في الإسلام لم يحظيا من الكتاب إِلاَّ ببضعة أسطر؟
والذي يظهر لي أنه أمر مقصود من المؤلف، ذلك أنه لو ذكر شروط العدالة والضبط على ما أصلها وقعدها أئمة الحديث وصيارفته، لعاد ذلك بالنقض على كثير مِمَّا ذكره المؤلف في كتابه من استنتاجات لا تسلم له.
ولا أكون مغاليًا أو متعصِّبًا إذا قلت: إنَّ الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدقَّ ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث وسأفيض في بيان ذلك عند النقد الموضوعي إنْ شاء الله.
٤ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يستشهد بأحاديث موضوعة، ما دامت تساعده على ما يريد ويهوى من آراء.
[ ٣٦ ]
وذلك مثل ما فعل في [ص ٢٩] من استشهاده بما روي أنَّ عمر حبس ابنَ مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الإكثار من الحديث فإنه خبر ظاهر الكذب والتوليد - كما قال ابن حزم - ونِسْبَتُهُ رِوَايَتَهُ إلى ابن حزم ليس من الأمانة العلمية في النقل.
ومثل حديث عرض السُنَّة على القرآن فهو موضوع باتِّفاق الأئمة.
على حين حاول أنْ يُشَكِّكَ في أحاديث صحيحة ثابتة مثل حديث «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» فقد نقده من ناحية متنه مُوهِمًا اختلافه [ص ٢٥٢].
وطعن في حديث «الإسراء والمعراج» وحَمْلِ موسى محمدا- عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مراجعة ربه، واعتبر ذلك من الإسرائيليات [ص ١٢٦].
كما اعتبر ذكر المسجد الأقصى في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ» من الإسرائيليات [ص ١٢٩]، والإمام ابن تيمية وهو من أئمة المنقول والمعقول وينقل عنه المؤلف كثيرًا في كتابه، احتجَّ بهذا الحديث ولم يُبْدِ عليه أي مأخذ من المآخذ، وهو من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، إلى غير ذلك مِمَّا ستعلم الكثير منه عندما نتعرَّض للنقد التفصيلي.
ولا أكاد أعلم للمؤلف سلفًا في الطعن في هذه الأحاديث من الأئمة، اللَّهم إِلاَّ أنْ يكون السادة المُسْتَشْرِقُونَ وَهِيَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ.
وإنَّ مِمَّا يؤسف ويدهش أنه اعتبر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه البخاري وغيره «إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن» خرافة من خرافات كعب الأحبار امتدَّت إلى تلميذه عبد الله بن عمرو [ص ١١٤]. ولا أدري كيف يتَّفق هذا وقول الحق ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (١).
٥ - جارى المؤلف المُسْتَشْرِقِينَ حينما تكلَّم عن العصبية المذهبية والسياسية في فصل «الوضع» فحكم على كل ما يَدُلُّ على فضيلة لصحابي أو يشهد لفكرة أو رأي أنه موضوع، وهو تصرف لا يرتضيه المُنْصِفُونَ المُتَثَبِّتُونَ ولا ترتضيه قواعد البحث النزيه المستقيم، فمن ثَمَّ طعن في كثير من الأحاديث الصحيحة في الفضائل، وغير
_________________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧].
[ ٣٧ ]
معقول ألاَّ يكون لصحابة النَّبِي الذين مَثَّلَهُمْ في التوراة والإنجيل - فضائل في جملتهم، وألاَّ يكون لبعضهم من الفضيلة والمِيزَةِ ما ليس للآخر، فَادِّعَاءُ أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل، أو كُلَّ ما يشهد لفكرة أو رأي موضوع إفراط وإسراف في الحُكْم بغير دليل، وكذلك ادعاء أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل ونحوها صحيح تفريط وتقصير في البحث، فلم يبق إِلاَّ الطريق الوسط العدل، وهو الطريق الذي يهتدي فيه الباحث بصحيح النقد وصريح العقل إلى التمييز بين الصحيح وغير الصحيح، وبيان المقبول من المردود، وهذا هو ما صنعه جهابذة الحديث وأئمة النقد في موقفهم من أحاديث الفضائل ونحوها.
٦ - لقد تحامل المؤلف تحاملًا لا يرتضيه المُنْصِفُونَ لذي دِينٍ وَخُلُقٍ على صحابي من صحابة رسول الله وهو أبو هريرة - ﵁ -، ونحن لا نَدَّعِي العصمة لأحد من البشر، حاشا الأنبياء، ولكنا نريد أنْ نُنَزِّلَ للناسَ منازلهم في الفضل والعلم، ولا نَحْجَرُ على العقول، فلكل باحث أنْ ينتقد ويبدي ما يشاء من آراء في حدود قواعد النقد الصحيحة، ولكنا نُحِبُّ للناقد أنْ يأخذ نفسه بأدب النقد، وأنْ يراعي النُّصْفَةَ، وأنْ يكون عفيف القول، كريم التعبير، مُتَرَفِّعًا عن الإسفاف، كما هو الشأن في العلماء، وقد كان سلفنا الصالح يختلفون ويتجادلون، ولكنَّهم كانوا يُحَلِّقُونَ في سماوات من العِفَّةِ وَالتَرَفُّعِ عن الهجر من القول، والإنصاف وعدم التَجَنِّي.
ولا أدري كيف استباح المؤلف لقلمه، فضلًا عن أدبه، أنْ يرمي أبا هريرة بكل جارحة من القول تعليقا على كلمة لسيدنا أبي هريرة قالها تَحَدُّثًا بنعمة الله (١)، قال المؤلف ما نصه ص ١٨٧: «ولقد اسْتَخَفَّهُ أَشَرُهُ وَزَهْوُهُ - يعني أبا هريرة - وَنَمَّ عليه أصله، ونحيزته، فخرج عن حدود الأدب والوقار! مع هذه السيدة الكريمة فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان يحلم به: إني كنت أجيرًا لبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقتُ بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوَّجتها، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني إلخ».
_________________
(١) في " الإصابة " عن مُضَارِبْ قال: «كنتُ أسير من الليل فإذا رجل يُكَبِّرُ، فقلتُ: ما هذا؟ قال: كثر شكر الله على أنْ كنتُ أجيرًا لبُسرة بنت غزوان» ثم ذكر القصة.
[ ٣٨ ]
ومِمَّا أخرجه ابن سعد أنه قال: أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تكلفني أنْ أركب قائمًا وأورد حافيًا، فلما كان بعد ذلك زَوَّجَنِيهَا اللهُ، فكلفتها أنْ تركب قائمة وأنْ تورد حافية.
ويعلِّق الباحث الأديب على هذه العبارة، فيقول بالهامش ما نصه: انظر إلى هذا الكلام الذي تعرَّى عن كل مروءة وكرم، واتَّسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يُبَاهِي بِامْتِهَانِ زوجه والتَشَفِّي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق (١).
وبحسبي أنْ أضع هذه العبارات، التي نضحت بها نفس المؤلف الأديب بين يدي القُرَّاءِ، وسأدع الحُكْم عليه، لمحكمة الأدب السامي، والضمير الإنساني، وسيكون الحُكْم - لا ريب - قاسيًا.
هذا إلى ما جاء في تضاعيف كتابه من رمي المنتصرين لِلْسُنَّةِ، المخالفين له في آرائه بالحَشْوِيَّةِ حينًا، وبالمُقَلِّدَةِ والجَامِدِينَ حينًا آخر، إلى غير ذلك مِمَّا ينبغي أنْ يُنَزَّهَ التأليف والنقد عنه.
هذا وليطمئن المؤلف أَبُو رَيَّةَ، أني لن أتعرَّض لعقيدته ومذهبه ونشأته، ولا لكرم أصله أو عدم كرمه، ولا لمروءته أو عدم مروءته، إلى غير ذلك مِمَّا تناول به السَيِّدَ الجليل أبا هريرة، فقد أخذت نفسي منذ أمسكت بالقلم أنْ أَتَرَفَّعَ عن مثل هذه السفاسف ! والسباب والشتم إنما هي بضاعة العاجز الذي لا يسعفه المنطق السليم والحُجَّة الدامغة ولن يرى مني إِلاَّ النقد الموضوعي للكتاب.
ومن الله أستمد العون والتوفيق، فاللَّهُمَّ أَعِنْ وَسَدِّدْ.
_________________
(١) هذا ما قاله أَبُو رَيَّةَ في السيد أبي هريرة، وقال الإمام ابن إسحق فيه: «كَانَ وَسِيطًا فِي دَوْسٍ»، فانظر فرق ما بين المقالتين. والوسيط: الرجل الفاضل ذو النسب العريق.
[ ٣٩ ]
النَّقْدُ التَّفْصِيلِيُّ:
زَعْمُهُ أَنَّ العُلَمَاءَ لَمْ يَعْنُوا بِالأَحَادِيثِ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
قال في [ص ٤، ٥]: «وعلى أنه - أي الحديث - بهذه المكانة الجليلة فإنَّ العلماء والأدباء لم يُولُوهُ ما يستحقُّ من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يُسَمَّوْنَ رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم، وطريقة هذه الفئة التي اتَّخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل فترى المُتَقَدِّمِينَ منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رُواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم أنْ كان ما يصدر من هؤلاء صحيحًا في نفسه أو غير صحيح، معقولًا أو غير معقول، ثم جاء المتأخِّرون منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم، ووقف هؤلاء عند ظواهر الحديث كما أَدَّتْ إليه الرواية من غير بحث ولا تمحيص لها» إلخ ما قال.
وقد تأثَّر المؤلف بِالمُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين لم يمكنهم أنْ يَتَحَرَّرُوا من سلطان الهوى والتعصُّب في هذا البحث، بل - والحق يقال - أسرف في الحُكْم على الأحاديث أكثر مِمَّا أسرفوا، حتى جاء بحثه ضَغْثًا على إبالة.
وإليك الجواب كي يتَّضح الحق والصواب:
١ - لا أدري ماذا يريد المؤلف بقوله، فإنْ أراد علماء الفقه والتشريع فها هُمْ قد بذلوا في ذلك غاية الوسع، وَأَوْلَوْهُ ما يستحق من العناية والدرس، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في أحاديث الأحكام وشروحها لترى في ذلك عشرات المجلَّدات والموسوعات، وإنْ أراد علماء الدراية بالأحاديث فقد أوفوا في بحث متون الأحاديث وشرحها وتحليلها على الغاية، ولم يَدَعُوا ناحية من نواحيه الخصبة حتى قتلوها بحثًا، وما من كتاب من كتب الحديث المعتمدة إِلاَّ ووضعت له الشروح المتكاثرة، وبحسبك أنْ تتناول فهرسًا من فهارس المكتبات العامة لترى إلى أَيِّ حَدٍّ عني العلماء المسلمون بالأحاديث النبوية عناية فائقة قد لا يربو عليها إِلاَّ عنايتهم بالقرآن الكريم، وخَلَّفُوا لنا في ذلك ثروة ضخمة، حتى أنها لقيمتها العلميَّة ونفاستها جذبت
[ ٤٠ ]
فئة من العلماء غير المسلمين إلى البحث فيها وقضاء الأعمار في العناية بها.
وإنْ أراد علماء الأخلاق والمواعظ، فقد جعلوا الأحاديث النبوية نَبْعًا فَيَّاضًا لما أَلَّفُوهُ من الكتب فيهما، وكذلك علماء البلاغة والأدب فقد أكثروا من الاستشهاد بالأحاديث في كتبهم، وعنوا بها من حيث اختصاصهم، وأَلَّفَ بعضهم في ذلك كُتُبًا تكشف عَمَّا في الأحاديث من جمال فني وأدبي، كما فعل الإمام الشريف في كتابه " المجازات النبوية "، والمرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه " البلاغة النبوية " الذي جعله مُتَمِمَّا لكتابه " إعجاز القرآن ".
ثم ماذا كان يريد المؤلف من العلماء غير المُحَدِّثِينَ والأدباء؟ أكان يريد منهم أنْ يُجَاوِزُوا طورهم - كما جاوز طوره - فَيَدُسُّوا أنوفهم فيما ليس من صناعتهم ويُمَيِّزُوا بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود والغث والسمين؟.
إنَّ علماء الأدب وأضرابهم مِمَّنْ ليسوا من رجال الحديث وصيارفته أكرم على أنفسهم مِنْ أَنْ يقفوا ما ليس لهم به علم، وأنْ يَزُجُّوا بأنفسهم في علوم ومعارف ليسوا أهلًا لها.
٢ - محاولة المؤلف هنا وفي غير موضع من كتابه الإزراء بالمُحَدِّثِينَ وغمزهم ولمزهم ورميهم بالجمود لن يُقَلِّلَ من أقدارهم ولن ترفع من شأنه، بل هي عند الباحثين والعَالِمِينَ مِمَّا يزري بالنقد ويلحقه بالشتيمة والسباب، وإنَّ ما وضعه المُحَدِّثُونَ من قواعد لنقد الراوي والمروي هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث، والمُتَأَخِّرُونَ لم يأتوا في ذلك بأمر جديد ذي خطر، اللَّهُمَّ إِلاَّ في الاستفادة بما جَدَّ من المعارف النفسية والتوسُّع في التطبيق، ولو أنصف المؤلف لعقد مقارنة بين قواعد المُحَدِّثِينَ وقواعد غيرهم مِمَّنْ يرتضيهم، ثم خلص من ذلك إلى نتيجة صادقة، أمَّا وقد رمى بها قولة مُجْمَلَة من غير بُرهان فبحسبنا في الرَدِّ عليه هذا الإجمال، وعندما أتعرَّض لمَبْحَثَيْ العدالة والضبط سأفصل فيهما القول، كي يتَّضح أنَّ قواعد المُحَدِّثِينَ ليست جامدة ولا قاصرة.
عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِنَقْدِ السَّنَدِ وَالمَتْنِ:
لا أدري كيف سَوَّلَتْ للمؤلف نفسه أنْ يزعم أنَّ المُحَدِّثِينَ حصروا عنايتهم في السند دون المتن الخ؟! وكيف يتَّفق هذا وما ذهبوا إليه من الحُكْمِ على متن الحديث بالشذوذ والنكارة والاضطراب والتعليل والوضع والاختلاق، وما وضعوه من
[ ٤١ ]
أمارات يُسْتَدَلُّ بها على الحديث بالوضع؟ لقد جعلوا من إمارات الموضوع ركاكة اللفظ بحيث يشهد الخبير بالعربية أنَّ هذا لن يصدر من فصيح فضلًا عن أفصح الفصحاء، وركاكة المعنى كَأَنْ يكون مشتملًا على مُحَالٍ، واشتمال الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر من عاقل حكيم، والمخالفة لِلْحِسِّ والمشاهدة، والمخالفة لصريح القرآن أو السُنَّة المتواترة أو المُسَلَّمَةِ أو الإجماع مع تَعَذُّرِ التأويل المقبول في كل ذلك، أو يتضمن الحديث أمرًا مُسْتَحْدَثًا لم يوجد في العهد النبوي أو إلى غير ذلك مِمَّا أفاضت فيه كتب تاريخ الوضع في الحديث (١) قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «إِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ [نَعْرِفُهُ]، وَإِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نُنْكِرُهُ» وقال الإمام ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: كُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ تُخَالِفُهُ العُقُولُ وَتُنَاقِضُهُ الأُصُولُ وَتُبَايِنُهُ النُقُولُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» وللمُحَقِّقِ ابن القيم في ذلك كلام قَيِّمٌ نقله علي القاري في " موضوعاته "، ومن عجيب أمر المؤلف أنه ذكر نحوًا من ذلك [ص ١٠٤، ١٠٥] من كتابه، ولا ندري كيف يَتَّفِقُ قوله أو لا هو وما ذكره عن المحققين آخرًا؟!
ولكي تزداد يقينًا في هذا أسوق لك بعض نُقُودِ المُحَدِّثِينَ للمتون، وستتأكد أنَّ دعوى حصر العناية بالنقد في السند دون المتن دعوى مردودة.
قال ابن الجوزي في الحديث الموضوع: «شَكَوْتُ إِلَى جِبْرِيلَ رَمَدَ عَيْنِي فَقَالَ لِي: [أَدِمْ] النَّظَرَ إِلَى المُصْحَفِ». قال ابن الجوزي: وأين كان في العهد النبوي مصحف حتى ينظر فيه؟.
وقال الحافظ بن حجر في تزييف الحديث الموضوع «أَتَانِي جِبْرِيلُ بِسَفَرْجَلَةٍ، فَأَكَلْتُهَا لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَعَلِقَتْ خَدِيجَةُ بِفَاطِمَةَ ». قال الحافظ: الوضع عليه ظاهر، فإنَّ فاطمة ولدت قبل الإسراء بالإجماع.
وقال ابن القيم في نقد الحديث الموضوع: «إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ عِنْدَ الحَدِيثِ فَهُوَ صِدْقٌ» قال: هذا، وإنْ صَحَّحَ بعض الناس سنده فالحِسُّ يشهد بوضعه، لأنَّا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس ألف رجل عند ذكر حديث يُرْوَى
_________________
(١) لقد ذكرت في كتابي " الوضع في الحديث " من أمارات الوضع أربع عشرة أمارة وجُلُّها مِمَّا يرجع إلى المتن، وسيطبع إن شاء الله.
[ ٤٢ ]
عن النَّبِي لم يحكم بِصَحَّتِهِ بالعطاس.
فانظر إلى أَيِّ مبلغ اعتماد أئمة الحديث على نقد المتن حتى وإنْ كان السند غير وَاهٍ ساقط أو ضعيف.
ومثل حديث وضع الجزية على أهل خيبر الذي قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ، فقد قالوا في نقده: إنَّ سعد بن معاذ توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأيضًا الجزية لم تكن نزلت ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك وفيه أنه وضع عنهم الكلفة (السخرة) مع أنه لم يكن في زمنهم شيء من ذلك. إلى غير ذلك من النقود التي أوصلها العلماء في هذا الخبر إلى عشرة أوجه (١).
وغير هذا كثير جدًا يوجد في تضاعيف الكتب المُؤَلَّفَةِ في الموضوعات والكشف عن أدوائها ومعايبها، فهل بعدما ذكرنا يقال إنهم حصروا عنايتهم في نقد السند دون المتن؟!!
السِرُّ في اتِّئَادِ المُحَدِّثِينَ فِي نَقْدِ المُتُونِ:
نعم نحن لا ننكر أنَّ المُحَدِّثِينَ توسَّعوا في نقد السند أكثر من توسُّعهم في نقد المتن، وذلك سِرٌّ نحب أنْ نُجْلِيَهُ للقُرَّاء والبَاحِثِينَ.
وفي الحق أنَّ علماء الحديث كانوا أبعد غورًا، وَأَدَقَّ نظرًا، وأهدأ بالًا حينما لم يَجْرُوا في نقد المتن الأشواط البعيدة التي جَرَوْهَا في نقد السند، وذلك لاعتبار ديني لاَحَظُوهُ في السُنَّةِ عند الاكتفاء بصلاح الراوي وتقواه وعدالته ظاهرًا وباطنًا وضبطه وحفظه وتوقِّيه الكذب على رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في نَصٍّ هو أصل ومرجع في الدين، فمتى توفَّرت العدالة بشروطها مع الضبط والحفظ والأمانة والتحرُّج من التزيُّد والتغيير كان احتمال الكذب والاختلاف بعيدًا جدًا إنْ لم يكن مُمْتَنِعًا، وإذًا فلم يبق بَعْدُ من حاجة للمُبالغة في نقد المتن وذلك لأنَّ متن الحديث:
[أ] قد يكون متشابهًا غير مفهوم العبارة فلا مَحَلَّ - مع هذا الاحتمال - لتحكيم النقد العقلي المُجَرَّدِ في المتن، إذ مثل هذا المتشابه مِمَّا لا تستقلُّ العقول بإدراكه، ولا يدرك المُرَادُ منه إِلاَّ من الله أو عن رسوله المُبَلِّغُ عنه، والواجب إمَّا
_________________
(١) " الموضوعات "، القاري: ص ١١٩.
[ ٤٣ ]
الإيمان به كما ورد مع تفويض علم حقيقته إلى الله والتنزيه عن الظاهر المستحيل، وإمَّا التأويل بما يوافق العقل وما أحكم من النقل، وذلك مثل أحاديث الصفات ونحوها.
[ب] وقد يكون متن الحديث ليس من قبيل الحقيقة بل من قبيل المجاز فرفضه - باعتبار حمله على الحقيقة استنادًا إلى أنَّ العقل أو الحِسَّ والمشاهدة لا تُقِرُّهُ مع إمكان حمله على المجاز المقبول لغةً وشرعًا - تَهَجُّمٌ وَتَنَكُّرٌ لقواعد البحث العلميِّ الصحيح، وذلك مثل حديث ذهاب الشمس بعد غروبها وسجودها تحت العرش المَرْوِيِّ في الصحيح (١) فلو حملناه على حقيقته لأَدَّى ذلك إلى البُطلان، على حين لو حمل على المجاز المُسْتَسَاغِ لظهر ما فيه من سر وبلاغة، فسجود الشمس المراد به خضوعها وسيرها طِبْقَ إرادته - سُبْحَانَهُ - وعدم تَأَبِّيهَا عن النظام الدقيق المُحْكَمِ الذي فطرها الله عليه واستمرارها عليه من غير انقطاع ولا فُتُورٍ ومثل هذا الحديث يقصد به حَثَّ الخلق على الخضوع والإذعان لله رب العالمين، فإذا كانت الشمس على عظمها في غاية الخضوع لله فما أجدر الإنسان المخلوق الضعيف - وبخاصة عابدوها - بالخضوع لله والإيمان به، ومثل هذا الأسلوب سائغ شائع، فها نحن أولاء نرى العرب يقولون:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى * * * صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام، وإنما مجاز وتمثيل، فانظر إلى الروعة في التمثيل، ولو جاء على غير هذه الطريقة لخلا من هذه الروعة، ومثل هذا التمثيل البديع قد جاء في القرآن المتواتر الذي لا يتطرَّق إليه الشك مثل قوله سبحانه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) فليس بِبِدَعٍ أنْ تجيء به الأحاديث.
[ج] وقد يكون متن الحديث من قبيل المُغَيَّبَات كأحوال القيامة واليوم الآخر فردها - تحكيما للعقل فيها وبناء على قياس الغائب على الشاهد - ليس من
_________________
(١) روى البخاري في " صحيحه " عن أبي ذر قال: قال لي النَّبِي - ﷺ - حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [سورة يس، الآية: ٣٨]».
(٢) [سورة الرعد، الآية: ١٣].
[ ٤٤ ]
الإنصاف، وذلك كالأحاديث الواردة في صفة الجنة ونعيمها والنار وعذابها ونحو ذلك.
[د] وقد يكون متن الحديث من الأخبار التي كشف العلم عن مساتيرها واعتبرت من المعجزات النبويَّة إلى أنْ جاءت الأيام بتصديقها وذلك مثل الحديث الصحيح: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». فقد أثبت بعض الأطباء (١) أثر التراب الفَعَّالِ في قتل وإزالة الميكروب المتخلف عن سُؤْرِ الكلب، على حين كان بعض المارقين يعتبرون مثل هذا مجازفة وتعنُّتًا في التشريع، وأما المؤمنون فكانوا يعتبرونه من قبيل التَعَبُّدِ حين خفيت عنهم الحكمة.
أرأيت أيها المُنْصِفُ لو أنَّ العلماء المُحَدِّثِينَ تَمَسَّكُوا بالنظر السطحي وتسرَّعوا في الحُكْم ببطلان هذا الحديث وأمثاله مِمَّا خفي وجه الحكمة فيه ثم ظهرت بعد ذلك الحكمة واضحةً، ألاَ يكون ذلك جهالة في البحث وقصورًا في النظر، وَإِجْحَافًا بحق صاحب الرسالة - ﷺ -؟ ثم ألاّ ترى معي أنَّ المُحَدِّثِينَ كانوا على حَقٍّ في المسلك الذي انتهجوه؟ ما زعمه في [ص ٦]: «من أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعا أهملوا أمرًا خطيرًا كان يجب أنْ يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه، ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدَّث به الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وهل أمر بكتابة هذا النص أو تركه ونهى عن كتابته وهل دَوَّنَ الصحابة ومن بعدهم أو انصرفوا عن تدوينه؟ وهل ما روي قد جاء مطابقًا لحقيقة ما نطق به النَّبِي لفظًا ومعنى أو كان مخالفًا له؟ ثم في أَيِّ زمن دَوَّنَ ما حملته الرواية منه؟ وماذا كان موقف علماء الأمَّة منه إلخ ما قال».
زعم ليس له ما يؤيِّده ولا يخرج عن كونه إجحافًا صارخًا بحق أئمة الحديث فيما أفنوا أعمارهم فيه، فهذه المباحث التي عرض لها وغيرها قد أكثر العلماء فيها البحث والتمحيص، ووجدتُ في عشرات من كتب أصول الحديث، وبحسبك أنْ ترجع إلى " علوم الحديث " للحاكم أبي عبد الله والإمام ابن الصلاح، و" ألفية الحديث " للحافظ العراقي، و" التدريب " للإمام النووي، و" الباعث الحثيث "
_________________
(١) " الإسلام والطب " للدكتور محمد وصفي: ص ٢٨٦.
[ ٤٥ ]
للحافظ ابن كثير، و" نخبة الفكر" وشرحها للحافظ ابن حجر، و" التدريب " للحافظ السيوطي، وعشرات الشروح التي وضعت لها، و" ظفر الأماني " للعلامة اللَّكَنَوِي و" توجيه النظر " للشيخ طاهر الجزائري، وغير هذه الكتب كثير مِمَّا أُلِّفَ في القديم والحديث، بحسبك - أيها الطالب للحقيقة - أنْ ترجع إلى أَيِّ كتاب منها، وستعلم علم اليقين أنَّ ما زعم صاحب " الأضواء " أنهم أهملوه، قد عقدوا له الأبواب والبحوث المستفيضة، وأنه تجنَّى على أئمة الحديث ما شاء له هواه أنْ يتجنَّى.
زَعْمُهُ أَنَّ الأَحَادِيثَ كُلُّهَا رُوِيَتْ بِالمَعْنَى:
ذكر المؤلف [ص ٨] أنه بعد أنْ لبث زمنًا طويلًا يبحث وينقِّب بعد أنْ أخذ نفسه بالصبر والأناة، انتهى إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة «ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث (كلها) - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحًا أو ما جعلوه حسنًا - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه كما نطق به الرسول وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة، وذلك في القلة والندرة، وتبيَّن لي أنَّ ما يسمُّونه في اصطلاحهم حديثًا صحيحًا إنما كانت صحَّته في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته».
وقد بلغ المؤلف الغاية في المجازفة في الحُكْم، ونحن لا نقول: إِنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بألفاظها، وكيف وقد ثبت أنَّ القصة الواحدة أو الواقعة رُوِيَتْ بألفاظ مختلفة وإنْ كان المعنى واحدًا؟ ولا نقول: إنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بالمعنى - كما زعم - وكيف ومن الأحاديث ما اتفقت الروايات على لفظها؟ أفلا يدل اتفاق الروايات على اللفظ أنَّ هذا حقيقة اللفظ المسموع من الرسول؟ ومن الأحاديث ما لا يشك متذوق للبلاغة أنها من كلام أفصح العرب، وأنها لن تخرج إِلاَّ من مشكاة النبوَّة، ومن قبل أدرك أئمة في اللغة والبيان هذه الحقيقة فألَّفُوا الكتب في البلاغة النبوية.
ومِمَّا ينبغي التنبه إليه أنَّ أكثر ما ترد الرواية باللفظ في الأحاديث القصيرة، على أنَّ وُرُودَ الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون الرواية بالمعنى في جميع ألفاظ الحديث، وهذا شيء نقوله عن دراسة واستقراء، وليس أدل على ذلك من أنَّ حديث «بدء الوحي» المروي
[ ٤٦ ]
عن السيدة عائشة في " الصحيحين " وغيرهما - وهو من الأحاديث الطويلة - لا تكاد تجد الرُواة اختلفوا فيه إِلاَّ في بعض ألفاظ قليلة نادرة، وبحسبنا هذا الآن، وعند مناقشته في بحث الرواية بالمعنى الذي عقده في كتابه سأفيض في الرَدِّ عليه، وسأبيِّن أنَّ بعض ما استدل به هو دليل عليه لا له، وإليك ما قال في هذا الشأن إمام من أئمة الحديث - غير مدافع - وهو الحافظ ابن حجر قال: «ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»، وحديث: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» متفق عليهما، وحديث أبي هريرة: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وحديث المقداد: «مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» الحديث أخرجه الأربعة وَصَحَّحَهُ ابن حِبَّان والحاكم، إلى غير ذلك مِمَّا (يكثر) بالتتبع، وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرُواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أنْ تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه (١).
وأزيد على ما ذكره الحافظ حديث: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيْدِهِ».
وحديث: «النَّاسُ كَإِبِلٍ لاَ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً».
وحديث: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
وحديث: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ» إلخ.
وحديث: «وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».
وحديث: «إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ».
وحديث «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ».
إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة التي جاءت على حقيقة لفظها ومحكم تركيبها.
أما ما ادَّعاه من أنه تبيَّن له أنَّ ما سَمَّوْهُ صحيحًا إنما هو في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته، فشيءٌ سبق به من ألف سَنَةٍ أو تزيد، فقد قال أئمة الحديث: إنَّ الحُكْم على الحديث بالصحة أو الحُسن أو الضعف إنما هو بحسب ما ظهر للمُحَدِّثِ من تحقق شروط الصحة أو الحسن أو عدم تحققها، وليس المراد أنه صحيح أو حسن أو ضعيف في الواقع ونفس الأمر، إذ لا يعلم ذلك يقينًا إِلاَّ علامُ الغيوب، وأنه يجوز - عقلًا - أنْ يكذب الصادق ويصدق الكذوب، وهذا التجويز العقلي دعاهم إليه التعمُق في البحث والتأنِّي في النظر والثبت في الحُكْم وبلوغ الغاية في النَّصَفَةِ.
_________________
(١) " فتح الباري ": ١٣/ ٢١١.
[ ٤٧ ]
زَعْمُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَوَاتُرِ القُرْآنِ كِتَابَتُهُ:
قال في [ص ١٠]: «ولو أنَّ الحديث دُوِّنَ في عصر النَّبِي - ﷺ - كما دُوِّنَ القرآن واتَّخذ له من وسائل التَحَرِّي والدقَّة ما اتَّخذ للقرآن لجاء كله متواترا كذلك، ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف الشديد»، إلى آخر ما قال.
وكأنَّ المؤلف فهم أنَّ السبب في تواتر القرآن كونه كتب في العصر النبوي، والحق خلاف ذلك فالتواتر، إنما جاء في القرآن الكريم من جهة لفظه ونقله، فقد تلقاه عن النَّبِي - ﷺ - وحَفِظَهُ الألوف من الصحابة، وعن هؤلاء أخذ الألوف المؤلَّفة من التابعين، وهكذا تلقاه العدد الكثير الذين يثبت بهم التواتر عن العدد الكثير حتى وصل إلينا متواترًا، وسيستمر كذلك حتى يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها، فالمُعَوَّلُ عليه في تواتر القرآن هو الحفظ والتلقي الشفاهي لا الأخذ من الصحف، أما الكتابة فقد كانت من دواعي الثبوت والحفظ ليجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الصدور، والوجود في الصحائف والسطور، كما كانت معتمد الجامعين للقرآن في الصحف والمصاحف في عهدي أبي بكر وعثمان - ﵄ - فقد كانوا حريصين أنْ يكتبوه من عين ما كُتِبَ بين يدي النَّبِي - ﷺ -، ولو أنَّ السُنَّة دُوِّنَتْ في العهد النبوي، ولكن لم يحفظها من يقوم بهم التواتر لما جاءت كلها متواترة - كما زعم - (١)، فالعبرة في التواتر وعدمه إنما هو رواية الكثيرين أو عدم روايتهم، ومع أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ في العصر النبوي فقد جاء بعضها متواترًا، وإنْ كان قليلًا، ولو أنَّ المُعَوَّلُ عليه في التواتر الكتابة لكانت الكتب التي دُوِّنَتْ وأحيطت بالعناية والدقة كلها متواترة وأنى هي؟.
اِضْطِرَابُهُ فِي بَيَانِ السُنَّةِ مِنَ الدِّينِ:
ذكر في [ص ١٧]: «أنهم جعلوا السُنَّة القولية في الدرجة الثانية أو الدرجة الثالثة من الدين، وأنها تلي القرآن في المرتبة»، وبعد أسطر قال: «وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السُنَّة العمليَّة»، ومفهومه أن السُنَّة القولية ليست في الدرجة الثانية.
_________________
(١) عَرَّف العلماء المتواتر بأنه ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على كذب، وقالوا: أنه يفيد العلم اليقيني، والآحاد ما ليس كذلك.
[ ٤٨ ]
ولا ندري ما منشأة هذا الاضطراب وعدم الثبوت على رأي حتى خالف عجز كلامه صدره؟!
ثم ساق كلام الإمام «الشاطبي» في " الاعتصام " وليس في كلام الشاطبي ما يشهد للتفرقة بين السُنَّة القولية والعمليَّة بل دَلَّ كلام الشاطبي على أنَّ المراد بالسُنَّة القول والفعل والتقرير.
ثم نقل عن السيد «رشيد رضا» قوله: «والعُمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى والسُنَّة العمليَّة المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النَّبِي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة، ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مُقَرَّبًا عند الله تعالى، وقد قرر ذلك الغزالي».
فها أنت ترى أنَّ ما نقله ليس فيه ما يشهد لما اضطرب فيه من كلامه، والذي عليه المُحَقِّقُونَ أنَّ السُنَّة قولًا وعملًا وتقريرًا هي الأصل الثاني والأصل الأول هو الكتاب.
على أنَّ ما ذكره السيد رشيد وجعله في المرتبة الثانية هو السُنَّة العمليَّة المتفق عليها لا مطلق سُنَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، ومثل هذا كان في حاجة إلى تحرير، لا أنْ يدع القارئ في مهمة من الشك والاضطراب.
تَجَنِّي المُؤَلِّفِ عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ وَأَنَّهُ حَبَسَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ رِوَايَةِ الحَدِيثِ:
في [ص ٢٩] تحت عنوان «الصحابة ورواية الحديث» قال: «وفي رواية ابن حزم في " الأحكام " أنه حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الأكثار من الحديث».
وقد تَجَنَّى المؤلف على الحقيقة وابن حزم ما تَجَنَّى! فقد أوهم القارئَ أنَّ ابن حزم رَوَاهُ، وليس من روايته قطعًا، وإنما ذكره في كتابه وَفَرْقٌ بين الذكر والرواية كما يعلم ذلك المبتدئون في علم الحديث، وَأَوْهَمَ القَارِئَ اَيْضًا أنه ارتضاه، وابن حزم بريء منه، وإنما زيفه وبَيَّنَ بُطلانه.
وإليك ما ذكره ابن حزم في " الأحكام ": «وَرُوِيَ عن عمر أنه حبس ابن مسعود
[ ٤٩ ]
من أجل الحديث عن النَّبِي - ﷺ - وأبا الدَرْدَاءَ وأبا ذَرٍّ» فقد ذكره بصيغة «رُوِيَ» الدالة على التضعيف، ولو كان من روايته لقال: وروينا، وقد طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع لأنَّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، والمنقطع من قَبِيلِ الضعيف لا يُحْتَجُّ به لجواز أنْ يكون البلاء في الرواية من المحذوف وأنه هو الذي اختلقها، ثم قال ابن حزم (١): «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أنْ يكون اتَّهَمَ الصحابة وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السُنن وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا، ولئن كان حَبَسَهُمْ وهم غير مُتَّهَمِينَ لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين».
هذا ما قاله ابن حزم، فهل بعد هذا يزعم المؤلف لنفسه الأمانة في النقل؟! ولو أنَّ القارئ المتثبت تشكك فيما ينقله هذا الرجل عن العلماء ألاَ يكون معذورًا؟؟.
ومن دواعي تزييف الرواية: أنَّ ابن مسعود كان يَتَّبِعُ مذهبَ عمر وطريقته، وكان يقول: لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكتُ وادي عمر وشعبه، وقد أرسله عمر إلى الكوفة لِيُعَلِّمَ أهلها، وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ الله عَلَى نَفْسِي»، فكيف يعقل أنْ يخالف عُمَرَ في التقليل من الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أنْ يحبسه؟؟.
ثم كيف غفل المؤلف عن هذا النقد للمتن، وهو الذي أنحى على المُحَدِّثِينَ باللائمة لأنهم أغفلوا جميعًا نقد المتن، وأنه هو الذي جاء - في نقد المتون - بما لم يبلغه الأوائل، مِمَّا زعمه نقدًا والله يعلم أنه تَهَجَّمَ وتطاول؟؟!!
بل وكيف غفل المؤلف عمَّا يناقص هذا وهو ما ذكره بعد صحيفة واحدة في [ص ٣١] عن عمرو (*) بن ميمون قال: «اخْتَلَفْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ فِيهَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، وَأِنَّهُ حَدَّثَ ذَاتَ يَوْمٍ بِحَدِيثٍ فَعَلاَهُ الكَرْبُ حَتَّى
_________________
(١) " الأحكام ": ٢/ ١٣٩. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [ورد في الكتاب المطبوع (عمر بن ميمون) وإنما هو عَمْرُو بْنُ مَيْمُونْ الأَوْدِيّ، أَبُو عَبْد اللَّه، ويُقال: أبو يحيى الكوفي من أَوْد بْنِ صعب بن سعد العشيرة من مذحج: أدرك الجاهلية ولم يلق النَّبِي ﷺ. (انظر " تهذيب الكمال " للمزي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف.، ٢٢/ ٢٦١. الطبعة: الأولى، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، نشر مؤسسة الرسالة - بيروت. وانظر اَيْضًا " تهذيب التهذيب " لابن حجر العسقلاني، باعتناء إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، ٣/ ٣٠٧ مكتب تحقيق التراث بمؤسسة الرسالة].
[ ٥٠ ]
رَأَيْتُ العَرَقَ يَتَحَدَّرُ عَنْ جَبِينِهِ»!
وهل يليق به - وقد زعم أنه شيخ النُقَّادِ - أنْ يأتي بروايات يناقض أولها آخرها وآخرها أولها من غير أنْ يعرض لبيان مفصل الحق فيها؟
السِرُّ في هذا يا أخي القارئ أنَّ المؤلف يأخذ ما يشاء بهواه، وَيَدَعُ ما يشاء بهواه وأنه خطف هذا الكلام خطفًا من كلام بعض المُسْتَشْرِقِينَ (١) الذين يتتبَّعون شَوَاذَّ الروايات ومَنْحُولِهَا، ونسبه إلى ابن حزم كي يُضْفِي عليه شيئًا من القبول.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»:
وفي [ص ٣٧] عرض لحديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» وذكر ما قاله الحافظ ابن حجر من وُرُودِ الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا»، وفي بعضها بذكرها في " الصحيحين " وغيرهما ثم قال: «ولكن من حَقَّقَ النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين فيه تلك والكلمة «مُتَعَمِّدًا» وكل ذي لُبٍّ يستبعد أنْ يكون النَّبِي قد نطق بها ولعل هذه اللفظة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العلماء، لِيُسَوِّغَ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة - من غير عمد - أو يتكئ عليها الرُواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك، لأنَّ المُخْطِئَ غير مأثوم.
وهكذا نجده لا يقتنع بما قاله الحافظ الكبير ابن حجر ليطلع علينا بهذه الفروض والتمحلات!!
_________________
(١) انظر كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " [للدكتور علي حسن عبد القادر]: ص ٧١ لترى أنه خطف هذه الرواية المدسوسة من غير تثبت وتَحَرٍّ.
[ ٥١ ]
وإليك بيان مفصل الحق في هذا:
١ - رُوِي هذا الحديث من طرق متكاثرة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما، حتى قد أوصلها بعض المُحَدِّثِينَ إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أنَّ الحديث رُوِي بهذا اللفظ من طرق تصل به إلى درجة المتواتر، كما حَقَّقَ ذلك الحافظ في " الفتح " (١)، وأما وصول طرقه إلى هذا العدد الضخم فذلك فيما ورد في مطلق ذَمِّ الكذب على النَّبِي - ﷺ - لا في هذا اللفظ بعينه ولا في خصوص هذا الوعيد، ثم إنه لم يصح عن أحد من الخلفاء إِلاَّ عن «عَلِيٍّ» في " الصحيحين " وعن «عثمان» في غير " الصحيحين "، لاَ عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم المؤلف (٢) وقد جاءت كلمة (مُتَعَمِّدًا) في أغلب روايات " الصحيحين " (٣) وغيرهما من الكتب المعتمدة، وطرق ذكرها أكثر من طرق تركها وأقوى، فقد وردت في " الصحيحين " عن أنس وأبي هريرة والمُغيرة بن شُعبة وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولم ترد في رواية عَلِيٍّ ولا الزبير بن العوام والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث وغيرهم أنه إذا تعارضت الروايات رَجَّحَ الأكثر والأقوى وهنا تُرَجَّحُ روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد، ومن دواعي ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه " (٤)، ومن حفظ حُجَّة على مَنْ لم يحفظ، كما أنَّ الزيادة جاءت في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص وكان قارئًا كاتبًا - كما في الصحيح - فروايته أوثق من غيره.
٢ - ما زعمه مِنْ أنَّ هذه الكلمة وضعت لِيُسَوِّغَ بِهَا ألخ غير معقول، ولا أدري - ولا أحد يدري - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه وخدمة الشريعة - على حسب زعمه - بالترغيب في فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصُّوفِيَّةِ وَالكَرَّامِيَّةِ جَوَّزُوا الوضع في الترغيب والترهيب، فكيف يجامع قصد الوضع عدم التعمد؟!! وتفسير
_________________
(١) ١/ ١٦٤ وما بعدها.
(٢) المرجع السابق، فقد سرد فيه أسماء من روى عنهم من الصحابة بطريق صحيح أو حسن.
(٣) " صحيح البخاري "، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النَّبِي - ﷺ -. " صحيح مسلم بشرح النووي ": ١/ ٦٥ - ٧٠.
(٤) " فتح الباري ": ج ١ ص ١٦٢.
[ ٥٢ ]
الحسبة بأنها عن غير عَمْدٍ غير مقبول ولا مُسَلَّمٍ.
وأما تجويزة أنها أدرجت ليتكئ عليها الرُواة إلخ فمردود، ذلك أنَّ رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرَّر في الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسي ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرُواة شيئًا ما دام هذا أمرًا مُقَرَّرًا، والسر في ذكرها أنَّ الحديث لما رَتَّبَ وعيدًا شديدًا على الكذب، والمخطئ والساهي والناسي لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع تَوَهُّمٍ الإثم على المخطئ والغالط والناسي، قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (١): «وَأَمَّا الكَذِبُ فَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: شَرْطُهُ الْعَمْدِيَّةُ وَدَلِيلُ خِطَابِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لَنَا فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ - ﵇ - بِالْعَمْدِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عَمْدًا وَقَدْ يَكُونُ سَهْوًا مَعَ أَنَّ الإِجْمَاعَ وَالنُّصُوصَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَوَافِقَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَى الناسي والغالط، فَلَوْ أَطْلَقَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - الكَذِبَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ يَأْثَمُ النَّاسِي اَيْضًا فَقَيَّدَهُ، وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْعَمْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
على أنَّ أئمة الحديث وإنْ قالوا برفع الإثم عن الخاطئ والناسي والغالط فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطًا أو سهوًا أو خطأً من قبيل الشبيه بالموضوع في كونه كذبًا في نسبته إلى الرسول، ولا تَحِلُّ روايته إِلاَّ مقترنا ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الخليلي وابن الصلاح والعراقي وغيرهم (٢)، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين وابن أبي حاتم - من قَبِيلِ الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قَبِيلِ المُدْرَجِ، ومهما يكن من شيءٍ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مِمَّا يطعن في عدالة الراوي وضبطه.
٣ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يتبع طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (٣) ويترك ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) وقد رأيت آنفا ما صنعه فيما نقله عن ابن حزم من حبس عمر - ﵁ - لثلاثة من كبار الصحابة عن التحدث، وقد صنع هنا في حديث
_________________
(١) ج ١ ص ٦٩.
(٢) " مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ": ص ١١٠.
(٣) [سورة النساء، الآية: ٤٣].
[ ٥٣ ]
(«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» إلخ) مثل ما صنع سابقًا، فقد نقل عن الحافظ ابن حجر أنه لا يرى تواتر حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» إلخ حيث قال - في [ص ٤٢]-: «ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه (جماعة) أنه (متواتر) ونازع بعض مشايخنا في ذلك، لأنَّ شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق منها». واقتصر على هذا القدر وقد ترك ما ذكره الحافظ عقب هذا وهو ما نصه (١) بالحرف الواحد: «وأجيب بأنَّ المراد بإطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وأيضًا فطريق «أنس» وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، نعم وحديث عَلِيٍّ رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها: إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحًا، فإنَّ العدد المُعَيَّنَ لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرُواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت " علوم الحديث " وفي شرح " نخبة الفكر " وَبَيَّنْتُ هناك الرَدَّ على من ادَّعَى أنَّ مثال المتواتر لا يوجد إِلاَّ في هذا الحديث، وَبَيَّنْتُ أنَّ أمثلته كثيرة منها حديث: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، و«الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وغير ذلك، والله المستعان».
والظاهر أنَّ قوله: «وأيضًا الخ، من كلام الحافظ لا من نقله، فهل بعد هذا الكلام الصريح الذي تَعَمَّدَ المؤلف تركه يزعم أنَّ الحافظ ابن حجر لا يقول بتواتره كما هو فحوى كلامه؟!!
أما ما ذكره في حاشية [ص ٣٩] من «أنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة، وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري والخطابي وابن حجر وابن القيم والسيوطي وغيرهم»: فَهُرَاءٌ لا أَرُدُّ عليه، ولكني أقول له: ألاَ تستحي من ذكر البخاري وهو الذي خَرَّجَ الزيادة في أكثر رواياته؟ بل ومن ذكر الحافظ ابن حجر الذي أفاض في بيان ثبوتها؟ وصدق النَّبِي الحكيم حيث يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ
_________________
(١) ج ١ ص ١٦٤ طبعة الأزهرية.
[ ٥٤ ]
تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ».
الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى لَمْ تُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى الدِّينِ:
١ - من دَأْبِ هذا المؤلف في كتابه أنه إذا استولت عليه فكرة أو غلب عليه هوى، جعل البحث تابعًا لما يرى أو يَهْوَى، وفي سبيل هذا يركب الصعب والذلول، ولا عليه في هذا السبيل أنْ يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعه، وَيُحَمِّلَ الألفاظ ما لم تتحمل، وأنْ ينقل نقولًا بتراء، وأنْ يقع في أعراض بعض العلماء والأئمة المُتَثَبِّتِينَ.
ومن دأبه اَيْضًا التهويل والمبالغة عند عرض فكرة أو رأي له، وأنه يجعل الفرع أصلًا والأصل فرعًا، وهذا هو ما صنعه عندما عرض لبحث «رواية الحديث» في [ص ٥٤] وما بعدها فقد جعل رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ومجيئها على اللفظ أمرًا شاذًا نادرًا، بل وأنحى باللائمة والتجهيل للذين يحسبون: «أنَّ أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها مِمَّنْ يتحدَّثون بها جاءت صحيحة المبنى مُحْكَمَةَ التأليف، وأنَّ ألفاظها قد وصلت إلى الرُواة مصونة كما نطق بها النَّبِي بلا تحريف ولا تبديل، وأنَّ الصحابة ومن جاء بعدهم مِمَّنْ حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها، وأدُّوها على وجهها كما لَقَّنُوهَا، فلم ينلها تَغَيُّرٌ ولا اعتراها تبديل، وأنَّ الرُواة للأحاديث كانوا صنفًا خاصًا في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة»، إلى أنْ قال: «ولقد كان - ولا جرم - لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إِلاَّ من عصم ربك - فاعتقدوا أنَّ هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز من وجوب التسليم بها، وفرض الإذعان لأحكامها، بحيث يأثم أو يَرْتَدُّ أو يفسق من خالفها، ويستتاب من أنكرها أو شك فيها».
والقارئ لهذا الكلام - إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة بالحديث النبوي - يُخَيَّلُ إليه أنَّ السُنَّة لم يأت فيها حديث على مُحْكَمِ لفظه، وأنها قد دخلها الكثير من التغيير والتحريف، مع أنَّ الأصل في الرواية أنْ تكون باللفظ المسموع من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، وأما الرواية بالمعنى فهي رُخْْصَةٌ يَتَرَخَّصُ فيها بقدر الحاجة إليها إذا غاب اللفظ عن الذهن أو لم يتأكد منه.
ومِمَّا لا ينبغي أنْ يخفى على باحث في الحديث النبوي أنْ يعلم أنَّ بعض العلماء
[ ٥٥ ]
والرُواة قد منعوا الرواية بالمعنى مطلقًا، وألزموا أنفسهم وغيرهم بأداء اللفظ كما سمع، وأنَّ من أجاز من العلماء والرُواة الرواية بالمعنى إنما أجازها بشروط فيها غاية التحوط والأمن من التزيد والتغيير والتبديل، فقالوا: لا تجوز الرواية بالمعنى إِلاَّ لعالم عارف بالألفاظ ومقاصدها، خبير بما يحيل معانيها، بصير بمقدار التفاوت بينها، كما قالوا: إنَّ هذا فيما يروى قبل أنْ يُدَوَّنَ، أما ما دُوِّنَ في الكتب فلا يجوز تغييره بمرادفه ولا التصرف في لفظه بحال من الأحوال (١).
والعجيب أنَّ المؤلف نقل نحوًا من هذا عن كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري، ولا أدري كيف ينقل شيئًا ولا يقتنع به؟! وكيف غاب عن ذهن المؤلف أنَّ التدوين بدأ بصفة عامة ورسمية في نهاية القرن الأول، ولم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السُنَّة كلها مُدَوَّنَةً في الكتب من صحاح وسُنن ومسانيد؟ وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول ولا سيما بعد وفاة النَّبِي - ﷺ - (٢) فكيف تتفق هذه الحقائق وما رمى به من أحكام جائرة ظالمة؟ وهل على أحد من حرج بعد هذا لو وصم هذا المؤلف بِخُبْثِ الطَوِيَّةِ وَسُوءِ القصد ومحاولة هدم الأصل الثاني من أصول التشريع؟؟.
وماذا يبتغي أعداء الإسلام أكثر مِمَّا يقوم به «أَبُو رَيَّةَ» وأمثاله من تقويض إحدى دعامتي الدين بهذه المحاولات الفاشلة الهازلة؟ وليعلم أَبُو رَيَّةَ أنَّ شيوخ الدين - أَعَزَّهُمْ اللهُ - حينما يعرفون للسُنَّةِ مكانتها من الدين، ويحلونها من أنفسهم المحل اللاَّئق بها، ويرون التزامها علمًا وعملًا وسلوكًا، وَيَذُبُّونَ عن ساحتها كل دَعِيٍّ زنيم، ويفسقون أو يؤثمون من يرد ما ثبت من السُنَّة ويحاول جاهدًا إبطالها والكيد لها أو الاستهزاء والاستخفاف بها، لا يستحقون منه كل هذا الغمز واللمز، لأنهم يصدرون في هذا عن دين قويم ورأي مستنير وعلم أصيل.
٢ - إنَّ هذه الأحكام الجائرة إنما تصدر عَمَّنْ غفل عن العوامل الدينية والنفسية والخلقية التي اتَّصَفَ بها الرُواة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل القرون الفاضلة بشهادة المعصوم - ﷺ - وشهادة الواقع التاريخي، فهم ذَوُو الدين الكامل والخُلُقِ العالي والتقوى والمروءة، وهم يعلمون حَقَّ العلم [أنهم] يَرْوُونَ
_________________
(١) " مقدمة ابن الصلاح بشرحها " ص ١١٠، طبعة الشام.
(٢) " مفتاح السُنَّة ": ص ١٨.
[ ٥٦ ]
نَصًا يعتبر مرجعًا في الدين وأصلًا من أصوله وأنَّ أَيَّ تزيد فيه أو تحريف وتبديل يُؤَدِّي بهم إلى أنْ يَتَبَوَّأُوا مقاعدهم في النار، وهم إلى ذلك ذَوُو حوافظ قوية، وأذهان سَيَّالَةٍ، ووِجْدَانٍ حَيٍّ، وقلوب عاقلة واعية، وإنكار هذه الخصائص أو بعضها إنكار للحق الثابت والواقع الملموس.
٣ - حينما نقل من أدلة المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى حديث عبد الله بن سليمان اللَّيْثِيِّ قال:
«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْكَ يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا، فَقَالَ: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلًا، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» فَذُكِرَ هَذَا لِلْحَسَنِ فَقَالَ: «لَوْلاَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا»، قال في الهامش [ص ٥٧]: هذا الحديث يناقض ولا ريب حديث: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» ولكن لا بُدَّ لكل فئة من أنْ تُؤَيِّدَ رأيها بحديث، يريد الطعن فيه بالوضع والاختلاق.
وإني أقول له إنَّ هذا الحديث رواه ابن منده في " معرفة الصحابة "، والطبراني في " المعجم الكبير "، والخطيب في كتبه، وغيرهم، ونقله أئمة الحديث وأطباؤه في كتبهم، ولم يحكم عليه أحد منهم بالوضع (١)، وكنت أحب من المؤلف لو أراد البحث النزيه المستقيم أنْ ينقده نقدًا صَحِيحًا من جهة سنده أو متنه، وَيُبَيِّنُ موضع الدخل فيه، ولكنه لم يفعل، أما ما تَخَيَّلَهُ من مناقضة بين الحديثين فغير صحيح، فحديث «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا » للترغيب في المحافظة على المسموع وَالحَثِّ عليه، وليس من شك في أنَّ المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى يرون أنَّ الأفضل والأحسن رواية الحديث بلفظه، وأما الحديث الثاني فهو لبيان جواز الرواية بالمعنى بشروطها، ثم ألا يقال لمن روى كلامًا بمعناه مع التحوط البالغ إنه أَدَّاهُ كما سمعه؟ بلى.
٤ - ولكي يُدَلِّلَ المؤلف على ما جازف به من آراء فإنه ذكر أمثلة للرواية بالمعنى، فعرض لما ورد في صيغ التشهد من أحاديث، ولما ورد في «حديث الإسلام والإيمان»، وحديث «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» وحديث «مِنَ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وقد استغرق ذلك من كتابه عِدَّةَ صفحات، والغرض الذي قصده من وراء هذا أنْ
_________________
(١) حكم عليه الجوزقاني، وابن الجوزي بالوضع، وهما من المتساهلين في الحكم بالوضع، ولذلك قال السخاوي بعد ذلك: «وَفِيهِ نَظَرٌ» " فتح المغيث " للسخاوي: جـ ٢ ص ٢١٧.
[ ٥٧ ]
يخلص إلى ضرر الرواية بالمعني من الناحية الدينية، وقد شاء الحق سبحانه أنْ يسقطه بسبب ما عرض له سقطات لا لما له منها، وقد أسفرت عن ضحالة المؤلف في البحث، ومبلغ علمه بالحديث، وَسَأُبَيِّنُ وجه الحق فيما عرض له مع الإيجاز.
حَدِيثُ التَّشَهُّدِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهِ:
عرض المؤلف لما روي في التشهد في الصلاة من صيغ، فذكر تشهد ابن مسعود وابن عباس وعمر وغيرهم، ثم قال: «هذه تشهدات ثمانية وردت عن الصحابة، وقد اختلفت ألفاظها، ولو أنها كانت من الأحاديث القولية التي رُوِيَتْ بالمعنى لقلنا عسى، ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يُؤَدِّيهَا كل صحابي مرات كثيرة كل يوم ».
وَرَدِّي عليه:
من أين لك أنَّ هذه التشهدات قيلت في قصة واحدة حتى تُدَلِّلَ بها على ضرر الرواية بالمعنى؟ إِنَّ الطالب المبتدئ في الحديث ليدرك بادئ الرأي أنها وقائع متفرقة، وأنَّ النَّبِي قال كل ذلك في أوقات متفاوته بهذه الألفاظ المتغايرة، لِيُبَيِّنَ للأمَّة أنَّ التشهد بأي منها جائز، فابن مسعود وهو من السابقين إلى الإسلام سمع أولًا وابن عباس وهو من مهاجرة الفتح سمع بعد ذلك وهكذا، قال ابن قدامة الحنبلي: (فَصْلٌ: «وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - جَائِزٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: " تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَإِنْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ "؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ، كَالْقِرَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ» (١) وقد اختلفت أنظار الأئمة في ترجيح بعضها على بعض من غير طعن في المرجوح ولا رَدَّ له، فالجمهور ومنهم الحنفية والحنابلة أخذوا بتشهد ابن مسعود، وأخذ الشافعية بتشهد ابن عباس، والمالكية بتشهد عمر، ولهم في اختياراتهم مُرَجِّحَاتٌ وأدلة تدل على رحابة الصدر في البحث وعمق الغور وشفوف النظر (٢)، قال
_________________
(١) " المغني " و" الشرح الكبير ": جـ ١ ص ٥٧٩.
(٢) لكي تقف على هذا ارجع إلى " فتح الباري ": جـ ٢ ص ٢٥١ - ٢٥٢. و" المغني " و" الشرح الكبير ": الموضع السابق.
[ ٥٨ ]
الترمذي: «حديث ابن مسعود رُوِيَ من غير وجه وهو أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ».
ولكي ترى الفرق بين العلماء والأدعياء أذكر لك ما روي عن الإمام الشافعي، وقد سئل عن اختيار تشهد ابن عباس قال: «لما رأيته واسعًا وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر لفظًا من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مِمَّا صح» ولو سلمنا - جدلًا - أن هذه الروايات في قصة واحدة فالخلاف بينها هَيِّنٌ يسير لا يستأهل كل هذا التهويل، فَتَشَهُّدُ ابن مسعود بلفظ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إلخ» وتشهد ابن عباس بلفظ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وباقيه كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وتَشَهُّدِ عمر بلفظ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وسائره كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وبقية صيغ التشهد الوارده لا تخرج عن هذه الصيغ بزيادة كلمة من صدر التَشَهُّدِ أو نقصان أخرى، وذكر لفظ «لِلَّهِ» عقب كل كلمة منها، أو في أولاها أو أخراها، وكل ذلك أمر جائز وله وجه في العربية، وأما زيادة البسملة قبل التَشَهُّدِ، فلم تصح كما قال الحافظ في " الفتح "، فعلام كل هذه الضَجَّةِ المفتعلة التي لا يقصد من ورائها إِلاَّ التشويش على السُنَّةِ والأحاديث ثم من قال أيها المؤلف البحاثة: إنَّ التَشَهُّدَ من قبيل الأفعال المتواترة، وليس من قبيل الأقوال؟ إنَّ الطالب المبتدئ يعلم أنَّ الصلاة أقوال وأفعال، وَالتَشَهُّدَ من الأقوال لا محالة.
أَحَادِيثُ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهَا:
أما ما عرض له من «حديث (كذا) (١) الإسلام الإيمان»، وزعمه أنَّ الروايات التي ذكرها في قصة واحدة فمِمَّا لا يقضي منه العجب، ومن ذا الذي يجهل أنَّ حديث جبريل المشهور هو غير حديث طلحة بن عُبيد الله في قصة الرجل الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس يسأل عن شرائع الإسلام؟ بل من الذي يشك في أنَّ حديث جبريل غير حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة الرجل الذي جاء إلى النَّبِي، فقال: «دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟»
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الذي فيه: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا
_________________
(١) هكذا سَمَّى المؤلف الأحاديث حديثًا بناء على زعمه أنه روايات في قصة واحدة والحق خلاف ذلك.
[ ٥٩ ]
عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ؟» نعم قد قيل إنَّ حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة في قصة واحدة، وقيل إنهما قصتان، وهو الذي مال إليه الحافظ في " الفتح " (١).
ولعل منشأ الشُبْهَةِ عنده أنه وجد الإمام «مُسْلِمًا» ذكرها في " صحيحه "
في مكان واحد فظن أنها في قصة واحدة، أو لعل منشأ الشُبْهَةِ عنده سوء فهمه لعبارة الإمام النووي التي ساقها في [ص ٦٨] من كتابه، والإمام النووي أجل من أنْ يظن أنَّ «حديث جبريل» و«حديث الرجل الثائر الرأس» و«حديث أبي أيوب» و«حديث أبي هريرة» كلها في قصة واحدة، ولو أنَّ المؤلف رجع إلى كتاب " فتح الباري " لِعُمْدَةِ المُحَقِّقِينَ في هذا الفن وأمير المُحَدِّثِينَ الحافظ ابن حجر لوقف على مُفَصَّلٍ، ولما وقع في هذا الخلط الشنيع.
حَدِيثُ «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» لاَ تَحْرِيفَ فِيهِ:
في [ص ٦٨] استشهد على ضرر الرواية بالمعنى في الدِّينِ بحديث المرأة التي جاءت إلى النَّبِي - ﷺ - وأرادت أنْ تَهِبَ نفسها له فأعرض عنها النَّبِي، فتقدم رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها - ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن - فقال النَّبِي: «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وفي رواية: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ » وفي رواية ثالثة: «زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ » وفي رواية رابعة: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ » وفي رواية خامسة: «قَدْ أَمْلَكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ ».الخ إلى أنْ قال: «فهذه اختلافات ثمانية في لفظة واحدة»، ولكي يُؤَيِّدَ ما يريد نقل عن ابن دقيق العيد والعلائي نقلين وبَتَرَهُمَا لحاجة في نفسه كما ستعلم عن كثب ومع إمكان احتمال أنْ تكون القصص والوقائع متعددة إِلاَّ أنَّ الأظهر أنها في قصة واحدة، وعليه فنحن لا ننكر أنَّ هذا الحديث وغيره ورد بألفاظ متغايره إِلاَّ أنها لا تحيل المعنى، فهي متقاربة وَيُفَسِّرُ بعضها بعضًا، فمثلًا في الحديث الذي ذكره نَرَى أنَّ «زَوَّجْتُكَهَا» و«أَنْكَحْتُكَهَا» بمعنى، وكذلك لا فرق بين «بِمَا مَعَكَ» و«عَلَى مَا مَعَكَ» فَمُؤَدَّى العبارتين واحدة، ورواية «أَمْلَكْتُكَهَا» و«مَلَّكْتُكَهَا» بمعنى اَيْضًا، وتمليك رَقَبَةٍ حُرَّةٍ غير معقول عقلًا ولا شرعًا، فلم يبق
_________________
(١) " فتح الباري ": جـ ٣ ص ٢٠٤.
[ ٦٠ ]
إِلاَّ أنْ يكون المراد تملك حق الاستمتاع بها وهو معنى الزواج، فهذه خمس روايات ليس بينها تَضاَدٌّ أو تناقض، وباقي الروايات الثمانية بعضها بلفظ: «أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِئَهَا وَتُعَلِّمَهَا» وبعضها بلفظ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ» إلخ وبعضها بلفظ: «خُذْهَا بِمَا مَعَكَ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لك جَلِيًّا أنَّ الروايات الثمانية ليس بينهما كبير فرق يسوغ للمؤلف أنْ يرمي السُنَّةَ بمنكر من القول، فيزعم أنها وصلتنا مغيرة مبدلة! على أنَّ طريقة العلماء المُحَقِّقِينَ في هذا الحديث وأمثاله هو الترجيح وبذل الجهد في التَحَرِّي والبحث عن حقيقة اللفظ الذي صدر من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، ولعلماء الحديث وجهابذته - وراء قواعد النقد الظاهرة - مَلَكَةٌ خاصة وَحَاسَّةٌ دقيقة بهما ينفذون إلى معرفة اللفظ الذي هو أليق بالصدور عن الرسول، وهذا هو ما فعله الأئمة تُجَاهَ الروايات في هذا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّظَرُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ [رِوَايَةُ] مَنْ رَوَى " زَوَّجْتُكَهَا " وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ ». ولما نقل المؤلف كلام ابن دقيق العيد وقف عند «مخرج الحديث» وترك الباقي، وغير خَفِيٍّ على القارئ الفطن السِرَّ في تركه لعجز الكلام، لأنه يهدم ما يريد أنْ يصل إليه، وكذلك لما نقل كلام العلائي ترك من آخره قوله: «ولكن القلب إلى ترجيح رواية الترويج أميل لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب زوجنيها يا رسول الله» فلماذا تركت هذا أيها الأمين؟! وقال الحافظ ابن حجر: «نعم، الذي تحرر مِمَّا قدمته أن الذين رووا بلفظ التزويج أكثر عددا مِمَّنْ رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة «أنكحتكها» مساوية لروايتهم ومثلها رواية زائدة (١).
وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن لا ضرر دينيا بسبب الرواية بالمعنى كما يريد أن يصوره المؤلف ما دامت الألفاظ متوافقة أو متقاربة، وما دام طريق الترجيح بين الروايات يؤدي بالمجتهد إلى الوصول إلى الحق والصواب.
حَدِيثُ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
ذكر حديث البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر أن النَّبِي - ﷺ - قال يوم
_________________
(١) " فتح الباري ": جـ ٩ ص ١٧٦.
[ ٦١ ]
الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». الحديث، ومقالة الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد الْبُخَارِيّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد مُسْلِم «الظُّهْر» مَعَ اِتِّفَاق الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى رِوَايَته عَنْ شَيْخ وَاحِد بِإِسْنَادٍ وَاحِد، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَأَمَّا أَصْحَاب الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْر» وإلى هنا اقتصر المؤلف على كلام الحافظ، وتتمة كلام ابن حجر «وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في " الدلائل " وهذا كله يؤيد البخاري، وقد جمع بعض العلماء بين الرواتين باحتمال أنْ يكون بعضهم قبل الأمر كان صَلَّى الظهر وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ» ولمن صَلاَّهَا «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ»، وجمع بعضهم: باحتمال أنْ تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر وكلاهما لا بأس به .. إلى أنْ قال: ثم تأكد عندي أنَّ الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رُوَاتِهِ .. أو أنَّ البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا .. لكن موافقة أبي حفص السلمي له - أي البخاري - تؤيد الاحتمال الأول وهذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه ».
فها نحن أولاء نرى أنَّ الحافظ ابن حجر رَدَّ الوهم في رواية " البخاري " بين أنْ يكون من أحد الرُوَاةِ، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضبًا عما قبله وعما بعده، وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين الروايتين، ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المُخِل والذي يبغى من ورائه إظهار أئمة الحديث - ولا سيما أميرهم البخاري - بمظهر غير الضابطين المثبتين.
ولو سلمنا أنَّ إحدى الروايتين من قبيل الوهم فهل يؤدي هذا إلى تغيير الحُكْم المستفاد من الحديث؟ اللَّهُمَّ لا.
وبعد أنْ سرد ما زعم أنه يؤيده خلص إلى هذه النتيجة الخاطئة: فقال في [ص ٧٠]: «لما كانت أحاديثه - ﷺ - قد جاء نقلها بالمعنى - كما بَيَنَّا من قبل - وأنهم قد أباحوا لِرُوَاتِهَا أنْ يزيدوا فيها ويختصروا منها وأنْ يُقَدِّمُوا وَيُؤَخِّرُوا في ألفاظها -
[ ٦٢ ]
بله ما سَوَّغَهُ من قبول المَلْحُونِ منها - لما كان الأمر قد جرى على ذلك، فقد نشأ من أثر ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم» وبحسبنا ما قدمت في رَدِّ هذا التَجَنِّي على المُحَدِّثِينَ.
تَهَكُّمُ أَبِي رَيَّةَ بالمُحَدِّثِينَ وَتَجْهِيلِهِ لَهُمْ:
من [ص ٧٥ - ٧٩] عرض للحن والخطأ في الحديث، والتقديم والتأخير فيه والزيادة والنقص منه، ورواية بعض الحديث واختصار بأسلوب تهكُّمي، وطريقته في سرد الأقوال تظهر المُحَدِّثِينَ بمظهر المتساهلين، ثم ذكر عنوانًا بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أي المُحَدِّثِينَ - فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك».
وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعًا على هذا، مع أنَّ كثيرًا من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضًا فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلاَّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق فإرسال القول على عواهنه - كما صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلميَّة في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح والتبيين، وبحسبك أيها القارئ الطالب للحقيقة أنْ تراجع هذه المباحث التي استعرضها بغير أمانة في كتب أصول الحديث لترى إلى أي حَدٍّ حاول المؤلف التشنيع والتشهير بالمُحَدِّثِينَ، وأقرب هذه الكتب وأحدثها كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري.
تَحَوُّطُ المُحَدِّثِينَ البَالِغِ فِي الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى:
«وبعد»: فلكي تزداد أيها الطالب للحقيقة علمًا بوصول السُنَنِ والأحاديث الثابتة من غير تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان، أضع بين يديك هذه المقدمات والحقائق المستخلصة مِمَّا قدمنا:
١ - أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها الكثيرون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من رُوَاةِ الحديث والتزموا أداء الأحاديث بألفاظها.
٢ - أنَّ الرواية بالمعنى قد أجازها العلماء لمن كان عالمًا عارفًا بالألفاظ والأساليب خبيرًا بمدلولاتها والفروق الدقيقة بينها.
٣ - أنَّ الذين أجازوها على أنها رُخْْصَة تقدر بقدر الحاجة إليها لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية.
[ ٦٣ ]
٤ - أنَّ التدوين للأحاديث بدأ بصفة عامة ورسمية على رأس المائة الأولى، وبلغ منتهاه في نهاية القرن الثالث، وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول الهجري ولا سيما بعد وفاة النَّبِي - ﷺ -.
٥ - أنَّ الرواية بالمعنى إنما ترخص فيها من ترخص في غير الكتب المدونة، أما فيها فلا كما قدمنا.
٦ - أنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه - ﷺ -.
٧ - أنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة.
٨ - أنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، في تمييز المقبول من المردود من المرويات، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب.
هذه المقدمات والحقائق تسلمنا إلى نتيجة صادقة وهي: أنَّ الكثير من الأحاديث النبوية وصلت إلينا بمحكم لفظها، وأنَّ بعض الأحاديث قد رويت بالمعنى مع التحرز البالغ من التغيير المخل بالمعنى الأصلي، وأنَّ ما عسى أنْ يكون قد دخل الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى شيء يسير قد تنبه له العلماء وَبَيَّنُوهُ وصدق المُبَلِّغُ عن رب العالمين حيث يقول: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».
اِعْتِمَادُ «أَبِي رَيَّةَ» عَلَى كَلاَمِ المُسْتَشْرِقِينَ:
في [ص ٨١، ٨٢] نقل المؤلف بالهامش كلامًا عن " دائرة المعارف الإسلامية " في وضع الأحاديث جاء في آخره «وعلى هذا لا يمكن أنْ نَعُدَّ للكثرة من الأحاديث وصفًا تاريخيًا لِسُنَّةِ النَّبِي، بل هي على عكس ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرون الأولى بعد وفاة محمد - ﷺ - ونسبت إليه عند ذلك فقط، ومعنى ذلك أنَّ أكثر الأحاديث من آثار الوضع» وقد مر على هذا الكلام دون أنْ يُعَلِّقَ عليه بكلمة، ومعنى هذا أنه يرتضيه، بل ما ذكره في كتابه هو ترديد لهذا المعنى.
[ ٦٤ ]
وإني لأقول:
إنَّ هذا القول فيه إسراف وشطط في الحُكْم فليست الكثرة من الأحاديث من آثار التطور في الإسلام، وأنها لا تمثل الواقع في نسبتها إلى النَّبِي
- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - كما زعم كاتب هذه المادة في " دائرة المعارف الإسلامية " بل الكثرة من الأحاديث المدونة ثابته بطرق الإثبات الموثوق بها، وَمُتَلَقَّاةٌ عن النَّبِي وقد احتاط أئمة الحديث عند جمعه غاية الاحتياط وعنوا بنقد السند والمتن عناية فائقة، كما وضحت ذلك فيما سبق بما لا يدع مجالا للشك في هذا، وَمَيَّزُوا المقبول من المردود، وكان لهم إلى جانب ما وضعوا من أصول وقواعد لنقد المرويات مَلَكَةً خاصة يُمَيِّزُونَ بها بين الغث والسمين، ونحن لا ننكر ما كان للخلافات السياسية والمذهبية والكلامية من أثر في وضع الأحاديث، ولكن الذي ننكره غاية الإنكار أنْ تكون الكثرة من الأحاديث المُدَوَّنَة من آثار الوضع والاختلاق.
طَعْنُهُ فِي مُعَاوِيَةَ - ﵁ -:
وفي ص [٩١] ذكر فصلا عنوانه «معاوية والشام» ذكر فيه ما وضع في فضائل معاوية - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وبلاد الشام، وذكر في حق هذا الصحابي الجليل أنه من الطلقاء ومن المُؤَلَّفَةِ قلوبهم.
وقد غاب عنه أنَّ الكاتبين في تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدي وابن سعد أنه أسلم بعد الحُديبية قبل الفتح وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله (١) وأنه كان في عُمْرَةِ القضاء مسلمًا، وإذا كان هو وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم في رأي البعض، ففي رأي الكثيرين أنه ليس من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، قال أبو عمر بن عبد البر: معاوية وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم ذكره في ذلك بعضهم وهو يشعر بأنَّ الكثيرين لا يريدون هذا الرأي، ولذا نجد الحافظ المُحَقِّقَ ابن حجر لم يذكر في ترجمته شيئًا من هذا، وإنما ذكر في ترجمة أبيه أنه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، ومهما يكن من شيء فقد أسلم وحسن إسلامه، وكان أحد كتبة الوحي بين يدي النَّبِي - ﷺ - وكان له جهاد مشكور في نشر دعوة الإسلام وتوسيع فتوحاته، ولم تعرف عنه دخلة في إيمانه ولا ريبة في إخلاصه لإسلامه.
_________________
(١) " الاستيعاب ": ج ٣ ص ٣٩٥ على هامش " الإصابة ": ج ٣ ص ٤٣٣، و" فتح الباري ": ج ٦ ص ٨٢.
[ ٦٥ ]
ونحن لا نشك أنه وضع في فضائله أحاديث كثيرة، وكيف وقد أحصى الأئمة كل ذلك، وكلنا نُجِلُّهُ عن أنْ يكون له دخل فيما وضع في فضائله وفضائل الشام، بل وعن الرضا به، ولئن قال الإمام اسحق بن راهوية: أنه لم يصح في فضائل معاوية شيء، فقد ذكر له الإمام الكبير البخاري بعض فضائله، ولا يضيره كون الإمام البخاري آثر التعبير في حقه بلفظ «باب ذكر معاوية - ﵁ -» ولم يقل «باب فضل معاوية» كما صنع في غالب الأبواب، فقد صنع مثل هذا في فضل العباس وابنه عبد الله - ﵄ - (١) كما لا يضيره أن البخاري - ﵀ - لم يخرج حديثًا مرفوعًا على شرطه في فضله وأنه خرج في " صحيحه " حديثين موقوفين عن ابن عباس - ﵁ - أحدهما يثبت الصُحْبَةَ، والثاني الفقه في الدين، وبحسب معاوية فضلًا عند المنصفين أنْ يكون صحابيًا وفقيهًا، ثم إنَّ عدم ثبوت حديث في فضائله مرفوعًا إلى النَّبِي - ﷺ - على شرط البخاري لا ينفي ثبوت أحاديث في فضائله خَرَّجَهَا غير البخاري من أصحاب الكتب المعتمدة، وقد ذكر المؤلف نفسه حديثين مرفوعين في فضائله رواهما الترمذي، وهما من أصح ما ورد في فضائله، وقد عرض لما ورد في فضائله الحافظ الناقد ابن كثير في " البداية والنهاية " (٢) وبين الموضوع من غيره ثم قال: «ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَوْضُوعَةً بِلاَ شَكٍّ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، أَضْرَبْنَا عَنْهَا صَفْحًا، وَاكْتَفَيْنَا بِمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصحاح والحِسَانِ والمستجادات عما سواها من الموضوعات وَالْمُنْكَرَاتِ» وإذا فليس من الإنصاف في البحث أنْ نجعل كل ما ورد في فضائله موضوعًا وأنْ نجرده من كل خصيصة وفضل.
وأيضا فإننا لا ننكر ما وضع في فضل الشام وغيرها من البلاد المشهورة وكذلك لا ننكر أنَّ أحاديث الأبدال التي عرض لها مدسوسة على النَّبِي - ﷺ - كما نَبَّهَ على ذلك نُقَّادُ الحديث وجهابذته، وإنْ كان البعض قد أثبت بعضها، ولكن الذي ننكره البتة أنْ يكون معاوية - ﵁ - هو الذي أوحى بهذا الاختلاق، وأنْ يكون له ضلع فيه، وإليك غمزه ولمزه في [ص ٩٤] قال: «وما كاد معاوية يذكر - يعني في خطبته التي خطبها لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن سَنَةَ ٤١ هـ -
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ٦ ص ٦٢، ٨٠.
(٢) ج ٨ ص ٢١٠ وما بعدها.
[ ٦٦ ]
أنَّ الشام هي أرض الأبدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الأبدال ثم ذكرها».
ومِمَّا يلقم المؤلف حجرًا وينفي الظنة والتُّهمة عن معاوية - ﵄ - قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من أنَّ لفظ الأبدال لم يَرِدْ إِلاَّ في حديث شامي منقطع الإسناد، عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا إلى النَّبِي - ﷺ - وقال: إنَّ الأشبه أنه ليس من كلام النَّبِي، ومن العجيب حقًا أن المؤلف نقل كلام ابن تيمية ضمن نقله عن السيد رشيد رضا - ﵀ - في تزييف أحاديث الأبدال من [ص ٩٥ - ٩٩]، فلو أنَّ هذا الحديث كان مرويًا عن معاوية لقلنا معه: لعل وعسى: ولكن الأمر كما ترى، وقد حاول السيد رشيد أنْ يُبَيِّنَ أنَّ الحديث المروي عن علي - ﵁ - على فرض ثبوته ليس المراد الأبدال بالمعنى المعروف عند الصُّوفِيَةِ، ولكن المُحَرِّفِينَ وَالمُتَزَلِّفِينَ هم الذين حملوه على هذا، ومن أعجب العجب اَيْضًا أنَّ المؤلف ينقل نقولًا يستجودها، وهي في الواقع ونفس الأمر تَرُدُّ ما يعتنقه ويهواه من آراء مبتسرة، وقد فعل ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وقُصَارَى القول أنَّ أئمة الحديث وصيارفته قتلوا المرويات بحثًا، وأفنوا أعمارهم فيها، ولم يَدَعُوا رواية في الفضائل وغير الفضائل إِلاَّ وبَيَّنُوا مكانها من الصحة أو الحسن أو الضعف والاختلاق، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في الأحاديث الموضوعة، وستتبين صدق ما أقول، فهم لم يُقَصِّرُوا في خدمة السُنَّة وتزييف الزائف منها، ولكن المُتَأَخِّرِينَ هم الذين قصرت بهم الهِمَمَ عن العلم بما دونه، فمن ثم وقعوا في كثير من الأخطاء والأغلاط، قال في [ص ١٠١]: «إنَّ وُضَّاعَ الحديث وضعوا أحاديث تسوغ لهم ما يضعون» ثم قال: «وأورد ابن حزم في " الأحكام " عن أبي هريرة مرفوعا قال: «إِذَا حَدَّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ». وعنه اَيْضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «مَا بَلَغكُمْ عَنِّي مِنْ َقْوٍل حَسَنٍ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا قُلْتُهُ» ونحن لا نشك - ولا أي عاقل - في أنَّ هذين الحديثين وما على شاكلتهما - تناقضًا وتهافتًا - موضوعان، وأنَّ نظرة فاحصة إلى المتن لَتَدُلُّنَا على أنَّ هذا لا يصدر عن معصوم فضلا عن عاقل، فكيف يتأتى من أعقل العقلاء أنَّ ما لم يقله ما دام حسنًا فقد قاله؟! بل كيف يأمر بالأخذ بحديث حَدَّثَ به أو لم يُحَدِّثُ؟ إنَّ هذا لعجب عُجاب!
[ ٦٧ ]
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ:
ولو أنَّ المؤلف اقتصر على ذكر الحديثين الموضوعين في الاستدلال لما قال، لما كان لنا عليه أية مؤاخذة ولا استقام كلامه، ولكن الذي أؤاخذه عليه أنْ يأتي في الهامش بعد ذكر الحديثين فيقول ما نصه: «يشبه هذين الحديثين حديث رواه أحمد أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمْ وَتَنْفِرُ مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ» قال السيد رشيد: إنَّ إسناده جَيِّدٌ.
فإذا كان السيد رشيد - ﵀ - الذي يُعَوِّلُ عليه في كثير من نقوله ويعتبره من العلماء المُحَدِّثِينَ قال: إنَّ إسناده جَيِّدٌ، فكيف سَوَّغَتْ له نفسه أنْ يلحقه بهذين الحديثين اللَّذَيْنِ لا شك في وضعهما ونكارتهما كما قال حفاظ الحديث ونُقاده، والعجيب أنَّ المؤلف يعتمد على كلام السيد محمد رشيد رضا في كثير مِمَّا ينقل، ويأخذه قضية مُسَلَّمَةً، أما هنا فقد خالفه ولم يأخذ بكلامه وصدف عن الحق إلى الباطل، والذي يظهر لي أنَّ المؤلف رجل هوى ومزاج، فما وافق هواه أخذ به أو أخذ منه، وما لم يوافق هواه طرحه دبر أذنيه، ولعل السيد رشيد - ﵀ - اعتمد في الحُكْم على الحديث بالجودة على ما قاله الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (١) عقب ذكره: رواه أحمد بإسناد جَيِّدٍ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، والحق أنْ لا شَبَهَ بين الحديثين وهذا الحديث، لا في الثبوت ولا في المعنى، فهذان موضوعان وهذا حسن وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قريب في المعنى من حديث: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ».
فهو يشير إلى الاطمئنان القلبي أو عدم الاطمئنان عند سماع حديث من الأحاديث، وهذا الوجدان القلبي إنما يحصل للمسلم الذي عمر قلبه بالإيمان، واستضاء بهدي الشريعة، ومعرفة قواعدها، والذي يزاول السُنَّة، ويتعاهدها قراءة ودرسًا حتى تصير عنده مَلَكَةٌ يُمَيِّزُ بها بين ما يكون من كلام النَّبِي وما ليس كلامه، وإلى هذه الملكة أشار الربيع بن خثيم حيث قال: «إِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ [نَعْرِفُهُ]، وَإِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نُنْكِرُهُ». وقال ابن الجوزي: «الحَدِيثُ الْمُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الْغَالِبِ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنَّ الحديث ثابت رواية وصحيح رواية ومعنى.
_________________
(١) ج ٣ ص ٥٦٩
[ ٦٨ ]
وقد ذكر المؤلف من [ص ١٠٥ - ١٠٧] عن كتاب " قواعد التحديث " للعلاَّمة القاسمي نقولًا كثيرة عن بعض الأئمة كابن تيمية وابن القيم وابن دقيق العيد وابن عروة الحنبلي، وكلها تدور حول الحديث عن الوجدان القلبي والملكة التي تحصل عند المُحَدِّثِ، ويُمَيِّزَ بها الصحيح والسقيم، والمقبول والمردود.
خَلْطُ أَبِي رَيَّةَ بَيْنَ الوَضْعِ وَالإِدْرَاجِ:
في [ص ١٠٤] ذكر الوضع بالإدراج، وجعل المُدْرَجَ من قبيل الموضوع. وإطلاق الموضوع على المُدْرَجِ تساهل، نعم إنَّ بعض أئمة الحديث كابن الصلاح اعتبر الإدراج عن طريق الغلط - بظن ما ليس بحديث حديثًا - ملحقًا بالوضع وشبيهًا به، والأكثرون على عَدِّهِ إدراجًا فحسب، وكان على المؤلف أنْ يُمَيِّزَ بين الإدراج الذي لا لبس فيه ولا إشكال ولا إيهام، والإدراج الذي فيه إيهام أنَّ ما ليس من الحديث هو منه، فالإدراج الذي يكون لتفسير كلمة غامضة أو توضيح اسم مُبْهَمٍ في السند، والإدراج الذي يكون معه من القرائن اللفظية أو الحالية ما يدل على أنه مُدْرَجٌ من كلام الراوي أمره سهل هَيِّنٌ، ولا يخل بعدالة الراوي، وهو أبعد ما يكون عن الوضع، وأما الإدراج الذي يكون فيه إيهام ولبس وهو الذي لا تصحبه قرائن فهو حرام كله إذا كان متعمدًا، وَيُخِلُّ بعدالة الراوي، ويلحقه بِالكَذَّابِينَ، قال السمعاني: «مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْكَذَّابِينَ» وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا تساهل المؤلف في عَدِّ الإدراج كله وضعًا، وعلى قاعدة المؤلف يكون كثير من أئمة الحديث الذين يدرجون للتفسير أو توضيح المُبْهَم موصوفين بالوضع، فالزُّهْرِي لما روى حديث «بدء الوحي» في " الصحيحين " وفسر كلمة «التحنث» بالتعبد يكون وَضَّاعًا، وراوي حديث النسائي «أَنَا زَعِيمٌ» - والزعيم الحَمِيلُ - يكون وَضَّاعًا، وأبو هريرة لما روى عن النَّبِي - ﷺ - «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» وهو في الصحيح يكون قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ » إلخ. من قبيل الوضع، وهذا المثال الأخير مِمَّا يَتَبَيَّنُ في الإدراج بداهة لاستحالة أنْ يقوله النَّبِي - ﷺ - لأنَّ أُمَّهُ ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه أنْ يتمنى الرِقَّ وهو أفضل الخلق على الإطلاق، فما ذهب إليه المؤلف لا يقره عليه أي باحث ولا خبير بالفن!!
[ ٦٩ ]
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي كَعْبِ الأَحْبَارِ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٠٨] ذكر عنوان «الإسرائيليات في الحديث» وَبَيَّنَ منشأها ثم عرض لكعب الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، وقد نال أكثر ما نال من كعب، واعتبره الصهيوني الأول.
وإليك رأيي فيما عرض له:
١ - كعب الأحبار من التابعين، وعلماء الجرح والتعديل - وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو مهما تستر - لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهور على توثيقه، ولذا لا تجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين وقد ترجم له الذهبي ترجمة قصيرة في " تذكرة الحفاظ " وتوسع ابن عساكر في ترجمته في " تاريخ دمشق " وأطال أبو نعيم في " الحِلْيَةِ " في أخباره وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له ابن حجر في " الإصابة " و" تهذيب التهذيب "، وقد اتفقت كلمة النُقَّادِ على توثيقه (١) ولكن يعكر على هذا ما ورد في حقه في " الصحيح ": روى البخاري بسنده عن معاوية وهو يُحَدِّثُ رهطًا من قريش بالمدينة - يعني لما حج في خلافته - وذكر كعب الأحبار فقال: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلاَءِ المُحَدِّثِينَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ» وفي رواية أخرى: «لَمِنْ أَصْدَقِ» وظاهر كلام معاوية - ﵁ - يخدش كعبًا في بعض مروياته، ولكنه لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعًا كذابًا.
وهذا الكلام من معاوية له وزنه فهو رجل داهية لا تخفى عليه الرجال ولا دسائسهم، ومعاوية لا يخشى كعبًا ولا يعقل أنْ يَتَمَلَّقَهُ، ولو يعلم فيه أكثر من ذلك لقاله، وقد حسن العلماء الظن بكعب فحملوا هذه الكلمة على محل حسن، قال ابْنُ حِبَّانَ في " الثِّقَاتِ ": «أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُ يُخْطِئُ أَحْيَانَا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا» وقال ابن الجوزي: «الْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ كَعْبٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكُونُ كَذِبًا لاَ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَإِلاَّ فَقَدْ كَانَ كَعْبٌ مِنْ أَخْيَارِ الأَحْبَارِ» ومن قبل ذلك قال ابن عباس في كعب «بَدَلَ مَنْ قَبْلَهُ فَوَقَعَ فِي الْكَذِبِ» (٢)، ولا يعزب عن بالنا أن ابن الجوزي صاحب ملكة في النقد وكان حربا على الوَضَّاعِينَ وكتابه " الموضوعات " أشهر الكتب وأحفلها
_________________
(١) " مقالات " الكوثري: ص ٣١.
(٢) " مقالات " الكوثري: ص ٣١.
[ ٧٠ ]
وإنْ أخذوا عليه فيه أنه يتساهل في الحُكْم بالوضع أحيانًا.
فلو أنه كان يرى في كعب ما رأى المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعًا دَسَّاسًا لما تَرَدَّدَ في تجريحه، ولما حمل كلمة معاوية على هذا المحمل الحسن ولا سيما وقد كان لسانه حادًا على الوَضَّاعِينَ كما يَتَبَيَّن ذلك جَلِيًّا لمن راجع مقدمة كتابه المذكور، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا بعد ما سمعنا من مقالة العلماء في كعب أنه لم يكن وَضَّاعًا ولا مُتَعَمِّدًا للكذب، وأنه إنْ كانت وقعت في بعض مروياته إسرائيليات مكذوبة أو خرافات، فذلك إنما يرجع إلى من نقل عنهم من أهل الكتاب السابقين الذين بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا، وإلى بعض الكتب القديمة التي ملئت بالخرافات والإسرائيليات، ولو أنه تَحَرَّى الحق والصدق وَمَيَّزَ بين الغث والسمين من هذه المنقولات لكان أولى به وأجمل.
طَعْنُهُ فِي وَهْبِ بْنَ مُنَبِّهٍ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم، ولم نعلم أحدًا طعن فيه بأنه وَضَّاعٌ وَدَسَّاسٌ إِلاَّ المؤلف.
والباحث المُتَثَبِّتُ والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الإسرائيليات دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنهم نقلوها بحسن نِيَّةٍ، وكذلك لا ينكر أثرها السيئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين، وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه ظنًا منهم أنها منه والإسلام منها براء، ولكن الذي لا يسلم به الباحث أنْ يكون كعب ووهب وأضرابهما مِمَّنْ أسلموا وَحَسُنَ إسلامهم كان غرضهم الدَسَّ والاختلاق والإفساد في الدين، ولقد كان من لطف الله بالأمَّة الإسلامية أنَّ هذه الإسرائيليات إنما كانت في قصص الأنبياء والأمم السابقة، وأحوال البدء والمعاد وأسرار الخليقة، إلى غير ذلك مِمَّا لا يتعلق بالحلال والحرام والعقائد إِلاَّ بعضًا منها مِمَّا ينافي عصمة الأنبياء فإنه يدرك كذبه وبطلانه بادئ الرأي.
وابن خلدون لما عرض في " مقدمته " لما دخل في التفسير بالمأثور من الإسرائيليات لم يرم مسلمة أهل الكتاب بِالدَسِّ والوضع - كما صنع المؤلف - وإنما جعلهم مصدرًا لنقل هذه الإسرائيليات إلى العرب، وهذا شأن الباحث المُنْصِف لا
[ ٧١ ]
الطاعن المتحامل (١).
نَقْدُ المُحَدِّثِينَ لِلإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
ولقد كان لجهابذة الحديث ونقاده جهاد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات وتمييز صحيحها من باطلها، وَغَثِّهَا من ثمينها، وما من رواية من روايات كعب وغيره إِلاَّ ونقدوها نقدًا علميًا نزيهًا، ولولا هذا الجهاد الرائع من علماء المسلمين لكانت طامَّة على الإسلام والمسلمين، ولقد بلغ من تَحَوُّطِ أئمة الحديث البالغ الغاية أنهم قالوا: أنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه إنما يكون له حكم الرفع إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، فأما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم فلا، لجواز أنْ يكون من الإسرائيليات، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وَبُعْدِ نظر محمود من المُحَدِّثِينَ.
وَأُحِبُّ أنْ يعلم القارئ الكريم أني كتبت بحثًا مستفيضًا نشر على صفحات " مجلة الأزهر " تحت عنوان «الدخيل وكتب التفسير» أمطت فيها اللثام عن كثير من الإسرائيليات والخرافات التي ألصقت بالإسلام (٢).
مَنْهَجُ أَبِي رَيَّةَ فِي البَحْثِ غَيْرُ عِلْمِيٍّ:
إنَّ المؤلف جرى في بحثه في الإسرائيليات على أنَّ كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وأنَّ مروياتهم ليس فيها صدق ولا حق، حتى ولو كان في شريعتنا ما يؤيد هذا المروي ويصدقه.
وهو إسراف في الحُكْم وَتَجَنٍ على الحق والواقع، والعلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ على أنَّ ما روي عن أهل الكتاب الذين أسلموا منه ما هو حق وصدق، ومنه ما هو باطل وكذب، ومنه ما هو محتمل لهما، فهذا هو الإمام ابن تيمية - وهو زعيم مدرسة جمعت إلى حفظ الحديث والبراعة فيه والفقاهة في الدين وجودة الفهم وأصالة النقد - يقسم أخبار مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهد له بالصدق فذلك صحيح.
_________________
(١) " مقدمة ابن خلدون ": ص ٣٦٨.
(٢) " مجلة الأزهر " في عامي ٧٣، ٧٤ هـ.
[ ٧٢ ]
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مِمَّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مِمَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (١)، ومثل ذلك قال تلميذه ابن كثير في " تفسيره " (٢).
وإليك ما ذكره الحافظ الكبير ابن حجر في " الفتح " عند شرح الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: «كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ - ﷺ -: " لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ". قال: " أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدِّقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بوفاقه، نَبَّهَ على ذلك الشافعي - ﵀ -» وهكذا يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالصحة فيه تساهل وَبُعْدٌ عن الحق والصواب، وأَنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالكذب والبطلان فيه إسراف وَتَجَنٍّ.
وقد تمخضت هذه الطريقة التي أخذ بها المؤلف عن جملة من الأخطاء والأغلاط، فحكم على كثير من الأحاديث الصحيحة التي لا يتعلق بها الريب بأنها إسرائيليات وخرافات من خرافات أهل الكتاب، ولا حُجَّةَ له في هذا إِلاَّ الظن والحدس، وقد بلغ به الشطط أنه زَيَّفَ بعض الروايات التي نرى مصداقها في كتاب الله، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل وَزَيَّفَ بعض أحاديث ليس في روايتها أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب، ولا يحتمل أنْ تكون أخذت عنهم، وسأعرض لهذه الأحاديث لترى طرائق للبحث عجيبة.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ:
في [ص ١١٣، ١١٤] بعد أَنْ ذكر ما روي عن كعب وابن سَلاَّم عن البشارة بِالنَّبِيِّ، وذكر أوصافه في " التوراة " قال: «وقد امتدت هذه الخرافة - يعني البشارة بِالنَّبِيِّ
_________________
(١) مقدمة " التفسير ": ص ٦٤، طبعة السلفية.
(٢) ج ١ ص ٨، طبعة المنار.
[ ٧٣ ]
وذكر أوصافه - إلى أحد تلاميذ كعب: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روى " البخاري " عن [عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ] (*) قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، وَحِرْزًا للأُمِيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا» وزاد ابن كثير قَالَ ابْنُ يَسَارٍ: " ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا الْحَبْرَ فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ " وكيف؟ وكعب هو الذي علمه».
وإنها لحماقة حمقاء أنْ يطلق هذا المؤلف على البشارة بِالنَّبِيِّ الأُمِيِّ العربي في الكتب السابقة: أنها خرافة، ولا أدري أفقد المؤلف صوابه؟ أم غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢)؟ وهل هذا الحديث إِلاَّ مصداق لهذا القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك؟ وسواء أكان هذا الحديث قد حمله عبد الله بن عمرو عن كعب، أو هو مِمَّا عَلِمَهُ من كُتُبِهِمْ، لأنه كان قارئًا كاتبًا وعنده علم بِكُتُبِ أهل الكتاب فقد صدقه القرآن المهيمن والشاهد على الكتب فهو حق وصدق، والتصديق به واجب، وإني لأعجب للمؤلف كيف سَوَّلَتْ له نفسه وسمح له ضميره أَنْ يقول عن البشارة بِالنَّبِيِّ وذكر أوصافه في " التوراة " و" الإنجيل ": إنها خرافة. ألاَ فَلْتُهَلِّلُوا أيها المُبَشِّرُونَ فقد وجد مِمَّنْ يَتَسَمَّى بأسماء المسلمين من يخدمكم ويشيع مقالتكم باسم البحث والمعرفة!!
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الاِسْتِسْقَاءِ بِالعَبَّاسِ - ﵁ -:
في [ص ١١٨] لحديث الاستسقاء وذكر أَنَّ كعبا انتهز الفرصة ليفسد على
_________________
(١) [سورة الأحزاب، الآية: ٤٥].
(٢) [سورة الأعراف، الآيتان: ١٥٦، ١٥٧]. ----------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [هو عطاء بن يسار وليس عبد الله بن يسار، انظر " صحيح البخاري " (٣٤) كتاب البيوع (٥٠) باب كراهية السخب في الأسواق، حديث ٢١٢٥، " فتح الباري ": ٤/ ٣٤٢،، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ].
[ ٧٤ ]
المسلمين عقائدهم، وأنه هو الذي أوقع عمر - ﵁ - في الاستسقاء بالعباس عم النَّبِيِّ - ﷺ - وبعد أَنْ ذكر أنَّ عمر استسقى بالعباس لم يلبث أنْ قال: إنَّ عمر تَنَبَّهَ إلى المكيدة وفطن لها فلم يستسق بأحد حتى النَّبِي - ﷺ - واقتصر على الاستغفار، ولكي يؤيد زعمه هذا ذكر عن كتاب " المُغَنِي " و" الشرح الكبير ": «أَنَّ عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار »
وللرد على ذلك أقول:
١ - إِنَّ حديث الاستسقاء بالعباس - ﵁ - رواه البخاري في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» ولأجل أنْ يُدَلِّلَ على ما ذهب إليه من أنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب طعن في حديث أنس واعتده مخالفًا للروايات القوية التي جاءت بخلافها، ثم أتدري أيها القارئ ما هي الروايات القوية التي رَجَّحَهَا على رواية " البخاري "؟.
هي رواية ذكرت في كتاب " المطر " لابن أبي الدنيا، وكتاب " المُغْنِي " و" الشرح الكبير "، وكتاب " البيان والتبيين " للجاحظ!! ثم ما هي المخالفة بين حديث أنس وما ذكره أَنَّ الاستسقاء له حالات: فَمَرَّةٌ يكون بالصلاة والخطبة وَمَرَّةً يكون في خطبة الجمعة أو عقب صلاة مفروضة، وَمَرَّةً أخرى يكون بدعاء من غير صلاة، وحينًا كان على المنبر في المسجد، وحينا آخر كان خارج المسجد، وكلها حالات ثابتة في السُنَّة الصحيحة (١)، وعمر - ﵁ - مَرَّةً استسقى بالعباس، وَمَرَّةً أخرى اقتصر على الدعاء بطلب السُقْيَا، وَمَرَّةً ثالثة اكتفى بالاستغفار، لأنه مجلبة للغيث وعلى هذا فلا تعارض قَطُّ بين الروايات ولا سيما والرواية التي رَجَّحَهَا لا حصر فيها، وكتاب " المُغني " و" الشرح الكبير " الذي نقل عنه الرواية الثانية، قال مؤلفه بعد ذلك بصفحات ما نصه (٢): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلاَحُهُ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ - ﵁ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - عَامَ الرَّمَادَةِ» ثم ذكر استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود، والضحاك بن قيس به اَيْضًا وهكذا
_________________
(١) انظر " شرح النووي على مسلم ": ج ٦ ص ١٨٨، و" زاد المعاد ": ج ١ ص ١٢٦، ١٢٧.
(٢) " المُغني " و" الشرح الكبير ": ج ٢ ص ٢٩٥.
[ ٧٥ ]
يَتَبَيَّن بنا أنَّ المؤلف «يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء» بحسب هواه وما يتراءى له كي يصل إلى ما يريد، من أَنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب (١) كي يفسد عقائد المسلمين.
٢ - ثم أي فساد في العقيدة بالاستسقاء بالعباس - ﵁ -؟ إنَّ المسلمين قاطبة مجمعون على التَوَسُّلِ بالأحياء، ولم يقل أحد إنَّ التوسل بالأحياء يفسد العقيدة، وكيف خَفِيَ على المهاجرين والأنصار وفيهم عمر مخالفة الاستسقاء بالعباس للعقيدة حتى وقعوا فيما وقعوا فيه؟ وكيف خَفِيَ على فقهاء الأمَّة وَمُحَدِّثِيهَا أَنَّ حديث أنس مدسوس فحكموا عليه بالصحة واستدلوا به؟ إنَّ هذا مِمَّا لا يقضي منه العجب!!!.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:
في [ص ١٢٣] جعل مراجعة موسى لِنَبِيِّنَا محمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في حديث الإسراء والمعراج من الإسرائيليات، وجهل الذين يعتقدون صحة ذلك، واعتبرهم من حشوية آخر الزمان إلى آخر ما نضح به قلمه من نبز وسباب.
وللرد على هذا أقول لهذا المؤلف:
إنَّ الرمي بالقول على عواهنه من غير حُجَّة وبرهان لا يليق بالباحث المُنْصِف المُتَثَبِّت، وهل يقتضي ذكر موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ومراجعته لِلْنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ليلة المعراج كي يخفف الله سبحانه على أُمَّتِهِ الصلوات أَنْ يكون من الإسرائيليات؟ وعلى منطق المؤلف تكون كل الأحاديث التي ذكرت فضيلة لموسى أو لِنَبِيٍّ من أنبياء بني إسرائيل من الإسرائيليات وأعتقد أنَّ هذا لا يقوله عاقل فضلًا عن باحث، وبحسب القارئ ما ذكرته في المقال السابق من موقف علماء الإسلام من أخبار بني إٍسرائيل، ولو أنَّ حديث الإسراء والمعراج كان مرويًا عن كعب الأحبار أو غيره من علماء بني إسرائيل لجاز في العقل أنْ يكون ذكر موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من دَسِّهِمْ، أما والحديث مروي عن بضع وعشرين صحابيًا ليس فيهم ولا فيمن أخذ عنهم أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب فقد أصبح الاحتمال بعيدًا كل البعد إنْ لم يكن غير ممكن
_________________
(١) لو أنَّ كعبًا كان أحد رُواة حديث أنس، أو كان أنس معروفًا بالأخذ عن أهل الكتاب لجاز عقلًا ما ذهب إليه المؤلف، اما الحديث لا يمت إلى كعب من قريب أو من بعيد فقد انسدَّتْ مسالك الاحتمال.
[ ٧٦ ]
في منطق البحث الصحيح، وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه " التنوير في مولد السراج المنير " الصحابة الذين رُوِيَ عنهم حديث الإسراء والمعراج فوصل بهم إلى خمسة وعشرين صحابيًا، واعتبر الروايات الواردة فيه متواترة ونقل كلامه الحافظ الناقد ابن كثير في " تفسيره " ووصفه بالإفادة والجودة (١) فهل يجوز عند العقلاء أَنْ يكون لِلْدَسِّ مجال في هذا؟ وقد خرج حديث المعراج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة من طرق متعددة، وقد استعرض هذه الروايات الإمام ابن كثير في " تفسيره " فليرجع إليه من يريد زيادة اليقين، وَلَمْ أَرَ - فيما أعلم - عن أحد من أهل العلم الموثوق بهم أنه ذكر أنَّ مراجعة موسى لنبينا - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - دَسِيسَةٌ إسرائيلية، فهل خَفِيَ على علماء الأُمَّةِ جميعهم ما تَخَيَّلَهُ هذا المؤلف؟! وكان الأولى به أنْ يبحث عن السِرِّ في المراجعة وحكمتها بدل التشكيك فيها، ومحاولة بيان استلزامها لنفي علم الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وعلم رسوله مبلغ احتمال الأُمَّةِ وقدرتها على أدائها قبل التخفيف. وأي ضير في أنْ يعلم موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بما سبق إليه من تجربة الناس، ومعالجة بني إسرائيل أشد المعالجة ما خفي على نبينا - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - حتى أشار عليه بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف، حتى يرتب عليه المؤلف ما زعم ثم من قال أنَّ فرض الصلوات خمسين وتخفيفها إلى خمس بسبب المراجعة تستلزم أنْ يكون الله سبحانه لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده على أدائها حتى رَتَّبَ عليه ما رَتَّبَ؟ إنَّ الله سبحانه يعلم كل ما كان وما يكون ويعلم أنَّ نَبِيَّهُ محمدا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - سيسأله التخفيف على العباد وبسبب هذا السؤال سيخفف الصلوات من خمسين إلى خمس، ولذلك سِرٌّ وَحِكْمَةٌ، وهي إظهار رحمة الله - ﷾ - بهذه الأُمَّة وَمِنَّتِهِ عليها بالتخفيف عليها، بدليل قول الرب تعالى: «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» كما أَنَّ فيها إظهار منزلة النَبِيِّ عند ربه بقبول شفاعته في التخفيف عن أُمَّتِهِ، وبيان رأفته ورحمته بأُمَّتِهِ باستماعه إلى مشورة أخيه موسى، ولا تسل عما في المراجعة من تكرار المناجاة بين العبد والمعبود والمُحِبِّ والمحبوب.
زَعْمُهُ أَنَّ حَدِيثَ «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ » مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
في [ص ١٢٨] قال: «الإسرائيليات في فضل بيت المقدس» وذكر بعضًا منها.
_________________
(١) انظر " تفسير ابن كثير " و" البغوي ": ج ٥ ص ١٤٣.
[ ٧٧ ]
وفي [ص ١٢٩] ذكر أَنَّ الأحاديث الصحيحة كانت في أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد الرسول، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى، واعتبر ذكر المسجد الأقصى في حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» من الإسرائيليات الموضوعة، واستند في دعواه إلى ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، [أَنَّهُ قَالَ]: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لأَخْرُجَنَّ فَلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: " صَلاَةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ مَسْجِدَ الكَعْبَةِ "» قال: «ولو أَنَّ المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أَنْ تُوفِي بنذرها!!».
وللجواب على هذه المزاعم نقول:
١ - إننا لا ننكر أنه وُضِعَ في فضل بيت المقدس والصخرة أحاديث وآثار كثيرة، ولكن الذي ننكره حقًا أَنْ يكون ذكر بيت المقدس في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» من قبيل الوضع والدَسِّ، وأعتقد أنه من الإسراف في الحُكْم والشطط في البحث أَنْ يُجَرِّدَ باحث بيت المقدس من الفضيلة، ويعتبر كل ما ورد فيه من صنع بني إسرائيل، وكيف وفضل بيت المقدس لم يثبت بالأحاديث الصحيحة فحسب؟ ولكنه ثبت ثبوتًا قطعيًا بالقرآن المتواتر الذي لا يتطرق إليه الشك قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فلم يَعُدْ ثَمَّةَ مجال للحدس والظن الذي لم يقم على أساس ولا يستند إلى دليل وبيت المقدس قِبْلَةُ الأنبياء السابقين ومهاجرهم، وثاني المساجد التي وضعت في الأرض وشرفت بناه حفيد الخليل يعقوب - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَجَدَّدَهُ نبي الله سليمان - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وإليه توجه المسلمون في صلاتهم بعد الهجرة بضعة عشر شهرًا، فكيف يستبعد المؤلف أَنْ يذكر هو ومسجد مكة والمدينة في حديث وَإِنْ كان دونهما في الفضل؟ والمساجد الثلاثة يجمعها أنها آثار، وتحمل ذكريات مجيدة لبعض أنبياء الله ورسله الكرام، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثًا حقًا لنقده من وجهة سنده ومتنه نقدًا علميًا صحيحًا بدل أَنْ يلقي بالقول جزافًا.
_________________
(١) [سورة الإسراء، الآية: ١].
[ ٧٨ ]
٢ - هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان: البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وَهُمَا مَنْ هُمَا في عُلُوِّ كَعْبِهِمَا في التصحيح، ومعرفتهما التامة بالرجال والعلل، ونظرهما الثاقب في الكشف عن خفايا الأحاديث وَعِلَلِهَا، ورواه غيرهما كابن حبان في " صحيحه "، وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في " سُنَنِهِمْ "، ورواه أحمد والبزار في " مُسْنَدَيْهِمَا "، والطبراني في " المعجم الكبير " و" الأوسط "، وَرُوِىَ عن جمع من الصحابة كَعُمَرٍ وأبي سعيد الخُدري وأبي هريرة وأبي بصرة الغِفاري وأبيه وأبي الجعد (١) وقد تلقت الأُمَّة هذا الحديث بالقبول، واحتج به أئمة فطاحل لا يحصيهم العد ولا يشق لهم غُبَارٌ في النقد والبصر بالأحاديث من عصر السلف إلى وقتنا هذا، فهل كل هؤلاء خفي عليهم ما لاَحَ وظهر لهذا المؤلف؟!!!.
٣ - أما ما ذكره من قصة المرأة التي نذرت أَنْ تصلي في بيت المقدس إنْ شفاها الله إلخ. فَمِمَّا يضحك الثكلى! ومن قال - يا من زعمت أنك طوفت في عشرات الكتب والمراجع - أَنَّ الفتوى على خلاف ما يدل عليه حديث أو العمل على خلافه يكون دليلًا على كذبه؟ لو كان الأمر كذلك لحكمنا على كثير من الأحاديث بالوضع والاختلاق.
قال العلاَّمة ابن الصلاح «وَهَكَذَا نَقُولُ: إِنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أَوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ فِي رَاوِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٢) والسيدة ميمونة استندت في فتواها إلى هذا الحديث الذي يثبت أَنَّ الصلاة في المسجدين أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، فيكون أداء النذر في الأفضل أولى، ولا سيما أَنَّ فيه راحة من مَشَقَّةِ السفر وهي امرأة.
قال الإمام العيني: «وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذَا الحَدِيثِ - حَدِيثُ (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ) - عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ المَسَاجِدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ (*)، وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقًا، وقال الشافعي في " الأم ": يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الآخرين وقال ابن المنذر: يجب
_________________
(١) انظر " عمدة القاري على البخاري ": ج ٧ ص ٢٥٢. طبعة [منير آغا الدمشقي].
(٢) " مقدمة ابن الصلاح ": ص ١٢١. طبعة حلب. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) مختصر البويطي في الفروع على مذهب الشافعي لأبي يعقوب يوسف بن يحيى المصري المعروف بالبويطي صاحب الإمام الشافعي توفي مسجونًا ببغداد سَنَةَ ٢٣١ هـ (ومن المعلوم أن الإمام الحبر العلامة الكبير قد صنف كتابه هذا بحضرة الإمام الشافعي- والبويطي من كبار تلامذة الإمام - كالمزني -. قام بحقيق هذا الكتاب الدكتور عز الدين المعيار وكذلك يقوم بتحقيقه فضيلة الشيخ علي بن محيي الدين القره داغي.
[ ٧٩ ]
إلى الحرمين وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر أن رجلا قال لِلْنَّبِيِّ - ﷺ -: «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس قال صل ههنا» (١) فمدار الفتوى في حديث جابر والسيدة ميمونة على أن من نذر الصلاة في مفضول أجزأه الصلاة في الأفضل ولا عكس» (٢). وها نحن أولاء نرى أن الشافعي - ﵀ - في " الأم " أوجب أداء النذر في المسجد الحرام دون المسجدين الآخرين المشرفين، مع أَنَّ الشافعي مِمَّنْ يرى صحة حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ»، وعلى منطق المؤلف في البحث كان يلزم أَنْ نقول استنادًا إلى رأي الشافعي في " الأم ": إنَّ فضيلة المسجدين: مسجد المدينة والأقصى غير ثابتة، وإِنَّ ذكرها في الحديث اختلاق، وهو منهج في البحث سقيم، لَمْ نَرَ له مثيلًا في القديم ولا في الحديث.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَالرَدُّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٣١] ذكر تحت عنوان «اليد اليهودية في تفضيل الشام» حديث " الصحيحين " المرفوع ولفظه: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قال: روى البخاري: «هُمْ بِالشَّامِ».
ونحن لا ننكر في أن بلاد الشام وغيرها من بلاد الإسلام قد وضعت فيها أحاديث كثيرة بداعي العصبية الوطنية، وقد سبق أئمة الحديث وصيارفته إلى بيان ذلك منذ مئات السنين، ولكن الذي ننكره على المؤلف الطعن في الأحاديث الصحيحة بالظن من غير تثبت، أو اعتمادا على تأويل مؤول للحديث.
وليس أدل على هذا من ذكره هذا الحديث واعتباره من صنع اليد اليهودية وأي فائدة تعود على اليهود من هذا وبلاد الشام ليست بلادهم وإنما هي بلاد العرب قبل أن تكون بلادا لهم؟ وهل يعقل من اليهود في سبيل التزلف إلى بني أمية أن يضعوا هذا الحديث الذي يدل على بقاء الإسلام وبقاء سلطانه، وبقاء هذه الطائفة الثابتة على الحق من الأُمَّة المحمدية إلى يوم القيامة؟ وكيف وهم يدعون أنهم شعب الله المختار - كذبا وزورا - وأنهم أحق الشعوب بالبقاء، لقد وصفهم المؤلف
_________________
(١) " عمدة القاري ": ج ٧ ص ٢٥٣.
(٢) " المُغني " و" الشرح الكبير ": ج ١١ ص ٣٥٢.
[ ٨٠ ]
بالدهاء والمكر، فكيف يضعون أحاديث تعلي بنيان أعدائهم وتقوض بيتهم من أساسه؟ الحق أن المؤلف يريد منا أن نلغي عقولنا.
وهذا الحديث رواه الشيخان في " صحيحيهما "، رواه البخاري في (كتاب الاعتصام) عن المغيرة بن شعبة عن النَّبِي - ﷺ - بلفظ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». والرواية التي أشار إليها المؤلف رواها " البخاري " في باب بعد علامات النبوة ببابين، عن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية يقول: سمعت النَّبِي - ﷺ - يقول: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
(قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ).
ورواه مسلم في " صحيحه " عن ثوبان وعن المغيرة بن شعبة وعن معاوية وعن جابر بن عبد الله، وليس في رواية مسلم عن معاوية» قال معاذ: «وَهُمْ بِالشَّامِ» ورواه غير البخاري ومسلم.
ومِمَّا ينبغي أن يتنبه إليه أن قول معاذ ليس من الحديث المرفوع كما يوهم صنيع المؤلف، وإنما هو تأويل لمعاذ في الحديث، أما المرفوع فليس فيه هذه الزيادة، قال البدر العيني في " شرحه على البخاري ": وحديث مالك هذا - يعني - هذا - يعني مازل بن يخامر عن معاذ - غير مرفوع» وقد فسر البخاري هذه الطائفة فقال بعد إيراد الترجمة للحديث: «وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ» وعن علي بن المديني أنه قال: هم أصحاب الحديث، وهكذا روي عن الإمام أحمد وقيل غير ذلك نرى أن الأئمة من لدن الصحابة اختلفوا في تعيين المراد من هذه الطائفة فتخريج الإمام البخاري لهذه الرواية عن معاذ في فهم الحديث لا ينهض دليلا للطعن في الحديث الصحيح واعتباره من دسائس اليهود.
وكذلك قول بعض العلماء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه " عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: «لاَ يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»: أن المراد بهم أهل الشام، لا ينهض للطعن في الحديث وذكر مع أحاديث نبه العلماء على وضعها في قرن واحد.
[ ٨١ ]
ومن عجيب أمر هذا المؤلف أنه يعتمد في نقل بعض الأحاديث التي توافق هواه على كتب الأدب كـ " نهاية الأرب "، وكتب التاريخ كـ " المعجب في تلخيص أخبار المغرب " على حين يطعن في أحاديث في " الصحيحين " بالوضع ما دامت على غير هواه. ولا أدري كيف غاب عنه أَنَّ كتب الأدب والتواريخ ونحوها تجمع الغث والسمين والمقبول والمردود، فكيف يعتمد عليها فيما ينقل؟ أَلاَ إِنَّ المعول عليه في السُنَّة هي كتب الحديث المعتمدة التي تبرز الأسانيد أو تعزو الأحاديث وتميز بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود.
زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أنَّ فِي الإِسْلاَمِ مَسِيحِيَّاتٌ وَطَعْنُهُ فِي تَمِيمِ الدَّارِي:
في ص [١٤٠] ذكر عنوان المسيحيات في الإسلام وقال: إذا كانت الإسرائيليات قد لوثت الدين الإسلامي بمفترياتها، فإنَّ المسيحيات كان لها كذلك نصيب مِمَّا أصاب هذا الدين، وأول من تولى كِبْرَ هذه المسيحيات هو تميم بن أوس الداري، ثم عرض لأحاديث زعم أنها من المسيحيات.
فمن ذلك ما ذكره في [١٤١] حيث قال: «مِمَّا بثه تميم الداري من مسيحياته ما ذكره النَّبِي - ﷺ - من قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك» إلخ ما قال.
حَدِيثُ الجَسَّاسَةِ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ:
أما حديث الجساسة فقد رواه الإمام مسلم في " صحيحه " (١) عن فاطمة بنت قيس وذلك «أَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّهُ "»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»، ثم ذكر لهم قصة تميم وخروجه مع جماعة من قومه راكبين سفينة فَضَلُّوا شهرًا في البحر حتى وصلوا إلى جزيرة في البحر فنزلوها فوجدوا دابة عظيمة فكلمتهم ثم دلتهم على شخص بمكان الجزيرة فذهبوا إليه فَحَدَّثَهُمْ
_________________
(١) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ١٦ ص ٧٨ - ٨٤.
[ ٨٢ ]
بحديث طويل وأنه المسيح الدجال.
وليس للمؤلف سلف في التشكيك في هذا الحديث إِلاَّ ما كان من المرحوم السيد محمد رشيد رضا الذي نقل المؤلف كلامه في كتابه، وكلام السيد رشيد ليس فيه التصريح بكذب القصة، ولا بتكذيب تميم، وكل ما فيه محاولة إثبات أَنَّ سكوت النَّبِي - ﷺ - لا يدل على صدق القصة وَأَنَّ مثل هذا لا يدخل تحت التقرير، وَأَنَّ تصديق الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أمر جائز على الأنبياء.
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إن حديث الجساسة رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ورجاله ثقات عُدُولٌ لا مطعن في واحد منهم، وقد رواه غير مسلم: الإمام أحمد وأبو يعلى وأبو داود وابن ماجه، ورواه غير فاطمة بنت قيس من الصحابة أبو هريرة وعائشة وجابر - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - فالحديث لم ينفرد به مسلم، ولا انفردت بروايته فاطمة بنت قيس.
وقد حَدَّثَ به النَّبِي - ﷺ - على المنبر في جمع من الصحابة واعتبره موافقًا لما كان يُحَدِّثُهُمْ به عن المسيح الدجال وغيره من أشراط الساعة الكبرى، فالقول بأنه لا يدخل تحت التقرير غير مسلم، وقد اعتبر الأئمة رواية النَّبِي - ﷺ - ذلك عنه من مناقبه، قال الحافظ الكبير ابن حجر في " الإصابة " (١) في ترجمة تميم - ﵁ -: «مشهور في الصحابة كان نصرانيًا وقدم المدينة فأسلم وذكر لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - قصة الجساسة والدجال فحدث النَّبِي - ﷺ - عنه بذلك وعد ذلك من مناقبه» ثم نقل عن أبي نعيم أنه قال: كان راهب أهل عصره وعابد فلسطين وكان كثير التهجد بالليل، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٢) ومن مناقبه ما ذكره في " الإصابة " اَيْضًا (٣) قال: أخرج البغوي من
_________________
(١) ج ١ ص ١٨٣.
(٢) [سورة الجاثية، الآية: ٢١].
(٣) ج ٣ ص ٤٩٧.
[ ٨٣ ]
طريق الجريري عن أبي العلاء معاوية بن حرمل قال: قدمت على عمر فقلت: يا أمير المؤمنين، تائب من قبل أن تقدر عليه، فقال: من أنت؟ فقلتُ معاوية بن حرمل ختن مسيلمة - أي صهره - قال: اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري فبينا نحن نتحدث إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: يا تميم اخرج، فقال: وما أنا؟ وما تخشى أَنْ يبلغ من أمري؟ فصغر نفسه، ثم قام فحاشها (١) حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره».
وعمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهو العبقري الملهم المُحَدِّثُ ما كان ليخفى عليه حال تميم ومنزلته من الصلاح والاستقامه والإخلاص وهو القائل: «لَسْتُ بِخِبٍّ وَالخِبُّ لاَ يَخْدَعُنِي» فكيف يجوز في العقول أَنْ يرمي مثل هذا بالكذب وَالدَسِّ والإفساد في الدين؟!.
[ب] ما زعمه السيد رشيد من أَنَّ هذا لا يدخل تحت التقرير ممنوع قال الحافظ في " الفتح " (٢): «وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِير النَّبِيّ ﷺ لِمَا يُفْعَل بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَال وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَار دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ، لأَنَّ الْعِصْمَة تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِل فِي حَقّ غَيْره مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِنْكَار فَلاَ يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ» وما زعمه اَيْضًا من أَنَّ هذا ليس من أمور الدين التي يعصم الأنبياء عن تصديق الكاذب فيها أشد منه منعًا، ولا أدري أنا ولا غيري كيف لا يُعتبر الإخبار بأشراط الساعة من أمور الدين؟ ولو كان ما حدث به تميم كذبًا لما سكت الوحي عن بيان الحق فيما أخبر به كما حدث في كثير من الأحيان حينما كان المنافقون وأضرابهم يقولون خلاف ما يبطنون فينزل الوحي فاضحًا لهم وَمُبَيِّنًا كذبهم.
أَحَادِيثُ الدَجَّالِ وَنُزُولُ المَسِيحِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ صَحِيحَةٌ:
على أن النَّبِيَّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - قد أخبر في غير ما حديث بالدجال ونزول المسيح عيسى ابن مريم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في آخر الزمان حُكْمًا عدلا بشريعة نبينا محمد - ﷺ - فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وعلى يديه يكون قتل الدجال،
_________________
(١) في " القاموس ": «حاشَ الصَّيْدَ: جاءهُ من حَوالَيْهِ لِيَصْرِفَهُ إلى الحِبالَةِ، كأحاشَهُ وأحْوَشَهُ. و[حَاشَ] الإِبِلَ: جَمَعَها، وساقَهَا».
(٢) ١٣/ ٢٧٥.
[ ٨٤ ]
وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في " الصحيحين " (١) وغيرهما من كتب السنن المعتمدة، فإخبار النَّبِي بهذه الأشراط لم يكن متوقفا على إخبار تميم - ﵁ - وإنما انتهز النَّبِي فرصة تحديث تميم لما حدث به ليبين لهم أَنَّ ما حدثهم به حق وواقع لا شك فيه، ثم رأى المؤلف وأضرابه في قول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وهذه الدابة عند كثير من المفسرين هي الجساسة التي ورد ذكرها في حديث " مسلم "، أليست الآية فيها تصديق لهذا الحديث؟ ولا سيما والآية لا تنفي وجودها قبل يوم القيامة، إذ المعلق على وقوع القول الخروج لا الوجود بل التعبير القرآني يشعر بوجودها قبل هذا.
[ج] مَا تَهَكَّمَ به المؤلف من تعليقه في الهامش على قصة تميم حيث قال: «لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها (سيدنا تميم) - ﵁ -.
إنما يدل على ضيق العطن وقصور التفكير، وهل علماء الجغرافيا يا (سيدنا المؤلف) اكتشفوا كل بقعة في الأرض؟ إِنَّ كثيرًا من أقطار البر والبحر لا تزال بِكْرًا إلى الآن لم تطرقها قدم مستكشف، بل في القارات المعروفة أماكن ما زالت مجهولة إلى اليوم، وأظن أنه لا يعزب عنك مجاهيل أفريقيا وغير أفريقيا، بل في بعض الجهات المرتادة مغارات وكهوف لا تزال غير معروفة، فإذا كان هذا في البر فما بالك بالبحر؟ وثلاثة أرباع هذه الأرض التي يسكنها النوع الإنساني بحار وعلى تسليم أنها كانت في جزيرة من الجزر المعروفة للناس اليوم، فهل يلزم من اطلاع الله سبحانه تميما وصحبه على الدابة والدجال اطلاع غيرهم عليها؟ ألا يجوز بعد ما رآها تميم وصحبه أَنْ تكون اختفت عن الأنظار وذهبت إلى حيث علم الله سبحانه؟
ثم ما موضع العجب ألأن دابة تتكلم؟ وأي غرابة وهذه الببغاء تحكي ما يقوله الإنسان؟ وإذا كان العقل البشري توصل إلى استنطاق الجماد فكيف نستبعد على قدرة الله - عَزَّ شَأْنُهُ - إنطاق الحيوان؟
_________________
(١) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ١٦ ص ٥٨ - ٧٨. " فتح الباري بشرح صحيح البخاري ": ج ١٣ ص ٧٦ - ٩٠.
(٢) [سورة النمل، الآية: ٨٢].
[ ٨٥ ]
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ " الصَّحِيحَيْنِ " وَالرَدُّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٤٤] قال: ومن المسيحيات في الحديث ما رواه " البخاري " عن أبي هريرة: أن النَّبِي - ﷺ - قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». وفي رواية سمعت رسول الله يقول: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ». ثم قال في الحاشية: وحديث طعن الشيطان الذي رواه البخاري قال ابن حجر في " شرحه ": «وقد طعن صاحب " الكشاف " في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته، وكذلك طعن فيه الرازي وقال: إِنَّ الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل ».
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إِنَّ هذا الحديث صحيح رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث، وما دَلَّ عليه هو استجابة لدعاء أم السيدة مريم حيث قالت كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ولا أدري أي ضير في أَنْ يصدع النَّبِي الذي لا ينطق عن الهوى بخصيصة من الخصائص، أو إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ هذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على غاية السمو المحمدي وعلى الأمانة الفائقة في التبليغ وعلى أَنَّ الإسلام دين إلهي وليس من عند بشر، إذ لو كان من عند بشر لما حرص على أَنْ يظهر الأنبياء بهذا المظهر الكريم وبهذه المنازل العالية، وليس في إسناد خصوصية لعيسى أو لغيره ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء ولا ما يثبت تفضيله عليهم، إذ من المسلم أنه قد يكون في المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل ولا يؤثر هذا في أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية، هذا إلى أَنَّ المتكلم غير داخل في عموم كلامه كما قال جمع من العلماء، فيكون نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - مِمَّنْ لم يمسه الشيطان اَيْضًا كما رُوِيَ ذلك في حديث، وَأَيًّا ما كان الأمر فليس في الحديث ما يدل على أفضلية عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - على نبينا - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أما كون بعض القسس المسيحيين «اتكأوا على هذا الحديث في إثبات عقيدة من عقائدهم الزائفة» كما قال المؤلف، فلا يعود على الحديث بالبطلان أو الرَدِّ
_________________
(١) [سورة آل عمران، الآية: ٣٦].
[ ٨٦ ]
كما زعم، والتبعة إنما هي على من حرف الحديث عن مواضعه وحمله على غير محامله الصحيحة.
ب) هذا الحديث صحيح رواية ودراية وليس في معناه ما يدعو إلى رده عند المحققين لأنه لا يخالف عقلًا ولا نقلًا، وكل ما هنالك أَنَّ بعض الناس تخيل ذلك فَرَدَّ الحديث أو توقف فيه، فمن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلي والزمخشري، وَإِنْ كان الثاني تردد في صحة الحديث وقال: إِنْ صح فالمراد، أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إِلاَّ مريم وابنها فإنهما كانا معصومين وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١). واستهلاله صَارِخًا من مَسِّهِ تخيل وتصوير لطمعه فيه كأنه يَمَسُّهُ ويضرب بيده عليه، وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سَلَّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صُرَاخًا وعياطا» فها أنت ذا ترى أَنَّ الزمخشري لم يقطع بعدم صحة الحديث، والأكثرون من العلماء على أَنَّ الحديث على ظاهره وَأَنَّ المس حقيقة وَأَنَّ الشيطان حاول ذلك مع مريم وابنها فلم يمكن منه استجابة لدعاء أمها لها، إذ لا يلزم من وقوع المس وقوع الإغواء، وذلك بالنسبة إلى الأنبياء ومن على شاكلتهم من المخلصين الأصفياء وعلى هذا فلا يكون الحديث كما تَوَهَّمَ مُخَالِفًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).
ولا يلزم أَنْ تمتلئ الدنيا صُرَاخًا وعياطا كما تَوَهَّمَ الزمخشري، لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب، وأما بعدها فلا، ولو حكمنا المشاهدة فما من مولود إِلاَّ ويستهل صَارِخَا أَوْ بَاكِيًا، وإنكار ذلك مكابرة.
الزّمَخْشَرِيُّ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى كَلاَمِهِ فِي الطَّعْنِ فِي الأَحَادِيثِ:
ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الزمخشري - مع كونه إمامًا في التفسير - لا يرجع إليه في معرفة الصحيح من غيره، إذ هو ليس من رجال الحديث العارفين لِعِلَلِهِ، المُبْصِرِينَ برجاله، وكم ذكر في " كَشَّافِهِ " من موضوعات في قصص الأنبياء وغير القصص.
ولو أَنَّ المؤلف كان أمينًا في البحث لما عرض الأمر من جهة واحدة، وكان عليه أَنْ يعرض لرأي المُصَحِّحِينَ للحديث ووجهة نظرهم ويناقشهم وهو بعد ذلك
_________________
(١) [سورة ص، الآيتان: ٨٢، ٨٣].
(٢) [سورة الحجر، الآية: ٤٢]، [سورة الإسراء، الآية: ٦٥].
(٣) [سورة الحجر، الآية: ٤٠]، [سورة ص، الآية: ٨٣].
[ ٨٧ ]
حُرٌّ في أَنْ يختار ما يشاء، ولكن مسلك المؤلف مسلك المتحيز غير المُنْصِف الذي ينظر إلى الشيء بعين واحدة فمن ثم كثرت هفواته وسقطاته.
وإليك ما قاله العلماء المُحَقِّقُونَ:
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١) بعد أَنْ ذكر اعتراض الزمخشري وَبَيَّنَ أنه غير مُسَلَّمٍ: «وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الحَدِيثِ لاَ إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلاَ مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الخَبَر أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَاد اللَّه المُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ المَسِّ أَصْلًا، وَاسْتَثْنَى مِنْ المُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الاخْتِصَاصِ، وَلاَ يَلْزَم مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ المُخْلَصِينَ» الخ ما قال (٢).
وقال القرطبي في " تفسيره " (٣): «قال قتادة: " كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ منها شيء "، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ولا يلزم من هذا أَنَّ نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مِمَّا يرومه الشيطان كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤).
وقال الفخر الرازي (٥) بعد ذكر كلام القاضي عبد الجبار وَرَدِّهِ للحديث: «واعلم أَنَّ هذه الوجوه محتملة وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم»، ثم قال: «والعجب من بعض أهل السُنَّة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل إلى ترهات الفلاسفة، مع أَنَّ إبقاءها على ظاهرها لا يروق لهم شربا ولا يضيق عليهم سربا» فهل من الأمانة في النقل أَنْ يفتري على الإمام الرازي وَيُقَوِّلُهُ ما لم يقل وينسب إليه ما ليس من كلامه؟ وهل يتفق ما نقلته عن
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ٨ ص ١٧٠.
(٢) مِمَّا يزيدك يقينًا على أنَّ المؤلف يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء أنه اقتصر من كلام الحافظ على ذكر طعن الزمخشري وكلام الرازي، ولم يذكر توجه الحافظ لمعنى الحديث، وهو الذي نقلته لك هنا، وذلك لحاجة في نفسه لا تخفى عليك.
(٣) ج ٤ ص ٦٨.
(٤) [سورة الحجر، الآية: ٤٢]، [سورة الإسراء، الآية: ٦٥].
(٥) " تفسير الرازي ": ج ٢ ص ٦٥٨، طبعة بولاق.
[ ٨٨ ]
الرازي بنصه هو وما زعمه من أن الرازي طعن في الحديث والحق أَنَّ الرازي نقل كلام القاضي عبد الجبار في الطعن في الحديث ورده كما سمعت، ولكن المؤلف كثيرا ما يخطف الأمور بسرعة فمن ثم يقع في الغلط وكثيرًا ما يتعمد بتر النصوص لحاجة في نفسه، وقال الإمام الألوسي في " تفسيره " بعد أَنْ عرض لرأي الرازي بنصه هو وما زعمه من أن الرازي طعن في الحديث والحق أَنَّ الرازي نقل كلام القاضي عبد الجبار في الطعن في الحديث ورده كما سمعت، ولكن المؤلف كثيرا ما يخطف الأمور بسرعة فمن ثم يقع في الغلط وكثيرًا ما يتعمد بتر النصوص لحاجة في نفسه، وقال الإمام الألوسي في " تفسيره " بعد أَنْ عرض لرأي الزمخشري: «ولا يخفى أَنَّ الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مُدَوَّنٌ في الصحاح والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فليتلق بالقبول، ثم شرع يُفَنِّدُ ما ذهب إليه الزمخشري ومن قبله القاضي عبد الجبار.
تَكْذِيبُهُ لأَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِي - ﷺ -:
في [ص ١٤٦] شَكَّكَ في أحاديث شق الصدر، واستعمل في ذلك أسلوبًا ساخرًا تَهَكُّمِيًا، وقارن بين عملية شق الصدر لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - وعملية الصلب للمسيح عند المسيحيين - وشتان ما بينهما - بل نَصَّبَ من نفسه مدافعا عن عقيدة الصلب الخ ما شاء له هواه أَنْ يقول، وهو في هذا لا يخلو من أحد أمرين:
[١] إما أَنْ يكون منافقًا كشف لنا عن حقيقة إيمانه ودخيلة نفسه وخبث طويته.
[٢] وإما أَنْ يكون مُدَاهنًا مُتَمَلِّقًا يتملق جمهور المسيحيِّين ولا سيما سادته المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ وكلا الأمرين ضلال وشر.
أَحَادِيثُ شَقِّ الصَّدْرِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ:
وقصة شق الصدر ثابتة بالأحاديث الصحيحة، وقد وقع ذلك مرة في صغره وهو عند مرضعته السيدة حليمة السعدية، وَمَرَّةً أخرى عند الإسراء والمعراج وهي ثابتة في " الصحيحين "، بل قيل بحصول الشق في غير هاتين المرتين وتكرره إنما كان لتجديد استعداده - ﷺ - لما يلقى إليه من الوحي الفينة بعد الفينة، قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١): «وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ بَعْضهمْ وُقُوع شَقّ الصَّدْر لَيْلَة الإِسْرَاء وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ صَغِير فِي بَنِي سَعْد، وَلاَ إِنْكَار فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات بِهِ. وَثَبَتَ شَقّ الصَّدْر اَيْضًا عِنْد الْبَعْثَة كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الدَّلائِل " وَلِكُلٍّ
_________________
(١) ج ٧ ص ١٦١.
[ ٨٩ ]
مِنْهَا حِكْمَةٌ، فَالأَوَّل وَقَعَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة كَمَا عِنْد " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيث أَنَس " فَأَخْرَجَ عَلْقَمَة فَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك " وَكَانَ هَذَا فِي زَمَن الطُّفُولِيَّة فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ الْعِصْمَة مِنْ الشَّيْطَان، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد الْبَعْث زِيَادَة فِي إِكْرَامه لِيَتَلَقَّى مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِقَلْبٍ قَوِيّ فِي أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ التَّطْهِير، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد إِرَادَة الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء لِيَتَأَهَّب لِلْمُنَاجَاةِ».
ولا أدري ما وجه المقارنة بين الشق والصلب؟ فالشق أمر حق وممكن وثابت بالأسانيد الصحيحة، والصلب أمر باطل وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه " القرآن " الصادق نفيًا بَاتًّا، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). ولئن جاز استبعاد شق الصدر في العصور السابقة لا يجوز أَنْ يستبعد في عصورنا هذه التي تقدم فيها الطب تقدما عجيبا، حتى أصبحت العمليات تجري في القلب وفي المخ وغيرهما من الأعضاء التي هي بسبب وثيق من حياة الإنسان.
وهذا مِمَّا يقرب إلى النفوس التي دأبت على الجحود هذه المعجزة النبوية التي جرت بغير جراحة وبغير مبضع.
وبعد كل هذا التهجم والطعن بغير حق أحالنا في الاستزادة من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المُسْتَشْرِقِينَ أمثال جولدتسيهر وفُونْ كْرِيمِرْ وغيرهما، وبهذا استعان - المؤلف وكشف لنا عن حقيقة نفسه، وفي الحق أنه ما أوقعه في كل هذا الزلل وتلك العثرات المتلاحقة إِلاَّ متابعته لأساتذته من المُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين اتخذهم له أئمة.
وغاب عليه ما يضمره هؤلاء اليهود المعاصرين السَبَئِيُّونَ من حقد وضغينة على الإسلام والمسلمين، ولم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى أغراضهم السيئة إِلاَّ النيل من السُنَّة ومحاولة التشكيك فيها وإطفاء هذا القبس الإلهي، ويأبى الله إِلاَّ أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.
أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
وقد عرض «أَبُو رَيَّةَ» في كتابه لترجمة الصحابي الجليل أبي هريرة - رَضِيَ
_________________
(١) [سورة النساء، الآيتان: ١٥٧، ١٥٨].
[ ٩٠ ]
اللهُ عَنْهُ - فيما يربو على خمسين صفحة، ولم يدع منقصة ولا مذمة إِلاَّ ألصقها به، وعلى أَنَّ الفصل معقود لأبي هريرة، فقد نال من غيره من الصحابة كما نال منه، وَجَرَّحَهُمْ كما جَرَّحَهُ، وَتَهَكَّمَ بجمهور أهل العلم الذين قالوا إِنَّ الصحابة كلهم عدول، وقولهم ما لا يقولون
لذلك كان لِزَامًا عَلَيَّ أَنْ أكتب بين يدي الرُدُودَ كلمة عن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - لأضع الحق في نصابه في هذا الموضوع.
مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي الإِسْلاَمِ:
الصحابي في عُرْفِ العلماء وأئمة الحديث هو من لقي النَّبِي - ﷺ - مؤمنا به ومات على ذلك، فمن ارتد ومات على ردته بطلت صحبته، ومن تاب وعاد إلى الإسلام عادت إليه الصحبة على الأصح، وكذلك من أظهر الإسلام وأبطن الكفر من أهل النفاق بمعزل عن شرف الصُحْبَةِ، وقد تَكَفَّلَ الله ورسوله بالكشف عن نفاق هؤلاء، والجمهور من العلماء على أَنَّ الصُحْبَةَ لا يشترط فيها طول الوقت، ولا الجهاد والإنفاق في سبيل الإسلام، وبعض العلماء اشترط في الصحبة طول الملازمة والمعاشرة، وَأَنْ يكون غزا مع النَّبِي غزوة أو غزوتين، ومع أَنَّ الجمهور من العلماء على عدم اشتراط طول الصحبة أو الغزو أو الإنفاق إِلاَّ أنهم يرون أَنَّ من طالت صحبته بِالنَّبِيِّ أو سمع منه أو غزا معه أو بذل نفسه وماله في سبيل نصرته أحق بالفضل وأولى بالتقديم مِمَّنْ ليس كذلك، قال الحافظ ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «لاَ خَفاءَ برُجْحانِ رُتبةِ مَن لازَمَه - ﷺ -، وقاتَلَ معَهُ، أَوْ قُتِلَ تَحْتَ رَايتِهِ، عَلَى مَنْ لَمْ يُلازمْهُ، أَوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ مَشْهَدًا، وَعَلَى مَنْ كلَّمَهُ يَسيرًا، أَوْ مَاشَاهُ قَليلًا، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أَوْ فِي حَالِ الطُّفولةِ، وَإِنْ كَانَ شرفُ الصُّحْبةِ حَاصِلًا للجَميعِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ سَمَاعٌ منهُ؛ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوايةُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَعْدُودُونَ فِي الصَّحَابَةِ، لِمَا نَالُوهُ مِن شرفِ [الرُّؤيةِ]» (١).
ويشير إلى هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ
_________________
(١) " شرح النخبة ": ص ٣٧.
[ ٩١ ]
اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١).
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
والصحابة كلهم عدول عند جمهور العلماء من المُحَدِّثِينَ والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله - ﷺ - لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم إِلاَّ شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء، لا يعتد بأقوالهم وآرائهم لعدم استنادها إلى برهان ولا يتسع المقام الآن لذكر آرائهم ومناقشتها، وبحسبنا هذا الإجمال والإيجاز في هذا المقام.
وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله سبحانه لهم وإخباره عن طهارتهم وأنهم خير الأمم وأوسطها وأزكاها وأتقاها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) الآية، والوسط هم الخيار العدول، إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣) وليس من شك في أَنَّ الخطاب في الآيتين يدخل فيه الصحابة دخولًا أوليًا، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤) وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٥) الآية، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسمو أخلاقهم، وأي تزكية بعد تزكية الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض
_________________
(١) [سورة الحديد، الآية: ١٠].
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٤٣].
(٣) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].
(٤) [سورة التوبة، الآية: ١٠٠].
(٥) [سورة الفتح، الآية: ١٨].
(٦) [سورة الفتح، الآية: ٢٩].
[ ٩٢ ]
ولا في السماء؟ ومن أصدق من الله قِيلًا؟ وأيضا فقد نَوَّهَ بعدالتهم نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ودعا إلى معرفة حقوقهم وإكرامهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال، ففي " الصحيحين " مرفوعًا: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ». وقد تواتر عن النَّبِي - ﷺ - في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السُنَّة المعتمدة أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، الحديث. وروى الترمذي وابن حبان في " صحيحه " أن النَّبِي - ﷺ - قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
وروى البزار في " مسنده " بسند رجاله موثقون أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الثَّقَلَيْنِ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ». والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات، وقد كان كبار الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي، وَإِنْ لم يكن له من الصحبة إِلاَّ الرؤية وقد روي أنه جيء للفاروق عمر - ﵁ - برجل بدوي هجا الأنصار فقال لهم: «لولا أن له صحبة من رسول الله - ﷺ - ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه ولكن له صحبة منه» فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته، فضلًا عن معاقبته لكونه علم أنه حظى بشرف الصُحْبَةِ.
على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مِمَّا ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة وترك الأهل والمال والولد والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله - القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم. وقد عرف أئمة الإسلام كل هذا للصحابة، روى الحافظ أحمد البيهقي أَنَّ الإمام الشافعي - وهو من هو دينًا وعقلًا وعلمًا وألمعية - ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر (استدرك) به علم
[ ٩٣ ]
واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا» (١) وقال الإمام أبو زرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ - يُرِيدُ الزَّنَادِقَةَ وَأَشْبَاهَهُمْ - يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ» وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان أبي زرعة - ﵀ -، ولا يدخلن الشك إلى نفسك ما رُوِيَ من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدًا ثانيًا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر، فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو أمر لزيادة اليقين والتثبت، وقد وضع الخليفتان الراشدان بهذا التحوط البالغ والتثبت المحمود المنهج السليم في التثبت في الرواية، وليس أَدَلَّ على هذا من قول عمر - ﵁ - لأبي موسى الأشعري وقد طلب منه أَنْ يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه له عن رسول الله. قال الفاروق: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». فهل بعد هذا القول الصريح يتهم الصحابة متهجم ويتظنن ظان؟!.
الصَّحَابِيُّ المَظْلُومُ:
لم أجد أَحَدًا من الصحابة فيما أعلم تعرض لسهام النقد الظالم بمثل ما تعرض له الصحابي الجليل أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهذه الحملة الجائرة تضرب في القدم إلى آماد بعيدة، فقد نقل لنا العلامة ابن قُتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (٢) الكثير مِمَّا رمى به أبو هريرة في القديم من النظام وأمثاله من أهل البدع والأهواء، ولم نر أحدًا يعتد به من أئمة العلم في الإسلام تعرض لأبي هريرة بما يغض من شأنه أو يحط من قدره، ثم جاء بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ فوقعوا على أقوال هؤلاء المتحاملين فأخذوا وزادوا وأعادوا فيها، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة، ولعل من نافلة القول أَنْ أنبه إلى الأغراض السيئة التي يقصدها المُسْتَشْرِقُونَ من وراء حملاتهم، التي هي امتداد للحملات الصليبية، والتي يقصدون منها تقويض
_________________
(١) " مقدمة ابن الصلاح ": ص ٢٦٣.
(٢) الحق أنَّ الإمام ابن قتيبة ذكر في كتابه ما تهجَّم به النَظَّامُ وأمثاله على المُحَدِّثِينَ بعامَّة وأبي هريرة بخاصة، ثم دافع عن الحديث وأهله دفاع رجل عاقل عالم متثبت نرجو أنْ يكافئه الله عليه.
[ ٩٤ ]
دعائم الإسلام والعروبة، وإضعاف الروح الدينية في المسلمين، كي يتم لدولهم ما تريد من الاستعمار والاستئثار بخيرات البلاد واستذلال رقاب العباد، وَهُمْ - يشهد الله - يريدون من الطعن في الصحابة حِينًا وفى السُنَّة حِينًا آخر تشكيك المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السُنَّة وتقليل الثقة بها، وإذا تشكَّك المسلمون في السُنَّة وقلَّلوا الثقة بها استعجم عليهم فهم القرآن ومعرفة حقيقة المراد منه، إذ السُنَّة شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ، وإذا استعجم على المسلمين القرآن فَقُلْ على الإسلام والعروبة العفاء، وقد نجح المُسْتَشْرِقُونَ إلى حد ما في التأثير في بعض الكُتَّابِ المسلمين في عصرنا الأخير فاقتفوا آثارهم فيما زعموا وَرَدَّدُوا من دعاوى لم تقم عليها بيِّنات، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم، وكل هؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم باسم البحث والمعرفة وَحُرِيَّةَ النقد، والله يعلم والراسخون في العلم يعلمون أَنَّ ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح، والبحث القويم والنقد النزيه، وقد جاء مؤلف كتاب " أضواء على السُنَّة " فردَّد ما قالوه، بل زاد الطين بلَّة فعقد في كتابه فصلًا طويلًا تحت عنوان «أبو هريرة» حشاه بكل جارحة من القول، وتهجم فيه على أبي هريرة وغيره من الصحابة ورماهم بالكذب والاختلاق، وقد رَدَّدَ في هذا مقالة «النظام» التي نقلها عنه ابن قتيبة في كتابه وتبعه حذو القذة بالقذة، ولا تكاد تطلع على صفحة من هذا الفصل إِلاَّ وتجد فيها من الأخطاء العلمية ما نربأ بأي باحث عنها، ولذا يظهر لي أَنَّ المؤلف دخل إلى هذا البحث وهو متشبع بفكرة خاصة مِمَّا نأى به عن البحث الصحيح، وقواعد البحث العلمي النزيه تقتضي من الباحث إذا ما شرع في بحث أَنْ يجمع مادته ونصوصه، ثم يُجَرِّدُ نفسه من كل هوى أو رأي، ثم يبحث ويمحص ويدقق ويوازن بين النصوص كي يأتي حكمه أقرب إلى الحق والصواب، أما أَنْ يدع ما يشاء على حسب هواه، فهذا ما لا تقره قواعد البحث الصحيح والنقد النزيه.
عَدَمُ رِعَايَةِ أَبِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ:
والمؤلف في سبيل الوصول إلى ما يريد يقتضب بعض النقول ويقتصر على بعضها، على طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (١) ويدع ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) ويترك بعض الروايات القوية التي لا تطاوعه إلى ما قصد، ويستشهد بالروايات الضعيفة ما دامت تُسْعِفُهُ.
_________________
(١) و(٢) [سورة النساء، الآية: ٤٣].
[ ٩٥ ]
وإليك بعض المثل أجتزئ بها عن كثير مِمَّا وقع فيه كي لا يظن ظان أني أتجنى أو أتنكب طريق الإنصاف:
ففي ص [١٦٨] قال في معرض الاستدلال على اتِّهامه أبا هريرة بالكذب ما نصه: «ولما سمع الزبير أحاديثه قال: «صدق، كذب» وإيراد النص بهذا الوضع يوهم اتِّهام الزبير لأبي هريرة بالكذب، وإليك النص بتمامه كي تؤمن معي بما أقول، قال صاحب " البداية والنهاية " (١): «وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قال: قَالَ لِي أَبِي [الزُّبَيْرُ]: " أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ - " قَالَ: فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: صَدَقَ، كَذَبَ " قُلْتُ: " يَا أَبَتِ مَا قَوْلُكَ صَدَقَ، كَذَبَ؟ " قَالَ: أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلاَ أَشُكُّ، وَلَكِنْ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ "». فهل ترى في هذا النص بتمامه ما يشهد لما ذهب إليه؟
ومن أمثلة أخذه ببعض الروايات لأنه يشهد له، وترك البعض الآخر وَإِنْ كان أقوى لأنه لا يشهد له، ما ذكره في [ص ١٩٢] من أَنَّ عمر - ﵁ - استعمل أبا هريرة عاملًا على البحرين، ثم بلغه أشياء تخل بأمانته فعزله وَوَلَّى مكانه غيره، وَأَنَّ عمر أهانه وكلمه بكلام شديد.
وكنا نحب من المؤلف أَنْ يُبَيِّنَ لنا مرجعه لنرى إذا كان من المراجع الموثوق بها أم لا، وإليك القصة كما جاءت في " الإصابة " (٢) وهي أوثق كتاب في تاريخ الصحابة، قال الحافظ في " الإصابة ": «وقال عبد الرازق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين: أَنَّ عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر: " اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ فَمِنْ أَيْنَ لَكَ؟ " قال: " خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ، وَخَرَاجُ رَقِيقٍ لِي "، فَنَظَرَ فَوَجَدَهَا كَمَا قَالَ، ثُمَّ دَعَاهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ فَأَبَى، فقال: " لَقَدْ طَلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكَ "، قال: " إِنَّهُ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى ثَلاَثًا: أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي، وَيُنْزَعَ مَالِي "»
_________________
(١) ج ٨ ص ١٠٩.
(٢) ج ٤ ص ٢١٠ ٠
[ ٩٦ ]
وقد روى هذه القصة اَيْضًا الحافظ ابن كثير في " بدايته " (١) ثم قال عقبها: وذكر غيره أَنَّ عمر غَرَّمَهُ في العمالة الأولى اثنى عشر ألفًا، فلهذا امتنع في الثانية.
فها أنت ذا ترى أَنَّ رواية عبد الرازق ليس فيها اتهام لأبي هريرة بل فيها تبرئة لساحته، ثم هي قد اتفق عليها إمامان لهما في النقد باع طويل، ولعل في أسلوب ابن كثير وإشاراته إلى الرواية الأخرى ما يشعر بعدم ارتضائه، لها وأيضا فعبد الرازق إمام جليل وأحرى بروايته أَنْ ترجح، ثم هل ترى لو أَنَّ عمر - ﵁ - وجده مُتَّهَمًا - كما زعم المؤلف - أكان يعرض عليه الإمارة مَرَّةً ثانية وسيرة الفاروق وتشدده مع الولاة معروفة؟ وهكذا يَتَبَيَّن لنا أَنَّ رواية عبد الرازق هي التي يجب أَنْ يُعَوَّلَ عليها، ولعلك بعد ما سمعت آمنت معي أَنَّ المؤلف يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء بالهوى والتشهي لا بالحُجَّة والبرهان، وأنه ما عدل عن رواية عبد الرازق إلى الأخرى إِلاَّ لحاجة في نفسه!
ومن ذلك اَيْضًا ما ذكره في ص [١٦٣] «من أَنَّ عمر - ﵁ - قال لأبي هريرة: " أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله "، وأوعده إِنْ لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده، وأنه قال له: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ " » ولم أجد رمي عمر له بالكذب في أي كتاب من الكتب الموثوق بها، اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف وقع عليه في كتاب من كتب الأدب أو نحوها أو أتى به من بنات خياله، وليس في توعده له بإلحاقه بأرض دوس ما يشم منه رائحة الاتهام بالكذب وإنما هو التحوط وزيادة التثبت، والإكثار مظنة الغلط أو السهو، ومذهب الفاروق في التثبت في الرواية معروف.
اِعْتِمَادُهُ فِي الأَحَادِيثِ عَلَى كُتُبِ الأَدَبِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا:
ومن عجيب شأن مؤلف كتاب " أضواء على السنة " أنه على ما زعم من أنه طوف في عشرات من كتب الحديث كيف خفى عليه ما قرره الأئمة المُحَدِّثُونَ من أَنَّ المرويات لا يعتمد في الوثوق بها وقبولها على كتب الأدب والتواريخ؟ إذ فيها زيف كثير وغث غير قليل، وَأَنَّ الحديث لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ من كتب الأئمة الثقات،
_________________
(١) ج ٨ ص ١١٣.
[ ٩٧ ]
الذين يرجع إليهم في معرفة الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود، ومن قواعدهم التي وضعوها: من روى حديثًا فعليه أَنْ يبرز سنده أو ينسبه إلى من خَرَّجَهُ، وإلا فليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله - ﷺ - إِلاَّ بصيغة التضعيف كَقِيلَ وَرُوِىَ وَيُذْكَرُ ونحوها، وليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله بصيغة الجزم إِلاَّ إذا تحقق من صحته أو حسنه، وقد اعتمد المؤلف في كثير مِمَّا نقل على كتاب " الشعر والشعراء " وكتاب " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " و" مقامات بديع الزمان الهمذاني " و" المثل السائر " و" شرح نهج البلاغة " و" حياة الحيوان " للدميري و" نهاية الأرب " ونحوها، ولست بهذا أقصد [الإزدراء] بهذه الكتب ولا بأصحابها، ولكني أحب أَنْ أقول: إِنَّ كثيرين من العلماء يكونون ثقات في فنونهم، ولكنهم لا يُعْتَمَدُ عليهم في رواية الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه، لأنهم ليسوا من رجاله وصيارفته، وإذا كان ابن اسحق - وهو إمام أهل المغازي - قد ضعفوه في رواية الحديث، على ما بين التأليف في الحديث والسير في القديم من سبب وثيق، فما بالك بغيره من أهل الأدب واللغة والمباحث العامة!
وإني لأهتبل هذه الفرصة لأُبَيِّنَ للباحثين وَأُنَبِّهَ المسلمين إلى أنَّ كتب الأدب والتواريخ والأخلاق والمواعظ ونحوها مشتملة على الكثير من الإسرائيليات والأحاديث المكذوبة التي هي دخيلة على الإسلام، وقد بَيَّنْتُ هذا في كتابي " الوضع في الحديث ورد شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ والكتاب المعاصرين ".
مُخَالَفَةُ أَبِي رَيَّةَ لِبَدَائِهِ العُقُولِ:
ومن أجل أَنَّ المؤلف اعتمد على كتب الأدب ونحوها في النقل، ولا سيما في موضوع دقيق يتعلق بتاريخ صحابي جليل، وهو أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأنه أخذ في البحث وهو متشبع بهوى خاص، فقد وقع في أخطاء نربأ بطالب مبتدئ أَنْ يقع فيها.
فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٦] من التهكم بأبي هريرة وتسميته بشيخ المضيرة، قال نقلا عن كتاب " ثمار القلوب " للثعالبي: «وكان يعجبه المضيرة جِدًّا فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صَلَّى خلف عَلِيٍّ - ﵁ -، فإذا قيل له في ذلك قال: " مُضَيْرَةُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ وَأَطْيَبُ، وَالصَّلاَةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ "
[ ٩٨ ]
، وكان يقال له شيخ المضيرة» (١).
وكيف يصح هذا في العقول وعَلِيٌّ كان بالعراق ومعاوية كان بالشام وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أَنْ تولى إمارة البحرين في عهد عمر - ﵁ - لم يفارق الحجاز، قال الإمام ابن عبد البر: «اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ» (٢).
اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف يرى أَنَّ أبا هريرة أُعْطِيَ بساط سليمان أو كانت تُطْوَى له الأرض طَيًّا!!!.
وفي [ص ١٥٧] ينقل عن أحد المؤلفين في سيرة سيدنا أبي هريرة - بعد أَنْ أضفى عليه من الألقاب الفضفاضة ما أضفى - قوله: يظهر من هذه الحكاية وغيرها أنه مِمَّنْ حضر وقعة صفين وأنه كان يصانع الفئتين ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحد أَنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي في جماعة عَلِيٍّ، ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: «عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ أَدْسَمُ، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ».
وهل يؤخذ العلم من الحكايات ولا سيما في موضوع فيه اتهام وتجريح كهذا؟!! ولمن؟ لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ثم من قال: إِنَّ أبا هريرة حضر موقعة صفين؟ الأجل أن تصحح أيها المؤلف المتجني وصاحبك الذي زعمت أنه محقق و و حكاية باطلة تركبان هذا المركب الصعب وتتمحلان هذا التمحل الشديد؟ ثم من «غير واحد» الذي حدث؟ ثم هل يصح في العقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره؟؟.
أدركونا يا أصحاب العقول، وصدق القائل:
_________________
(١) المُضَيْرَةُ: مريقة تطبخ باللبن المضير، أي الحامض. وربما خلط بالحليب، وكان من أطايب الأطعمة يومئذٍ.
(٢) " الاستيعاب ": ج ٤ ص ٢٠٩ هامش " الإصابة ".
[ ٩٩ ]
هَذَا كَلامٌ لَهُ خبيءٌ * * * مَعْنَاهُ لَيْسَ لَنَا عُقُولُ
إِنَّ هذه الحكايات وأمثالها - وما أكثرها في كتب الأدب - مِمَّا لا تصح نقلًا ولا توافق عقلًا إنما ذكرت في كتب يقصد من ورائها قتل الوقت وشغل الفراغ والتفكه والتندر، وكان الأليق بها الإهمال في معرض البحث العلمي، أما أنها توضع في كتاب في تاريخ السُنَّة، ويعتمد عليها في تجريح رجل من كبار أهل العلم، فضلًا عن كونه صحابيًا جليلًا زَكَّاهُ الرسول والرعيل الأول من خيار المسلمين، فهذا ما لم نعهده في أسلوب البحث في القديم ولا في الحديث.
وَمِمَّا لا يقضي منه العجب أَنَّ صاحب هذه السقطة الشنيعة يكتب على غلاف كتابه ما نصه: " دراسة مُحَرَّرَةٌ تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه وكل ما يتصل به من أمور الدين والدنيا "، وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها، لم ينسج أحد من قبل على منوالها ..» ولقد صدق، فهي مُحَرَّرَةٌ من قواعد البحث العلمي الصحيح ومن صحيح النقل وسليم العقل، وهي الأولى في موضوعها خَلْطًا وسبابًا وتجنيًا، وكيف ينسج أحد من قبل على منوالها، وقد تَعَرَّتْ من التحقيق والصدق والعدل؟!.
وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا أَنَّ المؤلف - وقد سمعت طَرَفًا من بحثه ودراسته - قد التوى بالبحث وتنكب به طريق التحقيق والعدل والإنصاف.
إِسْفَافُ أَبِي رَيَّةَ فِي نَقْدِ الصَّحَابِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ:
وما لا ترتاح إليه النفوس الكريمة وتأبى أَنْ تنغمس فيه الأقلام العفيفة ما نضحت به نفس المؤلف وجرى به قلمه، مِنْ تَهَكُّمٍ بأبي هريرة وسباب وهجر من القول، مِمَّا لا نرضاه ولا يرضاه رجل ذو دين وَخُلُقٍ لرجل من رعاع الناس وسفلتهم، فضلًا عن صحابي كريم من أصل عربي كريم، وكنا نحب من رجل يكتب في السُنَّة أَنْ يَتَأَدَّبَ بأدب صاحبها وأدب أئمتها ورجالها، كالبخاري وغيره.
وإليك بَعْضًا من هذا، ومعذرة إذا كان القلم جرى بحكاية هذا السباب والسفاه.
أَمْثِلَةٌ مِنْ هَذَا الإِسْفَافِ فِي النَّقْدِ:
فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٢]: «وكان بينهم - أي الصحابة - لا في
[ ١٠٠ ]
العير ولا في النفير».
وفي [ص ١٦٦] قال: «ولما قالت له عائشة: " إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من رسول الله - ﷺ - " أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار، إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري (كذا) وابن كثير وغيرهم - شَغَلَكِ عَنْهُ - ﷺ - المِرْآةُ وَالمُكْحُلَةُ».
وليس في العبارة ما يستأهل أَنْ يصب المؤلف أَبُو رَيَّةَ على الصحابي أبي هريرة ذنوبًا من سفاهة، في أي منطق يا معشر العقلاء إِنَّ من يدافع عن نفسه يكون لا أدب عنده ولا وقار؟!!.
ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الرواية التي ذكرها ابن كثير في " بدايته ": أنها قالت لأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَكْثَرْتَ الحَدِيثَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -». قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المُكْحُلَةُ وَلاَ الخِضَابُ، وَلَكِنْ أَرَى ذَلِكَ شَغَلَكِ عَمَّا اسْتَكُثَرْتِ مِنْ حَدِيثِي». قَالَتْ: «لَعَلَّهُ». وهذه الرواية تزيل ما يتوهم من الأولى وتدل على أنها اقتنعت بما قال.
وفي [ص ١٨٥] قال: «ومن كان هذا شأنه لا يكون - وَلاَ جَرَمَ - إِلاَّ مهينا لا شأن له ولا خطر» ولكن أتدري أيها القارئ بم استحق سيدنا أبو هريرة أَنْ يكون مهينا في نظر المؤلف؟ لأنه لم يصاحب النَّبِي إِلاَّ على ملء بطنه، وأنه اتخذ الصُفَّةَ مَلاَذًا لفقره، أكل منها كما يأكل سائر أهلها أو يأكل عند النَّبِي أو عند أحد أصحابه وهل هذا عيب يُجَرَّحُ به أبو هريرة؟!!.
ولقد مدح الحق - ﵎ - في الكتاب الكريم أَهْلَ الصُفَّةَ، ومنهم - وَلاَ جَرَمَ - أبو هريرة، وَإِنْ شئت فاقرأ معي قول الله سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). ثم يجيء أَبُو رَيَّةَ فيجعل المفاخر مثالب، والفضائل رذائل، فهل يا ترى ندع كلام الله الحق ونأخذ بتجنيات أَبِي رَيَّةَ؟!!.
وفي [ص ١٨٧] قال: ولقد استخفه أشره وزهوه ونم عليه أصله ونحيزته،
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٣].
[ ١٠١ ]
فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة «بُسرة بنت غزوان» التي تزوَّجها، ثم أتدري لِمَ كل هذا السباب وتلك الشتائم؟ لأنه كان يقول بعد الزواج منها: «إني كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، والآن تزوجتها فأنا الآن أركب فإذا نزلتُ خدمتني ».
ويذكر رواية أخرى عن ابن سعد في معنى هذه، ثم تأبى عليه نفسه إِلاَّ أَنْ يلغ في عرض أبي هريرة - ﵁ - فتضع نفسه بسباب آخر فيقول بالهامش ما نصه: «انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم، واتسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق».
فهل رأيت في باب النقد والبحث مثيلًا لهذا؟ وفي أي شرع أو عُرْفٍ أو قانون يكون السباب نقدًا والشتائم بحثًا، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثًا حقًا وناقدًا نزيها لما نظر إلى هذه المرويات بعين السخط والكراهية، ولعلم أنه لم يقل ذلك إِلاَّ تحدثًا بنعمة الله وشكرًا لآلائه عليه، ففي " البداية والنهاية " قال أبو هريرة: «نَشَأَتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرَتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لابْنةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قَوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (١).
وفي " الحِلْيَةِ " لأبي نُعيم بسند صحيح عن مضارب بن جزء: «كُنْتُ أَسِيرُ مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أُكْثِرُ شُكْرَ اللهِ عَلَيَّ، كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ لِنَفَقَةِ رَحْلِي وَطَعَامِ بَطْنِي، فَإِذَا رَكِبُوا سُقْتُ بِهِمْ، وَإِذَا نَزَلُوا خَدَمْتُهُمْ، فَزَوَّجَنِيهَا اللهُ فَأَنَا أَرْكَبُ وَإِذَا نَزَلْتُ خَدَمْتُ» (٢). فأي تشف وامتهان في هذا، ثم أليس الأليق مثل أبي هريرة أن يحمل كلامه على محامل حسنة وأغراض شريفة، وأن لا نظن به الظنون السيئة؟ وإذا كان من أدب الإسلام تحسين الظن بأي أخ مسلم واحترامه، فما بالك بصحابي من صحابة رسول الله؟ بل كيف غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣)
وقول الرسول الكريم: «إِيَّاكُمْ
_________________
(١) ج ٨ ص ١١٠.
(٢) " الإصابة ": ج ٤ ص ٢٠٦.
(٣) [سورة الحجرات، الآية: ١٢].
[ ١٠٢ ]
وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وقوله: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»
وكلمة الفاروق عمر - ﵁ -: «لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيكَ المُؤْمِنِ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمَلًا» وكلام أبي هريرة لا يخرج عن كونه نَوْعًا من الدعابة والمباسطة التي تكون بين الرجل وزوجه، ولو أن السيدة بسرة بنت غزوان استشعرت منه التَشَفِّي أو القصد إلى إذلالها وإهانتها لما قبلت منه ذلك ولدافعت عن كرامتها، ولا سيما ونحن نعلم ما كانت عليه النساء العربيات المسلمات من اعتزاز بالكرامة والمواجهة بما تراه حَقًّا، حتى ولو كان المواجه به أمير المؤمنين، فَضْلًا عَنء الزَّوْجِ.
طَعْنُهُ فِي كَثْرَةِ أَحَادِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
في [ص ١٦٢] و[١٦٣] أخذ المؤلف على الصحابي الجليل أبي هريرة أنه كان أكثر الصحابة حَدِيثًا عن رسول الله، على حين أنه لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ نحو ثلاث سنين، وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن " مسند بقي بن مخلد " قد احتوى من حديث أبي هريرة على (٥٣٧٤) الخ ما قال.
خَصَائِصُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْبَابُ إِكْثَارِهِ:
-----------------------------------
وأحب أنْ أقول للمؤلف وأمثاله:
[أ] ما وجه الغرابة في كثرة رواية سيدنا أبي هريرة، مع حداثة صحبته بالنسبة لغيره، مع أن الثلاث السنين ليست بالزمن القصير في عمر الصحبة؟ وليس ذلك ببدع في العقل ولا العادة، فكم من شخص قد يجمع في الزمن القليل ما لا يجمعه غيره في أضعافه، والذكاء والإقبال على العلم والتفرغ من الشواغل الدنيوية، كل ذلك يساعد على الإكثار من الجمع والتحصيل، وإنا لنجد في عصورنا المتأخرة بعض التلاميذ والمريدين الذين لازموا أساتذتهم وشيوخهم مدة وجيزة، يقيدون عنهم الكتب والمجلدات ويحفظون عن ظهر قلب من كلامهم ما يربو على ما حفظه أبو هريرة عن رسول الله، وذلك على فرق ما بين عصرنا وعصرهم، وما بينهم وبين أبي هريرة من جهة التفرغ والاستعداد وتكاليف الحياة.
وأحب أن لا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة الآلاف والثلثمائة والأربعة والسبعون حديثًا الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعت كلها لما زادت
[ ١٠٣ ]
عن جزء، فأي غرابة في هذا؟.
[ب] إن أبا هريرة - ﵁ - كان رجلا لا أرب له في الدنيا وكان رَاضِيًا بالشيء اليسير، ولم يكن من الأهل والولد - آنذاك - ولا من التجارة والزراعة ما يشغله - فكان هَمُّهُ ملازمة رسول الله على ما يقيم صلبه وسأدع أبا هريرة يُفْصِحُ لنا عن السِرِّ في كثرة ما حفظ وروى.
روى " البخاري " و" مسلم " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢). إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ».
ولقد كان من دواعي إكثاره اَيْضًا تفرغه للعلم والرواية والفتيا بعد الرسول، حتى لقد رغب عن الإمارة لما طلبه إليها عمر - ﵁ - بعد أن عزله كما قدمنا هذا إلى ما امتاز به من ذاكرة وَقَّادَةٍ وحافظة قوية بِسَبَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ، ذَلِكَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نِسْيَانَهُ فَقَالَ لَهُ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» قَالَ: فَبَسَطْتُهُ، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ (٣)، وقد عد العلماء هذا من معجزاته - ﷺ -، فقد كان أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث في عهده، روى النَّسَائِيُّ بسند جيد في العلم من كتاب " السنن "، والحاكم في " المستدرك ": أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: ادْعُوا فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، وَأَمَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَأَمَّنَ النَّبِي - ﷺ - فَقُلْنَا: وَنَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: سَبَقَكُمَا بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» وخرج البخاري في " التاريخ " من حديث محمد بن عمارة بن حزم: «أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفُهُ
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ١٥٩].
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٦٠].
(٣) قد شَكَّكَ المؤلف في هذه القصة وحاول إنكارها، وقدوته في ذلك هو المستشرق اليهودي جولدتسيهر.
[ ١٠٤ ]
بَعْضُهُمْ فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَحْفَظَ الصَّحَابَةِ».
وَمِمَّا يدل على حفظه اَيْضًا ما ذكره الحافظ ابن حجر في " الإصابة "، قَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: «أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، وَكَانَ أَجْلَسَنِي خَلْفَ السَّرِيرِ أَكْتُبُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي رَأْسِ الحَوْلِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ، فَمَا غَيَّرَ حَرْفًا عَنْ حَرْفٍ»، وقد عرف هذه الخصيصة لأبي هريرة الصحابة ومن جاء بعدهم من الأئمة، فهذا ابن عمر يقول: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» وهذا هو إمام الأئمة الشافعي يقول: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فكيف بعد هذا يجوز أن نتخذ من كثرة روايته وحفظه للحديث - حتى نشر منه ما لم ينشر غيره - بَابًا للطعن عليه في صدقه وأمانته؟ فالإكثار من الرواية مرجعه إلى طول الملازمة وعدم الشواغل الدنيوية، وقلة تكاليف الحياة والتفرغ للعلم والتعليم والفتيا، وعدم الاشتغال بشؤون الحُكْمِ والسياسة وتأخر الوفاة، وليس مرجعه إلى الفضل والمنزلة في الدين كما حاول المؤلف في صدر كلامه عن أبي هريرة أن يربط بينهما، ألا ترى إلى الخلفاء الثلاثة - على منزلتهم في الدين، ومكانتهم في الفضل ولصوقهم برسول الله لم يكن لهم من التفرغ للعلم، والتخلي عن شؤون الدولة المترامية الأطراف، مَا يُهَيِّئُ لهم الإكثار من الرواية، فمن ثَمَّ قَلَّتْ روايتهم، أما الخليفة الرابع فإنه لما تأخرت وفاته وتهيأ له من التفرغ للعلم والفتيا ما لم يتهيأ لهم فقد كثرت مروياته (١)، فمحاولة الربط بين المنزلة في الدين وكثرة الرواية ليس من التحقيق العلمي في شيء، وقد أدرك السابقون ذلك، روى الأعمش عن أبي صالح قال: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَمْ يَكُنْ بِأَفْضَلِهِمْ».
تَجَنَِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّهُ كَانَ مَزَّاحًا مِهْذَارًا:
في [ص ١٦١] قال تحت عنوان «مزاحه وهذره»: أجمع مؤرخو أبي هريرة أنه كان رجلًا مزاحًا مِهْذَارًا يتودد إلى الناس ويسليهم بكثرة الحديث والإغراب في القول ليشتد ميلهم إليه الخ ما قال.
_________________
(١) " الاتقان ": ٢/ ١٨٧. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: [الرواية كما وردت في " المستدرك ": أَنَّ رَجُلًا جَاءَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ بَيْنَا أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، قَالَ: فَجَلَسَ وَسَكَتْنَا، فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ». قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِنَا، قَالَ: ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ الَّذِي سَأَلَكَ صَاحِبَايَ هَذَانِ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آمِينَ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ عِلْمًا لاَ يَنْسَى فَقَالَ: «سَبَقَكُمَا بِهَا الدَّوْسِيُّ» صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. (" المستدرك " للحاكم النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ٣/ ٥٨٢ حديث ٦١٥٨، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
[ ١٠٥ ]
أما هذا الإجماع على أنه كان مزاحا مهذارا فهي دعوى كبقية دعاواه التي لم يقم عليها دليل، ولم نجد أَحَدًا من العلماء الأثبات قال شيئا من هذا، فهذا ابن عبد البر في " الاستيعاب " لم يذكر شيئا منه، وهذا الحافظ ابن حجر في " الإصابة " لم يذكر إِلاَّ ما أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح "، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان عن سعيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَجِئْتُ أَبِي فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ وَنَسَيْتُ أَنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " اللهُ أَطْعَمَكَ "، قَالَ: " فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ فُلاَنًا فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ لِقْحَةً تُحْلَبُ فَشَرِبْتُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى رَوَيْتُ "، قَالَ اللهُ سَقَاكَ "، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ دَعَوْتُ بِمَاءٍ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ لَمْ تَعَوَّدْ الصِّيَامَ "» ولم يصفه بأنه مزاح مهذار، وأما ابن كثير في " البداية والنهاية " فقد ذكر ما نقله المؤلف من قصص عنه، ولم يذكر قط أنه كان مزاحًا مهذارًا.
وَأَنَّى لهؤلاء العلماء الأجلاء أن ينطقوا بهذا الهجر من القول في حق صحابي جليل؟ وأشهد الله أنه ليس للمؤلف سلف في هذا التعبير إِلاَّ ما حكى عن النَظَّامِ وأمثاله، و«جولدتسيهر» المستشرق اليهودي - على ما عرف عنه مِنَ التَجَنِّي على الحديث والمُحَدِّثِينَ - كان أعف من المؤلف في التعبير، وإليك عبارته (١): «وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التي ضمنها أتفه الأسباب بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح الخ ما قال» فانظر فرق ما بين العبارتين.
ثم ماذا ينقمون من أبي هريرة؟ أينقمون عليه أنه كان رجلًا فيه دعابة وفكاهة ومزاح لا يخل بدين ولا مروءة؟ فهذا مِمَّا ينبغي أن يعاب به شخص، ولم يخل عصر من العصور من علماء أجلاء كانت فيهم دعابة وخفة روح.
مُزَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُزَاحٌ عَالٍ مُفِيدٍ وَذِكْرُ أَمْثِلَةٍ مِنْهُ:
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المزاح نوعان:
١ - نوع ساقط مبني على المجازفة وعدم التقدير لما يقول، وهو الذي يخل بالصدق والأمانة، ولم يكن عند أبي هريرة منه شيء والحمد لله.
_________________
(١) " دائرة المعارف الإسلامية ": ج ١ ص ٤١٨.
[ ١٠٦ ]
٢ - ونوع عال طريف لا إسفاف فيه ولا إيذاء لأحد، وأكثره من المعاريض التي تدعو إلى إعمال الفكر والروية، وتبين مقدار الذكاء والفطنة وهذا مقبول، وهو ما أثر عن النَّبِيِّ - ﷺ - وبعض صحابته الكرام، وفي الحديث الشريف: «إِنِّي أَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا»، وإذا تأملت في القصة التي ذكرها الحافظ في " الإصابة " تجد أنها لا تخرج عن هذا النوع، وما أفتى به أبو هريرة الرجل هو ما جاء في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، رواه البخاري.
وهاك مثالا آخر من تظرف أبي هريرة، لنرى أن مزاحه ما كان يخلو عن علم وحكمة، روي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فِي سَفَرٍ (١)، فَلَمَّا نَزَلُوا وَضَعُوا السُّفْرَةُ وَبَعَثُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَمَا كَادُوا يَفْرُغُونَ حَتّى جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِهِمْ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ؟ قَدْ - وَاللَّهِ - أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «صَوْمُ رَمَضَانَ، وَصَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ»، وَقَدْ صُمْتُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ َصَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ.
فانظر إلى هذا المزاح العالي وقد وصل به إلى غرضين شريفين: أحدهما أن يتركوه يتم ما يريد، الثاني إفادتهم هذا الحُكْم الشرعي وتعليمهم هداية من هدايات رسول رب العالمين، بهذا الإسلوب المشوق البارع، فأي تفاهة في هذا؟ بل أي هذر وباطل في هذا؟
ومثل ثالث: وهو ما نقله المؤلف قال: أخرج أبو نعيم في الحِلْيَةِ عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: «أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ، فَقُلْتُ: يَكْفِي هَذَا، فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالْحِزْمَةُ عَلَيْهِ!!» فهل يقتضي هذا أن يكون «مَزَّاحًا مِهْذَارًا»؟ وهل قال الرجل إِلاَّ الصدق؟ أليس نائب الأمير أميرًا؟ وألم يكن يحمل حزمة الحطب؟ ثم أليس حمله حزمة الحطب من التواضع الجم؟ وسائر ما ذكره أَبُو رَيَّةَ للتدليل على دعواه الفاجرة مزاعم واتهامات لا أساس لها من الصحة، ولا
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ج ٨ ص ١١١.
[ ١٠٧ ]
سلف له فيما افتجره وافتراه إِلاَّ النَظَّامُ ومن على شاكلته من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ، فهو لم يزد عن كونه بُوقًا يُرَدِّدُ كلام الطاعنين من غير أن يحتكم إلى قواعد البحث المستقيم والنقد النزيه.
تَجَنِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ:
في [ص ١٦٤] قال: إنه يعني أبا هريرة كان يسوغ كثرة الرواية عن النَّبِي - ﷺ - ما دام لا يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلًا، وأنه أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وذكر جملة من الأحاديث، منها ما هو غير موضوع وذلك مثل حديث: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلًا، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» ومنها ما هو موضوع وذلك مثل حديث «إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ».
وللجواب عن ذلك نقول:
[أ] إنَّ حديث «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا» ليس بموضوع كما بَيَّنْتُ ذلك سابقًا وأيضًا فالحديث ليس مَرْوِيًّا عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبد الله بن أكيمة الليثي، والمؤلف نفسه نقل عن كتاب " توجيه النظر " أنه من رواية عبد الله هذا وذكر هذا في كتابه [ص ٥٦] ولا أدري لِمَ عَدَلَ المؤلف عما نقله أولًا وهو الصحيح إلى غير الصحيح وهو أنه من رواية أبي هريرة؟ ولا أعلم سَبَبًا لذلك إِلاَّ أنه يكتب ما يكتب وهو غير متثبت، وأن تحامله على أبي هريرة أعماه عن الحق وأوقعه في الباطل، والحق أبلج والباطل لجلج.
أما الأحاديث التي ذكرها بعد هذا الحديث فهي موضوعة ولا ريب كما قلت آنِفًا.
[ب] إن المؤلف يتوهم أن الحديث ما دام روي عن أبي هريرة وهو موضوع أن يكون واضعه أبو هريرة، وَهُوَ وَاهِمٌ فِي وَهْمِهِ فما من حديث موضوع إِلاَّ وواضعه أسنده إلى الصحابي عن رسول الله، فلو أن ما تَوَهَّمَهُ المؤلف كان صحيحًا لكان
[ ١٠٨ ]
كل حديث موضوع روي عن صحابي أو تابعي يكون من وضع هذا الصحابي أو التابعي، وهذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على ضحولة في البحث وسطحية في العلم وقصر في النظر، وقد استولى هذا الوهم على المؤلف فمن ثم ألصق الكثير من الأحاديث الموضوعة بأبي هريرة وغيره من الصحابة وزعم أنها من اختلاقهم، وفي الحق أن الصحابة بُرَءَاءُ من هذه الأحاديث الموضوعة، وأن الاختلاق والوضع إنما جاء من بعدهم. وقد قَيَّضَ اللهُ لهذه الموضوعات من هذه جهابذة الحديث وصيارفته مَنْ نَبَّهَ إلى زيف هذه الأحاديث وأبان عن عِلَّتِهَا، ولما قيل لسفيان هذه الأحاديث الموضوعة فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ».
ومثل هذا الوهم ما توهمه حينما عرض لكعب الأحبار، فقد جعل كل ما رُوِيَ عنه من وضعه واختلاقه مع أن هذا ليس بلازم، فقد يكون الوضع مِمَّنْ جاء بعده من الوَضَّاعِينَ، ومن ثم وقع المؤلف في أخطاء كثيرة وجانبه الحق والصواب في جل ما كتب.
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُدَلِّسٌ:
في [ص ١٦٤] ذكر اَيْضًا أن أبا هريرة كان يدلس ثم شرح معنى التدليس وحكمه الخ ما قال.
والجواب:
إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جِدًّا منهم شُعْبَةُ والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا التدليس بالمعنى المعروف عند المُحَدِّثِينَ (١)، وهو المذموم، وإنما
_________________
(١) التدليس عند المُحَدِّثِينَ أنْ يروي عَمَّنْ لقيه ما لم يسمعه منه، أو عَمَّنْ عاصره ولم يلقه مالم يسمعه منه مُوهِمًا أنه سمعه منه، والتدليس أنواع، وأقبح أنواعه: تدليس التسوية، وهو أَنْ يكون في السند ضعاف وأقوياء، فيحذف الضعاف ويبقى الأقوياء، فيظن من لا يعرف أنه من رواية هؤلاء الثقات، وبعض العلماء يَرُدُّ حديث المدلس مطلقًا، وبعضهم لا يقبل حديثه إِلاَّ إذا صَرَّحَ بالسماع عَمَّنْ روى عنه، وكان شُعْبَةُ أَشَدَّ العلماء إنكارًا له، حتى لقد رُوِيَ عنه أنه قال: «لأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ».
[ ١٠٩ ]
أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شُعْبَة، قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ، أَيْ يَرْوِي مَا سَمِعَهُ مِنْ كَعْبٍ وَمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلاَ يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا».
وروى الأعمش عن إبراهيم يعني النخعي قال: «مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ».
وكلام شعبة ظاهر في أنه لم يرد التدليس بمعناه المعروف عند المُحَدِّثِينَ، وإنما أراد شيئًا آخر اعتبره هو تدليسًا وليس به، قال ابن كثير في " بدايته ": «وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَّ [هَذَا الَّذِي] قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ».
وَقَالَ: «[وَقَدْ قَالَ مَا قَالَهُ] إِبْرَاهِيمُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلاَفِهِمْ».
ثم نقل المؤلف قول ابن كثير: وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» فإنه لما حُوقِقَ عليه قال: «أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ» وإني لأقول: وغاية هذا أنه كان يروي عن بعض الصحابة عن رسول الله ولم يذكرهم وهذا هو ما يسمى في اصطلاح المُحَدِّثِينَ مُرْسَلُ الصَّحَابِي وهو حُجَّةٌ باتفاق الأئمة، لأن الغالب أن الصحابي لا يروي إِلاَّ عن صحابي، والصحابة كلهم عدول.
وقد ساق المؤلف للتدليل على دعواه ما رواه " مسلم " عن بُسْرٍ (*) «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -»، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ. وهذه الرواية ترد دعواه، لأنها صريحة في تبرئة ساحة أبي هريرة، وأن ما حدث من الخلط بين الكلامين إنما هو مِمَّنْ سمع منه، وماذا يصنع أبو هريرة في خطأ من يسمع عنه، والله لم يعط لأي بشر ولو كان نبيا أن يتحكم في أسماع الناس وأفهامهم، وما ذنب أبي هريرة في هذا، وقد ذكرني صنيع أَبِي رَيَّةَ وتجنيه على أبي هريرة قول القائل:
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) في الكتاب المطبوع (بُشْرٌ) وهو خطأ والصواب: بُسْرٌ بن سعيد مولى ابن الحضرمي المدني العابد، روى عن سعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وأبي هريرة وغيرهم وروى عنه أبو سلمة وزيد بن أسلم ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهم، قال ابن معين: «ثقة». انظر " التمييز " للإمام مسلم، د. محمد مصطفى الأعظمي، ص ١٧٥، الطبعة الثالثة: ١٤١٠ هـ، نشر مكتبة الكوثر - المربع - المملكة العربية السعودية.
[ ١١٠ ]
غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَذَّبُ فِيكُمُو * * * فَكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمُ
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوَّلُ رَاوِيَةِ اتُّهِمَ فِي الإِسْلاَمِ:
في [ص ١٦٦] ذكر تحت عنوان: «أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام»: أنَّ أبا هريرة اتهمه الصحابة وأنكروا عليه، وكانت عائشة أشدهم إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه وأن مِمَّنْ اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وَعَلِيٌّ، وبالغ في التَجَنِّي والكذب فزعم أن عَلِيًّا كان سَيِّئَ القول فيه وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله لأبو هريرة (كذا) ولما سمعه يقول: حدثني قال: متى كان النَّبِي خليلك؟.
تَصَيُّدُهُ رِوَايَاتٍ زَعَمَ أَنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ فِي مَزَاعِمِهِ:
ثم شرع يتصيد من كلام النظام ومن عَلَى شاكلته ما زعم أنه يشهد له فمن ذلك:
[أ] أنه روى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ عَلَيْهِ» أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت:
«إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» وَبَعَثَتْ إليه أن لا يُحَدِّثُ بهذا الحديث عن رسول الله فلم يسعه إِلاَّ الإذعان وقال إنها أعلم مني وأنا لم أسمعه من النَّبِي وإنما سمعته من الفضل عن النَّبِي فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله.
[ب] وأنه لما روى عن النَّبِي - ﷺ -:
«مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» لم تأخذه به عائشة وقالت: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» (١).
[ج] وأنه لما روى حديث «إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» قالت عائشة: كذب وأنكرت عليه وقالت: إنما قال رسول الله:
إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ، ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢).
_________________
(١) حَجَرٌ كبير منقور لا يقدر على حمله الرجل كانوا يملأونه ماء ثم يتطهَّرُون منه.
(٢) [سورة الحديد، الآية: ٢٢].
[ ١١١ ]
[د] وأنه لما روى: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أنكر عليه ابن مسعود وَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ».
[هـ] ولما روى حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ» فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ».
والجواب على ذلك:
(أ) إن ما ذكره ليس من بنات أفكاره ولا من بحثه وإنما هو كلام قاله النَظَّامِ وأمثاله من أعداء المُحَدِّثِينَ، وقد عرض له العَلاَّمَةُ ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " ناقلًا وَمُزَيِّفًا لَهُ وَمُبَيِّنًا أن ذلك لا يطعن في الحديث ولا في المُحَدِّثِينَ، وصنيع المؤلف كما ذكرت من قبل يوهم القارئ الذي لا يعلم أنه من كلام ابن قتيبة حيث قال: «قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " » وفي الحق أن ابن قتيبة بريء من هذا براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وطريقة المؤلف في هذا عارِيةَ عن الأمانة في النقل والدقة في البحث، وغاية ما وصل إليه التدليس، وكل ما ذكره من إكذاب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ له، وأن عَلِيًّا كان سيئ الرأي فيه، فلا يعدو أن تكون دعاوى كاذبة مغرضة، وهذه كتب الثقات في تاريخ الصحابة لا تكاد تجد فيها شيئا مِمَّا زعم وَادَّعَى.
بين يدي الرَدِّ:
--------------
أما ما ذكره من روايات يزعم أنها تشهد له، فإليك مفصل الحق فيها، ولكني قبل أن أعرض للروايات بالتفصيل أقول: لا شك أن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - كانوا يأخذون الحديث عن رسول الله - ﷺ - ولم يكونوا سواء في التفرغ للتلقي ولا في الملازمة ولا في الحفظ والذاكرة، فمن ثَمَّ تفاوتت مروياتهم قلة وكثرة، وكما كانوا يتلقون عنه بالذات كانوا يتلقون عنه بالوساطة عن صحابي آخر، وفي بعض الأحيان كان يراجع بعضهم بعضًا فيما يرويه، إما للتثبت والتأكد لأن الإنسان قد ينسى أو يسهو أو يغلط عن غير قصد، وإما لأنه ثبت عنده ما يخالفه أو ما يخصصه أو يقيده، أو لأنه يرى مخالفته لظاهر القرآن أو لظاهر ما حفظه من سُنَّةٍ إلى غير ذلك، فليس
[ ١١٢ ]
من الإنصاف أن نتخذ من هذه المراجعة دليلًا على اتهام الصحابة بعضهم لبعض، وتكذيب بعضهم لبعض، إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة التي يطنطن بها المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ ومن تابعهم من الكُتَّابِ المعاصرين الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لترديد كلامهم.
والسيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - كانت عاقلة عالمة، وكانت لا تقبل الشيء إِلاَّ بعد اقتناع، وكانت تستشكل بعض الروايات التي لم تسمعها من رسول الله ورواها غيرها، لأنها تعارض ما سمعته في ظنها أو تخالف ظاهر القرآن، فمن ثم كانت تراجع بعض الصحابة، فمراجعتها لأبي هريرة لا تدل على اتهامها له أو تكذيبها إياه، ألا ترى أنها استشكلت بل ردت بعض روايات رواها الفاروق عمر وابنه عبد الله، وعمر فقيه الصحابة وصاحب الموافقات، وأحد وزيري رسول الله، وثاني الخلفاء الراشدين، ولا يتطرق إلى ساحته تهمة أو زيف ريبة بإجماع منا ومن أعداء السنن والأحاديث، فقد روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " أن عمر - ﵁ - لما روى حديث: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فلما ذُكِرَ ذلك لعائشة قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، لاَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِهَذَا، وَلَكِنَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وقالت عائشة: «حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١).
وفي " صحيح مسلم " اَيْضًا أنَّ ابن عمر لما روى «المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَقَالَتْ: فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أَنْتُمْ تَبْكُونَ، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ»، ولما روى ابن عمر أن النَّبِيَّ قام على قليب بدر، وفيه قتلى المشركين، فقال لهم: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ» فقالت: لَقَدْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ» ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢)
فها أنت ذا ترى أنها في رَدِّهَا رواية عمر وابنه استندت إلى ظاهر القرآن وذلك بحسب اجتهادها، ولا شك أن الرواية إذا ثبتت عن النَّبِيِّ - ﷺ - فهي مقدمة على اجتهاد الصحابى مهما بلغ من العلم والفقه، فهل تعتبر مراجعتها لعمر وابنه - رَضِيَ
_________________
(١) [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤]، [سورة الإسراء، الآية: ١٥]، [سورة فاطر، الآية: ١٨]، [سورة الزمر، الآية: ٧].
(٢) [سورة فاطر، الآية: ٢٢].
[ ١١٣ ]
اللهُ عَنْهُمَا - اتِّهَامًا أَوْ تَكْذِيبًا؟ اللَّهُمَّ لاَ، وليس أدل على هذا من أنها قالت كما ورد في " صحيح مسلم ": «يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ».
وفي " الصحيح " اَيْضًا أنها قالت: - لما بلغها قول عمر وابنه -: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ» (١) فهل هناك شيء أصرح في الدلالة على أن مراجعة الصحابي لآخر لا تعتبر اتهامًا ولا تكذيبًا من قول عائشة هذا؟؟ ولماذا اعتبرتم يا قوم مراجعتها لأبي هريرة اتهامًا ولم تعتبروا مراجعتها لعمر وابنه اتهامًا؟ أفيدونا يا أصحاب المنطق السليم.
ولنأخذ في بيان الحق فيما عرض له من أحاديث:
الرَدِّ التفصيلي:
[أ] أما حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ» وإنكار عائشة عليه فتواه بهذا فليس فيه ما يخل بعدالة أبي هريرة، ولا ما يطعن في أمانته إذ كل ما فيه أنه كان يفتي على حسب ما علم، وهو ما رواه له الفضل عن النَّبِي - ﷺ - والظاهر أن هذا الحُكْمَ كان في مبدأ الإسلام فقد كان الرجل إذا صلى العشاء أو نام حرم عليه الأكل والشرب والجماع حتى يصبح، ثم اقتضت رحمة الله التخفيف على الأُمَّةِ بإحلال الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ (٢). الآية، وإليك ما قاله العلماء وَالمُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ، قال الحافظ في " الفتح " (٣): «وَذَكَرَ اِبْن خُزَيْمَةَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاء تَوَهَّمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة غَلِطَ فِي هَذَا الحَدِيث ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْلَطْ بَلْ أَحَالَ عَلَى رِوَايَة صَادِقٍ، إِلاَّ أَنَّ الْخَبَر مَنْسُوخ، لأَنَّ اللَّه تَعَالَى عِنْد اِبْتِدَاء فَرْضِ الصِّيَام كَانَ مَنَعَ فِي لَيْل الصَّوْم مِنْ الأَكْل وَالشُّرْب وَالجِمَاع بَعْد النَّوْم، قَالَ: فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون خَبَر الفَضْل كَانَ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَبَاحَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَكَانَ لِلْمُجَامِعِ أَنْ يَسْتَمِرَّ إِلَى طُلُوعِهِ فَيَلْزَمَ أَنْ يَقَعَ اِغْتِسَالهُ بَعْد طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْفَضْلِ وَلَمْ يَبْلُغْ الفَضْلَ وَلاَ أَبَا هُرَيْرَة النَّاسِخُ فَاسْتَمَرَّ أَبُو هُرَيْرَة عَلَى
_________________
(١) " صحيح البخاري ": ٣/ ١٢٣. " صحيح مسلم بشرح النووي ": ٦/ ٢٣٠ - ٢٣٤.
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٨٧].
(٣) ج ٢ ص ١١٩.
[ ١١٤ ]
الْفُتْيَا بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ وَإِلَى دَعْوَى النَّسْخ [فِيهِ] ذَهَبَ اِبْن الْمُنْذِرِ وَالخَطَّابِيُّ وَغَيْر وَاحِد» فأبو هريرة كان يفتي حتى علم الناسخ فرجع عنه، وتلك - لعمر الحق - فضيلة، قال الحافظ في " الفتح ": وَفِيهِ [فَضِيلَة] لأَبِي هُرَيْرَة لاعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ وَرُجُوعه إِلَيْهِ. وَفِيهِ اِسْتِعْمَال السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الإِرْسَال عَنْ الْعُدُول مِنْ غَيْر نَكِير بَيْنهمْ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة اِعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذَا الْحَدِيث مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ بِلاَ وَاسِطَة وَإِنَّمَا بَيْنهَا لِمَا وَقَعَ مِنْ الاِخْتِلاَف». فانظر يا أخي كيف جعل الطاعنون الفضيلة رذيلة.
[ب] وأما حديث «إِذَا (لا مَتَى كما نقل المؤلف) اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وأن عائشة لم تأخذ به وقالت «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ»، فإليك الجواب عنه:
إن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم " (١) عن أبي هريرة من طرق عدة ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه قال الترمذي: «وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ» كما روي من فعله - ﷺ - عن علي وعثمان وجبير بن نفير، فالحديث ثابت عن أبي هريرة وغيره من قول الرسول وفعله وغير معقول إنكار عائشة على أبي هريرة وهي من رواته، فمن ثم سقط ما هدف إليه من تجريح أبي هريرة واتهامه له بالكذب.
وهذا الكلام وأمثاله إنما يذكر في كتب الأصول وما شابهها وهذه الكتب ليست بِحُجَّةٍ في الحديث ولا تحرير ألفاظه، ولكن الطاعن حاطب ليل ولا شأن له بالتحقيق، وقد نَبَّهَ شَارِحُ " مسلم الثبوت " الشيخ اللكنوي إلى أن هذا الإنكار لم يثبت عن عائشة ولا ابن عباس، وإنما هو من رجل يُقَالُ له قين الأشجعي وفي صحبته خلاف، وفي " الإصابة " (٢): «قين الأشجعي تابعي من أصحاب عبد الله بن
_________________
(١) " صحيح البخاري". كتاب الوضوء، باب الاستجمار. و" صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ٣ ص ١٧٧
(٢) ج ٣ ص ٢٨٥.
[ ١١٥ ]
مسعود جرت بينه وبين أبي هريرة قصة» ثم ذكر رواية أبي هريرة وقول قين له: «فَإِذَا جِئْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ؟».
ثم ألا يجوز أن يكون قين يريد الاستفسار ولا يريد الاستشكال والإنكار، وهذا هو الذي ينبغي أن يحمل عليه حال الرجل المسلم، ولو سلمنا أنه يريد الإنكار فإنكار التابعي على الصحابي لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ولا يقدح في عدالته.
[ج] وأما حديث «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ» فإليك وجه الحق فيه.
دَخَلَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَاهَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الطِّيَرَةُ فِي الدَّارِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ " فَغَضِبَتْ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ، وَشِقَّةٌ فِي الأَرْضِ، وَقَالَتْ: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا.
١) هذا الحديث رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلاَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الطِّيَرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ» فَغَضِبَتْ غضبًا شديدًا وَقَالَتْ: مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يِتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ»، فأنت ترى أن الرواية بلفظ (مَا قَالَهُ) وأن عائشة لم تقل كذب، وإنما هي مِمَّنْ اخترعها وهو النَظَّامُ ومشايعوه، ومنهم المؤلف الذي أخذ على نفسه التَجَنِّي على أبي هريرة ورميه بِالسَّيِّءِ من القول.
ونحن نعلم أن عائشة - ﵂ - كثيرًا ما كانت تَرُدُّ على الصحابة اعتمادًا على ظاهر القرآن، فقد استندت في إنكارها إلى قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ (١). الآية» ولقد قالت هذه المقالة في مراجعتها لعمر وابنه، فلماذا اعتبر الطاعنون هذا القول في حق أبي هريرة تكذيبًا له، ولم يعتبروها في حق عمر؟.
٢) إن هذا الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة، فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر، وسهل بن سعد الساعدي، ورواه مسلم في " صحيحه " عنهما اَيْضًا (٢)، وعن جابر بن عبد الله، فإنكار عائشة على أبي هريرة لا يتجه بعد موافقة هؤلاء الصحابة له، قال الحافظ في " الفتح ": «وَلاَ مَعْنَى لإِنْكَار ذَلِكَ عَلَى أَبِي
_________________
(١) [سورة التغابن، الآية: ١١].
(٢) " صحيح البخاري «كتاب الجهاد»، باب ما يذكر من شؤم الفرس. " صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ١٤ ص ٢٢٠، ٢٢١.
[ ١١٦ ]
هُرَيْرَة مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ اَلصَّحَابَةِ لَهُ».
وهكذا نرى أن المؤلف لم يكن أمينًا فيما نقل ولا تَحَرَّى الحق والصواب.
[د] وأما ما ذكره من أن ابن مسعود أنكر عليه قوله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وقال فيه قَوْلًا شَدِيدًا.
فالجواب عليه نقول:
١ - نص الحديث كما في " منتقى الأخبار " (١) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبِي - ﷺ -: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قال: رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه الوضوء، ورواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ» يعني الميت قال: وفي الباب عن علي وعائشة قال أبو عيسى: حديث حسن، فالحديث خَرَّجَهُ غير واحد من أئمة الحديث، كما أنه لم ينفرد به أبو هريرة، مِمَّا ينفي التهمة عنه، وقد صَحَّحَ ابن أبي حاتم عن أبيه أن وقفه على أبي هريرة أصح، وسواء أكان الحديث مرفوعًا أو موقوفًا فلم يذكر أحد من المُخَرِّجِينَ له إنكار ابن مسعود ولا غيره من الصحابة عليه، نعم ذكر صاحب " مسلم الثبوت " الحديث بلفظ: «مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» وأن ابن عباس لم يأخذ به وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ» وكتب الأصول لا يعتمد عليها في ثبوت الأحاديث والروايات.
٢ - إن الأدلة قد تعارضت في هذا الباب، فبينما نجد الترمذي وغيره من الأئمة روى هذا الحديث عن أبي هريرة وغيره من الصحابة نجد البخاري يخرج في " صحيحه " تعليقًا عن ابن عمر يخالفه فيقول: «وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فمن ثم اختلف الصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء في هذا، قال الإمام أبو عيسى الترمذي: «وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الَّذِي يُغَسِّلُ المَيِّتَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: " إِذَا غَسَّلَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ الغُسْلُ "، وقَالَ بَعْضُهُمْ: " عَلَيْهِ الوُضُوءُ "، وقَالَ مَالِكُ بْنُ
_________________
(١) باب غسل الميت: ج ١ ص ١٨٠. طبعة عبد الرحمن محمد.
[ ١١٧ ]
أَنَسٍ: " أَسْتَحِبُّ الغُسْلَ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَلاَ أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا "، [وَهَكَذَا] قَالَ الشَّافِعِيُّ، وقَالَ أَحْمَدُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَرْجُو أَنْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ، وَأَمَّا الوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ " وقَالَ إِسْحَاقُ: " لاَ بُدَّ مِنَ الوُضُوءِ "». وهكذا نجد أن المسألة محل اختلاف بين الأئمة، فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالندب، بل قال بعضهم: إن ما رواه أبو هريرة وغيره منسوخ، قال الحافظ في " الفتح ": «وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ».
[هـ] وأما حديث «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: «أَمَا يَكْفِي أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ».
والقصة كما في " الإصابة " - فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: هَلْ تُنْكِرُ مِمَّا يَقُولُ شَيْئًا قَالَ: «لاَ، وَلَكِنَّهُ أَجْرَأَ (١)، وَجَبُنَّا»، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «مَا ذَنْبِي إِنْ كُنْتُ حَفِظْتُ وَنَسَوْا» وفي " الإصابة " اَيْضًا: وأخرج البغوي بسند جيد عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ».
والجواب:
----------
أن هذا الحديث ثابت صحيح فقد رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». ولا يضرنا إنكار من أنكره ومن هو مروان حتى يأخذ بقوله في رَدِّ حديث صحيح؟ أو يؤثر قوله في عدالة أبي هريرة وأمانته والثقة به؟ ثم ما رأى الطاعنين في أبي هريرة في أنه لم ينفرد بروايته؟ فقد روته عن النَّبِيِّ - ﷺ - السيدة العالمة عائشة - ﵂ - وهي بإجماع منا ومنهم غير متهمة فيما تروي، وروايتها ثابتة في " صحيحي البخاري ومسلم "، وإنكار من أنكر الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، إما لأن الحديث لم يبلغه، وإما إنكار للوجوب أو الاستحباب قال الحافظ في " الفتح " ج ٣ ص ٣٣: «وَأَمَّا إِنْكَار اِبْن مَسْعُود الاِضْطِجَاع، وَقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ: "هِيَ ضِجْعَة الشَّيْطَان " كَمَا أَخْرَجَهُمَا اِبْن أَبِي شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ
_________________
(١) هكذا في " الإصابة ": ج ٤ ص ٢٠٩، طبعة السعادة ولعلها «اجْتَرَأَ».
[ ١١٨ ]
عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمَا الأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلاَم اِبْن مَسْعُود يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنْ اِضْطَجَعَ» وإنكاره للاضطجاع إنما هو في المسجد والظاهر أن الأمر بالاضطجاع إنما هو على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما ذهب إليه ابن حزم «وَحَمَلُوا الأَمْر الوَارِد بِذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره عَلَى الاِسْتِحْبَاب».
وأيا كان الأمر فالإنكار لا يدل على الكذب ولا التهمة به ولا على الطعن في عدالة الراوي، أما قول ابن عمر: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ» فليس فيه تهمة ولا طعن، ولو أن المؤلف ذكر النص كله - كما نقلته عن " الإصابة " - لزال كُلُّ وَهْمٍ ولألقمه حَجَرًا، ولسد عليه طريق التهمة.
افْتِرَاءَاتٌ عَلَى العُلَمَاءِ كَيْ يُثْبِتَ تَجْرِيحَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
في ص [١٦٩] قال: وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم، ثم أخذ يدلل على هذه الدعوى الكاذبة بنقول أغلب الظن أنها مُلَفَّقَةٌ وغير صحيحة فنقل عن الإمام أبي حنيفة وعن إبراهيم النخعي (١) وعن الأعمش بل وعن أبي جعفر الإسكافي وعن ابن الأثير صاحب كتاب " المثل السائر " إلى أن قال: وجرت مسألة المُصَرَّاةِ في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة (٢) فَرَدَّ بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم فيما يرويه ونحا نحوه الرشيد.
والجواب:
----------
أن ما نسبه إلى الإمام أبي حنيفة من أنه قال: الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا، وَعَدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك، فهو كلام لم يعزه إلى كتاب موثوق به، ولم يبرز لنا سنده حتى ننقده، ونبين مبلغه من الصحة أو الضعف وأنا أقطع
_________________
(١) النخعي: النخع: محركة، قبيلة باليمن كما في " القاموس ".
(٢) حديث المُصَرَّاةِ هو ما رواه البخاري في " صحيحه " «كتاب البيوع»، باب المحفلة والمصراة. عن أبي هريرة قال: قال النَّبِي: «لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعَ تَمْرٍ».
[ ١١٩ ]
بكذب ما روي عن أبي حنيفة، ثم هو معارض بما ثبت عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ» وهي عبارة عامة تدل على قبول ما جاء عنه سواء رواه أبو هريرة أم غيره.
وكون الصحابة كلهم عدولًا لم يخالف فيه أحد من الأئمة الأربعة ولا من أصحابهم الموثوق بهم، وكل ما هنالك أن الحنفية جعلوا من أصولهم أن الراوي إن كان معروفًا بالفقه والاجتهاد فإنهم يقبلون خبره، سواء وافق القياس أم خالفه، وأما إذا كان معروفا بالرواية فإن وافق خبره القياس قُبِلَ، وكذا إذا خالف قياسًا ووافق قياسًا آخر، ولكن إذا خالف الأقيسة كلها لا يقبل وحجتهم في ذلك أن النقل بالمعنى كان مستفيضا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي لم يؤمن من أن يذهب شيء من معانيه فيدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس، وَمَثَّلُوا بحديث المصراة، فقد قالوا: إنه مخالف للقياس الصحيح من كل وجه، لأن ضمان المتلفات إما بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس بمثل ولا قيمة وقالوا: إن ضمان المتلفات بالمثل أو القيمة ثابت بالكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع إلى آخر ما قالوا (١) وبعضهم لم يأخذوا بالحديث لا لمخالفته للقياس، بل لمخالفته للكتاب وَالسُنَّةِ والإجماع، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا أن الحنفية لما توقفوا في بعض أحاديث أبي هريرة لم يقولوا إن ذلك لطعن في عدالته أو لاتهامه بالكذب كما زعم المؤلف، الذي تجنى بسوء فهمه على الحنفية، وأظهرهم بمظهر التاركين للأحاديث الصحيحة، الطاعنين في بعض الصحابة، ولا سيما أبو هريرة وإنما كان توقفهم بناء على هذا الأصل من أصولهم.
أَبُو هُرَيْرَةَ حَافِظٌ وَفَقِيهٌ:
والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مُسَلَّمٍ لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا
_________________
(١) " التوضيح على التلويح ": ج ٢ ص ٤٣٤، ٤٣٥. طبعة استامبول.
[ ١٢٠ ]
فقهاء علماء، وقد عَدَّهُ ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه في الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم (١)، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو مِمَّنْ قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: «مَنْ اِشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا» وهذا من فقه البخاري وَبُعْدِ نظره، وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن رَدَّ رواية الراوي غير الفقيه إذا خالفت القياس الجلي ليس أمرًا مُجْمَعًا عليه من الحنفية، وكذلك كون أبي هريرة ليس فيها مقالة لبعضهم، أما المُحَقِّقُونَ منهم فعلى خلاف هذا، وإليك ما قاله صاحب " عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان " (٢) (*) قال في أثناء الرَدِّ على من زعم أن الإمام أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك.
«الرَّابِعُ كَوْنُ رَاوِي الحَدِيْثِ غَيْرُ فَقِيْهٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ عِيْسَىْ بْنُ أَبَانٍ، وَتَابَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأَخِّرِيَنَ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ حَدِيثَ أُبَيِ هُرَيْرَةَ فِي المُصَرَّاةِ، وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ: لَيْسَ فِقْهَ الرَّاوِي شَرْطًا لِتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلَى القِيَاسِ، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ كُلِّ عَدْلٍ ظَابِطٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُنَّةِ المَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ عَلَى القِيَاسِ، قَالَ صَدْرُ الإِسْلاَمِ أَبُو اليُسْرِ: " وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ " وَبَسَطَ الكَلاَمَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وَصَاحِبٌ " التَّحْقِيقِ " بِمَا يُرَاجَعُ مِنْ كِتَابَيْهِمَا».
قَالَ صَاحِبُ " التَّحْقِيقِ ": «وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: " إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا " وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، حَتَّىَ قَالَ الإِمَامُ أَبِوَ حَنِيفَةَ: " لَوْلاَ الْرِّوَايَةِ لَقُلْتُ بِالقِيَاسِ "، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: " مَاجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَعَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنِ "، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطَ فِقْهِ الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلُ مُحْدَثٍ».
_________________
(١) " الإصابة في تمييز الصحابة ": ج ١ ص ١٢.
(٢) كتاب مخطوط بمكتبة الحرم المكي الشريف، وهو كتاب قيِّمٌ جدًا. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) رسالة جامعية: " عقود الجمان فى مناقب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان " تحقيق ودراسة، الباحث: أ. مولوى محمد ملا عبد القادر (أفغاني)، جامعة أم القرى - مكة المكرمة / كلية الدعوة وأصول الدين / كتاب وسنة، جزء واحد، إشراف الدكتور أحمد فهمي أبو سنة.
[ ١٢١ ]
وَقَالَ الإِمَامُ عّبْدُ الْعَزِيْزِ فِي " التَّحْقِيقِ ": «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيْهًا وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الاِجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِيَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ وَمَا كَانَ يُفْتِيَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلاَّ فَقِيهٌ، وَقَالَ الْشَّيْخُ مُحْيِي الدِّيْنُ القُرَشِيُّ صَاحِبُ " طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّةِ " فِيْ آَخِرِ " طَبَقَاتِهِ ": " أَبُوْ هُرَيْرَةَ - ﵁ - مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِيْ الفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا شَيْخُ الإِسْلاَمِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ المُصَرَّاةِ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَ بَعْضُهَا القُرَشِيُّ فِي آخِرِ " طَبَقَاتِهِ "».
ومهما يكن من شيء فليس في رَدِّ بعض الحنفية بعض مرويات أبي هريرة كحديث المصراة ما يطعن في روايته ولا ما يخل بعدالته، وأعتقد أن القارئ ليس في شك من هذا بعد هذا البيان الشافي، وليس أدل على أنهم لا يتهمونه ولا يطعنون في عدالته من أخذهم بكثير من مروياته كما تشهد بذلك كتبهم وهو أمر معروف مُسَلَّمٌ، قال الحافظ في " الفتح ": وَقَدْ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةُ القِيَاسَ الجَلِيَّ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ كَمَا فِي الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَمِنَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاَةِ وَغَيْر ذَلِكَ» وأما ما ذكره عن النَّخَعِيِّ قال: «كَانَ أَصْحَابُنَا يَدَعُونَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ» فلعل مراده - إِنْ صَحَّ - ما خالف من مروياته القِيَاسَ الجَلِيَّ كما هو مذهب الحنفية، وأما ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي فلا يخرج عما نقله عن النظام وشيعته وكذلك ما ذكره عن صاحب " المثل السائر "، وعن تنازعهم في مسألة المصراة في مجلس الرشيد وأنه وافق من قال: أبو هريرة متهم في روايته، فكلام لا سند له ولا عزو، ومثل هذا لا نلقي به بالا ولعله من الافتراءات التي ألصقت بالرشيد - وما أكثرها -.
اِعْتِمَادُ أَبِي رَيَّةَ فِي طُعُونِهِ عَلَى أَقْوَالِ المُسْتَشْرِقِينَ:
وبعد كل هذا لم يجد المؤلف بدا من أن يستعلن بعد المداجاة والاستخفاء ويكشف لنا عن مصدره الذي أورده المهالك فينقل في ص ١٧١ ما قاله: جولدتسيهر المستشرق اليهودي في أبي هريرة، والوقوف من أحاديثه موقف الحذر، ورمى «شبرنجر» له بأنه «المتطرف في الاختلاق ورعا» إلى آخر ما قال.
[ ١٢٢ ]
وكلها فرى ظاهرة مكشوفة لم تقم عليها أثارة من علم وقد عرضت في ردي لكل ما ذكره، فكن على ذكر منه، ولا تعجب من هذا فإن أبا رية قد أخذ كلام «جولدتسيهر» ونفخ فيه ما شاء له هواه وجهالته بالحديث أن ينفخ حتى جعل من الحبة قبة، ومن الكذب سرابا يظنه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وقد ظهر لك أبو رية على حقيقته دعي متطاول سليط اللسان، وسارق بارع يسطو على أفكار الناس وآرائهم ويتبجح بها لنفسه.
زَعْمُهُ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ لَقَّنَ أَبَا هُرَيْرَةَ الأَخْبَارَ المُلَفَّقَةَ المَكْذُوبَةَ:
ذكر في [ص ١٧٢] تحت عنوان «أخذه عن كعب الأحبار» أن علماء الحديث ذكروا في باب رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر: أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم رووا عن كعب الأحبار الذي أظهر الإسلام خداعا، وطوى قلبه على يهوديته، وأن أبا هريرة أول من انخدع به، وقد استغل كعب سذاجته فاستحوذ عليه ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي ولكي يُدَلِّلَ على ما قاله ذكر جملة من الروايات عن أبي هريرة مُبَيِّنًا أنها من الإسرائيليات التي أخذها أبو هريرة عن كعب ومقارنًا بين ما يرويه أبو هريرة، وما يقول كعب في بضع صفحات من كتابه.
وإليك الجواب:
أما ما يتعلق بكعب وأنه كان منافقًا يظهر الإسلام ويبطن اليهودية، فقد قدمت - في فصل سبق - الكلام عن كعب، وإني لَمْ أَرَ أَحَدًا رماه بهذا إِلاَّ ما كان من النَظَّامِ وَالمُسْتَشْرِقِينَ وذيلهم أَبِي رَيَّةَ، وأن علماء الجرح والتعديل لَمْ يُجَرِّحُوهُ على قرب عصرهم من عصره، وعلى ما رزقوا من علم وشفوف نظر في نقد الرجال ومعرفة الخفي من أحوالهم، وليس من العدل تجريح الناس بغير شُهُودٍ وَبَيِّنَةٍ، وأما رواية أبي هريرة وغيره كالعبادلة فليس بأمر جديد، وقد استوفى الإمام العراقي في " شرحه على مقدمة ابن الصلاح " ذكر الذين عرفوا من الصحابة بالرواية عن التابعين، ولسنا ننكر أن فيما روي عن كعب وغيره من علماء أهل الكتاب ما هو كذب في نفسه، وقد حَقَّقْتُ ذلك فيما سبق، ولكن علماء الحديث وَنُقَّادُهُ نقدوا كل هذا
[ ١٢٣ ]
وميزوا بين الصحيح والمعلول، والمقبول والمردود، وما هو موقوف على كعب من معارفه التي اكتسبها من كتب أهل الكتاب، وما وَهِمَ فيه بعض الرواة فرفعه إلى النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بحيث لم يدعوا زيادة لمستزيد ولا تَعْقِيبًا لِمُعَقِّبٍ، والذي ننكره على المؤلف أن يرمي أبا هريرة بأنه غر ساذج، وأن كعبًا استحوذ عليه حتى لقنه الكثير من الإسرائيليات واستبعاده أن يعرف أبو هريرة ما في التوراة وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ولا أدري كيف غاب عن المؤلف أن العلم لا يتوقف على معرفة القراءة والكتابة، مع أن الكلمة المسموعة لا تقل عن الكلمة المقروءة رُسُوخًا في النفس؟ وماذا يقول المؤلف في بعض الأكفاء في القديم والحديث الذين حصلوا من العلوم والمعارف ما لم يحصله غيرهم من المبصرين القارئين الكاتبين؟ ومن البدهي أن الكفيف لا يقرأ ولا يكتب، ولكن يسمع من الغير.
وهاك ما استشهد به على دعواه من أحاديث والجواب عنها: حديث «الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال في [ص ١٧٣]: روى البزار عن أبي هريرة أن النَّبِي - ﷺ - قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَقَالَ الحَسَنُ: " وَمَا ذَنْبَهُمَا؟ " فَقَالَ: " أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَتَقُولُ مَا ذَنْبَهُمَا؟ " وهذا الكلام قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: «يُجَاءُ بِالشَّمْسِ وَالقَمَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فَيُقْذَفَانِ فِي جَهَنَّمَ يَرَاهُمَا مَنْ عَبَدَهُمَا» وذكر مرجعه " حياة الحيوان " للدميري.
إن حديث البزار عن أبي هريرة ثابت، فقد ذكره الحافظ في " الفتح " (١)، وابن كثير في " تفسيره " (٢) وسكتا عنه، وناهيك بهما ناقدين بصيرين، وقد أخرج معناه الحافظ وأبو يعلى في " مسنده " من طريق يزيد الرقاش عن أنس وسنده فيه ضعف، وأخرجه الطيالسي مختصرًا، والذي أخرجه الإمام البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة مرفوعا ليس فيه أنهما ثوران عقيران ولا أنهما في النار، ولفظه: «الشَّمْسُ وَالقَمَرُ
_________________
(١) ج ٦ ص ٢٢٩.
(٢) ج ٩ ص ١٢٠.
[ ١٢٤ ]
مُكَوَّرَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (١).
ورواية البخاري صحيحة ولا شك، يؤيدها قول الحق ﵎: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢). وليس في الحديث بعد ثبوته ما يشكل من جهة متنه.
فإن قال قائل: وما ذنبهما حتى يعذبان؟ قلت: قد أجاب عن ذلك الإمام الخطابي فقال: «لَيْسَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَبْكِيْتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمْ كَانَتْ بَاطِلَةً» وليس من شك في أن جمع العابد والمعبود في النار غاية التوبيخ والسخرية والإيلام، وقال الإسماعيلي: «لاَ يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُما فَإِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً وَحِجَارَةً وَغَيْرِهَا لِتَكُونَ لأَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَآلَةً مِنْ آلاَتِ العَذَابِ، وَمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ تَكُونُ هِيَ مُعَذَّبَةً».
وإن قال قائل: وكيف يؤتى بالشمس والقمر ويكوران ويلقيان في النار والنار تضيق بالقمر فضلا عن الشمس، وهذا أمر يعلمه أهل الفلك وغيرهم؟ قلنا: إن ذلك سيكون يوم القيامة، وأحوال يوم القيامة لا تقاس على أحوال الدنيا، فستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وسيتغير نظام العالم الذي هو عليه اليوم، وشواهد ذلك من القرآن أكثر من أن تحصى، والله سبحانه الذي خلق هذه الأجرام قادر أن يُكَوِّرَ ما يشاء تكويره منها ويخسف ما يشاء من نورها وَيُصَغِّرَ ما هو كبير منها، ويكبر ما هو صغير منها، وهذا مِمَّا لا ينبغي أن يتشكك فيه مُوَحِّدٌ، أما الملحدون واللادينيون فللكلام معهم طريق آخر، ورواية كعب التي ذكرها لم أعثر عليها في كُتُبِ السُنَّةِ ولا التفسير وكتاب " حياة الحيوان " لاَ يُعَوَّلُ عليه في ثبوت الرواية، ولو سلمنا ثبوتها فهي لا تسعف المؤلف ولا تشهد لما قصد إليه من الطعن في أبي هريرة، لجواز أن يكون علم هذا من كتب أهل الكتاب، وليس كل ما فيها باطلًا ففيها الحق والباطل، والقرآن وَالسُنَّةُ الصحيحة هما الشاهدان على ما فيها من حق أو باطل
_________________
(١) «كتاب بدء الخلق» باب صفة الشمس والقمر، " الفتح ": ج ٦ ص ٢٢٩.
(٢) [سورة الأنبياء، الآية: ٩٨].
[ ١٢٥ ]
أو يكون علمه من أبي هريرة أو أنس، وليس تجويز أن أبا هريرة أخذه عن كعب ثم رفعه بأولى من تجويز أن يكون كعب أخذه منه، ولا سيما وقد جاء في القرآن ما يشهد لما رواه، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - ﷺ - شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ.
اسْتِدْلاَلُ أَبِي رَيَّةَ بِحَدِيثٍ مَوْضُوعٍ فِي الطَّعْنِ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ:
قال في [ص ١٧٤] وروى الحاكم في " المستدرك " ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ العَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ» قَالَ: «فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِي كَاذِبًا» قال: وهذا الحديث من قول كعب ونصه: إنَّ للهِ دِيكًا إلخ.
والجواب:
أنَّ متن هذا الحديث قد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وأحرى به أن يكون موضوعًا، والحاكم معروف بالتساهل في التصحيح، وَمِمَّا يدل على عدم ثبوته اَيْضًا ما قاله ابن قيم الجوزية في " جواب الأسئلة الطرابلسية " بعد سرده جملة من أحاديث الديك قال: «وَبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ أَحَادِيثِ الدِّيكِ كَذِبٌ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًا:
" إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا "» (١)
وإذا كان الحديث مُخْتَلَقًا مَوْضُوعًا فلا يثبت عن أبي هريرة ولا عن رسول الله، وبذلك انهار الأساس الذي بَنَى عليه كلامه، ويكون قول كعب إن ثبت من الإسرائيليات المبثوثة في كتب أهل الكتاب.
طَعُنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمِهِ لَهُ:
قال في [ص ١٧٤] وروى أبو هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:
«النِّيلُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (٢) وهذا القول رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار
_________________
(١) " كشف الخفاء ومزيل الألباس ": ج ١ ص ٤١٤.
(٢) قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم ":ج ١٧ ص ١٧٦ «اعْلَمْ أَنَّ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ غَيْرُ سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ =
[ ١٢٦ ]
الجنة وصفها الله - ﷿ - في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة.
والجواب:
إنَّ الحديث الذي رواه أبو هريرة صحيح غاية الصحة وهو في " صحيح مسلم " بلفظ: «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلُّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ»، والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إليه بعضهم، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفتها وعذوبتها وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وقيل: إن في الكلام حَذْفًا، والتقدير من أنهار أهل الجنة ففيه تبشير من النَّبِيِّ - ﷺ - أن الله سينجز له وعده وسينصره وسيظهر له دينه على الأديان حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها - إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر - وهذا ما كان فلم يمض قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسي إلى بلاد الهند، وأيا كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعًا وقد كان الصحابة بذكائهم وصفاء نفوسهم وإحاطتهم بالظروف والملابسات التي قيل فيها هذا الحديث وأمثاله يدركون ما يريده النَّبِيُّ - ﷺ - من مثل هذا الحديث الذي قد يشكل ظاهره على البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم - على ما كانوا عليه من حُرِيَّةَ الرأي والصراحة في القول استشكال مثل هذا الحديث.
وأما ما ذكره عن كعب فقد عزاه إلى " نهاية الأرب " وهو لا يعتمد عليه في ثبوت الأحاديث، وكلامه إن ثبت فهو محمول اَيْضًا على التشبيه، وبقليل من التأمل يَتَبَيَّنُ لنا أن ادِّعَاءَ تأثر أبي هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظننًا وتخمينًا، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيرًا لحديث أبي هريرة
_________________
(١) = فَأَمَّا سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فِي بِلاَدِ الأَرْمَنِ فجَيْحَانَ نَهْرُ المَصِيصَةِ وَسَيْحَانَ نهر إذنه وَهُمَا نَهْرَانِ عَظِيمَانِ جِدًّا. وَأَمَّا قَوْلُ [الْجَوْهَرِيِّ] (*) فى " صحاحه ": جيحان نهر بالشام فَغَلَطٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَيْحَانَ وَكَذَلِكَ سَيْحُونُ غَيْرُ سَيْحَانَ»، ثم أنكر على عياض تسويته بين سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) الجوهري، وليس (الأزهري) انظر " الصحاح " للجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار: ٥/ ٢٠٩١، الطبعة الرابعة: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، نشر دار العلم للملايين. بيروت - لبنان.
[ ١٢٧ ]
على ضوء ما فهمه من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١).
اسْتِدْلاَلُهُ بِحَدِيثٍ فِي رَفْعِهِ نَكَارَةٌ وَوَهْمٌ:
قال: وقال ابن كثير في " تفسيره ": «إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه كما رواه أحمد عن أبي هريرة: «إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلخ» وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب) قال ابن كثير: لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويُحَدِّثُه.
والجواب:
أن الحديث ذكره ابن كثير في " تفسيره "، وذكر رواية الإمام أحمد ورواية الترمذي وأنه قال: إسناده قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لأحكام بنائه وصلابته وشدته.
قال ابن كثير: ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار ثم ذكر خبرًا آخر قريبًا منه في معناه، وليس هو هو إلى أن قال: ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرًا ما يجالسه وَيُحَدِّثُهُ فَحَدَّثَ به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه (٢)، ومن عجب أن المؤلف لما نقل كلام ابن كثير حذف متعمدًا قوله: «فَتَوَهَّمَ » وذلك لأنها ترد عليه فيما زعم وادعى أن أبا هريرة كان يأخذ كلام كعب ويرفعه، فانظروا كيف تكون الأمانة في النقل، وكيف تكون الأساليب الملتوية في البحث.
والذي أميل إليه أن الحديث غير ثابت وأنه منكر كما قال ابن كثير، ويرجح عدم الثبوت أن في سنده قتادة، وهو معروف بالتدليس فلعل البلاء فيه من المحذوف.
_________________
(١) [سورة محمد، الآية: ١٥].
(٢) " تفسير ابن كثير ": ج ٥ ص ٣٣٢، ٣٣٣.
[ ١٢٨ ]
هذا إلى مخالفته للقرآن كما أسلفنا، وَلِلْسُنَّةِ المَشْهُورَةِ، ففي " الصحيحين " أن رسول الله - ﷺ - قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِه وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا». وإذا كان الحديث غير ثابت فقد انهار الأساس الذي بنى عليه مزاعمه.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ":
قال في [ص ١٧٤] وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».
وهذا الكلام قد جاء في " الإصحاح الأول " من التوراة - العهد القديم - ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه.
وذكر في الحاشية أن من روايات هذا الحديث: وطوله - أي آدم - ستون ذراعًا، وفي رواية على صورة الرحمن، وقد انتقد هذا الحديث من ابن حجر في " الفتح " فقال: «ويشكل على هذا - من الآن (١) الآثار للأمم السابقة كديار عاد وثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه هذا الترتيب الذي ذكره أبو هريرة.
والجواب:
أن الحديث مروي في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة، ولا يضير أبا هريرة أن يكون ما رواه من الحديث موافقًا لما في التوراة، فالكل من عند الله ووحيه، وَالقُرْآنُ وَالسُنَّةُ الصَّحِيحَةُ هما المهيمنان والشاهدان على الكتب السابقة، فما جاء في القرآن مُصَدِّقًا لما في التوراة والإنجيل فهو حق ولم يدخله تحريف ولا تبديل قال الله تعالى في سورة المائدة - بعد ما ذكر التوراة والإنجيل وتصديق الإنجيل لما في التوراة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
_________________
(١) الذي في " الفتح ": «وَيَشْكُل عَلَى هَذَا مَا يُوجَد الآن مِنْ آثَار » ولكن المؤلف يخطف في نقله من غير تَثَبُّتٍ كما يخطف في تفكيره من غير وعي.
[ ١٢٩ ]
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (١).
فالحديث صحيح من جهة سنده ومن جهة متنه ومعناه، سواء أكان الضمير في صورته راجعًا لآدم أو راجعًا لله - ﷿ - كما في الرواية الأخرى: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فإن كان الضمير لآدم - وهو الراجح الذي ينبغي أن يصار إليه على مقتضى القواعد العربية - فالأمر ظاهر، ويكون المعنى إن الله أوجده على هذه الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته بل خلقه رجلًا كاملًا سَوِيًّا من أول ما نفخ فيه الروح، وفي هذا أبلغ الرَدِّ على الطبيعين والماديين، وإن قلنا إن الضمير يعود على البارئ - جَلَّ وَعَلاَ - فالكلام في هذا معروف مشهور، فمذهب السلف الإيمان به كما ورد، وإمراره من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف مع تفويض علم معرفة الحقيقة إلى الله، ومذهب الخلف تأويله بما يتفق هو واللغة والشرع والعقل، والتأويل في مثل هذا سهل وقريب: أي على صفته من الحياة والعلم والسمع والبصر ونحوها.
وما استشكله الحافظ ونقله أَبُو رَيَّةَ ليشكك القارئ في الحديث فلا إشكال فيه والحمد لله، فعمر الدنيا لا يقدر ببضع آلاف السنين ولا بعشرات الآلاف وإنما يقدر بملايين السنين، وإلى هذا ذهب الباحثون في علوم طبقات الأرض والأجناس والحيوان والطيور، فليس ببعيد أن يتناقص خلق ذرِيَّةَ آدم في هذه الآباد الطويلة حتى وصل إلى ما نحن عليه الآن، وإذا كان الحافظ قد استشكل ذلك في عصره فلا محل اليوم للاستشكال بعد تقدم العلوم والمعارف، ويظهر لي أن الحافظ كان متأثرًا في مقالته هذه بما يزعمه أهل الكتاب عن عمر الدنيا وأنه سبعة آلاف سَنَةٍ وهو باطل ولا شك، وقد تبين له فيما بعد أن لا استشكال وأن عُمْرُ الدنيا أكثر من ذلك فقال في أثناء ذكر ما يستنبط من الحديث: «وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي بَيْنَ آدَم وَالْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة فَوْق مَا نُقِلَ عَنْ الإِخْبَارِيِّينَ مِنْ أَهْل الكِتَاب وَغَيْرهمْ بِكَثِيرٍ» (٢).
_________________
(١) [سورة المائدة، الآية: ٤٨].
(٢) " فتح الباري ": ج ١١ ص ٦.
[ ١٣٠ ]
على أنه يجوز أن يكون الحديث سبق لبيان فرط طوله من غير خصوص كونه ستين ذراعًا فيكون المراد به التكثير، ولعل مِمَّا يُقَوِّي هذا الفهم ما رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلًا طُوَالًا كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ». ومن بعد ذلك كله فما هي الصلة التي بين موافقة ما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ لما في التوراة وبين ما زعمه من أخذ أبي هريرة عن كعب الأحبار، وكعب لا صلة له بهذه القصة البتة؟!!.
افْتِرَاؤُهُ عَلَى مَالِكٍ فِي إِنْكَارِهِ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ:
ولما كان جُلُّ هَمِّ المؤلف التشكيك في الأحاديث ولا سيما ما رواه أبو هريرة فقد قال في حاشية [ص ١٧٥] بعد استشكال الحافظ للحديث: وأنكر مالك هذا الحديث وحديث «إِنَّ اللهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَإنه - أي الله سبحانه - يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد» إنكارًا شديدًا وحديث «كشف الساق» من رواية أبي هريرة في " الصحيحين " - عند البخاري - «فَيَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا».
وإني لأقول للمؤلف وأشباهه:
إن المتكلم في مثل هذه المباحث الشائكة والأحاديث المشتبهة يجب عليه - إن كان بَاحِثًا حَقًّا - أن يدلنا على مصدره، ولا ندري في أي كتاب أنكر مالك هذا (*)، والذي يظهر لي من تتبع كلام المؤلف أنه إذا لم يجد لافتراءاته سَنَدًا يلقي الكلام جزافًا ويرسله على عواهنه، وهذه الأحاديث التي أشار إليها من المتشابهات، وقد شاء الله سبحانه أن يأتي بالمتشابه في قرآنه وأن يأتي به نَبِيَّهُ في أحاديثه، ليكون فتنة لأبي رِيَّةَ وأمثاله الذين لم تشرق قلوبهم بنور الإيمان، ولم ترق عقولهم إلى الإيمان بالمغيبات:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١).
ومذهب السلف فيها معروف، ولو أنه كذب على غير مالك لجاز هذا عند بعض الناس أما مالك فمقالته في المتشابه معروفة مشهورة، فقد قال لمن سأله عن الاستواء: «الاِسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة، أَخْرِجُوهُ
_________________
(١) [سورة آل عمران، الآية: ٧]. --------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) جاء في " التمهيد " لابن عبد البر: عن ابن القاسم قال: «سألت مالكًا عَمَّنْ يُحَدِّثُ الحَدِيثَ " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ على وصورته " وَالحَدِيثَ " إِنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِي النَّارِ يَدَهُ حَتَّى يُخْرِجَ مَنْ أَرَادَ " فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إِنْكَارًا شَدِيدًا وَنَهَى أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ أَحَدًا وَإِنَّمَا كَرِهَ ذلك مالك خَشْيَةَ الخَوْضِ فِي التَّشْبِيهِ بِكَيْفٍ هَا هُنَا». " التمهيد " لابن عبد البر، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، سَنَةَ ١٣٨٧ هـ، نشر وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.
[ ١٣١ ]
عَنِّي فَإِنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ».
ولم يكذب المؤلف على مالك وحده، بل كذب على أبي هريرة اَيْضًا وعلى صاحبي " الصحيحين "، فقد روى البخاري الحديث الذي فيه الساق عن أبي سعيد الخُدري (١)، ورواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخُدري اَيْضًا (٢) وأما حديث أبي هريرة في " الصحيحين " فهو في معنى حديث أبي سعيد، ولكن ليس فيه مسألة الساق.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ صِفَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
وقال في [ص ١٧٥] ولما ذكر كعب صفة النَّبِيِّ في التوراة قال أبو هريرة في صفته - ﷺ -: «لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَلاَ صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ» وهذا نص كلام كعب
وبحسبي في الرَدِّ ما قدمته فيما سبق، حينما زعم أن صفة النَّبِيِّ في التوراة خرافة وضعها كعب، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص أخذها عنه.
وأزيد هنا فأقول: كونه - ﷺ - لم يكن فاحشًا ولا متفحشا مِمَّا لا يختلف فيه اثنان ويقر به الأعداء والأصدقاء، كون أبي هريرة أو غيره روى هذه الصفات لا يتوقف بحال من الأحوال على كون كعب ذكر أن هذه صفاته في التوراة، لأن هذه الأخلاق المحمدية كانت معلومة لهم بالمشاهدة والملاحظة.
تَحْقِيقُ الحَقِّ فِي حَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ»:
قال في [ص ١٥٧] اَيْضًا: وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ مِنْ آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ».
_________________
(١) كتاب التوحيد. بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة، الآية: ٢٣].
(٢) " مسلم بشرح النووي ": جـ (*) ص ٢٥ وما بعدها. --------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) سقط ذكر المجلد من " شرح النووي على صحيح مسلم " هنا، انظر " شرح صحيح مسلم " للإمام النووي، ٣/ ٢٧ و١٨/ ٧٧، الطبعة الثانية: ١٣٩٢ هـ، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ١٣٢ ]
وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد والنسائي عن أبي هريرة، وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار، لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال: ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النَّبِي - ﷺ - وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به. قال: وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أَنْ يُحِلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها ثم تَهَكَّمَ بأبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم!.
وللجواب عن ذلك أقول:
هذا الحديث قد تنبه إليه المُحَدِّثُونَ من قديم الزمان، وَأَعَلُّوهُ وَتَكَلَّمُوا فيه فمنهم من قال: إنه غير ثابت لأن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى وإبراهيم لا يحتج به، فقد سئل عنه علي بن المديني شيخ البخارى فقال: «وَمَا أَرَى إِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ أَخَذَ هَذَا إِلاَّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى» وإبراهيم بن [أبي] يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد «كَانَ قَدَرِيًّا مُعْتَزِلِيًّا جَهْمِيًّا، كُلُّ بَلاَءٍ فِيهِ تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ وَكَانَ يَضَعُ» وقال ابن معين: «كَذَّابٌ رَافِضِيٌّ» فبمثل هذا السند لا يثبت متن الحديث ولا المشابكة المسلسل بها بسبب وجود إبراهيم في السند صراحة أو تدليسًا (١) وإذا كان الحديث [مُخْتَلَقًا] مكذوبًا على النَّبِي وعلى أبي هريرة ومن جاء بعده من الثقات فلا يصح أن يرتب عليه باحث حُكْمًا هو فرع عن ثبوته.
ومنهم من أنكر رفع الحديث إلى النَّبِي - ﷺ - وأن أبا هريرة إنما أخذه من كعب الأحبار، وأن بعض الرواة وهم في رفعه والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في " تاريخه " فقال «رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عن كَعْبِ الأَحْبَارِ وَهُوَ الأَصَحُّ» ووافقه على هذا العلاَّمة ابن كثير قال:
_________________
(١) " الأسماء والصفات ": ص ٣٨٤.
[ ١٣٣ ]
«فَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مِمَّا تَلَقَّاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبٍ عَنْ صُحُفِهِ فَوَهِمَ بَعْضُ الرُوَاةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا إِلَىَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِي» (١).
ومهما يكن من شيء فأبو هريرة بريء مِمَّا غمزه به أَبُو رَيَّةَ ولمزه واتهمه من رفع الحديث إلى رسول الله - ﷺ - والكذب عليه حتى صار يتهكم بأبي هريرة ما شاء له هواه أن يتهكم ويزيد في ذلك ويعيد، لأنه إن كان الأمر كما قال [ابن المديني] ومن تابعه فيكون أبو هريرة بريء كل البراءة من تبعة هذا الحديث، ويكون كل ما نسب إلى أبي هريرة في الحديث من لفظه ومن سماعه، وقوله: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي» غير ثابت، ولا يعدو أن يكون مجرد افتراء قصد به الواضع التلبيس والتمويه وإظهار الباطل المُزَوَّرَ في صورة الحق الثابت المؤكد، وإن كان الأمر كما قال البخاري وابن كثير فيكون أبو هريرة بريء من تبعة رفعه، وأنه لم يقل: «سمعت رسول الله ولا أخذ بيدي » إلخ وإنما الواهم توهم الرفع فرفعه وأكده بهذا، ولعلك أيها القارئ المُتَثَبِّتُ
تبتسم وتطيل الابتسام كما ابتسمتُ أنا وأطلتُ الابتسام من تحدي أَبِي رَيَّةَ الصارخ لعلماء الحديث في مصر بل والعالم الإسلامي قاطبة - أن ينتشلوا شيخهم أبا هريرة من الهوة التي سقط فيها فقد ظهر لك وجه الحق، وأنه لا هوة ولا سقوط، وأنه بَنَى مزاعمه على شَفَا جُرْفٍ هَارٍ فانهار به في نار جهنم وبئس المصير.
وإن من يقرأ كلام أَبِي رَيَّةَ لَيُخَيَّلُ إليه أنه في زهوه قد غزا الأجواء وفتح أبواب السماء، وهذا يدل على الجهل الممزوج بالغرور المتطاول، وليس أضر على الباحث من هاتين الصفتين: الجهل والغرور.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ ":
في [ص ١٧٦] قال: وروى البخاري عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال (٢): «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ج ١ ص ١٧، ١٨. " تفسير ابن كثير ": ج ٣ ص ٤٨٨، ج ٧ ص ٣٢٦.
(٢) لَقَدْ أَخْطَأَ المُؤَلِّفُ فِي جَعْلِهِ مِنْ كَلاَمِ النَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ مُتَمَرِّسًا فِي الفَنِّ لَقَالَ كَمَا فِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ ": =
[ ١٣٤ ]
إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، [وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ]، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». قال: ومن له حاسة في شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية، ثم أتى في الحاشية فيقول: تفرد " البخاري " بإخراج هذا الحديث دون " مسلم " وسائر أصحاب النَّبِيِّ (كذا) و" مسند أحمد "، وقد طعن الأئمة في هذا الحديث، وبعد ذكر ما اعتبره طعنًا قال: ويبدو لي أنَّ أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه فقد وقع في " الحِلْيَةِ " من ترجمة هذا الكاهن (وهب): وإني لأجد في التوراة أن الله تعالى يقول: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ».
والجواب:
أن هذا الحديث خرجه البخاري في " صحيحه " (١) فهو صحيح، ولا يخل بصحته أن كان بعض رجاله قد انتقدوا وهو خالد بن مخلد شيخ البخارى وشريك بن عبد الله، لأن الإنسان أعرف بشيوخه من غيره، وإذا تعارض قول البخاري في رجل وقول غيره فالقول ما قاله البخاري فقد كان نسيج وحده في معرفة علل الحديث وتاريخ الرجال حتى لقد قَبَّلَهُ الإمام مسلم بين عينيه لما كشف له عن علة خفية في حديث ولقبه بأستاذ الأستاذين فلو كان في رواة الحديث ما يخل بالصحة لما أخرجه البخاري، والحديث وإن كان لم يخرجه مسلم في " صحيحه " ولا أحمد في " مسنده " قد خرجه غيرهما من أئمة الحديث، فقد خرجه البيهقي في " الزهد " وأبو يعلى والبزار والطبراني، بل خرجه الإمام أحمد في " كتاب الزهد "؟ ولم ينفرد بالحديث أبو هريرة، فقد رواه غيره من الصحابة منهم عائشة وعلي وأبو أمامة وابن عباس وأنس وحذيفة
_________________
(١) = «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى» إلخ لأَنَّهُ مِنَ الأَحَادِيثِ القُدْسِيَّةِ وَلَوْ كَانَ يَنْقُلُ عَنْ تَعَقُّلٍ لأَدْرَكَ أَنَّ الكَلاَمَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى النَّبِيِّ لأَنَّ المَعَانِي التِي فِيهِ لاَ يَصِحُّ أنْ تُسْنَدَ إِلاَّ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(٢) «كتاب الرقاق»، باب التواضع، انظر " فتح الباري ": ج ١١ ص ٢٨٦.
[ ١٣٥ ]
ومعاذ بن جبل ولم يتفرد به رواته فقد روي من طرق أخرى كثيرة وإن كانت لا تخلو من ضعف ولكنها يقوي بعضها بعضًا، وقد صدع بهذا الحافظ الحُجَّةُ الثبت ابن حجر وهو كما وصفه المؤلف أمير المؤمنين في الحديث قال الحافظ في " الفتح " (١) «وَإِطْلاَق أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا الْمَتْنُ إِلاَّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْدُودٌ» إلى أن قال: «وَلَكِنْ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنْ لَهُ أَصْلًا» ثم شرع يسرد هذه الطرق ومن خرجها من أصحاب الكتب، ومن رويت عنه من الصحابة، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث لا مطعن يعتد به في سنده وأما من ناحية المعنى فلا شيء فيه إِلاَّ ما كان من قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ إلخ» وفي القرآن المتواتر وَالسُنَّةِ الصَّحِيحَةِ من أمثال هذا الحديث شيء غير قليل، فلو رددنا هذا بسبب أنه مشكل لرددنا الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
وللعلماء في هذا وأمثاله رأيان:
١ - رأي السلف وهو الإيمان به كما ورد مع عدم التمثيل والتكييف وتنزيه الله عن ظاهره المعروف لنا، وتفويض علم معرفة حقيقته إلى الله - ﷿ -.
٢ - رأي الخلف وهم المُؤَوِّلَةِ وقد حملوا الكلام على المجاز وذلك بتمثيل حب الله أولياءه المؤمنين وكراهية إيذائهم وإساءتهم بهذه الصورة المعبرة المفهومة عند البشر، وبعضهم حمل التردد من الملائكة لا من الله، لكنهم لما كانوا رسل الله فنسب ما هو إليهم إلى الله لأنه هو الذي أرسلهم، وقد بسط الكلام على هذا الحافظ في " الفتح " فليرجع إليه من يشاء الاستزادة.
ومن خيانة المؤلف في النقل أنه ذكر كلام الخطابي فاقتصر على الاستشكال ولم يذكر ما أجاب به، وَتِلْكَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، وإليك كلام الخطابي بتمامه لتعجب من صنيع أَبِي رَيَّةَ، قال الخطابي: «التردد في حق الله غير جائز والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلين: أحدهما أن الإنسان قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه وفاقة تنزل به فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع عنه
_________________
(١) ج ١١ ص ٢٨٦.
[ ١٣٦ ]
مكروهها، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر بالبقاء لنفسه، والثاني أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن إلخ» ما قال.
ثم ما الذي حمل المؤلف على هذا الحُكْم الجائز على الحديث: ألأن وَهْبًا ذكر أن في كتب الأنبياء مثل هذا؟ ولم لا يكون هذا مِمَّا ذكره عن موسى ربهما ومحمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ثم ما رأيك يا صاحب الأنف البوليسية أن معظم الحديث لا يتفق هو وما عرف عن بني إسرائيل من الشكاسة والصلابة وسوء الطباع حتى وصفتهم التوراة بأنهم شعب صلب الرقبة، وإيغالهم في حب المادة والبعد عن الروحانيات، وإنا لنحمد الله - سبحانه - أنه لم يرزقنا حاسة شم كحاستك، ولا أنفًا كأنفك الصهيوني البارع!
زَعْمُهُ فِي حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّهُ مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
وبعد أن صب المؤلف على أبي هريرة ذَنُوبًا من سفاهه ورميه بالسذاجة والغفلة في [ص ١٧٧] قال: «وإليك مثلا من ذلك نختم به ما نقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النَّبِيِّ وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول».
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾» (١).
ثم ذكر أن أبا هريرة لم يكد يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فَصَدَّقَ كلامه وذكر من أوصافها ما ذكر
والجواب:
أنَّ هذا الحديث لم يروه الإمام أحمد فحسب بل رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم في " صحيحيهما "، ولو أن الرواية كانت عن أبي هريرة وحده لجاز أن ينخدع بعض الناس بهذا القول، ولكن الحديث رُوِيَ عن غير أبي هريرة من الصحابة الذين لا يعتبرون عند المؤلف ذوي سذاجة وغفلة كما زعم ذلك بالنسبة
_________________
(١) [سورة الواقعة، الآية: ٣٠].
[ ١٣٧ ]
لأبي هريرة، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة وأنس (١) وعن سهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٢) ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وأبي سعيد الخُدري (٣) فما رأيك يا باحث العصر في الثلاثة الآخرين من الصحابة؟ هل استغفلهم كعب كما استغفل أبا هريرة - على ما زعمت -؟ ومن يصدق أن صحابة رسول الله الذين كانوا خير أُمَّةٍ أخرجت للناس، وضرب الله لهم الأمثال في التوراة والإنجيل كانوا إلى هذا الحد من السذاجة والغفلة؟ بعض الحياء يا بوق المُبَشِّرِينَ وصدقت الحكمة النبوية: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ».
ومن خيانة المؤلف أن يجعل مرجعه " تفسير ابن كثير " مِمَّا يوهم القارئ أن ابن كثير يوهن الحديث كما هو ديدنه في العزو إلى ابن قتيبة، وقد رجعت إلى " تفسير ابن كثير " (٤) فوجدته بسط روايات الحديث بما لا مزيد عليه ثم قال ما نصه: «فَهَذَا الحَدِيثُ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوْعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ وَثِقَةِ رِجَالِهِ».
فقلت: يا عجبا لأمر هذا المؤلف!!! وصدق الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٥)
رَمْيُهُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِضَعْفِ الذَّاكِرَةِ وَاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ:
في [ص ١٧٧] قال: تحت عنوان «ضعف ذاكرته» كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان، لا تكاد ذاكرته تمسك شيئًا مِمَّا يسمعه ثم زعم أن النَّبِيَّ دعا له فأصبح لا ينسى شيئًا يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك لكي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه».
وروى " مسلم " عن الأعرج قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ
_________________
(١) «كتاب بدء الخلق»، باب صفة الجنة والنار - " فتح الباري ": ج ٦ ص ٢٥١.
(٢) «كتاب الرقاق»، باب صفة الجنة والنار - " فتح الباري ": ج ١١ ص ٣٥٥.
(٣) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ١٧ ص ١٦٧، ١٦٨.
(٤) ج ٨ ص ١٨٧، ١٨٨.
(٥) [سورة الرعد، الآية: ٣٣]، [سورة الزمر، الآيتان: ٢٣ و٣٦]، [سورة غافر، الآية: ٣٣].
[ ١٣٨ ]
أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهُ المَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا، أخدُم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي " فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ».
قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة ولم يذكر في حديثه الرواية عن النَّبِيِّ: من بسط ثوبه ولا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله.
مُتَابَعَةُ المُؤَلِّفِ لِلْمُسْتَشْرِقِينَ فِي كُلِّ مَا زَعَم:
وإليك جوابنا عن هذه المزاعم الباطلة:
١ - إن هذا ليس من بنات أفكاره وإنما هو كلام «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي عدو الإسلام والمسلمين، أَبُو رَيَّةَ لم يكن إِلاَّ بوقًا يُرَدِّدُ كلام هذا اليهودي، وإنْ كان - والحق يقال - أَعَفَّ من المؤلف، وإليك ما قاله جولدتسيهر لترى أنَّ المؤلف تابعه حذو النعل بالنعل قال: وقد اختلق الناس قصة تُبَرِّرُ اعتقادهم بعصمة ذاكرته عن الوقوع في الخطأ فقالوا: إنَّ النَّبِي لفه بيده في بُرْدَةٍ بسطت بينهما أثناء حديثهما، وبذلك ضمن أبو هريرة لنفسه ذاكرة تحفظ كل ما سمع إلخ ما قال (١).
وقصة بَسْطِ الرِّدَاءِ مروية في " الصحيحين " وغيرهما من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة (٢) وليس في العقل ولا النقل ما يخالفها، بل جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا حتى شهد له بِقُوَّةِ الحفظ الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل العلم وَعَدُّوا هذا من المعجزات النبوية الظاهرة، ومن خصائص أبي هريرة أخرج البخاري في " التاريخ "والبيهقي في " المدخل " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ بْن عُمَارَة بْنِ حَزْم أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِس فِيهِ مَشْيَخَة مِنْ الصَّحَابَة بِضْعَة عَشَر رَجُلًا، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمْ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفهُ
_________________
(١) انظر " دائرة المعارف الإسلامية ": ص ٤٠٨ المجلد الأول.
(٢) " فتح الباري ": ج ١ ص ٧٣، ٧٤. و" مسلم بشرح النووي ": ج ١٦ ص ٥٢، ٥٣.
[ ١٣٩ ]
بَعْضهمْ، فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ يُحَدِّثهُمْ بِالْحَدِيثِ كَذَلِكَ حَتَّى فَعَلَ مِرَارًا، فَعَلِمْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحْفَظ النَّاس».
وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» قال الترمذي: حسن، وقصته مع مروان وكاتبه مشهورة (١) وقال الشافعي - وهو إمام في المعقول والمنقول -: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فهل من البحث الصحيح والمنطق السليم أن ندع كلام هؤلاء الأئمة ونأخذ بكلام المُسْتَشْرِقِينَ ومتابعيهم؟.
٢ - محاولة المؤلف التشكيك في قصة بَسْطِ الثَّوْبِ وَالرِّدَاءِ بأن الإمام مسلمًا قال: إن مالكًا انتهى حديثه عند قول أبي هريرة الموقوف عليه ولم يذكر قصة البسط، وزعمه أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله محاولة فاشلة تنم عن جهل عميق بمقصد مسلم وطريقة المُحَدِّثِينَ، وعن بغض دفين لأبي هريرة حمله على أن يُحَرِّفَ الكلم عن مواضعه، والذي في " صحيح مسلم " أن الزُّهْرِي راوي الحديث عن ابن المسيب عن أبي هريرة قد روى عنه الحديث ثلاثة: مالك وسفيان بن عيينة ومعمر، أما مالك فقد اقتصر على كلام أبي هريرة وهو دفاعه عن نفسه وبيان الأسباب التي هيأت الإكثار، وأما سفيان ومعمر فقد ذكرا قصة الثوب ومقالة النَّبِيِّ - ﷺ - فالقصة وردت عن الزُّهْرِي من طريق ابن عيينة ومعمر وناهيك بهما إمامين جليلين، وكذلك وافق سفيان بن عيينة ومعمر في ذكر القصة إبراهيم بن سعد وحديثه عند البخاري (٢).
وأما كون قصة الثوب مقتضبة عما قبلها فشيء لا وجود له إِلاَّ في وهم قائله لأنها وثيقة الصلة بما قبلها، ذلك أن أبا هريرة بعد أن بين أن تفرغه من الشواغل الدنيوية وملازمته لرسول الله - ﷺ - من الأسباب الحاملة له على الإكثار، ناسب أن يذكر سببا آخر وهو عدم نسيانه حديث رسول الله - ﷺ - ببركة دعائه له، على أن قصة بسط الثوب قد وردت مستقلة في " صحيح البخاري " من طرق عدة صحيحة عن أبي هريرة واعتبرها الأئمة من فضائل أبي هريرة ومن المعجزات النبوية قال الحافظ في " الفتح ": «وَفِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ " يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ " وَ«حَدِيثُ بَسْطِ
_________________
(١) " الإصابة في [تمييز] الصحابة " [لابن حجر العسقلاني]، ترجمة أبي هريرة.
(٢) «كتاب المزارعة»، باب ما جاء في الغرس.
[ ١٤٠ ]
الثَّوْبِ» فَضِيلَة ظَاهِرَةٌ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّة؛ لأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ، وَقَدْ اِعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِر مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -» وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف قد أخطأ فهم عبارة " مسلم " وأنه طعن في غير مطعن.
تَصَيُّدُهُ وَتَحْرِيفُهُ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ كَيْ يُثْبِتَ نِسْيَانَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
ولأجل أَنْ يُبَرِّرَ المؤلف تجنيه على أبي هريرة وأنه اختلق قصة بسط الثوب صار يتصيد بعض روايات زعم أنها تخالف حديث عدم النسيان فقال في [ص ١٧٨] مُتَهَكِّمًا:
على أن هذه الذاكرة القوية التي اختص بها أبو هريرة من دون الصحابة جميعًا بل من دون ما ذرأ الله من الطباع الإنسانية قد خانته في مواضع كثيرة، وأن ثوبه الذي بسطه قد تمزق فتناثر ما كان قد ضمه بين أطرافه وإليك أمثلة من ذلك، ثم ذكر: حديث الشيخين عن أبي هريرة: أن النَّبِي - ﷺ - قال: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ» وأن أبا هريرة حدث به ثم نسيه، وقصة ذي اليدين في السهو في الصلاة، وشك أبي هريرة في تعيين الصلاة أهي الظهر أم العصر وذكر أن أبا هريرة لما روى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: « مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ» وهكذا تتمخض المواضع الكثيرة التي زعم أنه نسي فيها عن ثلاثة أحاديث وسترى بعد الإجابة عنها أنه لن يسلم له إِلاَّ واحد أو اثنان.
١ - إن الروايات في قصة الثوب اختلفت، ففي بعضها تقييد عدم النسيان بما سمعه من النَّبِيِّ - ﷺ - بعد هذه المقالة، ففي " صحيح مسلم ": «فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ» وفي " صحيح البخاري": «فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ» وفي بعض الروايات أن عدم النسيان إنما كان مُقَيَّدًا بالمقالة التي سمعها من النَّبِيِّ - ﷺ - في هذه القصة، ففي رواية شُعَيْبٍ: «فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ» وعلى هذا فإن كان المراد الثاني فلا ينافي أن ينسى قبل هذه المقالة وبعدها بعض الأحاديث، وإن كان المراد الأول وهو الراجح فلا ينافي نسيان بعض الأحاديث قبل هذه القصة.
[ ١٤١ ]
رَدُّ مَزَاعِمِهِ فِي حَدِيثِ «لاَ عَدْوَى »:
٢ - وأما حديث «لا عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ »
فقد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة (١) وعن ابن عمر (٢) وعن أنس بن مالك، وثبت اَيْضًا عن عائشة عند الطبري وعن سعد بن أبي وقاص ورواه " مسلم " عن أبي هريرة وعن السائب بن يزيد وعن جابر وعن أنس وعن ابن عمر (٣) فالحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل وافقه عليه بضعة من الصحابة، فاحتمال أن أبا هريرة اختلقه أو غلط فيه - غمز المؤلف ولمز - احتمال بعيد جِدًّا إن لم يكن مستحيلًا، فلم يبق إِلاَّ أن يكون رجوعه إما لنسيان أو لغرض آخر صحيح وعلى تسليم النسيان فيكون من الأحاديث التي سمعها قبل هذه المقالة، وهذا لا ينافي أنه ما نسي شيئًا بعد ذلك، وبذلك يظهر أن لا منافاة بين نسيان هذا الحديث وقصة بسط الثوب، ثم إن هذا النسيان لحديث واحد - على فرض تسليمه - إنما يعود على أبي هريرة بالتكريم والإكبار لحفظه وقد قيل في الحِكَمِ الشِّعْرِيَّةَ:
وَمَنْ ذَا الذِي تُحْصَى سَجَايَاهُ كُلَّهَا * * * كَفَى المَرْءِ نُبْلًا أَنْ تَعُدَّ مَعَايِبَهُ
وإنا لنلمس هذا الإكبار لحفظ أبي هريرة في قول أبي سلمة، قال أبو سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» بل جاء في بعض الروايات تردد أبي سلمة بين نسيان أبي هريرة أو نسخ أحد الحديثين للآخر (٤) على أن تسليمنا نسيان أبي هريرة إنما هو على سبيل الاحتمال، ومن الجائز جِدًّا أن يكون رجوعه عنه أو السكوت عليه وعدم التحديث به لغرض آخر شريف ككونه منسوخًا مثلًا، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن حجر لترى الفرق بين العلماء المُتَثَبِّتِينَ وَالأَدْعِيَاءِ المَغْرُورِينَ قال - تعليقا على قول أبي سلمة «فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ» - «في رواية يونس قَالَ أَبُو سَلَمَة: " وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُحَدِّثنَا بِهِ فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة أَمْ نَسَخَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ لِلآخَرِ "، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَة ظَاهِر فِي أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَمَامَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ
_________________
(١) «كتاب الطب»، باب لا هامة.
(٢) «كتاب الطب»، باب لا عدوى.
(٣) " مسلم بشرح النووي ": ج ١٤ ص ٢١٣ - ٢١٨.
(٤) انظر " صحيح البخاري " «كتاب الطب»، باب لا عدوى.
[ ١٤٢ ]
تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْع بَيْنهمَا فِي أنه كان يعتقد أن بين الحديثين تمام التعارض وقد تقدم وجه الجمع بينهما في " بَابِ الْجُذَام " (١) قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَسْمَعُ هَذَا الحَدِيْثِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيْثَ " مْنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ مَقَالَتِي " وَقَدْ قِيلَ فِي الحَدِيث المَذْكُور إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لاَ يَنْسَى تِلْكَ الْمَقَالَة الَّتِي قَالَهَا ذَلِكَ الْيَوْم لاَ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ النِّسْيَان أَصْلًا. وَقِيلَ: كَانَ الْحَدِيث الثَّانِي نَاسِخًا لِلأَوَّلِ فَسَكَتَ عَنْ الْمَنْسُوخ»، وقال القرطبي في " المُفْهَمِ ": " وَيُحْتَمَل اَيْضًا أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا خَبَرَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ عَنْ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لاَ مُلاَزَمَة بَيْنهمَا جَازَ عِنْده أَنْ يُحَدِّث بِأَحَدِهِمَا وَيَسْكُت عَنْ الآخَر حَسْبَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَة وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون خَافَ اِعْتِقَاد جَاهِل يَظُنّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدهمَا، وَكَانَ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ حَدَّثَ بِهِمَا جَمِيعًا» (٢) وهكذا ترى أن النسيان ليس بمتيقن بل هو احتمال، وعن فرض تسليمه فلا تعارض بينه وبين حديث البسط، فهل بعد هذا يستحق أبو هريرة من هذا الطاعن السليط كل هذا التهكم والتثريب؟.
رَدُّ زَعْمِهِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ:
وأما حديث السهو في الصلاة فقد اعتمد فيه المؤلف على ما ذكره الحافظ في " الفتح "، وقد استظهر الحافظ أن الشك من الرواة ثم جواز أن يكون من أبي هريرة لأجل رواية النسائي، وأنه مرة كان يجزم بتعيين الصلاة وَمَرَّةً كان يشك، وإليك ما ذكر الحافظ في " الفتح " (٣) لترى المؤلف يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء على حسب هواه قال: «وَالظَّاهِر أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ القِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ عَوْنٍ عَنْ اِبْنِ سِيرِينَ أَنَّ اَلشَّكَّ
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ١٠ ص ١٩٩.
(٢) حديث «لاَ عَدْوَى» وحديث «فِرَّ مِنَ المَجْذُوم» وما شابهه كحديث: «لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» وقد وفق العلماء بين الأحاديث النافية للعدوى والأحاديث المُثبتة لها بمسالك عدة أحسنها أنَّ المراد بنفي العدوى أنَّ شيئًا لا يعدي بذاته وطبعه نَفْيًا لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أَنَّ الأمراض تُعْدِي بطبعها من غير إضافة إلى الله فأبطل النَّبِيُّ اعتقادهم وأكل مع المجذوم ليُبَيِّنَ لهم أنَّ الله هو الذي يُمْرِضُ ويُشْفِي وحمل أحاديث النهي عن الدنو من المجذوم ونحوه بأنَّ هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تقضي إلى مُسَبِّبَاتِهَا ففيها إثبات لقاعدة الأسباب وفي فعله - ﷺ - إشارة إلى أنها لا تستقل بالتأثير بل الله هو الذي إنْ شاء سلبها تأثيرها فلا تؤثِّرُ شيئًا وإنْ شاء أبقاه لها فتُؤَثِّرُ بإذنه تعالى.
(٣) " فتح الباري ": ج ٣ ص ٧٥.
[ ١٤٣ ]
فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَفْظه " صَلَّى - صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِحْدَى صَلاَتَيْ العَشِيِّ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ـ: " وَلَكِنِّي نَسِيتُهَا " فَالظَّاهِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا العَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا ».
فها أنت ذا ترى أن كون الشك من أبي هريرة ليس مقطوعًا به لجواز أن يكون أحد الرواة - في رواية النسائي - وَهِمَ فنسب النسيان إلى أبي هريرة ولو سلمنا كون الشك منه فلعل هذا مِمَّا سمعه قبل قصة بسط الثوب.
حَدِيثُ الشِّعْرِ وَتَحْقِيقُ الحَقِّ فِيهِ:
وأما حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا وَدَمًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا»، قالت عائشة: لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ: «مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ»، فليس للمؤلف فيه أية وجهة حق، وإنما هي خطفة خطفها من بعض الكتب دون تحقيق.
وإليك الحق في هذا:
١ - إن الحديث باللفظ الذي زعم أن عائشة اعترضت عليه قد رواه البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن ابن عمر مرفوعين (١) ورواه مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة وعن سعد بن أبي وقاص وعن أبي سعيد الخُدري فها أنت ذا ترى أن أبا هريرة لم ينفرد به، بل وافقه عليه ثلاثة من الصحابة مِمَّا يبعد - إن لم يحل - تعقب السيدة عائشة له بأنه لم يحفظ.
٢ - إن هذه الرواية غير ثابتة من جهة الرواية، ولا هي صحيحة من جهة الدراية.
أما الأول فلما قاله الحافظ في " الفتح " - بعد أن ذكر أن هذه الزيادة جاءت عن الشَعْبِيِّ مرسلة والمرسل لا يحتج به قال: «(٢) وَقَدْ وَقَعَ لَنَا ذَلِكَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، فَعِنْدَ [أَبِي يَعْلَى] مِنْ حَدِيث جَابِر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور " قَيْحًا أَوْ
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ١٠ ص ٤٥١.
(٢) " فتح الباري ": ج ١٠ ص ٤٥٢.
[ ١٤٤ ]
دَمًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيتُ بِهِ " وَفِي سَنَده رَاوٍ لاَ يُعْرَف، وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ اِبْن الكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِثْل حَدِيث البَاب قَالَ: " فَقَالَتْ عَائِشَة لَمْ يَحْفَظ إِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ شِعْرًا هُجِيت بِهِ "، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَاهِي الحَدِيث، وَأَبُو صَالِح شَيْخُهُ مَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السَّمَّانُ المُتَّفَق عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ هَذَا آخَر ضَعِيفٌ يُقَال لَهُ بَاذَانْ، فَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ [الزِّيَادَة]:
وأما من جهة الدراية فإليك ما قاله الإمام النووي في " شرح مسلم " (١): «قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِهَذَا الشِّعْرِ شِعْرٌ هُجِيَ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هَذَا تَفْسِيرٌ فَاسِدٌ، لأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ المَذْمُومَ مِنَ الهِجَاءِ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ دُونَ قَلِيلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الواحدة من هجاء النبي ﷺ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. قَالُوا بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ المُرَادَ أَنْ يَكُونَ الشِّعْرُ غَالِبًا عَلَيْهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ القُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مَذْمُومٌ مِنْ أَيِّ شِعْرٍ كَانَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ القُرْآنُ وَالحَدِيثُ وَغَيْرُهُمَا مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الغَالِبُ عَلَيْهِ فَلاَ يَضُرُّ حِفْظُ اليَسِيرِ مِنَ الشِّعْرِ [مَعَ هَذَا] لأَنَّ جَوْفَهُ لَيْسَ مُمْتَلِئًا شِعْرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ..» إلى أن قال: «وَقَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ وَنَحْوُهُ، [قَالُوا]: وَهُوَ كَلاَمٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ الشِّعْرَ وَاسْتَنْشَدَهُ وَأَمَرَ بِهِ حَسَّانَ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْشَدَهُ أَصْحَابُهُ بِحَضْرَتِهِ فِي الأَسْفَارِ وَغَيْرِهَا وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاءُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلاَءُ السَّلَفِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى إِطْلاَقِهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا المَذْمُومَ مِنْهُ وَهُوَ الفُحْشُ وَنَحْوُهُ».
وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المذموم من الشعر أن يكون غالبا على الإنسان حتى يشغله عن النافع من العلوم والمعارف وأنواع الكسب المشروعة، أو ما كان فيه فحش وهجر من القول كالهجاء والمدح بغير حق والتشبيب بالنساء وذكر محاسنهن وعوراتهن إلى غير ذلك، ولعلك تأكدت معي - أيها القارئ - أن المؤلف تَجَنَّى على أبي هريرة غاية التَجَنِّي وهول غاية التهويل إذ الرواية الثالثة غير ثابتة والروايتان الأخريان النسيان فيهما أمر محتمل لا متعين.
زَعْمُهُ أَنَّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ شِعْرًا:
وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ من رأي العلماء المسلمين في الشعر، وأن حسنه حسن وقبيحه
_________________
(١) ج ١٥ ص ١٤.
[ ١٤٥ ]
قبيح، يَتَبَيَّن لنا تهافت ما ذكره في [ص ١٧٩، هامش] حيث قال: «اتخذ الذين لا يعلمون قول أبي هريرة هذا حُجَّةً على أن النَّبِيَّ - ﷺ - كان يكره الشعر، وفشا ذلك بين المسلمين وغير المسلمين في حين أنا نجده - ﷺ - كان يُصْغِي إلى الشعر ويمدحه ويثيب عليه إلى أن قال: وفي القرآن عشرات من الأبيات الشعرِيَّةَ وكثير جدا من الأشطار فمن الرمل:
وَجِفَان كَالْجَوَابِ * * * وَقُدُور رَاسِيَاتٍ
ومن الخفيف:
وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا * * * يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ
ومن الوافر:
وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ * * * وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَا
ولا نستوفي كل ما جاء في القرآن من أبيات وأشعار حتى لا يطول بنا الطريق، ونستطرد إلى ما هو خارج عن موضوعنا».
ولا أدري إذا لم يكن هذا استطرادًا وخروجًا عن الموضوع فما هو الاستطراد والخروج إِذًا؟ ولو أن الأمر وقف عند حد الاستطراد لهان الأمر، ولكن المؤلف سقط في أمر من البدهي نفيه عن القرآن وهو وجود الشعر فيه: والشعر - يا مدعيًا التأدب - لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد، والعلماء لما قالوا: إن الكلام الموزون لا يكون شعرًا إِلاَّ بالقصد استدلوا على ذلك بوقوع جمل موزونة في القرآن الكريم مع الاتفاق بين العلماء قاطبة على عدم تسمية ذلك شعرًا، وكيف خفي على المؤلف ذلك والله - ﷾ - يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١).
فقد نفت الآية أن يكون القرآن شعرًا، وقصرته على كونه ذكرًا وقرآنًا مبينًا، يقول العَلاَّمَةُ الزمخشري - وهو من أدباء العربية غير منازع ورائد المفسرين في الكشف عن أسرار الإعجاز -: «أي وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في شيء، والشعر إنما هو كلام موزون مقفي يدل على معنى فأين الوزن وأين التقفيه وأين المعاني التي ينتجها الشعراء من معانيه؟ وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن هذا لفظ عربي كما أن ذاك كذلك ثم قال:
فإن قلت فقوله:
_________________
(١) [سورة يس، الآية: ٦٩].
[ ١٤٦ ]
أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ * * * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وقوله:
هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ * * * وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
قلت: ما هو إِلاَّ كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة ولا تكلف إِلاَّ أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه أن جاء موزونًا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١) يعني ما هو إِلاَّ ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجن كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢). وما هو إِلاَّ قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟».
فهل كان يخفى على الزمخشري وهو من هو ضلاعة في اللغة والبلاغة وفن القول ما ظهر لمؤلف آخر الزمان؟ وقال تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
، فقد نفى أن يكون النَّبِيُّ شاعرًا وأن يكون القرآن شعرًا، قال الإمام الألوسي في تفسير هذه الآية (٤): «وذكر الإيمان مع نفي الشاعرِيَّةَ والتذكر مع نفي الكاهنية قيل: لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره إِلاَّ معاند، فلا عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار، بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله - ﷺ - ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة ومعاني أقوالهم».
ويقول حَاكِيًا لمقالة المشركين وَمُنْكِرًا لها: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ (٥) ويقول:
_________________
(١) [سورة يس، الآية: ٦٩].
(٢) [سورة يوسف، الآية: ١٠٤]، [سورة ص، الآية: ٨٧]، [سورة التكوير، الآية: ٢٧].
(٣) [سورة الحاقة، الآيات: ٣٨ - ٤٢].
(٤) " تفسير الألوسي: ج ٢٩ ص ٥٣، ٥٤.
(٥) [سورة الأنبياء، الآية: ٥].
[ ١٤٧ ]
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (١).
فقد أنكر عليهم قولهم: إن النَّبِيَّ شاعر وبالتالي ينتفي كون ما جاء به شِعْرًا، فهل بعد ما سمعت من أقوال الله وأقوال الراسخين من أهل العلم يزعم المؤلف أنه على شيء من العلم أو على شيء من الإيمان؟!.
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْفَظْ القُرْآنَ:
وقال في [ص ١٨٠]: «ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهو والنسيان عنه، ولا يتحرجون من أن ينسبوهما إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وذكر حديثًا في نسيان النَّبِيِّ بعض سور من القرآن إلى أن قال: «وإذا كان أبو هريرة على ما وصف به نفسه ذَكِيًّا فَطِنًا قوي الذاكرة واسع الحافظة ضَابِطًا لكل ما يسمع لا تفلت منه كلمة ولا يند عنه لفظ فلم لم يحفظ القرآن على فراغه وطول عمره في الإسلام؟ وقد حفظه كثير من الرجال وكذلك بعض النساء ومنهم أم ورقة، ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك، فلم يكن له شأن يذكر في زمن النَّبِيِّ - ﷺ - ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وقد حدثناك من قبل عن مبلغ ثقة عمر به، فقد كان ينهاه عن رواية الحديث ولما لم يرجع ضربه بالدرة وأنذره إذا هو روى أن ينفيه إلى بلاده، ولو كان أبو هريرة على ما زعم لأباح له وحده الرواية، وكان عنده وعند غيره أصدق من روى، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل إنهم قد اتهموه في الرواية كما سترى ذلك فيما بعد واضحًا محققًا إن شاء الله».
ولا أدري من ذا الذي زعم من العلماء قديمًا وحديثًا أن أبا هريرة لا ينسى ولا يسهو، إنه بشر ينسى ويسهو ولكن الله أكرمه ببركة دعاء النَّبِيِّ - ﷺ - فما نسي من حديث النَّبِيِّ بعد قصة بسط الثوب شيئًا، وقد قدمنا شهادة الواقع له وشهادة كبار الصحابة والعلماء له، مِمَّا لا داعي لإعادته، ثم من أين «لأَبِي رَيَّةَ» أنه لم يحفظ القرآن في حياة النَّبِيِّ وبعد حياته؟ ولماذا لم يذكر لنا سنده في هذا لنناقشه؟؟ وقد ذكر الإمام السيوطي في " الإتقان " (٢) عن أبي عبيد أن أبا هريرة - ﵁ - كان من قُرَّاء الصحابة وأنه قرأ على أقرأ الصحابة أُبَيٍّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - ومن قواعد أدب البحث أن المثبت مقدم على النافي، ولو سلمنا جدلًا أنه
_________________
(١) [سورة الطور، الآيتان: ٢٩، ٣٠].
(٢) ج ١ ص ٧٢.
[ ١٤٨ ]
لم يحفظ القرآن كله في حياة النَّبِيِّ - ﷺ - لما عاد ذلك عليه بالنقيصة، لأن بعض الصحابة على جلالتهم ما كانوا يحفظون القرآن كله في حياة النَّبِيِّ، ثم تهيأ بعد ذلك حفظه كله، وقد قدمت أن أبا هريرة تصدر للعلم والفتوى زمنًا طويلًا، وكيف يتهيأ لمن لم يحفظ القرآن التصدر للعلم والفتوى؟؟.
ثم أتدري أيها القارئ من أين أخذ أنه لم يحفظ القرآن؟ لعله أخذه من تعليقته التي ذكرها في [هامش ص ١٨٣] حيث قال: «روى مسلم أن النبي - ﷺ - قال: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة» ثم علق فقال: فترى أنه لم يصل إلى درجة أحد الموالي!!! فهل هذا منطق يا أصحاب العقول؟!!.
ولو كان في عدم ذكر أبي هريرة في هذا الحديث إهمالا له وإزراء به فماذا يقول في مشاهير الصحابة الذين لم يذكروا في هذا الحديث، ولم يوص النبي بأخذ القرآن منهم كالخلفاء الراشدين وزيد بن ثابت وأبي الدرداء والعبادلة الأربعة وغيرهم ممن كانوا يحفظون القرآن كله؟ فهل نطبق عليهم هذا المنطق الأعرج المعكوس؟!!
أما ما ذكره من قوله: ولكن الأمر جرى على غير ذلك، فهو لا يزيد عن كونه سفاها وسبابا ورجما بالغيب، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم، وفيما قدمته من ردود ما فيه الكفاية.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الوِعَاءَيْنِ وَزَعْمِهِ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لأَحَادِيثَ أُخْرَى:
قال في [ص ١٨٢] تحت عنوان «حفظ الوعاءين».
أخرج " البخاري " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ». وهذا الحديث معارض لحديث رواه الجماعة بألفاظ متقاربة عن علي - ﵁ - فقد سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: «لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة». وكذا يعارض ما رواه " البخاري " عن عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل، على ابن عباس - ﵄ -، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي - ﷺ - من شيء؟ قال: «ما ترك إلا ما بين الدفتين»، ولو كان هناك شيء يؤثر به النبي - ﷺ - أحد خواصه،
[ ١٤٩ ]
ويحجبه عن سائر أصحابه لكان علي أولى الناس جميعا بذلك، وذلك بأنه ربيبه، وابن عمه، وأول من أسلم، وزوج ابنته ولم يفارقه في سفر ولا حضر، فإن لم يكن عَلِيٌّ فَالصِدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ أو أو إلخ من عدد من الصحابة والصحابيات.
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ»، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ،
وكيف يكون ذلك؟ وأين يذهب ما رواه " الصحيحان " عَنْ حُذَيْفَةَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ». وقد قال بعض العلماء - كما جاء في " تاريخ ابن عساكر ": «إن اعتقاد ذلك - أي أن النَّبِيَّ - ﷺ - كتم عن جميع الصحابة شيئا يؤدي إلى نسبة الخيانة إلى النَّبِيِّ - ﷺ - معاذ الله!».
والجواب:
إن هذا الحديث رواه الإمام البخاري في " صحيحه "، وهو في غاية الصحة رواية ودراية، والمراد بالوعاءين نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النَّبِيِّ - ﷺ - فالكلام من قبيل المجاز وهو مجاز معروف مستساغ وأحد الوعاءين - وهو ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ - قد بَلَّغَهُ حتى لا يكون كاتمًا وأما الآخر وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وأشراط الساعة، والإشارة إلى ولاة السوء، فقد آثر أن لا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة لسامعه، أو يسبب له التحديث به الضرر في نفسه أو ولده أو ماله من أمراء السوء، قال العلامة ابن كثير في (١) " البداية والنهاية ": «وَهَذَا الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ لاَ يَتَظَاهَرُ بِهِ هُوَ الْفِتَنُ وَالْمَلاَحِمُ وَمَا وَقَعَ بَيْنَ النَّاس مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، وَمَا سَيَقَعُ التِي لَوْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا لَبَادَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَرَدُّوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الحَقِّ» وقال الإمام الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٢): «وَحَمَلَ العُلَمَاء الوِعَاء الذِي لَمْ يَبُثَّهُ عَلَى الأَحَادِيث التِي فِيهَا تَبْيِينُ أَسَامِي أُمَرَاءَ السُّوءِ وَأَحْوَالِهِمْ وَزَمَنِهِمْ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلاَ يُصَرِّح بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان "
_________________
(١) ج ٨ ص ١٠٩.
(٢) ج ١ ص ١٧٥.
[ ١٥٠ ]
يُشِير إِلَى خِلاَفَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنَ الهِجْرَة. وَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَاتَ قَبْلهَا بِسَنَةٍ وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيث المَكْتُومَةَ لَوْ كَانَتْ مِنْ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَا وَسِعَهُ كِتْمَانُهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِنَ الآيَةِ (١) الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ كَتَمَ العِلْمَ. وَقَالَ غَيْرهُ: " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَذْكُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّرِ الأَحْوَالِ وَالمَلاَحِمِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفْهُ، وَيَعْتَرِضَ عَلَيْهِ مَنْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِهِ» (٢).
وأيا كان تأويل الحديث فليس فيه ما يدل على أن النَّبِيَّ - ﷺ - خَصَّهُ بشيء على ذلك دون غيره، حتى يرتب المؤلف على الحديث كل هذه الإشكالات التي قالها وهي غير ذات موضوع، ولم نعلم أحدًا قط من علماء اللغة والبلاغة والأدب اعتبر هذا الأسلوب مفيدًا للتخصيص، اللَّهُمَّ إِلاَّ في ذهن هذا المؤلف الذي يزعم أنه أديب، وما هو من أهل الأدب في شيء!.
أما ما ذكره من حديث عَلِيٍّ وابن عباس، فلا دخل لهما بما ذكرناه في تأويل حديث أبي هريرة، فحديثه في واد وحديث عَلِيٍّ وابن عباس في واد آخر، ذلك أن الشيعة ومن على شاكلتهم كانوا يزعمون أن النَّبِيَّ - ﷺ - خَصَّ آل بيته ولا سيما عَلِيًّا بأشياء لم يطلع غيرهم عليها، فمن ثم سأل السائل عَلِيًّا، وأجابه عَلِيٌّ بما هو الحق والواقع، قال الحافظ ابن حجر (٣) في شرحه للحديث الذي أشار إليه المؤلف:
«وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ - هُوَ السَائِلُ لِعَلِيٍّ - عَنْ ذَلِكَ، لأَنَّ جَمَاعَة مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْد أَهْلِ البَيْتِ - لاَ سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الوَحْيِ خَصَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا لَمْ يُطْلِع [غَيْرَهُمْ] عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ المَسْأَلَة اَيْضًا قَيْسُ [بْنُ عُبَادٍ] (*) وَالأَشْتَر النَّخَعِيُّ وَحَدِيثُهُمَا فِي " مُسْنَد النَّسَائِيِّ "». وإذا كان حذيفة قال
_________________
(١) يريد آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٥٩]، الآية.
(٢) في حديث ابن مسعود موقوفًا عليه: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».
(٣) " الفتح ": ج ١ ص ١٦٥. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) قَيْسٌ بْنُ عُبَادٍ (بضم المهملة وتخفيف الموحدة) القَيْسِيُّ الضُّبَعِيُّ (بضم المعجمة وفتح الموحدة) أبو عبد الله البصري قدم المدينة في خلافة عمر وروى عنه وعن علي وعمار وأبي ذر وعبد الله بن سلام وسعد بن أبي وقاص وابن عمرو وأبي بن كعب وغيرهم. روى عنه ابنه عبد الله وصهره عبد الله بن مطر وابن ابنه النضرة بن عبد الله بن مطر وأبو مجلز والحسن وابن سيرين وأبو نضرة العبدي وغيرهم قال بن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال العجلي كان ثقة من كبار الصالحين وقال النسائي وابن خراش ثقة وكانت له مناقب وحلم وعبادة وذكره أبو مخنف عن شيوخه فيمن قتله الحجاج ممن خرج مع بن الأشعث. انظر: " تهذيب التهذيب " لابن حجر العسقلاني، ٨/ ٤٠٠، ترجمة رقم ٧١٣، الطبعة الأولى: ١٣٢٦ هـ، نشر مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند. و" تقريب التهذيب "، تحقيق الشيخ محمد عوامة، ترجمة رقم ٥٥٨٢، ١/ ٤٥٧، الطبعة الأولى: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، نشر دار الرشيد - سوريا
[ ١٥١ ]
في حديث آخر: «وَاَللَّه إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَة هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ» فليس في حديث أبي هريرة ما يعارضه، لأن أبا هريرة لم يقل: إنه أعلم الناس، على أن حذيفة حلف على حسب ظنه، وقد يصدق في ظنه فيكون هو أعلم الناس بالفتن، وقد لا يصدق في ظنه فيكون هناك من أعلم منه بها.
وهكذا يتضح أنه لا تعارض بين الحديثين قط، بل ولا شبهة تعارض، وأما ما ذكره بعد من أن النَّبِيَّ - ﷺ - لو كان مُؤْثِرًا أَحَدًا بشيء لآثر عَلِيَّا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا مِمَّنْ عَدَّهُمْ، فهو كلام خطابي وتمويه لأجل النيل من أبي هريرة.
وأيضا فلا تعارض قط بين حديث أبي هريرة وحديث حذيفة: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ الحديث» لأن حذيفة لم يزعم أن النَّبِيَّ خصه به، ولا أن غيره لم يحفظ مثل ما حفظ، بل عبارته تدل على أن غيره حفظه، ففي الحديث: «حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» وتمام الحديث كما في " مسلم ": «قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ» ولا يخفى على القارئ أن أَبَا رَيَّةَ لم يذكر تتمة الحديث، لأنها تَرُدُّ عليه زعمه وتجعله يغص بريقه.
وقد ورد ما يدل على أن إخبار النَّبِيِّ لهم كان على ملأ منهم، ففي " صحيح مسلم " عَنْ أَبِي زَيْدٍ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَخْطَبَ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا».
وأما ما نقله عن " تاريخ ابن عساكر " من مقالة بعض العلماء فلا أدري ولا غيري يدري ما الحامل له على ذكره؟ ورواية أبي هريرة ليس فيها ما يُشْتَمُّ منه أن النَّبِيَّ كتم شيئًا عن جميع الصحابة، ولا اِدَّعَى أبو هريرة ذلك، وإنما هو من تجنيات أَبِي رَيَّةَ.
[ ١٥٢ ]
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِي طَبَقَاتِ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ فَضِيلَةٌ وَلاَ مَنْقَبَةٌ:
في [ص ١٨٤] قال: «ومن هو أبو هريرة حتى يؤثره النَّبِيُّ - ﷺ - بشيء يخصه به، ويكتمه ويخفيه من أصفيائه وأحبابه وأقرب الناس إليه، إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ، ولا عُدَّ بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى من أية طبقة من طبقات الصحابة، فلا هو من السابقين الأولين، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار، ولا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، ولا من النقباء، ولا من العرفاء، ولا من الكملة في الجاهلية وأول الإسلام، ولا من شعراء النَّبِيِّ - ﷺ - الذين نافحوا عنه، ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، ولا جاء في فضله حديث عن الرسول، وكل ما عرف عنه أنه كان عريف أهل الصفة لا أكثر ولا أقل.
ثم زاد الجهل جهلًا فجاء في الحاشية [ص ١٨٤] فذكر: أنهم قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى اثتني عشرة درجة ثم ذكرها وقد مَثَّلَ الحاكم لكل طبقة ببعض الصحابة ولم يذكر أبا هريرة فيمن مَثَّلَ بهم. وقال في حاشية [ص ١٨٥]: روى البخاري وغيره أحاديث كثيرة في فضائل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم أبا هريرة.
وفي الحق أنَّ المؤلف لم يغرق في الجهل مثل ما أغرق في هذه الفقرات وإليك مفصل الحق فيما ذكره: أما ما زعمه من أنه لم يعد في أي طبقة من طبقات الصحابة فمردود، ولو كان على شيء من العلم والفهم لعلم أنه مِمَّنْ هاجر بين الحديبية والفتح، إذ الثابت أنه قدم على النَّبِيِّ مهاجرًا من بلده سَنَةَ سَبْعٍ، والحاكم حينما قسم الصحابة إلى اثتني عشرة طبقة إنما قصد التقسيم الكلي، ولم يقصد سرد أسماء كل طبقة ولا استيعابهم، لأن هذا أمر يطول، وكان على المؤلف - وهو الذي يزعم أنه طوف في مئات الكتب - أن يعرف أنه في الطبقات التي دللناه عليها.
وأما ما زعمه من أنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النَّبِيِّ - ﷺ - فغير صحيح، فبحسبه فضلًا أنه صاحب رسول الله - ﷺ -، وأنه لازمه ما يزيد عن ثلاث
[ ١٥٣ ]
سنين، وأن النَّبِيَّ دَعَا لَهُ وَلأُمِّهِ أَنْ يُحَبِّبْهُمَا إِلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، وَيُحَبِّبَ إِلَيْهِمَا المُؤْمِنِينَ، وأنه عريف أهل الصُفَّةِ وهم أضياف الإسلام وأحباب الرسول - ﷺ - وأنه دعا فَأَمَّنَ النَّبِيُّ على دعائه، وكذلك ما زعمه من أنه لَمْ يَرِدْ في فضله حديث فمردود اَيْضًا، فقد ذكره الإمام مسلم في الصحابة الذين لهم فضائل، وعقد له الإمام النووي بَابًا (١)، وذكر له الإمام الحاكم في " مستدركه " جملة صالحة من مناقبه استغرقت بضع صحائف (٢)، والإمام البخاري وإن لم يعقد له ترجمة خاصة لكن ذكر فضائله ضمن أبواب كتابه (٣).
ولعلك على ذكر مِمَّا نقلناه من كلام الحافظ ابن حجر في " الفتح " من عد ما ثبت من مناقبه
وأما قوله: ولا من المهاجرين، فغير صحيح، فقد هاجر من بلده إلى المدينة، وَتَحَمَّلَ في سبيل الإسلام، ومجاورته للرسول بالمدينة من شظف العيش، وغربة الأهل والدار، قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة ": «وَكَانَ إِسْلاَمَهُ بَيْنَ الحُدَيْبِيَةِ وَخَيْبَرَ، قَدِمَ المَدِينَةَ مُهَاجِرًا، وَسَكَنَ الصُّفَّةِ، مَعَ أَنَّ الهِجْرَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً قَبْلِ الفَتْحِ إِلاَّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَمَّا مَا عَدَا مَكَّةَ فَلاَ».
وكذا قوله: ولا من المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم، أما بالأموال فقد كان مُعْدَمًا، وأما بالنفس فقد حضر مع النَّبِيِّ خيبر، كما ذكره الإمام ابن عبد البر، وحضر معه المغازي بعد ذلك، كما حَدَّثَ هو عن نفسه ورواه ابن سعد.
وكذا قوله: ولا من المفتين، ولا من القُرَّاءِ الذين حفظوا القرآن، وبحسبنا في الرَدِّ على ذلك ما ذكرته آنِفًا من أنه كان من أهل الفتوى، وَمِمَّنْ عُرِفَ بإقراء القرآن.
_________________
(١) " مسلم بشرح النووي ": ج ١٦ ص ٥٢، ٥٣.
(٢) " مستدرك الحاكم ": ج ٣ ص ٥٠٦ - ٥١٤.
(٣) " صحيح مسلم "، «كتاب العلم»، باب الحرص على الحديث، وباب حفظ العلم.
[ ١٥٤ ]
زَعْمُهُ تَشَيُّعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَالرَدُّ عَلَيْهِ:
ذكر في [ص ١٨٥] «تشيع أبي هريرة لبني أمية» وقد ذكر تحت هذا العنوان أنه كان مُعْدَمًا، ورماه بكلمات نابية يتعفف القلم عن أن يخطها، وأنه لما شبت الحرب بين عَلِيٍّ ومعاوية انحاز إلى الناحية التي يميل إليها طبعه وهي ناحية معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية، وذكر أنه لم يثر إِلاَّ بعد أن صانع بني أمية وتزلف إليهم وأغدقوا عليه العطاء، وأن ولاة بني أمية على المدينة كانوا ينيبونه عنهم إذا ما غابوا عنها، ولقد أسف في هذا الفصل إسفافًا لا يليق برجل ذي دين وخلق فضلًا عن مسلم.
وَقَدْ قَدَّمْتُ الرَدِّ على بعض هذه الفرى، وأزيد هنا فأقول:
١ - أبو هريرة لم يكن مُتَشَيِّعًا لبني أمية يَوْمًا مَا، وإنَّ ثراءه كان قبل بني أمية بزمن طويل، وقصة محاسبة عمر له على أمواله أكبر شاهد على ذلك وقد عرض لها المؤلف [ص ١٩٢] وإن كان حَرَّفَهَا وَبَدَّلَهَا، والروايات الصحيحة تدل على أن أبا هريرة كان معارضًا لبني أمية، وَمُنَدِّدًا بِوُلاَّتِهِمْ السُّفَهَاءِ روى الإمام البخاري في " صحيحه " عن عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جَدِّي قال: «كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النَّبِي - ﷺ - بالمدينة ومعنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» وفي رواية: «غِلْمَةٍ سُفَهَاء». فقال أبو هريرة: «لَوْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلاَنٍ، وَ[بَنِي] فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ».
وكان ذلك كما قال الحافظ في " الفتح " في زمن معاوية، فهل يصح في المعقول أن من يقول: هذا يكون مُتَشَيِّعًا لبني أمية؟؟
٢ - وأصرح من ذلك في الدلالة على شجاعته وجرأته في الحق وتنديده ببني أمية ما رواه ابْنُ أَبِي شَيْبَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ:
«أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ إِمَارَة الصِّبْيَان، قَالُوا وَمَا إِمَارَة الصِّبْيَان؟ قَالَ: إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ - أَيْ فِي دِينكُمْ - وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ أَهْلَكُوكُمْ .. أَيْ فِي دُنْيَاكُمْ بِإِزْهَاقِ النَّفْس أَوْ بِإِذْهَابِ الْمَال أَوْ بِهِمَا» بل روى ابْنُ أَبِي شَيْبَة اَيْضًا: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَمْشِي فِي السُّوق وَيَقُول: اللَّهُمَّ لاَ تُدْرِكنِي سَنَةَ
[ ١٥٥ ]
سِتِّينَ وَلاَ إِمَارَةَ الصِّبْيَان» يريد يزيد بن معاوية فقد تولى سَنَةَ ستين ونحن نعلم ما فعله معاوية كي يجعل ولاية العهد لابنه، فهل يعقل أن يكون من يقول هذا القول متشيعًا لبني أمية ولا سيما معاوية؟؟ وإذا كان مروان أو غيره كانوا ينيبونه في غيبتهم، فليس ذلك لتملقه أو تشيعه لهم وإنما ذلك كان لفضله ومنزلته، وليس أدل على هذا من القصة التي رواها ابن سعد (١) بسنده عن الوليد بن رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: «وَاللَّهِ مَا أَنْتَ بوالٍ، وَإِنَّ الوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ - يعني حين أرادوا أن يدفنوا الحسن مع جده رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ» - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ -
فأقبل عليه مروان مغضبًا فقال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا: إِنَّك أَكْثَرْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» الحديث، وَإِنَّمَا قَدِمْتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَسِيرٍ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدِمْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِخَيْبَرَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلاَثِيْنَ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ نِسَائِهِ، وَأَخْدُمُهُ، وَأغْزُو مَعَهُ، وَأَحُجُّ، [وَأُصَلِّي خَلْفَهُ]، فَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، وَقَدْ - وَاللهِ - سَبَقَنِي قَوْمٌ بِصُحْبَتِهِ فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأُلُونَنِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَلاَ - وَاللهِ - لاَ يَخْفَىَ عَلَيَّ كُلُّ حَدِيثٍ كَانَ بِالمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَنْزِلَةً، وَمَنْ أَخْرَجَهُ مِن المَدِينَةِ أَنْ يُسْاكِنَهُ» قَالَ الرَّاوِي: فَوَاللهِ مَا زَالَ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ كَافًّا عَنْهُ.
فلو كان أبو هريرة مُتَشَيِّعًا لبني أمية ومتطفلًا على موائد معاوية - كما زعم المؤلف - فهل يعقل أن يرد مروان - وهو من بيت الحُكْمِ - هذا الرَدَّ؟ ولو كان ما ذكره أبو هريرة عن نفسه ليس بصحيح، فهل كان مروان يسكت عنه ويتقيه بعد هذا؟
طَعْنُهُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ بَنِي أُمَيَّةَ:
ومن افتراءات المؤلف ما ذكره في [ص ١٨١] وما بعدها حيث قال:
ولم يكن ما قدم أبو هريرة لمعاوية جهادًا بسيفه أو بماله، وإنما كان جهاده أحاديث ينشرها بين المسلمين، يخذل بها أنصار عَلِيٍّ ويطعن عليه ويجعل الناس
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ج ٨ ص ١٠٨، و" الإصابة ": ٤، ترجمة أبي هريرة.
[ ١٥٦ ]
يبرأون منه، وَيُشِيدُ بفضل معاوية، وقد كان مِمَّا رواه أحاديث في فضل عثمان ومعاوية وغيرهما مِمَّنْ يمت بأواصر القربى إلى آل أبي العاص وسائر بني أمية، ثم شرع يذكر بعض هذه الأحاديث.
وأحب أن أقول للمؤلف ومن على شاكلته: ليس أدل على نزاهة أبي هريرة والصحابة جميعًا - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - وعدالتهم، وأنهم لا يتقولون على رسول الله ما لم يقله مِمَّا قاله العلماء - وقد نقله المؤلف في كتابه - قالوا: «إنه لم يصح في فضائل معاوية حديث، ولو كان من الصحابة - كما زعم هذا المفترى - لَرَوَوْا في فضله أحاديث وحملت عنهم، ولاعتبرها الأئمة
صحيحة باعتبار سلامة أسانيدها، ولكن لم يقع شيء من هذا» وأما الأحاديث التي عرض لها المؤلف في فضائل معاوية فأغلبها موضوع وقد نَصَّ على ذلك العلماء، وَمِنَ المُضْحِكِ المُبْكِي أن المؤلف بلغ من أمره أنه يتوهم أن الحديث إذا كان موضوعًا فواضعه هو من روى عنه من الصحابة وهو جهل جاهل فالآفة مِمَّنْ جاء بعد الصحابة من الرواة، ولو أن الأمر كما توهم لعاد ذلك بالتجريح على أكثر الصحابة.
وأما ما عرض له من الأحاديث فإليك مفصل الحق فيها:
أما حديث أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلاَفًا، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْ مَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالأَمِينِ وَأَصْحَابِهِ» وهو يشير إلى عثمان، فقد قال ابن كثير - وهو من أئمة النقد في الإسلام - رواه أحمد وإسناده جَيِّدٌ حَسَنٌ، ولا أدري أية غرابة في هذا وأية تهمة وعثمان ذو النورين صِهْرُ رَسُولِ اللهِ، وصاحب السوابق في الإسلام وصاحب المآثر والمفاخر، وفضائله أكثر من أن تحصى، خرجها أصحاب " الصحيحين "، وغيرهما، وليس من شك في أن الرجل قتل مظلومًا، وأن مثيري الفتنة أجرموا في حقه وحق الإسلام، فإذا روى أبو هريرة - ﵄ - سمعه من رسول الله في شأن هذه الفتنة وحضه على أن يكونوا في صف عثمان، يأتي أَبُو رَيَّةَ فينكر عليه ويرميه بالوضع والاختلاق، واللهُ ورسوله والمؤمنون يعلمون أنه براء من ذلك.
[ ١٥٧ ]
وأما حديث: «إِنَّ أَشَدَّ أُمَّتِي حُبًّا لِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي، يَعْلَمُونَ بِمَا فِي الوَرَقِ المُعَلَّقِ» - يعني المصحف - فرواية الواقدي وهو متهم بالكذب وابن أبي سبرة وهو وَضَّاعٌ، فإذا كان هذا حاله فلا يصح الاحتجاج به، ويكون أبو هريرة بريء من عهدته، وبذلك ينهار كل ما رتبه على الحديث من دعاوى زائفة.
وأما حديث: «أُصِبْتُ بِثَلاَثِ مُصِيبَاتٍ» وهو حديث المزود الذي تهكم به أبو رية ما شاء له هواه أن يتهكم فالذي استنكره منه قصة المزود وما أودعه اللهُ في تمره القليل من البركة بفضل مَسِّ النَّبِيِّ له ودعائه بالبركة فيه، وقد رويت هذه القصة من طرق عدة خرجها الإمام أحمد والبيهقي، وليس في القصة ما يستنكر إِلاَّ من ذوي العقول الضيقة، والقلوب المظلمة، وقد تواردت الأحاديث النبوية على إثبات الكثير من المعجزات الحسية لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - مثل البركة في الطعام القليل والماء القليل والتمر القليل، وإذا أردت اليقين في هذا فلترجع إلى " الصحيحين " وغيرهما من كتب السنن المعتمدة وكتب السير والتواريخ، وبحسبك أن ترجع إلى " صحيح البخاري "، فقد ذكر في ذلك كتابًا حافلًا من " صحيحه "، أو إلى " دلائل النبوة " للبيهقي، أو إلى كتاب " البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير، فقد ذكر في ذلك جملة كبيرة (١).
وماذا نفعل لأَبِي رَيَّةَ وأمثاله إذا كانت نفوسهم أخلدت إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، وَلَمْ تَسْمُ عُقُولُهُمْ إلى ما وراء الحس والمادة؟
وأما الأحاديث التي زعم - كَذِبًا - أن أبا هريرة وضعها في فضل معاوية فهي أحاديث موضوعة، كما نَبَّهَ على ذلك جهابذة الحديث، وقد بين الأئمة الواضع لكل حديث من رواته، ولم يقل أحد قط إن لأبي هريرة ضِلْعًا في هذا.
خِيَانَةُ أَبِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ:
وقد خان المؤلف الأمانة العلمية من وجهين: أما أولًا: فلأنه ذكر مرجعه كتاب
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ج ٦ ص ٧٤ وما بعدها.
[ ١٥٨ ]
" البداية والنهاية " لابن كثير، مِمَّا يُوهِمُ القَارِئَ أنه استبقى تلك الأحكام الجائرة من كتابه، مع أن ابن كثير قال في حديث: «الأُمَنَاءُ ثَلاَثَةٌ» بعد أن ذكر طُرُقَهُ: لا يصح من جميع وجوهه، وقال: وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة - يعني في فضل معاوية -
والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه على نكارتها وضعف رجالها؟! وقد نَبَّهَ على وضعها اَيْضًا ابن الجوزي ووافقه السيوطي (١).
وأما ثانيًا: فلأن ابن عدي لم يذكر أن حديث «الأُمَنَاءُ ثَلاَثَةٌ» عن أبي هريرة، وإنما ذكره من رواية واثلة بن الأسقع، وحديث السهم اَيْضًا مروي عن أنس وعن ابن عمر، وهو بجميع طرقه موضوع، وهذا مِمَّا يَرُدُّ كَيْدَ المؤلف في نحره وافترائه على أبي هريرة.
وأما ما ذكره في [ص ١٨٩] من قوله: ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم من أن يسبوهم، ثم ذكر عن العجاج الرازي مقالة في ذلك لأبي هريرة، فكلام لا سند له يعتد به، وقد عزا الرواية إلى كتاب " الشعر والشعراء " وهو لا يوثق به في باب الرواية، ولو صحت الرواية عن أبي هريرة فليس فيها ما يشهد لما زعم، وإنما هو يحمل الروايات - بسبب ضغنه على أبي هريرة - ما لم تتحمل، وهي لا تخرج عن كونها نصيحة رجل مسلم بإخراج حق مفروض معلوم وهو الزكاة في الأموال، وفي الرواية أنه قال له: «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيكَ بَعْضُ بُقْعَانِ الشَّامِ » ثم فسرها بأنهم خدمهم وعبيدهم، وهذه العبارة لا تشعر بمناصرة بني أمية بل هي بالعكس تشعر بتألمه منهم وعدم الرضا عنهم، ولكنه الهوى يُعْمِي وَيُصِمُّ.
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَضَعَ أَحَادِيثَ فِي ذَمِّ عَلِيٍّ:
في [ص ١٩٠] قال: «وضعه أحاديث على عَلِيٍّ» ثم نقل عن " شرج نهج
_________________
(١) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ج ١ ص ٢١٦ - ٢١٩.
[ ١٥٩ ]
البلاغة " لابن أبي الحديد ما قاله أبو جعفر الإسكافي قال: «إنَّ معاوية حمل قومًا من الصحابة وقومًا من التابعين على رواية أخبار قبيحة على عَلِيٍّ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم في ذلك جَعْلًا فاختلقوا له ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.
ولا يخفى على باحث أن ابن أبي الحديد والإسكافي كلاهما شيعي متعنت، وكلاهما في مثل هذا لا يوثق به، ومعاوية - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أفضل من أن يحمل الصحابة على وضع الأحاديث، والصحابة أكرم على أنفسهم من أن يكذبوا على رسول الله، وإذا كان المؤلف بصنيعه هذا يتملق الشيعة فليرح نفسه فما هُمْ مِمَّنْ يخدعون بهذا التملق الرخيص.
وأما ما ذكره من قدوم أبي هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة فلا نعلمه ولا نكاد نصدقه، وقد ذكر ابن عبد البر: أنه لما عاد من البحرين في عهد عمر - ﵁ - ورغب إليه عمر أن يعود وَالِيًا عليها مرة أخرى فأبى، لم يزل بالمدينة حتى مات، وهذا هو الحق (١).
أما فضائل عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - و﵁ - فهي كثيرة ومشهورة وقد روى أبو هريرة في فضائله أحاديث كثيرة مِمَّا يبعد غاية البعد مناصرته لمعاوية ومعاداته لِعَلِيٍّ، ويلقم المؤلف حَجَرًا.
وفي " الصحيحين " وغيرهما من ذلك شيء كثير، وفضائل سيدنا عَلِيٍّ أكثر من أن تحصى، وقد ألفت في ذلك كتب مستقلة ككتاب " الخصائص " للإمام النسائي، ولم يثبت في حق صحابي من الأحاديث الصحاح والحسان مثل ما ثبت في حقه، وهذا مِمَّا ندين الله تعالى عليه إرضاء لديننا وضمائرنا، واتباعًا لما التزمناه من قواعد البحث الحر النزيه، لا خوفًا من أحد ذي جاه ولا تزلفًا لأحد لأجل دنياه.
_________________
(١) " الاستيعاب ": ج ٤ ص ٢٠٩، على هامش " الإصابة ".
[ ١٦٠ ]
خِيَانَتُهُ فِي النَّقْلِ:
في [ص ١٩٢] ذكر سيرته في ولايته، وافترى على سيدنا أبي هريرة وَحَرَّفَ الكلم عن مواضعه، وخان الأمانة في النقل، وَقَدْ قَدَّمْتُ الرَدِّ عن ذلك فيما سبق مُسْهِبًا فكن على ذكر منه.
في [ص ١٩٣] نقل كلام السيد محمد رشيد رضا في أبي هريرة - ﵁ - وكلام السيد - ﵀ - لا يخلو من هِنَاتٍ لا نوافقه عليها، إِلاَّ أنه مهما كانت لنا عليه من مؤاخذات فشتان ما بين كلام أَبِي رَيَّةَ وكلام السيد رشيد، وفرق ما بينهما كفرق بين كلام جاهل دَعِيٍّ وعالم مطلع، وما ذكره من كلام السيد رشيد لا يشهد لدعاواه المبنية على التظنن وَالتَجَنِّي، وَكَأَنَّ المؤلف استشعر أنَّ كلام السيد رشيد لا يسعفه فيما ساقه لأجله فقال في [حاشية ص ١٩٥]: «يلاحظ أنَّ السَيِّدَ قال هذا الكلام في رَدٍّ له على دُعَاةِ النصرانية الذين انتقدوا أبا هريرة، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبي هريرة ظاهرة».
تَشْكِيكُهُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ:
وفي [ص ١٩٦، ١٩٧] عاد يردد مزاعمه السابقة، فمرة يغمز العلماء الأثبات القائلين: إنَّ الصحابة كلهم عدول، ويقولهم ما لم يقولوا في عدالة الصحابة إلى أن قال: ويعجبني قول علماء الكلام - أصحاب العقول الصريحة - في هذا الأمر نفسه، فقد جاءت عنهم هذه الكلمة الحكيمة، ثم نقل ما ذكره الإمام ابن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " عن النَظَّامِ وأمثاله وقد رَدَدْنَا على كل ذلك فيما سبق فهو كلام مكرر ممجوج، وكأن المؤلف يرى أنَّ علماء الكلام هُمْ النَظَّامُ وأشباهه وهو تدليس وتلبيس على القارئ بإيهامه أن هذا هو رأي علماء الكلام، وإذا أطلق لفظ علماء الكلام فإنما يفهم منه العلماء الأثبات الأعلام كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي والباقلاني والرازي وأضرابهم لا النظام وأشباهه من غُلاة الاعتزال.
[ ١٦١ ]
تَنَاقُضُ أَبِي رَيَّةَ فِي أَقْوَالِهِ:
وفي [ص ١٩٧] قال: «وأبو هريرة لم يكن له - كما قلنا - أي شأن في زمن النَّبِيِّ، ولا في عهد العمرين الراشدين، ولم يستطع أن يفتح فمه بحديث واحد إِلاَّ بعد قتل عمر، ولم يجرؤ على الفتوى إِلاَّ بعد الفتنة الأولى، وهي قتل عثمان وعلو شأن بني أمية، وقد أسلف المؤلف في غير موضع من كتابه أن عمر زجره على الإكثار من الرواية، وأنه قال له مُهَدِّدًا: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ» وأن أبا هريرة لم يكن من أهل الفتوى، ولا معروفًا بالفقه، ولا ندري أي قوليه نصدق؟! فهو ينقض اليوم ما قاله بالأمس، ويقول هنا ما نقض هناك، وهذا إن دَلَّ على شيء فإنما يدل على أن المؤلف يفكر بعقل مشوش مضطرب، ويكتب بقلم مأجور مذبذب، وهكذا شأن المبطلين.
ذِكْرُ أَبِي رَيَّةَ أَحَادِيثَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَعْنُهُ فِيهَا:
في [ص ١٩٨ - ٢٠٢] ذكر المؤلف أمثلة مِمَّا رواه أبو هريرة، وسأستعرض هذه الأحاديث وأبين محاملها الصحيحة، وأن بعضها يعتبر من محاسن الإسلام في توجيهاته وإرشاداته، وسترى أن المؤلف كان ينظر إلى ما روي عن أبي هريرة بعين ساخطة ترى المستقيم مُعْوَجًّا والمحاسن مساوئ والحق باطلًا، وإليك هذه الأحاديث:
حَدِيثُ إِرْسَالِ مَلَكِ المَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -:
-------------------------------------------------
قال: أخرج " البخاري " و" مسلم " عنه قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ [عَيْنَهُ] وَقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
[ ١٦٢ ]
وفي رواية لـ " مسلم " (*) قال: فلطم موسى عين الملك ففقأها.
وفي " تاريخ الطبري " عن أبي هريرة أنَّ ملك الموت كان يأتي الناس أحيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، ومن بعد حادثة موسى يأتي الناس خفيًا اهـ
قال: وإنَّ رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث.
والجواب:
أنَّ هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان البُخَارِي ومسلم (١) أَوْرَدَاهُ موقوفًا عليه من طريق طَاوُوس، ومرفوعًا إلى النَّبِيِّ من طريق همام بن منبه قال الحافظ: وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس اَيْضًا أخرجه الإسماعيلي.
فالحديث مرفوع لا محالة، أما في رواية همام بن منبه فالأمر ظاهر، وأما رواية طاووس فلها حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه، ويبعد كونه من الإسرائيليات وروده مرفوعًا صراحة من طريق صحيح.
ورواه الإمام أحمد في " مسنده ": وليس في الحديث ما يستشكل وإنما يكون مشكلًا لو أن موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - علم أنه ملك الموت، وأنه دافعه رغبة عن الموت، إذ مقام الأنبياء يتنزه عن ذلك.
وفي الحق أن موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ظنه عاديًا يريد أن يعتدي عليه، فدافع موسى عن نفسه فأدت المدافعة إلى فَقْءِ عَيْنِهِ، والدفاع عن النفس أمر مشروع في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
وليس في الرواية ما يدل على أنه كان يعرف أنه ملك الموت، وتشكل الملائكة بالصور الإنسانية أمر معروف مُسَلَّمٌ، وجاء به القرآن الصادق الذي لا يتطرق
_________________
(١) رواه " البخاري " في كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى. " فتح الباري ": ج ٦ ص ٣٤٢. و" مسلم بشرح النووي ": ج ١٥ ص ١٢٧، ١٢٨. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) في " صحيح مسلم ": «فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ» وليس كما ذكر أبو رية، انظر " الجامع الصحيح " للإمام مسلم، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٤٣) كتاب الفضائل (٤٢) باب فضل موسى - ﷺ -، حديث رقم ٢٣٧٢، ٤ / ص ١٨٤٢، الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ١٦٣ ]
إليه الشك والارتياب، وليس بلازم أنْ يعرف النَّبِيُّ أن المتشكل مَلَكٌ، فقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم ولوط - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - - كما قص القرآن الكريم - في صورة آدميين ولم يعرفاهم، ولولا ذلك لما قدم لهم إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - اللحم المشوي وقال: ألا تأكلون، ولما خاف عليهم لوط من قومه، وليس أدل على أن سيدنا موسى لم يكن يعرف ملك الموت أولًا أنه لما جاءه المرة الثانية وعرف أنه ملك الموت وأن اللهَ خَيَّرَهُ بين طول الحياة أو قبض الروح - اختار قبض الروح، والحديث صريح في هذا كل الصراحة، وقد سبق إلى هذا الإمام الكبير أبو بكر بن خزيمة وغيره من المُتَقَدِّمِينَ واختاره المازري والقاضي عياض وغيرهما (١) من علماء الأُمَّة الذين جمعوا بين المعقول والمنقول.
وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الملائكة تتشكل، وأن الصورة لا تحكم على هيئتها الحقيقية، فَفَقْءُ موسى عين الملك لا يعود عليه بنقص في خلقته ولا في هيئته، وبما ذكرناه يزول عن الحديث أي إشكال.
حَدِيثُ تَحَاجِّ الجَنَّةِ وَالنَّارِ:
------------------------
قال: وأخرجا كذلك عنه قال: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَالِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللهُ، ﵎، رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ».
والجواب:
أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (٢)، رواه البخاري عن
_________________
(١) المرجعان السابقان.
(٢) " فتح الباري ": ج ٨ ص ٤٨٤. " مسلم بشرح النووي ": ج ١٧ ص ١٨٠ وما بعدها.
[ ١٦٤ ]
أبي هريرة، وروى آخره عن أنس (١)، ورواه الإمام مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه اَيْضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا، وروى آخره عن أنس بن مالك، ولو أن الحديث كان من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه، فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما سمعت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه، وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده، وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عند المؤلف، فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟!.
هذا من ناحية الرواية، وأما من ناحية الدراية فلا نرى عليه غُبَارًا يثير الشك، وإنما يستشكل هذا من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم في البيان، وفي الكتاب الحق: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢)
والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان، ثم يفصل بينهما الحُكْمُ العَدْلُ بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب وطرقهم في «البيان» الكثير من ذلك، قال الشاعر العربي:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى * * * صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام وإنما هو تمثيل.
وقال امرؤ القيس في معلقته المشهورة مخاطبا الليل:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ * * * وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِى * * * بِصُبْحٍ وَمَا الإصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
_________________
(١) «كتاب التفسير»، باب قوله «وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ» و«كتاب التوحيد»، باب قول الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ».
(٢) [سورة ق، الآية: ٣٠].
[ ١٦٥ ]
وقال الآخر: امتلأ الحوض وقال قطني.
والحوض لا يتكلم وإنما هو تخيل وتمثيل، على أن الحديث يجوز أن يحمل على أن المحاجة كانت بين ملكين موكلين للجنة والنار، يكون الكلام من قبيل المجاز بالحذف، أي تحاج ملك الجنة وملك النار.
ولو ذهبنا إلى ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الكلام على حقيقته لا مجازه لم نبعد، ولسنا في ذلك حشويين ولا جامدين - كما يزعم المؤلف في نبذ كل عالم متثبت - إذ ليس بكثير على قدرة الله - ﵎ - أن يخلق في الجماد إدراكًا به يعقل وينطق، وإذا كان العقل البشري قد توصل إلى اختراع الإنسان الآلي الذي يسير ويتحرك وينطق ويحسب، أفنستكثر على قدرة الحق - جَلَّ وَعَلاَ - أن يُحَدِّثُ التمييز والنطق في الجنة والنار؟
وأما قوله: «حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ الخ» وفي رواية «قدَمَهُ».
فللعلماء في هذا وأمثاله رأيان: إما التفويض مع التنزيه والإيمان به من غير تمثيل ولا تكييف، وهو مذهب السلف، وإما التأويل، وهو مذهب الخلف، فقد قالوا: إن المراد بالقدم أو الرجل هنا الجماعة الذين قدمهم الله لها من أهل العذاب، أو المراد قدم أو رجل لبعض المخلوقين، أو أن المراد الكناية عن إذلال جهنم وإسكانها، فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلب المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم وليس المراد حقيقة القدم، والعرب يستعملون ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا يريدون أعيانها، ولا يزال الناس يقولون: «وَضَعْتُهُ تَحْتَ رِجْلِي أَوْ قَدَمِي» ولا يريدون الحقيقة، وإنما يريدون الإهانة والإذلال.
حديث: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الكَافِرِ»:
-----------------------------
قال: وروى " البخاري " عنه: «مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِْ الكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ» وأخرج أوله " مسلم " عنه مرفوعًا وزاد: «وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ [ثَلاَثٍ]».
[ ١٦٦ ]
والجواب:
أن هذا الحديث رواه " البخاري " و" مسلم "، رواه " البخاري " عن أبي هريرة في باب «صفة الجنة والنار «من كتاب الرقاق (١) وهو مرفوع في رواية البخاري لا كما يوهم كلام المؤلف من أن رواية " البخاري " موقوفة عليه، ورواه مسلم في " صحيحه " (٢) عن أبي هريرة مرفوعًا بدون قوله: وغلظ جلده إلخ، وأما رواية " مسلم " التي فيها الزيادة فبلفظ: «ضِرْسُ الكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاَثٍ» ومن ثم تبين لنا أن المؤلف غير متثبت فيما ينقل، وإنما يعتمد على الخطف السريع، فقد خطف هذه الكلمة من " الفتح " من غير أن يعرف مرجع الضمير في قوله: «أوله».
وقد وردت أحاديث أخرى تفيد عظم خلق الكافر يوم القيامة عن غير أبي هريرة، مِمَّا يدل على أنه لم ينفرد بهذا، ففي حديث ابن عمر عند أحمد من رواية مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ».وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي " البَعْث " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: عَن مُجَاهِدٍ عَن ابْن عَبَّاس: «مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا
» ولابن المبارك في " الزهد " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ، يُعَظَّمُونَ لِتَمْتَلِئَ مِنْهُمْ، وَلْيَذُوقُوا الْعَذَابَ» وسنده صحيح ولم يصرح برفعه لكن له حكم الرفع لأنه لا مجال للرأي فيه (٣).
وأما الحكمة في تعظيم خلق الكافر فقد أشار إليها الحديث السابق وزاده القرطبي توضيحًا فقال في " المفهم ": «إِنَّمَا عَظُمَ خَلْقُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُ وَيُضَاعَفُ أَلَمُهُ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ الكُفَّارَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْعَذَابِ عُلِمَ مِنْ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلأَنَّا نَعْلَمُ عَلَى القَطْع أَنَّ عَذَابَ مَنْ قَتَلَ الأَنْبِيَاء وَفَتَكَ فِي المُسْلِمِينَ وَأَفْسَدَ فِي الأَرْض لَيْسَ مُسَاوِيًا لِعَذَابِ مَنْ كَفَرَ فَقَطْ وَأَحْسَنَ مُعَامَلَة الْمُسْلِمِينَ مَثَلًا». وفي قوله - صَلَوَاتُ
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ١١ ص ٣٥٤.
(٢) " مسلم بشرح النووي ": ج ١٧ ص ١٨٦.
(٣) " فتح الباري ": ج ١١ ص ٣٥٤.
[ ١٦٧ ]
اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» سر عظيم قد كشف عنه الطب الحديث، ذلك أن أعصاب الإحساس إنما تكون في الجلد فكلما عظم الجلد واتسع زاد الإيلام، وفي هذا شاهد من شواهد النبوة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). وإلا فمن أعلم بأسرار هذا، وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن مِمَّنْ يتعاطى صنعة الطب، ولا كان أحد من معاصريه الأطباء يدرك هذه الأسرار؟
حَدِيثُ الذُّبَابِ وَبَيَانُ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ نَبَوِيَّةٌ:
قال: وروى " البخاري " و" ابن ماجه " عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الآخَرِ دَاءً» وقد علق في الحاشية بما سَمَّاهُ «معركة الذباب» بين مجلة " لواء الإسلام " و" مجلة الدكتور " وانتصر فيها لـ " مجلة الدكتور " وأنحى باللائمة والتثريب على المُصَحِّحِينَ لهذا الحديث ونبزهم بالألقاب.
وإليك مفصل الحق في هذا الحديث الذي ثارت حوله العجاجة والخصومات بين المُثْبِتِينَ وَالنَّافِينَ، وقد كنت عنيت بالكتابة في هذا الحديث وَرَدِّ الشُّبَهِ الواردة عليه في كتابي الذي نلت به درجة الأستاذية (٢) وهو " الوَضْعُ فِي الحَدِيثِ وَرَدِّ شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ وَالكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ " وَقَدْ وَجَّهَتْ إِلَيَّ «الإذاعة السعودية» في أول عهدها سؤالًا عن هذا الحديث وَرَدَ إليها من أحد المستمعين وكنت إبانها مبعوث الأزهر الشريف للتدريس بالبلد الحرام «مكة» وإصلاح مناهج التعليم، وهاك خلاصة ما كتبته في كتابي وأذعته.
قلت بعد أن بَيَّنْتُ مَنْزِلَةَ السُنَّةِ من الكتاب وعناية الأُمَّةِ الإسلامية بها عناية فائقة، وأن المُحَدِّثِينَ بلغوا الغاية في نقد السند، وعنوا بنقد المتن ولكن لم يبالغوا في نقد المتن مبالغتهم في نقد السند، لاعتبارات شريفة أفضت في الكلام عنها في هذا الكتاب:
_________________
(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].
(٢) كان ذلك عام ١٣٦٥ هـ وعام ١٩٤٦ م.
[ ١٦٨ ]
هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم أجد لأحد من نقاد الحديث طعنا في سنده فهو في درجة عالية من الصحة وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المستاهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو مباءة الجراثيم فيه دواء؟ وكيف يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد؟ وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟
وقد بذل علماؤنا الأوائل - أَثَابَهُمْ اللهُ - الجهد في رد هذه الشبهة فقالوا: لا مانع عقلًا أن يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد، بل هو أمر مشاهد معروف، فالنحلة تلقي السُمَّ من أسفلها وتخرج عسلًا فيه شفاء للناس مِنْ فِيهَا، والحية القاتل سُمُّهَا يدخل لحمها في الترياق الذي يعالج به السم، وإن الله الذي هدى النحلة إلى أن تبني بيتها على أعظم نظام هندسي، وهدى النملة أن تدخر قوتها لأوان حاجتها، وأن تفلق الحبة نصفين لئلا تنبت، لقادر على أن يلهم الذبابة أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ، وحاول بعضهم أن يجيب فقال: إن الحديث من قبيل المجاز، وأن المراد بالداء داء الكبر، وبالدواء حمل النفس على التواضع بتناول ما سقط فيه الذباب.
وقد شاء ربك العالم بما كان وما يكون أن يظهر سِرُّ هذا الحديث، وأن يتوصل بعض نطس الأطباء إلى أن في الذباب مادة قاتلة للميكروب فبغمسه في الإناء تكون هذه المادة سَبَبًا في إبادة ما يحمله الذباب من الجراثيم التي ربما تكون عالقة به، وبذلك أصبح ما قال العلماء الأقدمون - تجويزًا - حقيقة مقررة، وإليك ما ذكره أحد الأطباء العصريين في محاضرة بجمعية الهداية الإسلامية بمصر قال:
يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا آخر فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب «مبعد البكتيريا» وهي تقتل كثيرًا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وإن هناك خاصة في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته، وعلى هذا إذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة
[ ١٦٩ ]
بأطرافه، فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول وَاقٍ منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وفي " مجلة التجارب الطبية الإنجليزية " عدد ١٣٠٧ سَنَةَ ١٩٢٧ ما ترجمته: «لقد أطعم الذباب من زرع ميكروبات بعض الأمراض، وبعد حين من الزمن ماتت تلك الجراثيم واختفى أثرها، وتكون في الذبابة مادة سامة تسمى «بكتريوفاج» ولو عملت خلاصة من الذباب لمحلول ملحي لاحتوت على «بكتريوفاج» التي يمكنها إبادة أربعة أنواع من الجراثيم المولدة للأمراض وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك» وبذلك ظهر أن هذا الحديث الذي عده بعض المتساهلين كَذِبًا من أقوى المعجزات العلمية على صدق الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -.
وقد كتب طبيبان فاضلان بَحْثًا قَيِّمًا حول حديث الذباب، مُدَعَّمًا بالأدلة وذكر المراجع العلمية التي رجعا إليها في إثبات صحة هذا الحديث بما لا يدع مجالا للشك فيه، وإليك هذا الحديث بنصه (١):
كَلِمَةُ الطِبِّ فِي حَدِيثِ الذُّبَابِ:
----------------------------
البحوث والمراجع العلمية تؤيد الحديث الشريف: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ دَوَاءً».
تحقيق علمي للدكتور محمود كمال، والدكتور محمد عبد المنعم حسين:
كثر التعرض لهذا الحديث وخصوصًا من جانب أطباء مكذبين للحديث لعلمهم بأن الذباب ينقل العدوى والجراثيم الحاملة للمرض، ونحن نعلم أن من بين الأحاديث التي رويت عن النَّبِي - ﷺ - ما هو صحيح وما هو مكذوب، وكان على فقهاء الحديث أن يبينوا الصحيح ويستبعدوا المكذوب، وتمسك رجال الحديث والفقهاء الأعلام بصحة الحديث لاستناده لثقة من الرواة، وتمسك بعض الأطباء بالناحية
_________________
(١) نشر هذا البحث القيم في " مجلة الأزهر " عدد رجب لِسَنَةِ ١٣٧٨ هـ.
[ ١٧٠ ]
الصحية وَكَذَّبُوا الحديث، وكنا نود أن نفهم الحديث على أسس ثلاثة:
١ - عدم التعرض لصحة الحديث فهذا من اختصاص فقهاء الحديث والعلماء الذين درسوا العلم والحديث، وهم أعلم كيف يستبعدون الأحاديث المكذوبة.
٢ - محاولة البحث العلمي بافتراض صحة الحديث للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ قرآن كريم. (١)
٣ - عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات وعن طفيليات الحشرات، لهذا رأينا بعد قراءة الموضوع والمجادلات المتبادلة بين الفريقين في الصحف والمجلات منذ مدة طويلة أن نحاول أن نرد الحق إلى نصابه، ذلك أن بعضنا - بعد قراءة آراء فقهاء الحديث عن صحة الحديث - لم يتردد في تصديقه، وحاول أن يرجع إلى المراجع العلمية التي تؤيد صحة الحديث.
وقد جاء في المراجع العلمية أن الأستاذ الألماني «بريفيلد» من جامعة هال بألمانيا وجد في عام ١٨٧١ أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات سماها «أمبوزا موسكي» من عائلة «انتوموفترالي» من فصيلة «سيجومايسيس» من فصيلة «فيكومايسيس» ويقضي هذا الفطر حياته في الطبقة الدهنية داخل بطن الذبابة، على شكل خلايا خميرة مستديرة ثم يستطيل ويخرج على نطاق البطن بواسطة الفتحات التنفسية أو بين المفاصل البطنية، وفي هذه الحالة يصبح خارج جسم الذبابة، وهذا الشكل يمثل الدور التناسلي لهذا الفطر وتتجمع بذور الفطر في داخل الخلية إلى قوة معينة تمكن الخلية من الانفجار وإطلاق البذور خارجها، وهذا سيكون بقوة دفع شديدة لدرجة تطلق البذور إلى مسافة حوالي ٢ سم من الخلية بواسطة انفجار الخلية واندفاع السائل على هيئة رشاش.
ويوجد دائمًا حول الذبابة الميتة والمتروكة على الزجاج مجال من البذور لهذا الفطر، ورؤوس الخلية المستطيلة التي تخرج منها البذور موجودة حول القسم الثالث
_________________
(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].
[ ١٧١ ]
والأخير من الذبابة على بطنها وظهرها، وهذا القسم الثالث أو الأخير دائمًا يكون مرتفعًا عندما تقف الذبابة على أي مسند لتحفظ توازنها واستعدادها للطيران، والانفجار كما ذكرنا يَحْدُثُ بعد ارتفاع ضغط السائل داخل الخلية المستطيلة إلى قوة معينة، وهذا قد يكون مسببًا من وجود نقطة زائدة من السائل حول الخلية المستطيلة، وفي وقت الانفجار يخرج من السائل والبذور جزء من «السيتوبلازم» من الفطر، كما ذكر الأستاذ «لانجيرون» - أكبر الأساتذة في علم الفطريات - في عام ١٩٤٥، أن هذه الفطريات كما ذكرنا تعيش في شكل خميرة مستديرة داخل أنسجة الذبابة وهي فرز أنزيمات قوية تحلل وتذيب أجزاء الحشرة الحاملة للمرض.
ومن جهة أخرى تم في سَنَةِ ١٩٤٧ عزل مادة مضادة للحيوية (بواسطة «آرشتين» و«كوك» من انجلترا و«روليوس» من سويسرا في سَنَةِ ١٩٥٠ تُسَمَّى «جافاسين» من فطر من نفس الفصيلة التي ذكرناها والتي تعيش في الذبابة وهذه المادة المضادة للحيوية تقتل جراثيم مختلفة من بينها جراثيم السالبة والموجبة لصبغة جرام، وجراثيم الدوسنتاريا والتيفود، وفي سَنَةِ ١٩٤٨ عزل (بريان) و(كورتيس) و(هيمنج) و(جيفيريس) و(ماكجوان) من بريطانيا مادة مضادة للحيوية تسمى «كلوتينيزين» من فطريات من نفس فصيلة الفطر الذي يعيش في الذبابة، وتؤثر على الجراثيم السالبة لصبغة جرام من بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد، وفي سَنَةِ ١٩٤٩ عزل (كوكس) و(فارمر) من انجلترا و(جرمان) و(روث) و(اتلنجر) و(بلاتنر) من سويسرا مادة مضادة للحيوية تسمى «انياتين» من فطريات من نفس صنف الفطر الذي يعيش في الذبابة تؤثر بقوة شديدة على جراثيم جرام موجب وجرام سالب وعلى بعض فطريات أخرى، ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد والكوليرا، ولم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي، ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات، بينما قوتها شديدة جِدًّا وتفوق جميع مضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة وتكفي كمية قليلة جِدًّا لمنع معيشة أو نمو جراثيم التيفويد والدوسنتاريا والكوليرا وما يشبهها.
[ ١٧٢ ]
وفي سَنَةِ ١٩٤٧ عزل «موفتيش» مواد مضادة للحيوية من مزرعة الفطريات الموجودة على جسم الذبابة، ووجد أنها ذات مفعول قوي في بعض الجراثيم السالبة لصبغة جرام مثل جراثيم التيفويد والدوسنتاريا وما يشبهها، وبالبحث عن فائدة الفطريات لمقاومة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها وقت قصير للحضانة وجد أن واحد جرام من هذه المواد المضادة للحيوية يمكن أن يحفظ أكثر من ١٠٠٠ لتر لبن من التلوث من الجراثيم المرضية المزمنة.
وهذا أكبر دليل على القوة الشديدة لمفعول هذه المواد.
أما بخصوص تلوث الذباب بالجراثيم المرضية كجراثيم الكوليرا والتيفويد والدوسنتاريا وغيرها التي ينقلها الذباب بكثرة، فمكان هذه الجراثيم يكون فقط على أطراف أرجل الذبابة أو في بُرَازِهَا، وهذا ثابت في جميع المراجع البكتريولوجية، وليس من الضروري ذكر أسماء المؤلفين أو المراجع لهذه الحقيقة المعلومة.
ويستدل من كل هذا على أنه إذا وقعت الذبابة على الأكل فستلمس الغذاء بأرجلها الحاملة للميكروبات المرضية، التيفويد أو الكوليرا أو الدوسنتاريا أو غيرها، وإذا تبرزت على الغذاء سيلوث الغذاء اَيْضًا كما ذكرنا بأرجلها، أما الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية والتي تقتل الجراثيم المرضية الموجودة في بُرَازِ الذبابة وفي أرجلها، فتوجد على بطن الذبابة ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة من الفطريات والمحتوي على المواد الضارة للحيوية إِلاَّ بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية ويسبب انفجار المستطيلة واندفاع البذور والسائل.
وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الغذاء إذا وقعت عليه لإفساد أثر الجراثيم المرضية التي تنقلها بأرجلها أو بِبُرَازِهَا، وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث، وهي أن في أحد جناحيها داء (أي في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالجراثيم المرضية التي حملتها) وفي الآخر شفاء، وهو المواد المضادة للحيوية التي تفرزها الفطريات الموجودة على بطنها، والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول الخلايا
[ ١٧٣ ]
المستطيلة للفطريات.
وبعد: فلعلك - أيها القارئ - ازددت يَقِينًا بصحة هذا الحديث، واطمأننت إلى أن الإذعان والقبول لما صح عن الرسول أحرى بالمؤمن
المُتَثَبِّت وَأَوْلَى، وفي كل يوم تتقدم فيه العلوم والمعارف البَشَرِيَّةُ يظهر الله سبحانه من الآيات ما يدل على صِدْقِ النَّبِيِّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - وَصِدْقِ معجزته الكبرى وهي القرآن وصدق الله حيث يقول:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
اسْتِشْهَادُهُ لِمَزَاعِمِهِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ:
قال: وروى الطبراني في " الأوسط " عنه عن النَّبِي - ﷺ -: «أَتَانِي مَلَكٌ بِرِسَالَةٍ مِنَ اللَّهِ ﷿، ثُمَّ رَفَعَ رِجْلَهُ فَوَضَعَهَا فَوْقَ السَّمَاءِ، وَرِجْلُهُ الأُخْرَى ثَابِتَةٌ فِي الأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهَا».
وهذا الحديث منكر، وما دام حاله كذلك فلا يصح الاحتجاج به، ولا يصح أن يترتب عليه ما يهدف إليه المؤلف من الطعن في أبي هريرة من أنه يروي الروايات الخرافية.
وأما حديث " الترمذي " عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ»، فسيأتي الكلام عنه قريبًا إن شاء الله.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ يُعْتَبَرُ مِنْ مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ:
قال في [ص ٢٠٠]: وروى الحاكم وابن ماجه من حديثه بسند صحيح:
«خَمِّرُوا الآنِيَةَ وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عَنِ النِّسَاءِ (كذا نقله، والصواب: عِنْدَ العِشَاءِ) فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ (أَيْ الْفَأْرَةُ) رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتِ البَيْتَ».
_________________
(١) [سورة فصلت، الآية: ٥٣].
[ ١٧٤ ]
والجواب:
إن هذا الحديث بهذا اللفظ رواه البخاري في " صحيحه " (١) ولكنه عن جابر بن عبد الله لا عن أبي هريرة، ورواه من طرق أخرى عن جابر بنحو هذا في مواضع من كتابه (٢) ورواه مسلم في " صحيحه " عن جابر من طرق عدة بنحو ما رواه البخاري، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الحديث ثابت من غير طريق أبي هريرة، ولو أن الحديث كان من روايته وحده لما جاز له أن يتخذ منه تكأة للطعن فيه، فما بالك وقد ثبت عن غيره؟! إن هذا الحديث يعتبر من مفاخر الإسلام وتوجيهاته الرشيدة السديدة الصحية والاجتماعية، وإليك كلمة موجزة في شرح هذا الحديث كي تزداد يقينًا بسمو الإرشاد النبوي وأن أبا هريرة كان يستحق التكريم - لا التأنيب - لو أنه نقل هذه الآداب الإسلامية الحكيمة.
«خَمِّرُوا الآنِيَةَ» أَيْ غَطُّوهَا، ومن ذا الذي لا يدعو إلى تغطية آنية الطعام والشراب؟ أليس في تغطيتها صيانة لها عن القاذورات وسقوط الهوام والحشرات، وفي هذا ما فيه من حفظ الصحة والإبقاء على النفوس؟ وإذا كان المؤلف قد ران الحقد على قلبه حتى عَدَّ المحاسن مساوئ فليسأل رجال الطب وسيعلم علم اليقين سُمُوَّ هذا التوجيه الصحي النبوي!
«وَأَوْكِئُوا الأَسْقِيَةَ» الأسقية: القِرَبَ، أي اربطوها وشدوها بالوكاء وهو ما يربط به فَمَ القِرْبَةِ، وهذه الفقرة لا تقل في التوجيه الصحي عن سابقتها «وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ»: أي أغلقوها، ومن ذا الذي ينكر ما في إغلاق الأبواب من الفوائد والمصالح وحراسة الأنفس والأهل والولد والمال من أهل العبث والفساد والحيوانات الكاسرة والكلاب العقورة ولا سيما في البلاد الصحراوية والبدوية والقرى والدساكر؟.
_________________
(١) كتاب بدء الخلق، «باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم».
(٢) كتاب بدء الخلق، «باب صفة إبليس». كتاب الأشربة، «باب تغطية الإناء». كتاب الاستئذان، «باب لا تترك النار في البيت عند النوم»، و«باب غلق الأبواب في الليل».
[ ١٧٥ ]
«وَاكْفِتُوا (١) صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ» أي ضموهم إليكم، والمعنى امنعوهم من الحركة والخروج من البيوت في هذا الوقت، وقد عَلَّلَ ذلك بقوله: «فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً» وقد روي من طريقين آخرين بلفظ «فإنَّ الشياطين» وَهُمْ المرادون من لفظ الجن في الرواية الأولى، ومِمَّا ينبغي أنْ يعلم أنَّ الشيطان في لغة العرب يطلق على المتمرد من الجن والإنس والحيوان، بل والهوام والطيور.
وشواهد ذلك كثيرة في لغة العرب، ومن ذا الذي يجهل ما عسى أن يلحق الأولاد عند المساء من مَرَدَةِ الجن والإنس والحيوانات والهوام؟ وهذا أمر مشاهد محسوس، وفي الرواية الأخرى «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أَوْ [قَالَ]: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ» أليس في هذا تنبيهًا إلى ما هو مشاهد من أن الحيوانات الكاسرة والهوام المؤذية التي من شأنها الاستتار نهارًا لا تلبث وقد شاهدت إقبال الظلمة أن تسرح وتخرج من مساربها وفي نفسها عرامة وشراسة فلا تصادف إنسانًا إِلاَّ آذته، والحديث لم يعين المراد من الشياطين أهم شياطين الجن أم شياطين الإنس أم شياطين الحيوان؟ فالحديث أَيًّا كَانَ محمله صحيح في معناه وسام في مغزاه.
«وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ» وقد قال أئمة الحديث وشراحه: إن هذا الإرشاد النبوي ليس خَاصًّا بالمصابيح بل يشمل إطفاء أي نار كنار الكانون والتنور، فانظر إلى مرونتهم في الفهم وعدم جمودهم ووقوفهم عند ظاهر النص.
وكان على المؤلف أن يذهب إلى البَاحِثِينَ الاِجْتِمَاعِيِّينَ - إن كان لا يقتنع بكلام شُرَّاحِ الحَدِيثِ - ليدلوه على سمو هذا الإرشاد النبوي، بل ليذهب إلى وزارة الداخلية وسيخبرونه بما تجره الفتيلة، والكانون، والتنور من حرائق وأضرار لا حصر لها.
ولعلك أيها القارئ المُنْصِف ازددت يقينًا إلى يقين بأن المؤلف بلغ من حقده
_________________
(١) بهمزة وصل وكسر الفاء ويجوز ضمها.
[ ١٧٦ ]
على الصحابي أبي هريرة أنه وصل إلى حد حمله على أن جعل المحاسن مساوئ، والفضائل رذائل، وأن هذا الحديث الذي عرض له المؤلف بالطعن من مفاخر النَّبِيِّ - ﷺ - وتوجيهاته السديدة.
حَدِيثُ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ التِي فِي الجَنَّةِ:
------------------------------------
قال في [ص ٢٠١]: وروى " مسلم " عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ» وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأدهى منه، تفهق الكتب بها، ولا نستطيع إيرادها هنا لأن ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها.
«رَدُّنَا عليه»:
أما الحديث المذكور فبحسبك ردنا عليه فيما سبق، وقد ألقمناه حَجَرًا، أما تنديده بروايات أبي هريرة فقد بينا لك وجه الحق فيما اعترض عليه منها، وأن الكثير منها أحاديث موضوعة، ورسول الله وأبو هريرة بريئان منها، والموضوع مكذوب مختلق لا يصح لباحث أن يرتب عليه نتائج، ولا أن يحتج به؟.
والبعض أحاديث رويت عن غير أبي هريرة من الصحابة، والبعض شارك أبا هريرة في روايتها غيره من الصحابة، والبعض أحاديث صحيحة طعن فيها لضيق تفكيره وقلة بضاعته في فهم الأحاديث ومعرفتها، ومتابعته المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، مع أن تقدم العلم أظهر بعض ما فيها من أسرار ما كانت تجول بخاطر إنسان ما في هذا الوقت إِلاَّ أن يكون نَبِيًّا يوحى إليه.
المُؤَلِّفُ إِمَّعَةً فِيمَا يَقُولُ:
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المؤلف إمعة يتبع كل ناعق من أعداء الإسلام من المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ وأضرابهم، وأغلب الأحاديث التي ذكرها في طعونه في أبي هريرة، وفي تهجمه على السُنَّةِ قد تابع فيها الأستاذ أحمد أمين في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، وأحمد أمين قد تابع فيها «جولدتسيهر» وأضرابه من المُسْتَشْرِقِينَ، وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المؤلف لم يزد عن كونه ذَيْلًا، ولا يليق بالباحث أن يكون إمعة وذيلًا في كل ما يكتب، ولكن كيف يتأتى له أن يكون غير هذا وهو قليل العلم بالحديث
[ ١٧٧ ]
ورجاله، وبضاعته فيه بضاعة مزجاة، فلا تعجب إذا كانت آراؤه فيه فجة مبتسرة.
خَمْسُونَ صَفْحَةً كُلُّهَا سِبَابٌ وَاتِّهَامٌ:
وقد استغرقت ترجمته لأبي هريرة - ﵁ - ما يربو على خمسين صفحة كلها سفاه وشتائم، وتظنن واتهامات، وافتراءات ليس لها ما يؤيدها من عقل أو نقل، وإنما تكشف عن سوء طويته، وبلغ حقده ثم يختمها بقوله: هذا هو تاريخ أبي هريرة الذي لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ حوال ثلاث سنين ثم ترك هذه الألوف الكثيرة من الأحاديث التي ضاقت بها صدور الكتب وقد أطلنا فيها لأن أمر أبي هريرة يباين أمر الصحابة جميعًا.
جَهْلُ أَبِي رَيَّةَ بِاللُّغَةِ:
وقد جهل أَبُو رَيَّةَ أن الألوف من جموع الكثرة وهي لما فوق العشرة، مع أنه نقل عن الإمام ابن حزم [ص ١٦٢] من كتابه أن " مسند بقي ابن مخلد " وهو أوسع المصنفات وأشملها قد احتوى من حديث أبي هريرة على [٥٣٧٤]، فها نحن نرى أنها لم تبلغ الستة آلاف فضلًا عن أن تزيد عن العشرة.
وفي الحق أن صدور الكتب لم تضق بأحاديث أبي هريرة وإنما تضيق بها صدور أمثاله من أعداء السنن والأحاديث، والجهلاء بأقدار الصحابة ومنزلتهم في العلم والرواية، وقد قدمنا لك السبب في إكثاره من الرواية، كما قدمنا رأي الصحابة فيه، والتابعين وأئمة العلم والدين، وإذا كان أمره يباين أمر الصحابة جميعًا فكيف خفى هذا على قرن التابعين وهو من خير القرون بشهادة الرسول، حتى روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم والرواية كما قال الإمام الكبير البخاري؟!!.
أَلاَ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
السَّبَبُ فِي قِلَّةِ رِوَايَةِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ:
-----------------------------------
في [ص ٢٠٣) عرض لرواية كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة وأمثالهم وقلة
[ ١٧٨ ]
الرواية عنهم، وقد بَيَّنْتُ فيما سبق قلة الرواية - نِسْبِيًّا - عن الخلفاء الأربعة ولا سيما الشيخان أبو بكر وعمر، وأن ذلك كان لاشتغالهم بمهام الخلافة ونشر الإسلام، ولم يكن ذلك لقلة ما سمعوه من رسول الله - ﷺ -، ولا لنسيانهم ما حفظوه، ولا للشك والريبة في الصحابة الذين تفرغوا لسماع الحديث وحفظه ونشره، كَمَا رَدَّدَ أَبُو رَيَّةَ في غير موضع من كتابه، وقد أفضت فيما سبق في بيان أن كثرة الرواية يرجع إلى عوامل منها: التفرغ، وقوة الحفظ، وقلة الشواغل الدنيوية، وتأخر الوفاة، والتصدي للعلم والفتيا، فكن على ذكر منه.
اِتِّهَامُهُ لِلْصِدِّيقِ - ﵁ -:
ومن تظنناته التي لا يشهد لها عقل ولا نقل قوله في الصدِّيق: وإن مِمَّا يلفت (١) (كذا) النظر حَقًّا أن تجد مثل أبي بكر على ما أوتي من قوة الحفظ ورجاحة العقل ومتانة الدين ينصرف عن حفظ أحاديث رسول الله وما حفظ منها لا يرويه، وما جمعه يعود فيحرقه
ونحن لا نقره على ما قال من انصراف الصِدِّيقِ عن حفظ أحاديث رسول الله وقد كان يحبه أكثر من حبه لنفسه، وكان أعز عليه من سمعه وبصره، فانظر يا أخي القارئ كيف يرمي الصِدِّيقَ بهذه الفِرْيَةِ، لأجل أن ينال من أبي هريرة؟!!
كما لا نقره على أنَّ ما حفظ منها لا يرويه، وكيف؟ وقد رويت عنه أحاديث - غير قليلة - في " الصحيحين " وغيرهما!! وأما ما نقله عن الحاكم من أن الصِدِّيقَ جمع خمسمائة حديث ثم عاد فحرقها (*) فروايات الحاكم ليست كلها صحيحة، وهو معروف بالتساهل في التصحيح، وعلى فرض صحتها فإحراقه لما جمع مبالغة في التحري والتثبت، وزيادة في الورع والتحوط لجواز الغلط والنسيان على الرواي العدل الثقة وليس ذلك للشك في الصحابة وتهمتهم كما يريد المؤلف أن يصل إليه.
_________________
(١) في " القاموس ": لَفَتَه يَلْفِتُهُ: «لَوَاه، وصَرَفَه عن رَأيِهِ»، واستعمالها بمعنى وجه وجذب عامي. --------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ذكر ذلك الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٥ وأورده بسند الحاكم ثم عَقَّبَ على ذلك بفوله: «فَهَذَا لاَ يَصِحُّ». نقلًا عن " السُنَّة وَمَكَانَتُهَا فِي التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي " للدكتور مُصْطَفَى السِّبَاعِي، ص ١٥٤، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان
[ ١٧٩ ]
مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ - ﵁ -:
--------------------------------------
وأما ما ذكره تحت عنوان ما رواه عَلِيٌّ من أنه ابن عم النَّبِيِّ، وتربى في حجره وهو صغير إلخ ما ذكره فنحن نقر به، ولكن الفضل شيء، والرواية شيء آخر، ولا ارتباط بينهما قط وقد يروي المفضول أكثر بكثير مِمَّنْ هو أفضل منه، ومرويات سيدنا عَلِيٍّ أكثر مِمَّا رُوِيَ عن الشيخين ولا ريب، إِلاَّ أنه لم يتفرغ للرواية كتفرغ أبي هريرة والعبادلة وغيرهم من المكثرين فمن ثم قَلَّتْ روايته عنهم، وغير خفي على من درس التاريخ ما اشتغل به أبو الحسن من مداومة الجهاد والغزو في حياة النَّبِيِّ وبعد وفاته، وما لاقاه من متاعب وحروب أثناء خلافته، وتقدم وفاته عن أبي هريرة وغيره من المكثرين، وكل هذه العوامل من أسباب قلة الرواية.
مِنْ أَمْثِلَةِ الفَهْمِ السَيِّءِ وَالتَّجَنِّي الآثِمِ:
-------------------------------------
في هامش [ص ٢٠٣] نقل كلام الإمام ابن تيمية في سيدنا عمر في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " حيث قال: «وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ مُمْتَثِلًا لِسُنَّةِ رَسُولِهِ، مُحْتَذِيًا حِذْوَ صَاحِبَيْهِ، مُشَاوِرًا فِي أُمُورِهِ لِلسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِثْلَ عُثْمَانَ، وَعَلِيِّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ، وَفَّقَهٌ، أَوْ رَأْيٌ أَوْ نَصِيْحَةٌ لِلإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ».
فتأبى عليه نفسه المتجنية على أبي هريرة إِلاَّ أن يتخذ من كلام الإمام سبيلًا للطعن في أبي هريرة فيقول: انظر إلى دقة فهم ابن تيمية، وواسع اطلاعه، فإنه لم يذكر أبا هريرة في الذين يستشيرهم عمر لأنه لم يكن له علم ولا فقه، ولا رأي، ولا نصيحة!!!
وأقول: يا عجبًا لهذه العقول التي لا تدري كيف تفهم!! إن الإمام ابن تيمية حينما ذكر استشارة الفاروق للسابقين الأولين وذكر بعضهم على سبيل التمثيل ما كان يدور بخلده قط تنقص أبي هريرة ولا النيل منه كما افترى المؤلف، وأبو هريرة لم يكن قطعًا من السابقين لأنه أسلم سَنَةَ سَبْعٍ، ولكن كونه ليس من السابقين لا يعود عليه بالطعن، ولا بالازدراء فالآلاف من الصحابة ليسوا من السابقين الأولين،
[ ١٨٠ ]
فلو كان الأمر كما فهم أَبُو رَيَّةَ صاحب المنطق المعكوس، والفهم السقيم لعاد ذلك بالتنقيص على هؤلاء جميعًا، ثم من قال: إن كل من لم يستشرهم الفاروق ليسوا من أهل العلم والفقه، والرأي والنصيحة؟! إن هذا الاستنتاج الخاطئ لو صح لعاد ذلك بالطعن على جمهور الصحابة، ثم ألأجل أن ينال من أبي هريرة يركب هذا المركب الصعب، ويسلك هذا المسلك الملتوي في الفهم والاستنتاج؟! أغيثونا يا أهل الإنصاف من هذا الغثاء والهراء.
ذِكْرُهُ بَعْضَ الأَحَادِيثِ المُشْكِلَةِ:
في [ص ٢٠٧] ذكر عنوان «أحاديث مشكلة» وقد ذكر أحاديث بعضها مرفوع، وبعضها موقوف، وبعضها صحيح لا شك فيه ولكنه استشكلها، وبعضها غير صحيح والأقرب أن تكون من الإسرائيليات أو الموضوعات.
وقبل أن أجيب عن هذه الأحاديث أقول:
من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يتلقف الإشكالات ويزيدها استشكالًا، ويأبى عليه سوء مقصده أن يذكر ولو بعض ما ذكره العلماء الأثبات في رد هذه الاستشكالات ولا سيما ما يتعلق منها بالأحاديث الصحيحة المروية في " الصحيحين " أو أحدهما.
وأمره لا يخلو من أمرين أحدهما: لأنه إما أن يكون لم يطلع على ما كتبه الأئمة الشراح للأحاديث في هذا وهو تقصير وجهل! وإما أن يكون اطلع عليها ورأى أنها لا تسعفه بل وترد عليه فيما يهدف إليه من تقليل الثقة بِالسُنَّةِ ورجالاتها فآثر طيها، وهذا خيانة وتلبيس! وهذا وذاك مِمَّا ينأى به عن أن يكون بَاحِثًا وَمُنْصِفًا.
وقد دأب المؤلف على تلقف المشاكل والطعون، والعمل جَادًّا على النفخ فيها حتى يصير من الحبة قبة ولكنها لا تلبث أمام البحث العلمي الأصيل أو تزول كما تزول الفقاقيع من على وجه الماء، ولم يخطر بباله أن يشذ ولو مرة فيذكر بعض المحاسن - وما أكثرها - للحديث ورجاله، وفي السُنَّةِ ألوف الأحاديث التعليمية،
[ ١٨١ ]
وَالخُلُقِيَّةِ، وَالتَّوْجِيهِيَّةِ مِمَّا يعتبر من مفاخر الإسلام ومحاسنه، وكان على المؤلف أن يشير إلى هذه الألوف ولو بكلمة قصيرة، ولكنه لم يفعل، وذلك لحاجة في نفسه.
عرض الأحاديث التي استشكلها والجواب عنها:
--------------------------------------------
حَدِيثُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ:
قال: ابن عباس قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ نَظَرَةً وَيُحْيِى وَيُمِيتُ، وَيُعِزَّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ».
والجواب:
أنه لم يصح عن النبي - ﷺ - في تفصيل ذلك حديث مرفوع، وإنما هي آثار عن بعض الصحابة والتابعين، والواجب أن نؤمن بوجود اللوح المحفوظ، وأن الله دون فيه كل ما كان وما يكون. أما ما وراء ذلك مما ورد في وصفه وكيفيته والقلم الذي كتب به فلا، والأقرب فيما ورد عن ابن عباس وغيره في هذا أنه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب، ورويت لغرابتها، ولا سيما وأنه ليس في القرآن ما يصدقها ولا ما يكذبها فبقيت روايتها على أصل الإباحة، وقد فصلت فيما سبق موقف الإسلام مما ذكر عن بني إسرائيل فارجع إليه، على أنه ليس في الحديث على فرض ثبوته ما يستشكل، وقدرة الله صالحة لكل شيء.
حَدِيثُ سُجُودِ الشَّمْسِ:
قال: وروى الشيخان وبعض السنن والمسانيد، والتفسير المأثور عن أبي ذر قال: قال رسول الله لأبي ذر حين غربت الشمس «أتدري أين تذهب؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش » إلخ الحديث.
[ ١٨٢ ]
والجواب:
هو ما قدمته في هذا الكتاب (١) من أنه لا إشكال في الحديث، وأنه من قبيل المجاز والتمثيل، ومثل هذا المجاز قريب، ومستساغ ومستفيض في لغة العرب، وإنما يستشكل مثل هذا من لم يتذوق لغة العرب وما لهم من الافتنان في الأساليب وطرق البيان.
حَدِيثُ الشَّيَاطِينِ المَسْجُونَةِ:
قال: وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. صاحب الزاملتين (٢) قال: «إن في البحر شياطين [مسجونة] أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا».
وهو موقوف عليه وليس بمرفوع إلى النبي فلا يضيرنا، على أن الحديث ليس فيه ما يستشكل لمن يؤمن بعالم الجن، وليس فيه ما يحيله العقل، وإن كنت أميل إلى أنه يجوز أن يكون مما حمله عن الكتب التي أصابها في موقعة «اليرموك» من كتب أهل الكتاب، ولا يقولن قائل: إن هذا مما له حكم الرفع، لأنا نقول: إن أئمة الحديث نصوا على أن كلام الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إذا لم يكن الصحابي معروفا بالأخذ عن الإسرائيليات كعبد الله بن عمرو بن العاص مثلا، فهذا ليس له حكم المرفوع قطعا.
حَدِيثُ العَجْوَةِ وَكَوْنِهَا دَوَاءٌ:
قال: وروى " البخاري " في باب الدواء بالعجوة للسحر عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ -: «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ
_________________
(١) ص ٤٩ وقد سقت هناك الحديث بتمامه.
(٢) تثنية زاملة وهي البعير الذي يحمل عليه، وكان عثر على حمل بعيرين من كتب أهل الكتاب في «اليرموك» فكان يُحَدِّثُ ببعض ما فيها من غير أن يرفعه إلى النَّبِي - ﷺ -، فمن ثم تحاشى بعض الرُواة الرواية عنه احتياطًا.
[ ١٨٣ ]
سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» وفي رواية «سَبْعَ تَمَرَاتٍ» وكذا لـ " مسلم " عن سعد بن أبي وقاص، وعند النسائي من حديث «العَجْوَة مِنْ الجَنَّة، وَهِيَ شِفَاء مِنْ السُّمِّ».
ومعنى اصطبح: تناوله في الصباح على الريق.
وأحب أنْ أُنَبِّهَ إلى أنَّ المؤلف تابع في هذا الأستاذ أحمد أمين في " ضحى الإسلام " وهو تابع المُسْتَشْرِقِينَ في هذا.
وإليك الجواب عن هذا:
١ - إنَّ العلماء القدامى أثابهم الله قالوا: المراد نوع من التمر وهو تمر المدينة، وأن العدد قد يراد به التكثير ولا سيما أن لفظ السبعة يستعمل في هذا، كما قالوا: إن بعض الفواكه والثمار والنباتات قد يكون لها من الخصائص والآثار في تربة ما لا يكون لها في تربة أخرى، وهذا الذي سبقوا إليه هو ما أيده العلم اليوم، فما المانع عقلًا أن يكون لهذا النوع من تمر المدينة خصائص في إزالة السموم، وتقوية النفس والجسم ضد أثر السم والسحر؟ وليس لقائل أن يقول: فلنجرب بأن نعطي تَمْرًا لإنسان ثم نعطيه سُمًّا لنرى ماذا تكون النتيجة، لأنَّ الحديث الشريف لم يحدد أي أنواع السموم هو المراد؟ فلنبحث حتى نصل إلى المراد، كما أحب أَنْ أُنَبِّهَ إلى أثر الطب النبوي من الناحية الروحية والنفسية، فمن أكل تَمْرًا أو عجوة بهذه النية فسيحصل له من قوة الروح والبدن ما يزيل كل أثر لما يحتمل من سحر، ولا يخفى علينا أثر الإيحاء إلى النفس بالصحة أو المرض، وإن بعض الأشخاص ينجيهم من بعض أمراضهم قوة أرواحهم ويقينهم، وبعض الأصحاء قد يجني عليهم الوهم والخوف، والحديث من الأمور الغيبية التي يجب أن نذعن لها ما دمنا نعتقد أن الرسول حق وما جاء به حق، وما دام ثبت وصح بطرق الإثبات العلمي السليم، ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى ما كتبه الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " والحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١).
_________________
(١) " فتح الباري ": ج ١٠ ص ١٩٦، ١٩٧. " زاد المعاد " باب خواص العجوة.
[ ١٨٤ ]
٢ - إن الحديث يعتبر من المعجزات النبوية فقد اطلعت على بحث قيم للدكتور الكيميائي محمود سلامة عن فائدة العجوة في مجلة " الدكتور " وأنها عامل قوي في دفع السموم من الجسم والتخلص منها كما كتب غيره في هذا مُؤَيِّدًا للحديث فقلت: يا سبحان الله، لقد قال الرسول الكريم هذا ولم يكن طبيبًا ولا مُتَطَبِّبًا، وفي وقت لم تكن تقدمت فيه المباحث الطبية إلى إدراك هذا، ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار!! فما رأي المعترضين على هذا الحديث فيما قاله العلم اليوم في خواص العجوة؟!
ولو أن بعض الأطباء المسلمين العباقرة اتجه إلى الطب النبوي كما ثبت في الصحاح، وبحث فيه بإيمان وصبر وَجَلَدٍ فأنا كفيل أنه سيخلص للبشرِيَّةَ من ذلك بخير كثير، وسيظهر لنا الكثير من أسرار الإعجاز في هذه الأحاديث، فهل من مستجيب؟ نعم إن بعض الأطباء المؤمنين اتجه إلى هذا ونشروا فيه مقالات، ولكني أريد بَحْثًا مُسْتَفِيضًا في سفر كبير يكون مرجعًا في هذا الموضوع الجليل.
حَدِيثُ إِدْبَارِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الأَذَانِ:
قال: وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ - أقيم للصلاة - بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ» وقال العلماء المُحَقِّقُونَ في شرح هذا الحديث: لِئَلاَّ يسمع فيضطر أنْ يشهد له بذلك يوم القيامة، يقصد بذلك التهكم بهم.
ولا أدري وجه استشكاله لهذا الحديث؟ وهو مرفوع إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وهو من الغيبيات، وإنما ينكر هذا الحديث وأمثاله من لا يؤمن بعالم الجن، وحكم من لا يؤمن بهم معروف وهو الكفر، لإنكاره ما ثبت بالقرآن، والحديث سيق مساق التمثيل والمجاز فهو تصوير لشدة نفوره وإجفاله كراهة سماع الآذان، ومثل هذا التمثيل معهود في كلام العرب، ولو حمل الحديث على حقيقته فلا استحالة اَيْضًا، فطبائع الجن وأنهم يأكلون ويشربون لا تأبى ذلك، وإبليس وأعوانه يروننا ولا نراهم
[ ١٨٥ ]
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (١).
وقد يطلع الله بعض أنبيائه على بعض أحوالهم وتصرفاتهم لحكم بالغة، وهذا من الأمور الغيبية التي إذا ثبتت عن معصوم وجب التصديق بها، ولا أدري كيف غاب عن أَبِي رَيَّةَ حكم من يتهكم بأحاديث رسول الله؟!.
حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ -:
قال: وروى " مسلم " عن أبي سفيان أنه قال لِلْنَّبِيِّ - ﷺ -: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي ثَلاَثًا: تَزَوَّجْ ابْنَتِي أُمَّ حَبِيبَةَ، وَابْنِي مُعَاوِيَةُ اجْعَلْهُ كَاتِبًا، وَأْمُرْنِي أَنْ أُقَاتِلَ الكُفَّارَ كَمَا قَاتَلْتُ المُسْلِمِينَ » وقد تصرف المؤلف في الحديث ولم يورده بلفظه كما في الصحيح.
وهذا الحديث قد استشكله الأئمة المُحَدِّثُونَ من قديم وَعَدُّوهُ من أوهام عكرمة بن عمار لأنه كَانَ يَغْلِطُ وَيَهِمُ، لأن الثابت القطعي أن النَّبِي تزوجها سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وذلك قطعًا قبل إسلام أبي سفيان سَنَةَ ثَمَانٍ، ومن العلماء من تكلف الإجابة عن هذا الحديث فقال: إن المقصود أقرك على زواج ابنتي، أو المراد تجديد عقد النكاح، والحق أن هذا تكلف وأن الحديث من قبيل الوهم والغلط، لا من قبيل الوضع لأنا لم نر أحدا من أئمة الجرح والتعديل نسب عكرمة بن عمار إلى الوضع، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وكفى بهما إمامين (١) ومِمَّنْ قال بأن الحديث وقع فيه الوهم الإمام ابن تيمية في " منهاج السُنَّة "، فأبو رِيَّةَ لم يأت بجديد وكل ما هنالك أنه حاول تجسيم هذا الغلط اليسير ليغض من شأن " صحيح الإمام مسلم ".
تَصْدِيقُ النَّبِيِّ - ﷺ - لأُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي بَعْضِ مَا قَالَ:
قال: وفي " مسند أحمد " عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ الشَّاعِرِ المَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ:
_________________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ٢٧].
(٢) " صحيح مسلم بشرح النووي ": ج ١٦ ص ٦٣.
[ ١٨٦ ]
وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ * * * حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ
تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا * * * إِلاَّ مُعَذِّبَةً وَإِلاَّ تُجْلَدُ
والجواب:
أنه لا مانع عقلًا ولا شرعًا في تصديق النَّبِيِّ لأُمَيَّةَ أو غيره في بعض ما يقول ما دام حَقًّا، وقد ثبت في الصحيح أن النَّبِيَّ قال: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، [كَلِمَةُ لَبِيدٍ]: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ» فإن كان كَذِبًا أو باطلًا نَبَّهَ إليه، ولذلك قال في قول هذا الشاعر وهو لبيد:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ «كَذَبَ إِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ غَيْرُ زَائِلٍ» كما قال لما سمع شعر أمية هذا «آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ».
اسْتِشْكَالُهُ حَدِيثَ: «مَتَى تَقُومَ السَّاعَةُ»:
قَالَ: وَرَوَى " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلاَمُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ ثم قال متهكما: فما قول عُبَّادِ الأسانيد؟ لعل بعضهم يقول: لعل هذا الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن.
والجواب:
أن استشكال هذا الحديث إنما يكون مِمَّنْ قصر نظره، وضاق عقله عن إدراك المراد منه، وهذا الحديث - وأمثاله - ليس المراد به يوم القيامة، وإنما المراد الساعة الخاصة، وهي انتهاء الجيل وأهل القرن الواحد. والساعة كما تطلق على الساعة العامة للدنيا كلها وهي القيامة تطلق على الساعة الخاصة، وهذا الثاني هو المراد هنا، ويؤيد ذلك ما في " صحيح مسلم " أن النَّبِيَّ - ﷺ - قال في حديث آخر:
[ ١٨٧ ]
«أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» قَالَ [ابْنُ عُمَرَ]: فَوَهَلَ النَّاسُ - أي غلط - فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وإنما أراد انخرام الجيل أي انتهاءه، وفي الحديث الصحيح اَيْضًا أن رجلا سأل النَّبِي: متى تقوم الساعة؟ وكان النَّبِي مشتغلا بحديثه، فلما فرغ منه قال: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» فَقَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ: «إِذَا وُسَّدَ الأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». فالمراد بالساعة هنا ساعة الأمم وهي ساعة هلاكها حينما لا تأخذ بأسباب القوة والعزة والبقاء، وقد عرض هذا الحديث لِنَظَرِيَّةٍَ من أهم نظريات علم الاجتماع وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن من رماهم بأنهم عُبَّادُ الأَسَانِيدِ - يريد أئمة الحديث - هم أرحب عقلًا، وأوسع أُفُقًا منه ومن أمثاله عُبَّادُ الشَّيَاطِينِ، وأسراء الأهواء، والدرهم والدينار، وصنائع أعداء الله ورسوله.
ثم قال: نكتفي بما أوردناه، وهناك أحاديث أكثر شناعة، تركناها خشية الإطالة، وللإمام الطحاوي كتاب كبير في أربعة مجلدات في مشكل الحديث فليرجع إليه من أراده.
أقول: نعم ليرجع من يشاء إلى كتاب الطحاوي ليرى كيف يكون مسلك العلماء الراسخين في فهم الأحاديث التي ظاهرها مشكل، وكيفية فهمهم لها، وتوقيرهم للحديث وأهله، وتأدبهم مع السلف الصالح وليرى اَيْضًا فرق ما بين العلماء وأدعياء العلم، وطلاب الحقيقة، وطلاب الجاه الكاذب، والسراب الخادع.
أَحَادِيثُ المَهْدِيِّ المُنْتَظَرِ:
قال في [ص ٢٠٩]: ومن المشكلات تلك الأحاديث التي جاءت في المهدي وهو عند أَهْلِ السُنَّةِ محمد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري من الأئمة المعصومين ويلقبونه بِالحُجَّةِ، والقائم المنتظر.
[ ١٨٨ ]
والجواب:
إن أحاديث المهدي المنتظر اختلفت فيها أنظار العلماء من قديم الزمان، فمنهم مَنْ ضَعَّفَهَا وَرَدَّهَا كابن خلدون في " مقدمته "، ومنهم
من صَحَّحَهَا كالحافظ السيوطي، وابن حجر الهيثمي، بل ذهب بعض أئمة الحديث إلى تواترها ومن هؤلاء القاضي المجتهد المُحَدِّثُ الشوكاني، فَإِنَّ له في ذلك رسالة، ونحن نعلم أن الشوكاني كان حُرَّ الرَّأْيِ والتفكير ويقول ما يقتنع به عن دليل ولو جر ذلك عليه صنوف البلاء، وما دامت المسألة محل اختلاف وتتجاذبها الأدلة، فما كان ينبغي للمؤلف أن يهول من شأنها، وأن يتخذ منها وسيلة للطعن في السُنَّةِ، والإزراء برجالها، ولو أنه كان من أهل الاجتهاد والعلم بالرجال والنقد لقلنا: رأي له رآه، أما وهو متابع لغيره، وإمعة في رأيه، فما كان الأمر يستحق كل هذه الطنطنة وكل هذا التهويل.
وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الأحاديث التي تعرضت للمهدي منها الثابت ومنها غير الثابت، ومنها الضعيف ومنها الموضوع.
أَحَادِيثُ الخُلَفَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ:
في [ص ٢١٠] عرض لأحاديث الخلفاء الاثني عشر وذكر في ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من أهل الحديث وقد اعتمد في سرد الأحاديث التي ذكرها على " فتح الباري " للحافظ ابن حجر، وذكر فيما ذكر حديث " الطبراني " عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثًا موقوفًا على كعب، ثم قال: وعلى أن هذه الأحاديث قد جعلت الخلفاء اثني عشر فقد رَوَوْا حَدِيثًا يعارض هذه الأحاديث جميعًا، وهو حديث سَفِينَةَ الذي خرجه أصحاب السنن، وَصَحَّحَهُ ابن حبان وغيره «الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا» ثم أراد أن يوهم القارئ أن العلماء الكبار على أن الحديثين متعارضان تعارضًا يذهب الثقة بهما وبرواتهما فذكر كلاما للإمام القاضي عياض، وللإمام أبي الفرج بن الجوزي.
وللجواب عن ذلك نقول:
١ - إن المؤلف اعتمد فيما نقله على " فتح الباري " إِلاَّ أنه - كما هو شأنه
[ ١٨٩ ]
ينقل من غير تحقيق وَتَرَوٍّ فقد نقل رواية كعب مع أن الحافظ قال فيها: إنها واهية، والواهي لا يحتج به قطعًا.
٢ - إن المؤلف لما نقل استشكال القاضي عياض للحديثين ذكر السؤال ولم يذكر الجواب، وهي خيانة علمية تقذف بصاحبها في عداد المدلسين، وإليك ما قاله القاضي بتمامه، قال الحافظ في " الفتح " (١): «وَقَدْ لَخَصَّ القَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ فَقَالَ: تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا العَدَد سُؤَالاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعَارِض ظَاهِرِ قَوْله فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ يَعْنِي الذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْنِ حِبَّان وَغَيْره " الخِلاَفَة بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا " لأَنَّ الثَّلاَثِينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلاَّ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَأَيَّامَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَالثَّانِي أَنَّهُ وَلِيَ الخِلاَفَة أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَد» وإلى هنا وقف المؤلف، وإليك التتمة «قَالَ: - أي القاضي عياض -: وَالجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيث سَفِينَة " خِلاَفَة النُّبُوَّة " وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي حَدِيث جَابِرَ بْن سَمُرَةَ بِذَلِكَ - يعني الذي رُوِيَ في " الصحيحين " - بذلك، وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لاَ يَلِي إِلاَّ اِثْنَا عَشَرَ " وَإِنَّمَا قَالَ: [يَكُونُ] " اِثْنَا عَشَرَ " وَقَدْ وَلِيَ هَذَا العَدَد وَلاَ يَمْنَع ذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِمْ وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَلاَ بُدَّ مِنْ تَمَامِ العِدَّةِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ » إلى آخر ما نقل الحافظ عن القاضي عياض.
وكذلك صنع أَبُو رَيَّةَ مع ابن الجوزي فقد نقل بعضه، وترك جُلَّهُ، وقد استغرق نقل كلام الجوزي صحيفة بطولها من " فتح الباري " (٢)، وقد أطال الحافظ ابن حجر في تحقيق الروايات في هذا الموضوع واستغرق ذلك بضع صفحات من " الفتح " بحيث يخرج منه القارئ المُتَثَبِّتُ الطالب للحقيقة بزيادة اليقين بصحة ما روى في " الصحيحين " في هذا الباب والحافظ الكبير ابن حجر باتفاقنا جميعًا من أكابر أئمة هذا العلم، بل هو كما قال المؤلف: أمير المؤمنين في الحديث، فإذا كان كذلك فلم لم ينهج نهجه في فهم الأحاديث والتوفيق بينها؟!
_________________
(١) ج ١٣ ص ١٨٠.
(٢) ج ١٣ ص ١٨١.
[ ١٩٠ ]
ولا أدري إذا كان المؤلف خطف ما ذكره خَطْفًا من " الفتح " من غير تحقيق وتثبت، أم أنه تعمد ذلك لحاجة في نفسه قد أصبحت معلومة لكل من اطلع على رَدِّنَا على صاحب هذا الكتاب الظالم، فإن كانت الأولى فهي جهالة، وإن كانت الثانية فهي خيانة وتغرير وتدليس.
أَحَادِيثُ الدَجَّالِ عِنْدَ أَبِي رَيَّةَ خُرَافَةٌ:
في [ص ٢١٣] عرض لأحاديث الدَجَّالِ، وطعن فيها، واعتبر ظهور الدجال في آخر الزمان خرافة. والعجب أنه ذكر في هذه الصحيفة بعض الأحاديث الغير ثابتة كحديث كعب الأحبار، بينما أعرض عن الأحاديث الصحيحة الثابتة المروية من طرق عدة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما.
ونحن لا ننكر أنه وضعت أحاديث في الدَجَّالِ، وَصِفَتِهِ، ومتى يخرج، ومن أي مكان يخرج، ولكنه مع هذا قد صحت فيه أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما.
وقد روى أحاديث الدَجَّالِ " البخاري " و" مسلم " (١) وأفاضا في ذلك، كما روى أحاديثه غيرهما من أصحاب الأحاديث المعتمدة الموثوق بها، حتى حَدَا هذا ببعض العلماء إلى القول بتواتر أحاديث الدجال، ونزول عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فإن كانت أحاديث خروج الدجال متواترة فهي قطعية الثبوت، ولا مجال لإنكارها، وإن كانت صحيحة مشهورة ولم تصل إلى حد التواتر فالأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأُمَّةُ بالقبول كأحاديث " الصحيحين " تفيد القطع في ثبوتها عند كثير من أئمة علم الحديث كابن الصلاح وابن حجر، وابن تيمية وغيرهم من جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا (٢).
_________________
(١) " صحيح البخاري " - كتاب الفتن - باب ذكر الدجال. " صحيح مسلم " - كتاب الفتن.
(٢) " الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ": ص ٢٣.
[ ١٩١ ]
بل ذهب بعض أجلة العلماء إلى أن الحديث الصحيح يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث ابن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك وهو الذي اختاره الإمام ابن حزم قال في " الإحكام ": «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ [مَعًا]» وقد انتصر إلى هذا من المُتَأَخِّرِينَ العلامة المُحَدِّثُ الشيخ أحمد محمد شاكر - ﵀ - فقال: «وَالحَقَّ الذِي تُرَجِّحُهُ الأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ يُفِيدُ العِلْمَ القَطْعِيَّ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَحَدِ " الصَّحِيحَيْنِ "، أَمْ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ بُرْهَانِيٌّ، لاَ يَحْصُلُ إِلاَّ لِلْعَالِمِ المُتَبَحِّرِ فِي الحَدِيثِ العَارِفِ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالعِلَلِ وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ يَبْدُو ظَاهِرًا لِكُلِّ مَنْ تَبَحَّرَ فِي عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، وَتَيَقَّنَتْ نَفْسُهُ بنَظَرِيَّاتِهِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ إِلَيْهَا » (١).
فأيا ما كانت أحاديث الدجال، فلا يجوز لمسلم أن ينكرها ولا مجال للتشكيك فيها، وكون النَّبِيِّ - ﷺ - كان يخبر أنه من المحتمل ظهوره في عصره، ثم إخباره بأن ظهوره في آخر الزمان لا يكفي في الطعن في الروايات وتكذيبها لجواز أن يكون أوحى إليه بخبره وشأنه من غير تعيين لزمانه ففهم النَّبِيُّ جواز أن يكون في عصره، ثم بعد ذلك أعلمه الله - سُبْحَانَهُ - أن ذلك سيكون في آخر الزمان قبيل الساعة.
وإذا كانت أحاديث الدجال لا مطعن فيها من جهة الرواية، وأنها وردت من طرق عدة تبعد عنها الشك والريبة، فإنها كذلك لا مطعن فيها من جهة المعنى والدراية، فقد بين النَّبِيُّ في حديث آخر أنه سيكون هناك دجالون قريب من ثلاثين، وأن آخرهم الدجال الأكبر ففي " صحيح البخاري " «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ [كَذَّابُونَ]، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ » ولأحمد والطبراني «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاَثُونَ كَذَّابًا
_________________
(١) المرجع السابق ": ص ٢٥.
[ ١٩٢ ]
آخِرُهُمُ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ». وقد جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا الحديث كل التأييد فمن هؤلاء الدجالين من ظهر كَمُسَيْلِمَةَ وَالأَسْودَ العَنْسِيَّ في القديم، وغلام أحمد القادياني الذي ظهر ببلاد الهند في العصر الأخير، ومنهم من سيظهر حتى يكون آخرهم الدجال الأكبر وهو الذي سيقتله عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -.
وما دامت هذه الأمور الغيبية ممكنة وأخبر بها الصادق المصدوق - ﷺ - وجب الإيمان بها والتصديق، وليس لنا تحكيم العقل فيها لأنها من الغيوب التي هي فوق إدراك العقول.
أَحَادِيثُ تَحْدِيدِ عُمُرِ الدُّنْيَا إِسْرَائِيلِيَّاتٌ بَاطِلَةٌ:
في [ص ٢١٤] ذكر عُمْرَ الدنيا وقال: إن في " تفسير الآلوسي " أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سَنَةٍ وذكر أن مدة هذه الأُمَّة تزيد على الألف ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سَنَةٍ.
وتقريرًا للحقيقة أقول:
إن الإخبار عن عمر الدنيا وتحديد ذلك بسبعة آلاف سَنَةٍ وأن النَّبِيَّ بعث في آخر السادسة وَرَدَ فيها حديث مرفوع، وقد حكم عليه جهابذة الحديث وصيارفته كابن الجوزي وغيره بالوضع، وما دامت كذلك فلا يقام لها وزن ولا نتخذ منه سبيلًا للطعن في الأحاديث وقد جاءت بعض الأخبار موقوفة على الصحابة والتابعين، وهي على تسليم ثبوتها عمن رويت عنهم فهي من الإسرائيليات الباطلة التي حملها هؤلاء عن مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ بحسن نِيَّةٍ ومعاذ الله أن يكون لها حكم الرفع، وتحديد عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة من جهالات اليهود الذين افتروا على الله وعلى الخلق وعلى العلم.
وأحب أن أقول للمؤلف إن الإمام السيوطي، وإن كان أداه اجتهاده إلى اعتماد بعض تلك الأخبار الإسرائيلية فقد أخطأه الصواب لا محالة وأي إنسان غير معصوم من الخطأ؟ والعصمة إنما هي للهِ ولرسله، وإذا كان السيوطي اعتمدها فهناك غيره
[ ١٩٣ ]
من أئمة المُحَدِّثِينَ نقدوها وزيفوها وبينوا بطلانها، وقد ثبت بالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك مِمَّا يؤكد زيف هذه الروايات وبطلانها.
تَحْرِيفٌ فِي مَعْنَى حَدِيثٍ:
قال في [ص ٢١٤]: وفي حديث لـ " مسلم " أن الساعة تقوم قبل انتهاء القرن الأول الهجري أقول: ولعل مراده بحديث " مسلم " هو أن النَّبِي قال قبل أن يموت بشهر «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ، لاَ يَبْقَى، مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، أَحَدٌ» فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله - ﷺ - إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سَنَةٍ، وإنما قال النَّبِي لا يبقى مِمَّنْ هو اليوم على ظهر الأرض يريد بذلك أنها تخرم القرن.
والحديث ظاهر في أن المراد انقراض أهل ذلك القرن، وأنه ليس المراد قيام الساعة الكبرى، وقد غلط المؤلف في فهمه كما غلط أناس من قبل ولو تأمل المؤلف في هذه الرواية لما وقع في هذا الزعم الكاذب.
أَحَادِيثُ الفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ:
ثم قال: «وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التي ذخرت بها كتب السُنَّةِ المعتمدة بين المسلمين والمقدسة من الشيوخ الحشويين، وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهي في " البخاري " وغيره».
أقول:
أما أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى فقد روي في ذلك أحاديث صحاح وحسان بل منها ما وصل إلى حد التواتر كأحاديث نزول عيسى في آخر الزمان كما قال الإمام الشوكاني، ومن الأحاديث المروية في هذا ما هو ضعيف أو موضوع، وقد نَقَدَ المُحَدِّثُونَ كل ذلك وَمَيَّزُوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود.
[ ١٩٤ ]
وأما الأحاديث الواردة في النيل والفرات فقد بينت فيما سبق المراد منها وأن لها مَحْمَلًا صَحِيحًا مَقْبُولًا، وأن المراد منها المجاز لا الحقيقة، وهو مجاز مستساغ لغة وشرعًا.
اِسْتِشْهَادُ أَبِي رَيَّةَ بِكَلاَمِ السَيِّدْ مُحَمَّد رَشِيدْ رِضَا فِي " تَفْسِيرِهِ ":
قال في [ص ٢١٦] انتهى العلامة السيد رشيد رضا في " تفسيره " بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأمارتها مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدي وغير ذلك إلى هذه النتائج القيمة.
١ - أن النَّبِيَّ لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه وهو قسمان صريح ومستنبط.
٢ - لا شك أن أكثر الأحاديث قَدْ رُوِيَ بالمعنى فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ، لأن هذه أمور غيبية، وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها إلخ ما قال.
الرَدُّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ السَيِّدِ مُحَمَّد رَشِيدْ وَأُسْتَاذِهِ الإِمَامِ:
١ - أما أن النَّبِيَّ - ﷺ - لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب .. فهذا ما لا نخالف فيه ولا ننكره ولكنا نقول: إن ما أخبر به من أشراط الساعة وأخبار الفتن هو مِمَّا أعلمه الله إياه وصدق الله حيث يقول: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١).
٢ - ما يتعلق بالرواية بالمعنى فقد حَقَّقْتُ القول فيها فيما سبق وبينت أن احتمال الخطأ أو التغيير في الأحكام والدلالات هو احتمال عقلي وأن من اطلع على شروط الأئمة في تجويز الرواية بالمعنى وشدة تحري الرواة للحق والصواب وتحزرهم من الخطأ يقطع بأن احتمال الغلط أو التغيير يعيد غاية البعد.
٣ - وأما ما وضعه أصحاب العصبيات المذهبية والسياسية والمتظاهرين بالصلاح والتقوى فقد نقده العلماء نَقْدًا عِلْمِيًّا نزيها وبينوا زيفه، وما خفي عليهم شيء منه.
_________________
(١) [سورة الجن، الآيتان: ٢٦، ٢٧].
[ ١٩٥ ]
٤ - وأما أن بعض الأحاديث الموضوعة لم تعرف إِلاَّ باعتراف واضعها، فزعم غير صحيح من كل وجه فالاعتراف إنما هو أمارة وقرينه، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عند الأئمة فقد السند والمتن، ولو لم يعترف هؤلاء لوصل العلماء بملكاتهم التي اكتسبوها من مزاولة النقد وبقواعدهم الدقيقة التي وضعوها إلى تمييز الحق من الباطل والخطأ من الصواب، وليس أدل على ذلك من أنهم لم يعتبروا الإقرار قَطْعِيًّا في الدلالة على الوضع لجواز أن يكذب في هذا الإقرار نفسه كما قرروا ذلك في كتبهم.
٥ - وأما ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده من أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مسلم مؤمن صادق وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه عن النَّبِي - ﷺ - أو من غيره، فعلى تسليم ثبوته عنه فهو - على إطلاقه - غير صحيح، والمؤلف حريص على أَنْ يُحَمِّلَ الكلام ما لا يتحمل.
ومِمَّا نحب أن نسجله بهذه المناسبة أن الأستاذ الإمام لم يتضلع من السُنَّةِ وعلومها تضلعًا يجعله في عداد أئمتها فمن ثم وقع في بعض الأخطاء حينما يعرض لبعض الأحاديث، كما أحب أن أذكر المؤلف ومن على شاكلته بأن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، وبكلمة إمام دار الهجرة مالك بن أنس: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا المَقَامِ». يريد النَّبِيَّ - ﷺ -.
وأنا مع إكباري للأستاذ الإمام وتلميذه السيد محمد رشيد رضا إِلاَّ أني أرى ويرى كل باحث منصف - أنه ليس كل ما يقولانه حَقٌّ وَحُجَّةٌ فَهُمَا بَشَرٌ، وكل بشر عرضة للصواب والخطأ والسيد رشيد مع كونه عَالِمًا بِالسُنَّةِ وبالأحاديث إِلاَّ أن له مواضع زلت قدمه فيها والعصمة لله ولرسله.
٦ - وأما ما عرض له من أن الصحابة كلهم عدول قاعدة أغلبية فقد قدمت ما فيه الكفاية في هذا فيما سبق وأما أن بعض المنافقين كان يتظاهر بالإسلام وأحكموا النفاق ومرنوا عليه حتى خفي أمرهم على النَّبِيِّ وأصحابه استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (١) فليس في الآية استمرار عدم
_________________
(١) [سورة التوبة، الآية: ١٠١].
[ ١٩٦ ]
العلم بحالهم بل فيها ما يشعر بأن الله سيفضحهم ويكشف أمرهم لنبيه والمؤمنين المرة بعد المرة فالمراد بالمرتين التكثير كقوله سبحانه: ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١).
والآية تشعر باطلاع الله - سبحانه نَبِيَّهُ على أحوالهم ولا سيما وقد ورد في الرواية ما يؤيد ذلك أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في " الأوسط " وغيرهما عن ابن عباس - ﵄ - قال: «قام فينا رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة خطيبا، فقال: «قُمْ يَا فُلاَنُ فَاخْرُجْ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، اخْرُجْ يَا فُلاَنُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ»، فَأَخْرَجَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَضَحَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحَاجَةٍ كَانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأَ مِنْهُمُ اسْتِحْيَاءً أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ، وَظَنَّ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَرَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عِلْمَ بِأَمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ، فَهَذَا العَذَابُ الأَوَّلُ، وَالعَذَابُ الثَّانِي عَذَابُ القَبْرِ» وفي رواية ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري: «أَنَّهُ - ﷺ - أَقَامَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ رَجُلًا».
٧ - وأما قوله فيما نقل عنه: «فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا فمن صدق رواية مِمَّا ذكر ولم يجد فيها إشكالًا فالأصل فيها الصدق ومن ارتاب في شيء منها أو ورد عليه بعض المرتابين أو المُشَكِّكِينَ إشكالًا في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات أو خطأ الرواية بالمعنى أو غير ذلك مِمَّا أشرنا إليه.
فهو كلام حق في ذاته وقد قاله المُحَقِّقُونَ في الأمارات التي تعرف بها الأحاديث الموضوعة ولكن الخطأ إنما يعرض في التطبيق فما يكون مشكلًا عنده لا يكون مشكلًا عند آخر، وما يتراءى لبعض الناس أنه مخالف للسنن الكونية قد لا يكون مخالفًا عند التحقيق والتدقيق، وما يعتبره البعض مخالفًا للقطعي أو للحس قد لا يعتبره الآخر كذلك، فَمِنْ ثَمَّ دخلت المغالط الكثيرة على المؤلف وغيره مِمَّنْ عرضوا لنقد الحديث، وذلك لأنهم جعلوا جل غايتهم التزييف والهدم، فمن ثم تلمسوا أَوْهَى الأسباب، وركبوا كل صعب في سبيل إظهار بعض الأحاديث بمظهر
_________________
(١) [سورة الملك، الآية: ٤].
[ ١٩٧ ]
المخالف لما ذكر، أما العلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ فقد احتاطوا غاية الاحتياط في التطبيق وَتَأَنَّوْا في الحُكْمِ بالمخالفة فمن ثم جاءت أحكامهم على الأحاديث ورواتها صائبة.
وفيما قدمته في بيان عناية أئمة الحديث بنقد السند والمتن وتحكيمهم القواعد الصحيحة وعدم مسارعتهم لرد ما ظاهره مخالفة العقل أو الحس أو السنن الكونية وغيرهما ما فيه الكفاية فكن على ذكر منه.
اِفْتِرَاؤُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ بِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِجَمْعِ الأَحَادِيثِ:
في [هامش ص ٢١٩] قال تحت عنوان «تدوين القرآن»: «مِمَّا يستلفت النظر البعيد ويسترعي العقل الرشيد أن عمر لما راعه تهاوي الصحابة في حرب اليمامة، وفزع إلى أبي بكر لكي يسارع إلى جمع القرآن وكتابته، لم يقل عنهم إنهم حَمَلَةُ الحديث بل قال: إنهم حَمَلَةُ القرآن ولم يطلب جمع الحديث وكتابته عندما فزع إلى أبي بكر بل جعل هَمَّهُ في جمع القرآن وحده وكتابته، بل إننا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويدونونه - وكان ذلك على مشهد الصحابة جميعًا - قد اقترح واحد منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه بل انحصرت عنايتهم في جمع القرآن فحسب، وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ يبقى على وجه الدهر كالقرآن».
أليس ذلك من أقوى الأدلة على سوء نِيَّةٍ المؤلف وأن قصده التهوين من شأن السُنَّةِ حتى في نفوس الرعيل الأول من المسلمين وأنه في سبيل ذلك يحمل الكلام والحوادث ما لا تتحمل؟!!
إن الحكمة كانت تقتضي في ذلك الوقت المسارعة إلى جمع القرآن في مصحف واحد خشية أن يضيع شيء منه، أو من أصله المكتوب بموت جمهور القُرَّاءِ، أما الأحاديث فلم تكن الحاجة ماسة إلى جمعها حينئذ ولا سيما أَنَّ الأُمَّةَ لم تكلف بحفظ ألفاظها والتعبد بها كما كلفت بالقرآن، وأن المعول عليه فيها
[ ١٩٨ ]
المعنى، لا اللفظ، وأنهم نُهُوا عن كتابتها حتى لا تختلط بالقرآن، فالصحابة لم يفعلوا إِلاَّ أنهم قدموا الأهم على المهم والأصل على الفرع فلما دعت الحاجة إلى جمع الأحاديث والمحافظة عليها من الضياع والتباس الحق بالباطل أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بجمعها بصفة رسمية عامة فكان ذلك بدأ التدوين العام، أما التدوين الخاص فقد تحقق فعلًا من قبل فقد كان يكتب السُنَّةَ بعض الصحابة والتابعين، ولعل مِمَّا يلقم المؤلف حَجَرًا، ويجعله يفض بريقه، ويرد عليه فِرْيَتَهُ من أن الصحابة لم يهتموا بالأحاديث اهتمامهم بالقرآن، ولم يدونوها كما دونوا القرآن ما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَلْبَسُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (١).
فهل بعد هذا النص الصريح يزعم زاعم أن الصحابة لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ؟!!!
زَعْمُهُ أَنَّ التَدْوِينَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَوَاتُرُ:
مِمَّا لا يقضي منه العجب قوله في [ص ٢١٧]: «ولو أن النَّبِيَّ - ﷺ - وصحابته كانوا قد عنوا بتدوين الحديث كما عنوا بتدوين القرآن لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في لفظها ومعناها ليس شيء فيها اسمه صحيح، ولا شيء اسمه حسن، ولا شيء اسمه ضعيف، مِمَّا لم يكن معروفًا زمن النَّبِيِّ - ﷺ - وصحابته، وبذلك كان يذهب الخلاف في حقيقته، وينحط عن كاهل العلماء عِبْءُ البحث عن صحته ووضع المؤلفات الكثيرة التي وضعت في علوم الحديث وبيان أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط والجرح والتعديل وغير ذلك، وكان فقهاء الدين يسيرون على نهج واحد لا اختلاف بينهم فيه ولا تباين، إذ تكون كلها متواترة فلا يأخذون بما سموه
_________________
(١) انظر " أَعْلاَمُ المُحَدِّثِينَ " للمؤلف، بحث «تَدْوِينُ السُنَّةِ».
[ ١٩٩ ]
الظن الغالب الذي فتح أبواب الخلاف ومزق الصفوف وجعلها مذاهب وفرقًا بَلْهَ ما نجم من التفرق بين أهل الحديث وأهل الرأي مِمَّا لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد اليوم قائمًا، ثم كانت الأحاديث تصبح من أهم المصادر لعلماء النحو ورجال اللغة والبلاغة
الرَدِّ عليه في هذه المزاعم:
---------------------------
وهو كلام خطابي لا يلبث أن ينماع أمام البحث العلمي الصحيح ولا ينم عن علم، وإليك الحق في هذا:
١ - إن هذا الكلام ينبئ عن جهل فاحش بالقرآن والتواتر فهو يفهم أن تواتر القرآن جاء من كتابته، لاَ يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ!! إن تواتر القرآن جاء من كونه كان - ولا يزال - يحفظه الألوف المُؤَلَّفَةِ من المسلمين في كل عصر ولم يزل ينقله الألوف عن الألوف حتى وصل إلينا متواترًا، لا تزيد فيه ولا نقص، ولا تغيير ولا تبديل، ولو أن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر التدوين والكتابة لتواترت آلاف الكتب التي دونت في القديم والحديث في أنواع العلوم والمعارف مع أن أي كتاب منها لم يحظ بالتواتر بمعناه العلمي الصحيح، إن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر الأخذ والتلقي شفاهًا عن جمع كثير يستحيل تواطأهم على الكذب وهؤلاء عن جمع كثير غيرهم وهكذا حتى نصل إلى المصدر الأصلي الذي نقل عنه الكتاب، ولو فرضنا أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في عهد النَّبِيِّ ومن جاء بعده من الصحابة من غير أن يحفظها بلفظها هذا الجمع الكثير عن مثله لما ثبت لها التواتر، وهذا من البدهيات التي نربأ بطالب مبتدئ أن يجهلها، ومع تأخر تدوين السُنَّةِ تَدْوِينًا عَامًّا عن جمع القرآن في مصحف واحد فقد وردت فيها أحاديث متواترة ولكنها قليلة.
والخلاصة أن التدوين والتواتر غير متلازمين.
٢ - وكذا قوله: وكان فقهاء الدين جهل آخر بمسالك الاختلاف بين الأئمة، وليس أدل على بطلان زعمه من أن القرآن - وهو المتواتر قَطْعًا - لم يمنع تواتره الفُقَهَاءَ العلماء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا من الاختلاف في فهمه واستنباط
[ ٢٠٠ ]
الأحكام منه، فالتواتر لا يمنع من الاختلاف في المدلول، لأن كثيرًا من دلالات القرآن ظنية مع كونه قطعي الثبوت.
وأما أن اتباع الظن الغالب هو الذي فتح أبواب الخلاف وفرق صفوف الأُمَّةِ وجعلها فِرَقًا فكلام خطابي، واتباع الظن في الأحكام الفرعية لم يفرق الأُمَّةِ كما زعم، وإنما الذي فرق الأُمَّةَ حَقًّا هم أمثال المؤلف الذين استرقتهم الأهواء والنزوات، وباعوا دينهم بدنياهم، واتخذ منهم أعداء الإسلام وسائل لتقويض دعائم الإسلام وإذهاب ريح الأُمَّة الإسلامية ولكن هيهات هيهات فالحق لا بد أن يظهر وينتصر والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وستستمر الأحاديث النبوية مصدر تشريع وهداية ومبعث إشعاع ونور وستبقى مَرْجِعًا مُهِمًّا لعلماء الفقه والتشريع والآداب والأخلاق وعلماء النحو واللغة والبلاغة.
زَعْمُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرَحٍ أَوَّلَ كُتَّاَبِ الوَحْيِ:
في [ص ٢١٨] قال: وكان أول من كتب لِلْنَّبِيِّ بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح.
ولا أدري على أي مصدر اعتمد عليه في هذا اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ كُتُبَ سادته المُسْتَشْرِقِينَ، وقد رجعت إلى " الاستيعاب " و" الإصابة " فما زادا عن أنه كان مِمَّنْ يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد ثم عاد مسلمًا يوم الفتح وحسن إسلامه، ولا أدري ما السر في أنه جعله أول من كتب مع وجود أبي بكر وعلي وهم أول من أسلم من الرجال والصبيان ومكانهما من النَّبِيِّ معروف، ومع وجود عثمان وهو من السابقين الأولين وذو النورين، ولكنه الخلط الذي مرن عليه المؤلف وصار له دَيْدَنًا.
تَخَرُّصَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ تَدْوِينِ الحَدِيثِ:
في [ص ٢٢٣] تحت عنوان «تَدْوِينُ السُنَّةِ» ذكر أن تدوين الحديث - على ما قالوا - كان في آخر عهد التابعين، ثم يأتي في الهامش فيقول: آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة ثم ساق في صلب الكتاب كلام الهروي نقلًا عن القسطلاني من أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن محمد بن حزم بتدوين الحديث
[ ٢٠١ ]
على رأس المائة الأولى قال: ويبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وبخاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى بعد عمر بن عبد العزيز سَنَةَ ١٠١ هـ، وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبي بكر وفترت حركة التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سَنَةَ ١٠٥ هـ، فجد في هذا الأمر وحث ابن شهاب الزُّهْرِي بل قالوا: إنه أكرهه على تدوين الحديث لأنهم كانوا يكرهون كتابته إلخ.
رَدُّ هَذِهِ التَّخَرُّصَاتِ وَبَيَانِ مَنْشَئِهَا:
---------------------------------
أقول إن الذي يبدو لي ولكل منصف أنه يحاول ما وسعه الجهد أن يبين أن التدوين العام تأخر عن رأس المائة كي يصل إلى غرضه من الطعن في الأحاديث بسبب تأخر التدوين، ولا أدري كيف يتفق ما ذكره في الهامش وما نقله عن العلماء من أن التدوين كان في عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى فقد تولى سَنَةَ ٩٩ هـ ومات سَنَةَ ١٠١ هـ.
ثم من أين بَدَا لأبي رَيَّةَ (١) أنَّ عمر بن عبد العزيز لما عاجلته المَنِيَّةُ انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وكذا انصرف كل من كانوا يكتبون معه؟ ولم لا يكون الأمر على خلاف هذا وأنهم سارعوا إلى جمع الأحاديث وتدوينها - وهذا هو الواقع - ولا سيما وهو يعلمون أَنَّ السُنَّةَ هي الأصل الثاني من أصول التشريع وأنهم حينما يقومون بجمعها وتدوينها وتنقيتها مِمَّا علق بها إنما يقومون بواجب ديني كريم
_________________
(١) وقد تبيَّن لي أنَّ المؤلف ذيل لأحمد أمين وأنَّ الذي حمل أحمد أمين على ذلك هذا هو تشكيك بعض المستشرقين في خبر الأمر بجمع الحديث وإليك ما قاله أحمد أمين (" ضُحَى الإِسْلاَمِ ": ج ٢ ص ١٠٦) بعد أنْ ذكر أمر عمر بن عبد العزيز لأبي بكر بن حزم بجمع الأحاديث قال: «ولكن هل نفذ هذا الأمر؟ كل ما نعلمه أنه لم تصل إلينا هذه المجموعة ولم يشر إليها جامعو الحديث بعد ومن أجل هذا شك بعض الباحثين المستشرقين في هذا الخبر إذ لو جمع من هذا القبيل لكان من أهم المراجع لجامعي الحديث ولكن لا داعي إلى هذا الشك، فالخبر يَرْوِي لنا أنَّ عمر أمر ولم يَرْوِ أنَّ الجمع تم، فلعلَّ موت عمر سريعًا عدل بأبي بكر أنْ يُنَفِّذَ ما أمر به». أقول: ولعله نَفَّذَ ما أمر به - وهو الأقرب - ولكنه اندثر فيما اندثر من آثار السلف الصالح وما كل ما أُلِّفَ وصل إلينا فإنَّ كتب الطبقة التي تلت هذه الطبقة لم يصل إلينا منها شيء إلاَّ " موطأ " الإمام الجليل مالك، وهكذا يتبيَّنُ لنا أنَّ المؤلف يريد أنْ يظهر بمظهر الباحث المستقل في البحث وهو إِمَّعَةٌ إِمَّعَةٌ!!
[ ٢٠٢ ]
فهذا هو الظن الذي يليق بهؤلاء السادة الذين هم من خير القرون بشهادة الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -.
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن التدوين، وإن كان بدأ بصفة عامة على رأس المائة الأولى، إِلاَّ أنه بدأ بصفة خاصة من عهد الرسول وفي حياته فقد كان بعض الصحابة والتابعين يقيدون الأحاديث والسنن وفي الروايات الصحيحة الموثوق بها ما يدل على ما أقول.
كِتَابَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلأَحَادِيثِ:
ففي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة - ﵁ - «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَ[كُنْتُ] لاَ أَكْتُبُ».
وروى " البخاري " و" مسلم " أن أبا شاه اليمني التمس من النَّبِي ﷺ أنْ يكتب له شيئًا سمعه من خطبته عام الفتح فقال: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٣).
وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيْءَ فَأَكْتُبُهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا "».
وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَجْلِسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَلاَ يَحْفَظُهُ فَشَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ [لِلْخَطِّ].
وَفِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ " أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - كَانَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا بَعْضَ السُّنَنِ (العَقْلُ - أَيْ الدِّيَاتِ - وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) كَمَا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ لِعَمْرُو بْنَ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجود التدوين للأحاديث في العهد النبوي.
وأما حديث النهي عن الكتابة فقد كان ذلك في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم بغير القرآن، أو اختلاط القرآن بغيره، ثم لما أمن ذلك نسخ النهي بالإذن في الكتابة.
فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى كثر من يكتب من الصحابة ومن التابعين،
[ ٢٠٣ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ، فَيَكْتُبُهُ فِي وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا نَزَلَ نَسَخَهُ»، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ»، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّهُ أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي».
ومِمَّا ينبغي أن يعلم اَيْضًا أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب إلى جميع أهل الآفاق بكتابة الأحاديث، فقد أخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ». ومِمَّنْ كَتَبَ إِلَيْهِ اَيْضًا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٤ هـ. بل قال السيوطي: «إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الحَدِيثَ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَدْ قام هؤلاء جميعا بما أمرهم به الخليفة العادل خير قيام».
اِسْتِنْتَاجَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ بِغَيْرِ مُقَدِّمَاٍت:
في [ص ٢٢٧] والذي يخلص من ذلك أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بني أمية، وكان على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير أن تقسم على أبواب وفصول، ولعل هذا التدوين كان يجري على نمط ما كان يدرس في مجالس العلم في زمنهم، إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم، وإنما كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعددة قال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب العربية يسألونه وأصحاب الشعر يسألونه فكلهم يصدر من واد فسيح إلخ.
الرَدِّ على ذلك:
أما ما ذكره عطاء عن مجلس ابن عباس فإنما هو مجالس العلم لا في مجالس التحديث، إذ لها منهج آخر وهو ذكر الأحاديث بأسانيدها وشرح ما يحتاج إلى شرح منها فما استظهره المؤلف في غير محله، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن
[ ٢٠٤ ]
حجر في مقدمة " الفتح " (١).
اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النَّبِي - ﷺ - لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدونه في الجوامع ولا مرتبة، لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في " صحيح مسلم " خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنُوا الأحكام ».
اِفْتِرَاضُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ أَثَارَةٌ مِنْ دَلِيلٍ:
في [ص ٢٣١] تحت عنوان «الأطوار التي تقلب فيها التدوين» قال: فكان في أول أمره جمعًا من رواية العلماء بما وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مُبَوَّبٌ، وكانت هذه الصفحة تضم مع الحديث فِقْهًا وَنَحْوًا وَلُغَةً وَشِعْرًا وما إلى ذلك مِمَّا تقضي به طفولة التدوين.
أقول:
ولا أدري علام اعتمد المؤلف فيما قال، وإذا جاز أن تشمل فِقْهًا وَلُغَةً وَنَحْوًا فكيف جاز أن تشمل شِعْرًا، وأن ما نقله عن الأستاذ أحمد أمين لا يدل على ذلك وإليك ما نقله: «إن العلم في العهد الأموي كان رواية العلماء من حفظهم، أو من صحف جمعت حيثما اتفق، فالصحيفة قد يكون فيها حديث ومسألة فقهية ومسألة نحوية ومسألة لغوية ومجالس العلماء كذلك» وظاهر أن الأستاذ أحمد أمين يتكلم عن تدوين العلم بصفة عامة لا عن تدوين الحديث بخاصة، فقد ساق هذا في معرض
_________________
(١) ج ١ ص ٤.
[ ٢٠٥ ]
المقارنة بين العلم في العصر الأموي والعباسي ولذلك لما عرض لتدوين الحديث في " فجر الإسلام " (١) و" ضُحَاهُ " لم يذكر شيئًا من هذا وإنما ذكر ما ذكره العلماء الأثبات من قبل وقد نقلنا لك عن كتب كلام الحافظ في " الفتح " في صفة التدوين في أول الأمر، وليس فيه شيء مِمَّا زعم المؤلف.
اِسْتِنْتَاجٌ آخَرَ وَبَيَانُ خَطَئِهِ:
في [ص ٢٣٣] قال بعد أن ذكر الأطوار التي مَرَّ بها تدوين الحديث:
«وبهذا يخلص لك أن التدوين الصحيح لم يكن إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع».
وفي الحق أني وقفت طويلًا عند هذه العبارة كي أفهم المراد منها فإن أراد التدوين في الأحاديث الصحاح فكلامه غير صحيح فقد حمل لواء التأليف في الصحيح الإمامان الجليلان البخاري ومسلم وكلاهما عاش في النصف الأول من القرن الثالث، وإن أراد أن التدوين العام لم يبدأ إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث فهو أشد خطأ، إذ التأليف بدأ في أوائل القرن الثاني وَنَمَا وزاد في آخر هذا القرن ثم بلغ الازدهار في القرن الثالث من أوله لا من منتصفه، ثم ماذا يقول أَبُو رَيَّةَ في " موطأ الإمام مالك " وقد ألف في القرن الثاني قَطْعًا فقد توفي الإمام عام ١٧٩هـ. ماذا يقول في " مسند الإمام الجليل أحمد بن حنبل " وهو قَطْعًا أُلِّفَ قبل منتصف القرن الثالث إذ كانت وفاة الإمام عام ٢٤١ هـ.
الصَّحَابَةُ بَشَرٌ وَلَكِنَّهُمْ فِي القِمَّةِ دِينًا وَخُلُقًا:
في [ص ٢٣٣] قال تحت عنوان «أثر تأخير التدوين»: «وما كان الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - بِدَعًا من الناس ولا هم بالمعصومين».
ونحن وإن كنا نعتبر الصحابة بَشَرًا كالبشر ولكنا نرى - بفضل تربية الرسول لهم - أنهم طراز خاص سَامٍ من البشر في دينهم وفي خلقهم وفي اكتمال شخصيتهم
_________________
(١) " فجر الإسلام ": ص ٢٧٢.
[ ٢٠٦ ]
وأنهم بهذا الإعداد النبوي استأهلوا حمل الرسالة المحمدية وتبليغها إلى الناس كافة.
ونحن حينما نَصِفُ صحابة رسول الله - ﷺ - بما هم أهل له وأجدر به فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا لدينهم، وقبضوا على إيمانهم ولم يغمطوا في دين ولا خُلُقٍ، أما المنافقون والمرتدون فلا يدخلون في حسابنا، ولا ننحلهم هذه الصفات، وأيضًا فإننا حينما نسمو بصحابة رسول الله عن الكذب والاختلاق على الرسول فإننا لا ندعي لهم العصمة، وفيما ذكرته في الفصل الذي عقدته لعدالة الصحابة ما يغني عن الإعادة فكن على ذكر منه.
مَا حَدَثَ مِنَ الخُلَفَاءِ فِي قَبُولِ المَرْوِيَّاتِ تَحَوُّطٌ وَتَثَبُّتٌ لاَ تَكْذِيبٌ:
وأما ما ذكره في [ص ٢٣٤] من أن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وَعَلِيٍّ كانوا لا يُصَدِّقُونَ من يؤدي لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إِلاَّ إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النَّبِيِّ أو يحلف أنه تلقاه عنه فقد قَدَّمْتُ الحَقَّ فِيهِ.
وما حدث من هؤلاء السادة الخلفاء الراشدين إنما كان من قبيل الورع والمبالغة في التَّحَرِّي والتثبت ليضعوا الأساس لكل من جاء بعدهم في التثبت في الرواية كما أكدنا ذلك آنِفًا.
زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أَنَّ تَأَخُّرَ التَّدْوِينِ كَانَ لَهُ ضَرَرٌ بَالِغٌ فِي الدِّينِ:
في [ص ٢٣٦] قال بعد ما عرض للخلافات السياسية والمذهبية: «من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الأحاديث الصحيحة شَاقًّا، والبحث عن معرفة حقيقة الرُواة أشق، وإذا علم ذلك بَدَا - ولا ريب - أن تأخر التدوين كان له ضرر بالغ إذ كان سببًا في اتساع آفاق الرواية واتصال الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز على مَرِّ الدهور».
وهو تهويل وَشَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، فقد علمنا أن العلماء قد شمروا عن ساعد الجد، وأوفوا على الغاية في البحث عن حال الرواة ونقد المرويات، وتحملوا
[ ٢٠٧ ]
في سبيل ذلك ما تحملوا من الارتحال وقطع الفيافي والقفار حتى تم لهم ما أرادوا من التمييز بين الصحيح والمعلول، وكذا ما زعمه من أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ تهويل بلا مُبَرِّرٍ.
إِيجَازُهُ المُخِلُّ بِمَبْحَثِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ:
في [ص ٢٣٩] عرض لِمَبْحَثَيْ العدالة والضبط وأوجز في الكلام عليهما إِيجَازًا مُخِلًاّ، بل حاول أن يبين أن من الصعب الوقوف على رسم
للعدالة فضلًا عن حد وذلك لحاجة في نفسه، لا تخفى عليك، ولو أنه نقل ما قاله العلماء في مبحث العدالة والضبط وشروطهما لعاد عليه بالنقص والإبطال لِجُلِّ ما ذكره.
وإليك ما ذكره العلماء في هذا، كي تزداد علما بأصالة منهج المُحَدِّثِينَ في النقد، وأن قواعدهم فيه أدق القواعد وأرقاها.
أما العدالة فقد عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا مَلَكَةٌ - أي حالة راسخة في النفس - تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المَنْهِيَّاتِ من كفر أو فسق أو بدعة.
والمروءة آداب نفسانية تحمل المتحلي بها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات
وقالوا: إن ما يخل بالمروءة قسمان:
١ - الصغائر الدالة على الخِسَّةِ كسرقة رغيف أو شيء حقير مثلًا
٢ - المباحات التي تورث الاحتقار وتذهب الكرامة كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال.
والمراد بالعدالة: العدالة التامة لا القاصرة فإنها لا يعتد بها عند المُحَدِّثِينَ.
والعدالة بهذا الحد الذي ذكرته لا تتحقق إِلاَّ بالإسلام، والبلوغ، والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة، ومن ثم قال علماء الحديث إن عدل
[ ٢٠٨ ]
الرواية هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وإن كان عبدًا أو امرأة أو أعمى أو محدودًا في قذف ثم تاب أو انفرد برواية الحديث، وذلك بخلاف عدل الشهادة فلا يقبل فيها من حد في قذف، أو كان أعمى أو امرأة أو رقيقًا، وذلك لأن الشهادة من قبيل الولاية ولا كذلك الرواية، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الكافر والصبي والمجنون والفاسق (فاعل الكبيرة أو المصر على الصغيرة) وفاقد المروءة بمعزل عن عدل الرواية، وإنه لتظهر لنا دقة علمائنا الفائقة - جزاهم
الله عنا خَيْرًا - حينما لم يكتفوا بالإسلام والعقل عن البلوغ والسلامة من الفسق وما يخل بالمروءة، وذلك لأن الإسلام والعقل يمنعان من الكذب بحسب الظاهر لوجود ما يعارضهما وهو الهوى والشهوة فَلاَ بُدَّ إِذًا من رجحان جانب العقل والإسلام على دواعي الهوى والشهوة، وذلك لا يكون إِلاَّ بالسلامة من أسباب الفسق وما يخل بالمروءة (١).
وأما الضبط فقد عَرَّفُوهُ بأنه التيقظ وعدم الغفلة، وذلك بأن يكثر صواب الراوي على خطئه مع قلة الخطأ في نفسه، وينقسم الضبط إلى قسمين:
١ - ضبط صدر وهو أن يحفظ ما يسمعه في صدره من وقت تحمله إلى حين أدائه مع المحافظة على اللفظ إن كان حافظًا له ومع علمه بما يحيل المعنى أو يخل به إن روي بالمعنى.
٢ - ضبط كتاب وهو أَنْ يَصُونَ الكِتَابَ الذِي تَحَمَّلَهُ من وقت التحمل إلى وقت الأداء بحيث يكون آمِنًا عليه من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان.
ومن ثم يظهر لنا أن المُحَدِّثِينَ لا يعتبرون الراوي ضابطًا إذا تساوى خطؤه وصوابه، أو غلب خطؤه على صوابه، وهو المسمى عندهم بالمغفل، أو فاحش الغلط، أو كثير الخطأ وكذا لا يعتبرون من كثر صوابه على خطئه ولكن كثر الخطأ في نفسه وهو المسمى (سَيِّئَ الحِفْظِ) (٢).
_________________
(١) " الأسلوب الحديث في علوم الحديث ":ج ٢ ص ٧.
(٢) " نخبة الفكر " و" شرحها " للحافظ ابن حجر «مبحث الضبط».
[ ٢٠٩ ]
وإذا ثبتت عدالة الرواي، وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه ويترجح تَرَجُّحًا قَوِيًّا جانب الصواب على جانب الخطأ في مروياته وليس بعد ترجح جانب الإصابة وتحقق الطمأنينة إليه إِلاَّ قبول مروياته والثقة بها، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنه بعد تحقق هذه الشروط يصير احتمال الكذب أو الغلط احتمالًا بعيدًا جِدًّا إن لم يكن غير ممكن ولا يخالجنا شك أنه من أهل الصدق والأمانة.
وبالعدالة والضبط يحوز الراوي درجة القبول ويتهيأ مرويه للنظر فيه هل توفرت فيه شروط القبول؟ ويتأهل إسناده للبحث عنه من جهة الاتصال والانقطاع.
فإذا سلم المتن من الشذوذ والعلة بحيث لا يخالف الثقة من هو أوثق منه، وبحيث يسلم المَرْوِيُّ من قادح خفي تظهر السلامة منه فإنه ينظر في الإسناد فإن تحقق اتصال الإسناد، وسلامته من الخلل وانتفى عنه التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال والتدليس والاضطراب ومخالفة الأرجح عَدَدًا أو صفة كان المتن أهلا للقبول وترجحت نسبته إلى من عزى إليه.
ومن ثم يظهر لنا جَلِيًّا أن الشروط التي وضعها المُحَدِّثُونَ للراوي والمروي والرواية توجب الطمأنينة وترجح جانب الصدق على جانب الكذب، وجانب الصواب على جانب الغلط أو الخطأ، وتؤكد ثبوت المروي عمن روى عنه وهو أمر لا تكاد تجده في أمة من الأمم ولا في فن من الفنون. (١)
مُحَاوَلَةُ أَبِي رَيَّةَ التَّشْكِيكَ فِي الرِّوَايَاتِ الآحَاِدَّيِة بَلْ وَالمُتَوَاتِرَةِ:
في [ص ٢٤٠ - ٢٤٣] عرض لتقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد وأكثر من النقل في هذا وصار يبدئ ويعيد في تعريفهما وما الذي يفيدانه؟ وهل يجب العمل بهما؟ وغرضه من ذلك التشكيك في رواية الآحاد وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئًا، بل حاول التشكيك في الخبر المتواتر وإفادته للعلم واليقين حيث قال في [ص ٢٤٠ هامش]: «ولم يسلم المتواتر من شبه على إفادته علم اليقين،
_________________
(١) " الموجز في علوم الحديث ": ٤٢ - ٥٥.
[ ٢١٠ ]
فمن هذه الشبه أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بنقيض خبرهم» وإلى هنا والكلام
محتمل ولكن انظر كيف انتهى التهور بالمؤلف إلى حد الكفر قال: «وقد أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح والإنجيل يصرح بذلك فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات التواتر فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه ».
رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ تَوَاتُرَ صَلْبِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -:
لقد سقط أَبُو رَيَّةَ سقطات لا هروب له منها، ومن قال يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ إن صلب المسيح - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من الأمور المتواترة، إن أسانيد المخبرين لحدوث الصلب منقطعة غير متصلة كما أن شرط التواتر وهو إخبار العدد الكثير في جميع الطبقات غير محقق فدعوى التواتر غير مُسَلَّمَةٍ.
ثم ما رأى المؤلف في كتب اليهود - كما ذكر المُحَقِّقُونَ من المؤرخين - لم تشر إلى صلب المسيح بكلمة ولا له ذكر في تاريخهم الديني والذين قالوا منهم بالصلب إنما قالوه متابعة للنصارى.
قال الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار - ﵀ - في كتابه " قصص الأنبياء ": «لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ اليَهُودِ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِاسْمِ المَسِيحِ فِي زَمَنِ كَذَا وَصُلِبَ وَقُتِلَ وَلاَ يُوجَدُ فِي تَارِيخِهِمْ الدِّينِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا » إِلى أنْ قال: «فَإِذَا تَكَلَّمَ اليَهُودُ عَنْ المَسِيحِ وَقَتْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي تَوَارِيخِهِمْ المَأْثُورَةِ عَنْ الآبَاءِ وَالمَشَايِخِ وَلَكِنْ لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُهُ المَسِيحِيُّونَ مِنْ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ وَقَتَلَهُ اليَهُودُ وَإِلاَّ فَكُتُبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ بِمِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ حَتَّى زَعَمَتْ أَنَّ اليَهُودَ - وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي زَعْمِكَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ!!».
[ ٢١١ ]
وأما الأناجيل فلم تختلف في مسألة من المسائل كاختلافها في تفصيل
مسألة صلب المسيح وقتله مِمَّا يدل على اختلاقها وعدم ثبوتها، ثم إنَّ مسألة صلب المسيح ليست بإجماعية عند المسيحيين، فمن طوائفهم من ينفي الصلب والقتل، ومنهم «الساطرينوسيون» و«البارسكاليونيون» و«البولسيون».
وهناك شهادات من علماء النصرانية تفيد المُطَّلِعَ بصيرة في هذا، قال الهر أرنست دي يونس الألماني في كتابه " الإسلام أي النصرانية الحقة " في ص ١٤٢ ما معناه: «إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح لا من أصول النصرانية» وقال «ملمهر» في الجزء الأول من كتابه المسمى " تاريخ الديانة النصرانية ": «إن تنفيذ الحُكْمِ كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف وصدقهم القرآن» (١).
فما رأيك في هذا أيها المتملق المسيحيين بهذا الكفر الصراح؟!!
ثم ما الذي يريده المؤلف بالتشكيك في بعض المقررات العلمية بإلقاء الشُّبَهِ وعدم ذكر الجواب أو الإشارة إليه كما فعل في مبحث إفادة المتواتر العلم؟!!.
إن المؤلف لم يزد عن كونه مُرَدِّدًا لكلام المُبَشِّرِينَ والقساوسة، والمسلمون - يَا أَبَا رَيَّةَ - لم ينكروا أعظم الأمور المتواترة - بزعمك الكاذب - وهو الصلب، وإنما الله - ﷾ - هو الذي أنكره ونفاه نفيًا قاطعًا لا يحتمل الشك، قال - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ - أي اليهود - ﴿مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢).
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
_________________
(١) " قصص الأنبياء ": ص ٥١٦ - ٥٣٤.
(٢) [سورة النساء، الآيتان: ١٥٥، ١٥٦].
[ ٢١٢ ]
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١)
وبعد ثبوت إعجاز القرآن وأنه من عند الله، فلا سبيل لمنكر ولا لمشكك أن ينكر أو يشكك فيما ورد فيه عن طريق النص المحكم الذي لا يحتمل التأويل.
وأما من لا يؤمن بالقرآن فإنا نقول له: إنه من غير المعقول أن يكون محمد - ﷺ - هو الذي ابتدع مسألة نفي صلب المسيح وقتله من عند نفسه، ذلك أن نبينا مُحَمَّدًا لم تكن له غاية ولا مصلحة يريدها من نفي صلب المسيح وقتله، بل إثباته لذلك أدخل في الباب الذي ذكره كثيرًا في القرآن من أن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، فحادثة صلب المسيح أدل على ما يريد إثباته في غير ما آية من عصيانهم ومخالفتهم وإفسادهم في الأرض وتقتيلهم الأنبياء، فلو كان قتل المسيح حقيقة لكانت جديرة بأن يستغلها النَّبِي في التنديد باليهود وبيان سوء طباعهم وشكاسة أخلاقهم، ولكن سيدنا مُحَمَّدًا ما كان لينفي شيئًا أو يثبته من عند نفسه وكما يشتهي ولكنه الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢)
تَشْكِيكُهُ فِي القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ وَتَحْرِيفُهُ لِلآيَاتِ:
في [ص ٢٤٣] علق ما نقله عن الجمهور من أن الأُمَّة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه بقوله في الهامش: ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر بها الله ورسوله؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣) ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤) ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (٥).
وهذا من عدم فهمه لكلام العلماء والمراد من الآيات، إما أن الأُمَّةَ مأمورة
_________________
(١) [سورة النساء، الآيات: ١٥٥ - ١٥٨].
(٢) [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
(٣) [سورة يونس، الآية: ٣٦].
(٤) و(٥) [سورة النجم، الآية: ٢٨].
[ ٢١٣ ]
بالأخذ بالخبر الذي يغلب على الظن صدقه فهذا أمر مأخوذ من القرآن وَالسُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ وأجمع عليه العلماء ودل عليه العقل والنقل، والأخذ بالظن الغالب إنما هي في الأحكام الفرعية، أما العقائد فلا تؤخذ إِلاَّ مِمَّا يفيد العلم واليقين ولا يكفي فيها الظن وعلى هذا تتنزل الآيات التي ذكرها فالظن لا يغني من الحق شيئًا في باب العقائد كالتوحيد وأصول الدين ثم كيف يتفق استشهاده بآية نفي صلب المسيح وأنه من الظنون وما ذكره آنفًا من أن مسألة صلب المسيح متواترة؟!!.
الحق أني في حيرة من أمر هذا المؤلف المضطرب المتناقض مع نفسه!!!.
في [ص ٢٤٦] قال: «أما المتكلمون فقد عرف من حالهم أنهم يَرُدُّونَ كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية، فإذا ورد عليهم حديث صحيح عند المُحَدِّثِينَ أَوَّلُوهُ إن وجدوا تأويله قريب المأخذ أو ردوه مكتفين بقولهم هذا من أخبار الآحاد وهي لا تفيد إِلاَّ الظن» وهو كلام متهافت يبطل آخره أوله، ولا أدري كيف يتفق قوله إنهم يَرُدُّونَ كل حديث وقوله: فإذا أورد عليهم وكثير من المتكلمين يأخذون بالأحاديث الصحيحة الآحادية، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليرجع إلى باب السمعيات وأحوال الآخرة في كتب التوحيد وسيرى أنهم أخذوا بكثير من الأحاديث الصحيحة في هذا، ثم إن المتكلمين ليسوا سواء، فمنهم المتثبت المتأني في بحثه، ومنهم المتسارع في رد الأحاديث المتهجم عليها.
وأما حديث «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ» فقد عرضنا له فيما سبق وأما ما عرض له في الحاشية من أن المتكلمين يسمون المُحَدِّثِينَ بِالحَشْوِيَّةِ ويصفونهم بأنهم أجهل الناس فهو سفاه لا يستحق الرَدِّ، ولعله يشفي به نفسه من دائها العضال، ولن يعدم الباحث أن يجد بين المتكلمين من هو سفيه متحامل على المُحَدِّثِينَ كما لا يعدم أن يجد بين الطوائف المنتسبة العلم - زُورًا - سفهاء ذَوِي أَلْسنِةٍَ حداد لا يرعوون، ولا يراعون العلماء إِلًاّ وَلاَ ذِمَّةً.
رَمْيُهُ لِلْفُقَهَاءِ بِالتَعَصُّبِ لِمَذَاهِبِهِمْ، وَبَيَانُ الحَقِّ فِي هَذَا:
في [ص ٢٤٧] وما بعدها عرض للفقهاء وأنهم يؤولون كل حديث يخالف
[ ٢١٤ ]
ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المُتَأَخِّرِينَ - أو يعارضون الحديث بحديث آخر ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث إلخ ما نقله على كتاب " توجيه النظر ".
ومن الحق أَنْ نقول:
إن هذا الكلام فيه جانب حق وجانب باطل، أما جانب الحق فهو أن بعض متأخري الفُقَهَاءِ قد يحملهم لمذاهبهم على هذا أو شيء منه ونحن لا ننكر أن في أي طائفة - مهما كانت - الحَسَنُ والرَدِيءُ والجامد والمرن.
أما جانب الباطل فهو التعميم وإيهام القارئ أن الفُقَهَاءَ كلهم على هذا والحق أن فِي الفُقَهَاءِ كثيرين لم يخضعوا إِلاَّ للدليل وإني لأجد في بعض كتب المذاهب ترجيحًا لغير مذهبهم إذا كان دليله قَوِيًّا ثم إنه مِمَّا ينبغي أن يعلم أن الفُقَهَاءَ المُتَقَدِّمِينَ كأصحاب المذاهب وتلامذتهم لم يكونوا متعصبين ولا متعنتين وإنما يتبعون الدليل، وليس أدل على هذا من أنهم كانوا يأخذ بعضهم عن بعض، وأنه صح عن كل واحد من الأئمة الأربعة - كما ذكره الشاطبي في " موافقاته " - أنه كان يقول: «إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الحَائِطِ» وكثيرًا ما نجد في مذهبي الصاحبين - أبي يوسف ومحمد - ما يخالف قول أستاذهما وإمامهما أبي حنيفة - ﵀ -، وقد رجع أبو يوسف في مسائل عن مذهب إمامه لما ناظره الإمام وظهر له أن الحق معه، وكذلك فعل الإمام محمد لما تتلمذ على الإمام مالك في الحجاز واطلع على أحاديث وروايات لم يطلع عليها في العراق وهذا غاية التسامح ورحابة الصدر في الاجتهاد والبحث.
والشأن في المؤلف الذي ينشد الحق أن يلتزم جادة الإنصاف لا أن يجعل من نفسه منتصرًا لطائفة ومعاديا للأخرى وأن يصدر أحكامه من غير مجازفة وإسراف وإلا فليدع التأليف لأهله.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»:
في [ص ٢٥١] ذكر طعن رجال الأثر في حديث عرض السُنَّة على القرآن -
[ ٢١٥ ]
وهو موضوع كما نبهنا إليه - ثم قال ورووا حديثا هذا نصه: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه » وهذا من أعجب العجب لأنه إذا كان النَّبِيِّ أوتي مثل الكتاب أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بتدوينه وكتابته قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كما عني بتدوين القرآن؟ ولم ينه عن كتابته بقوله: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ» وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحي إليه يعدو بين الأذهان بغير قيد: يمسكه هذا وينساه ذاك وهل يكون الرسول - بعمله هذا - قد بَلَّغَ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة إلى أهلها؟
الرَدُّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الطَّعْنِ:
أقول: إن محاولته إثبات أن حديث «أَلاَ وَإِنِّي » موضوع لهي من أعجب العجب، والحديث ثابت رواه أبو داود في " سننه " عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:
«أَلاَ وَإِنِّي قد أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا» (١). فالحديث ثابت من جهة النقل والرواية، ومعناه ثابت من جهة العقل والدراية، والكتاب الكريم يُؤَيِّدُهُ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). أما قوله: «فلم يعن إلخ» فمنطق عجيب حَقًّا، فقد بينت آنفا السر في نهي النَّبِيِّ عن كتابة الأحاديث في عهده وهو خشية التباس بعضه بالقرآن، ولما كانوا عليه من الأمية وَعَدَمِ تَيَسُّرِ الكتابة والقرآن معجز، فالمحافظة على لفظه واجب ولا كذلك السُنَّة فالمعول عليه فيها المعنى لا اللفظ، وهل يلزم من عدم الأمر بتدوين الأحاديث أن لا تكون معتنى بها، وأن لا تكون هي الأصل الثاني للتشريع؟
_________________
(١) " تفسير القرطبي ": ج ١ ص ٣٧، ٣٨.
(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٣) [سورة الحشر، الآية: ٧].
[ ٢١٦ ]
والرسول حينما نهاهم عن كتابة السُنَّةِ لم يضع نصف ما أوحاه الله إليه - كما زعم المؤلف - لأنه يعلم أن أصحابه الحاملين لِسُنَّتِهِ ذَوُو حوافظ قوية وأذهان سيالة وقلوب واعية فاهمة وهذه - لعمر الحق - بعض خصائص العرب ولا يماري في هذا إِلاَّ جاهل، أو متحامل وليس من شك في أنه بعمله هذا قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكيف لا؟ ومعظم ما جاءت به السُنَّةُ إما شرح لما في القرآن أو توضيح لمشكله أو تقييد لمطلقه أو تخصيص لعامه ونحو ذلك، وما دام الأصل الأصيل وهو القرآن الكريم - قد اجتمع له الوجدان - التقييد في الأذهان والصدور، والتقييد في الكتابة والسطور- فلا خوف بعد ذلك على السُنَّة لأنها قام على حفظها والحفاظ عليها أفهام واعية وأذهان حافظة وكثيرًا ما كان يحث الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - على حفظها والمحافظة عليها من حين سماعها إلى حين أدائها بمثل قوله - ﷺ -: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وفي رواية «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»
وقد شاء الله رحمة بعباده وتخفيفًا عليهم أن يكون الوحي بعضه مَتْلُوًّا محفوظًا يتعبد بتلاوته وهو القرآن، وبعضه غير مَتْلَوٍّ ولا يتعبد بلفظه وهي السُنَّةُ، وقد بَلَّغَ النَّبِيُّ هذا وذاك وأمر المسلمين بحفظ الأول البتة ورغبهم في حفظ الثاني وتأديته كما سمع فإن تعذر اللفظ فبالمعنى، وقد وَفَتْ الأُمَّةُ بما عهد إليها واستحفظت عليه وأدته وبلغته غاية البلاغ.
تَحْرِيفُهُ لِكَلاَمِ الأَئِمَّةِ بِقَصْدِ التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِ الأَحَادِيثِ:
من ديدن أَبِي رَيَّةَ تحميل الكلام ما لم يحتمل، وتحريفه لمعاني الكلام كي يخلص إلى ما يوافق هواه فمن ذلك ما ذكره في [ص ٢٥٢] حديث نقل كلام الإمام مالك في عدم أخذه ببعض الأحاديث واستشكاله لها لمخالفتها للقرآن أو لقواعد الشريعة ولا حامل له على هذا التشكيك في الأحاديث وإيهام من لا يعلم أن الأئمة الكبار يردونها، ولا يأخذون بها، وحاشا الإمام مالك أن يرد حديثًا صح عنده إِلاَّ بوجهة صحيحة أَوْ يُهَوِّنَ من شأن الأحاديث كما قصد المؤلف، وبعض الأئمة قد
[ ٢١٧ ]
لا يعمل بالحديث لأنه لم يبلغه أو بلغه ولكن لم يصح عنده أو صح عنده ولكنه يرى فيه أنه منسوخ أو مقيد أو مخصص بدليل آخر أو لمعارضته لغيره من الأدلة مع رجحانها في نظره فيترك العمل به أو مع عدم الرجحان فيتوقف فيه، وأيا كان الأمر فلا يصلح ما ذكره أن يتخذ منه سَبَبًا للتشكيك في الأحاديث والتقليل من شأنها.
وفي [ص ٢٥٣] ذكر مناظرة كانت بين الأوزاعي وأبي حنيفة في رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، وأن الأوزاعي استدل بحديث على الرفع وأبا حنيفة استدل بحديث آخر على عدمه وقد فتشت كثيرًا عن مناسبة هذه القصة للموضوع الذي كان يتكلم فيه فلم تظهر لي المناسبة، ولو أن أبا حنيفة رَدَّ حديث الأوزاعي المرفوع بكلام صحابي أو تابعي أو بالرأي لتم له ما يريد أن يثبته من رد الأحاديث المرفوعة بالنقل عن غير النَّبِيِّ أو بالعقل، أما والإمام أبو حنيفة قد عارض حديث الأوزاعي بحديث مرفوع آخر فقد ثبت أنه ليس في القصة ما يشهد له قَطْعًا، وغاية ما تدل عليه هذه القصة أن كُلًاّ منهما استدل بحديث يرى أنه الصالح للاحتجاج لرجحانه في نظره من ناحية سنده أو متنه غير ذلك من وجوه الترجيح وهو ما ذكرته آنِفًا، واختلاف الأنظار المستند إلى الاجتهاد من طبيعة التفكير الحر النزيه وما أكثر هذا الاختلاف في تاريخ التفكير الإسلامي وهو حسنة من محاسن حرِيَّةَ الرأي في الإسلام.
وفي [ص ٢٥٤] ذكر نُقُولًا يريد من ذكرها إيهام القارئ أن الإمام أبا حنيفة كان يرد بعض الأحاديث، وأنه كان مَنْقُومًا عليه بسبب ذلك، ولم تضره هذه النقمة فما زال هو الإمام الأعظم عند المسلمين.
وأحب أن أقول للمؤلف ومن على شاكلته:
[١] إنه ينبغي للباحث أن لا يكون كحاطب ليل ينقل كل ما تقع يده عليه، ولو كان فيه مصرعه، وينبغي أن يكون كالصيرفي الناقد البصير، والإمام أبو حنيفة كثر شانئوه وحاسدوه لفضله وفقهه ومنزلته، وهؤلاء افتروا عليه ما شاء لهم هواهم أن يفتروا، ونسبوا إلى كبار الأئمة في الطعن فيه ما هم براء منه وما هو بريء منه، وقد أشار الإمام ابن عبد البر في " الانتقاء " إلى شيء من هذا فقال [ص ١٤٩]: «وَنَذْكُرُ
[ ٢١٨ ]
فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ ذَمِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا يَقِفُ بِهِ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى حَالِهِ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَكَفَانَا شَرَّ الحَاسِدِينَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» وكان هذا من ابن عبد البر بمثابة الاعتذار عما أورده عن بعضهم في ذمه وتنبيه القارئ أن لا يغتر بهذه الأقوال لأن الظاهر أنها مختلقة مكذوبة.
[٢] ما ذكره عن الإمام أبي حنيفة من رَدِّهِ لبعض الأحاديث الآحادية وعدم اهتمامه بها قد قدمت تحقيق القول فيه، وأن الإمام كغيره من الأئمة يأخذ بما ثبت وصح عنده وللأئمة في هذا معايير وموازين دقيقة قد لا تصل إليها بعض الأفهام القاصرة.
ثم إن ما ذكروه معارض بما رُوِيَ عن الإمام أبي حنيفة من وقوفه عندما دلت عليه الأحاديث إذا صحت عنده، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " (١) «أنه قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزراء يلبس السراويل؟ قال: لا ولكن يلبس الإزراء قيل له: ليس له إزار قال يبيع السراويل ويشتري بها إزار، قيل له: فَإِنَّ النَّبِي - ﷺ - خَطَبَ وَقَالَ: " المُحْرِمُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ " فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا عِنْدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْءٌ فَأُفْتِي بِهِ، وَيَنْتَهِي كُلُّ اِمْرِئٍ إِلَى مَا سَمِعَ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: " لاَ يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ السَّرَاوِيلَ ". فَنَنْتَهِي إِلَى مَا سَمِعْنَا، قِيلَ لَهُ أَتُخَالِفُ [النَّبِيَّ]- ﷺ - فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ، وَبِهِ اِسْتَنْقَذَنَا».
فهذا هو الذي يليق بحال هذا الإمام الكبير لا ما ذكروه من ترهات وأباطيل.
وكثيرًا ما كان الإمام يرى رَأْيًا ثم يثبت عنده حديث ويقتنع به فيرجع عن رأيه الأول، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " بسنده «عَنْ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ فَقَالَ: " إِنْ كَانَ لاَ يُقَاتِلُ فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ ".فَقُلْتُ لَهُ: " إِنَّهُ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ الفُضَيْلِ بْنِ يَزِيدٍ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: كُنَّا نُحَاصِرُ الْعَدُوَّ فَرُمِيَ إِلَيْهِمْ بِسَهْمٍ فِيهِ أَمَانٌ فَقَالُوا قَدْ أَمَّنْتُمُونَا، فَقُلْنَا: إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مِنْكُمُ العَبْدَ مِنَ الحُرِّ،
_________________
(١) ص ١٤٠.
[ ٢١٩ ]
فَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ أَجِيزُوا أَمَانَ الْعَبْدِ. فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ ثُمَّ غِبْتُ عَنِ الْكُوفَةِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ قَدِمْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ، فَأَجَابَنِي بِحَدِيثِ عَاصِمٍ وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِمَا سَمِعَ». وما من شيء يرمى به الإمام إِلاَّ وتجد في الصحيح من الرواية ما يرده ويدفعه.
ولنأخذ في ذكر ما سرده المؤلف ومناقشته:
قال: قال حافظ المغرب في " الانتقاء ": «كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا».
ولا أدري كيف يؤاخذ على هذا؟ وعلماء أصول الرواية جعلوا من أصولهم أن الحديث قد يكون صحيح السند، ولكنه غير صحيح في ذاته لمخالفته رواته مَنْ هُمْ أوثق منهم وهو ما يعرف بالشاذ، ولعل ذلك إن صح يكون من بعض المُحَدِّثِينَ المُتَزَمِّتِينَ الذِينَ يُحَجِّرُونَ وَاسِعًا.
قَالَ: وَقَالَ الثَّوْرِيَّ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الأَخْذِ لِلْعِلْمِ ذَابًّا عَنْ حَرَمِ اللَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ يَأْخُذُ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي [كَانَ] يَحْمِلُهَا الثِّقَاتُ [وَبِالآخَرِ] مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبِمَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ عُلَمَاءَ الْكُوفَةِ» وتتمة كلام الثوري - وقد أغفلها المؤلف -: «ثُمَّ شَنَّعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَهُمْ».
وليس في هذا ما يعود على الإمام بالنقص ولا ما يعود على الأحاديث بالتنقيص، وقد بَيَّنَ الثوري أن ما روي في ذمه لا يعدو أن يكون تشنيعًا وتجنيًا عليه.
قال: وقال وكيع بن الجراح: «وَجَدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»، وكان الأوزاعي يقول: وَكَانَ الأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: «إِنَّا لاَ نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى؛ كُلُّنَا [يَرَى]؛ وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (*).
_________________
(١) (*) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: انظر:"تاريخ الإسلام " للذهبي، تحقيق الدكتور بشار عوّاد معروف، ٤/ ١٢٠، الطبعة الأولى: ٢٠٠٣ م، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان وانظر كذلك " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة، تحقيق محمد محيى الدين الأصفر، ص ١٠٣، الطبعة الثانية - مزيده ومنقحة ١٤١٩هـ - ١٩٩٩م، نشر المكتب الاسلامي - مؤسسة الإشراق.
[ ٢٢٠ ]
أقول:
أما كلمة الأوزاعي فمعارضته بما قدمته من لعن الإمام من خالف حديث رسول الله - ﷺ -، وبما ثبت من رجوعه عن رأيه إذ ثبت حديث يخالف ما رأى، أما المخالفة فمعناها اختلاف الأنظار في صلاحية الحديث للاحتجاج أو لاعتبارات أخرى كما قدمت آنِفًا، ومهما يكن من شيء فليس فيما حشده من نقول بتراء محرفة ما يشهد لما قصده من الطعن في الأحاديث الآحادية وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، ولا لما أراد أن يصل إليه من أنه لا على أحد أن يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء - بالهوى والتشهي طبعًا -!!!.
إِفَاضَتُهُ فِي بَيَانِ مَوْقِفِ عُلَمَاءِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَعَدَمِ اِحْتِجَاجِهِمْ بِهَا:
في [ص ٢٥٤] قال: «مر بك أن علماء الأُمَّة قد انقسموا في تلقي الحديث إلى ثلاثة أقسام المتكلمون والأصوليون - والفقهاء - والمُحَدِّثُونَ ولكي نستوفي هذا البحث نذكر كذلك موقف علماء النحو واللغة فإنهم لم يجعلوا الحديث من شواهدهم في إثبات اللغة وقواعد النحو إلخ ».
رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَيْهِ وَبَيَانِ آرَاءِ المُحْتَجِّينَ بِالأَحَادِيثِ مِنَ النُحَّاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ:
وَالرَدُّ يَتَطَلَّبُ الكَلاَمَ فِي مَقَامَيْنِ:
[١] لقد عرض أَبُو رَيَّةَ لكلام المتكلمين والفقهاء ولكنه لم يتعرض لكلام المُحَدِّثِينَ ولا أدري إذا كان نسي ذلك أم تناساه لحاجة في نفسه؟ ولو أنه ذكر موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث بأمانة وإنصاف لانتقض عليه معظم ما قاله، ولعل فيما ذكرته في ثنايا ردودي ما يكشف عن موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث، ومجهودهم المشكور الذي بذلوه في جمع الأحاديث والعناية بها، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، حتى كانت هذه الثروة الطائلة المشرفة من كتب الحديث، وأصوله، ونقد الرجال، وكتب الشروح التِي لَمْ تَدَعْ حَدِيثًا إِلاَّ عرضت له بالشرح والتحليل فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خَيْرًا.
[ ٢٢١ ]
[٢] أنه أفاض في بيان وجهة نظر الذين لا يَحْتَجُّونَ بالأحاديث على إثبات القواعد النحوية واللغوية، وغرضه من هذا بيان ضرر الرواية بالمعنى وأنها التي حَدَتْ بعلماء اللغة والنحو إلى عدم الاستشهاد بالأحاديث.
وكانت الأمانة العلمية تُحَتِّمُ عليه أن يعرض لبيان وجهة نظر القائلين بالاحتجاج بالأحاديث على القواعد النحوية والصرفية ولا سيما ومنهم إمام جليل هو ابن مالك صاحب " الألفية " المشهورة ثم ذلك بعد ما يرجح ما يراه ولكنه التزم رَأْيًا وتعصب وأكثر من النقول عن أصحابه، وليس هذا من شيمة الباحث المُنْصِفِ النَّزِيهِ.
القَائِلُونَ بِالاِحْتِجَاجِ بِالأَحَادِيثِ عَلَى القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ:
وأحب أن يعلم القارئ أن المسألة لم يقطع فيها برأي واحد، ولئن كان هناك من منع الاحتجاج بألفاظ الأحاديث في تحقيق الألفاظ وتقرير القواعد فهناك غيرهم أئمة كبار يرون الاحتجاج بالأحاديث النحوية واللغوية وَمِمَّنْ عرف بهذا المذهب العَلاَّمَةُ ابن مالك المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٢ هـ، وَالعَلاَّمَةُ ابن هشام المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٦١ هـ والذي قال فيه حكيم العرب ابن خلدون قولته المشهورة «مَازِلْنَا وَنَحْنُ بِالمَغْرِبِ نَسْمَعُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِمِصْرَ عَالِمٌ بِالعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ هِشَامٍ أَنْحَى مِنْ سِيبَوَيْهْ» وَمِمَّنْ انتصر لهذا المذهب البدر الدماميني في " شرحه للتسهيل "، والعلامة ابن الطيب في شرحه لكتاب " الاقتراح " ولشرحه لـ " كفاية المتحفظ " وعد من أصحاب هذا المذهب الجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جِنِّى والسهيلي حتى قال: «لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ خَالَفَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِلاَّ مَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي شَرْحِهِ لِ " التَّسْهِيلِ " وَأَبُو الحَسَنِ الصَّانِعِ فِي شَرْحِهِ " الجُمَلَ».
وإليك ما قاله البدر الدماميني وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرَدِّ على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في " حواشيه على المغني ": «أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيرًا ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها ورده شيخنا ابن خلدون بأنها على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية تفيد غلبة الظن بها،
[ ٢٢٢ ]
لأن الأصل عدم التبديل لا سيما والتشديد في ضبط الألفاظ والتحري في نقلها بأعيانها مِمَّا شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبأن الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما دُوِّنَ في الكتب، أما ما دُوِّنَ فلا كما قال ابن الصلاح، وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك البدل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى فبقي حُجَّةً في بابه صحيحة» ومثل ذلك ذكره في " شرح التسهيل ".
ومن ثم يَتَبَيَّنُ لنا دقة نظر المحتجين بالأحاديث على القواعد وأنهم كثرة لا قلة كما سمعت، وليس بعد ما ذكره البدر الدماميني وما حكاه عن شيخه ابن خلدون كلام لقائل أو حُجَّة لمحتج
ولعلك - أيها القارئ - قد آمنت معي أن المؤلف لم يكن أمينًا في البحث، وأنه أوهم القارئ أنه ليس هناك من يحتج بالأحاديث غير ابن خروف وابن مالك ولبس عليه ودلس، وها أنت قد ظهرت لك الحقيقة سافرة، وزال الشك، وبرح الخفاء، وكن على ذكر مِمَّا قدمته لك في مبحث الرواية بالمعنى تَزْدَدْ يَقِينًا بأن الرواية بالمعنى كانت رُخْْصَةً عند الضرورة، وأن الأصل في الرواية إنما هو باللفظ، وأنها لم تكن لها أضرار دينية ولغوية كما زعم المؤلف وهول فيه.
نَقْلُهُ عَنْ الإِمَامِ مُحَمَّد عَبْدُهُ إِنْكَارَ حَدِيثِ سِحْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -:
في [ص ٢٥٩] عرض لرأي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أنه لا يأخذ بحديث الآحاد مهما بلغت درجته من الصحة في نظر المُحَدِّثِينَ إذا خالف العقل أو القرآن أو العلم، وأنه أنكر لذلك حديث سحر لبيد بن الأعصم لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - واعتمد في هذا على:
[١] أن الحديث آحادي فلا يؤخذ به في العقائد وعصمة النَّبِيِّ من تأثير السحر
[ ٢٢٣ ]
في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إِلاَّ باليقين ولا يكتفي بالظن.
[٢] وأن الحديث يخالف القرآن الكريم في نفي السحر عن النَّبِيِّ - ﷺ - حيث نسب القول بإثبات السحر له إلى المشركين وَوَبَّخَهُمْ على زعمهم هذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (١).
وقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ (٢) الآية.
[٣] أنه لو جاز على النَّبِيِّ أن يتخيل أنه يفعل الشيء وما فعله لجاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه، أو أن شيئا ينزل عليه ولم ينزل عليه واستحالة ذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
إَفَاضَةُ المُؤَلِّفِ فِي الرَدِّ عَلَى مَا أَثِيرَ حَوْلَ حَدِيثِ الشِّعْرِ:
-----------------------------------------------------
وإليك تحرير الكلام في هذا المقام:
[١] إنَّ الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، والأستاذ الإمام محمد عبده ليس أبا عذرتها في هذا، وإنما هو متابع لمن سبقه من شيوخ الاعتزال وأمثالهم، وإذا كان المؤلف لا يعرف الحق إِلاَّ بالرجال فلنجاره في هذا، ولنبين له أن الأخذ بالحديث الصحيح وعدم رده وتأويله بما يوافق العقل والنقل المتواتر مذهب جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا، وَرَدِّ الأحاديث لأدنى شُبْهَةٍ وَتَوَهُّمِ مخالفتها للعقل أو القرآن أو العلم ليس من التحقيق العلمي في شيء، والأحاديث الصحيحة الموثوق بها، وإن كانت لا تفيد يقينًا في العقائد الثانوية تفيد غلبة ظن فيها ونحن لا نخالف في أن العقائد الأساسية أو الأولية كإثبات الصانع والتوحيد لا يكتفي فيها إِلاَّ بما يفيد القطع واليقين.
_________________
(١) [سورة الفرقان، الآيتان: ٨، ٩].
(٢) [سورة الإسراء، الآيتان: ٤٧، ٤٨].
[ ٢٢٤ ]
ولئن كان الإمام محمد عبده قد أنكر حديث السحر فقد أثبته واعترف بصحته رواية ودراية أئمة هم أرسخ قَدَمًا في العلم، والجمع بين المعقول والمنقول منه كالأئمة المازري والقاضي عياض، وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والحافظ ابن حجر والألوسي المفسر وغيرهم كثير، والذين صَحَّحُوا حديث السحر قالوا: إن ما حدث لِلْنَّبِيِّ - ﷺ - نوع من الأمراض والعوارض البشرِيَّةَ التي تجوز على الأنبياء، وأن الأمر لم يخرج عن كونه مَرَضًا جِسْمَانِيًّا وقد رُوِيَ الحديث من طرق بلفظ «حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وما فعله» ولكن قد ورد في بعض الروايات في الصحيح وهي رواية سفيان بن عيينة ما يعين المراد من هذا التخييل، وأنه لم يكن في أمر عقلي ففي هذه الرواية عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ». قَالَ سُفْيَانُ: «وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ»، ولذلك قال القاضي عياض: «وَقَالَ عِيَاض: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد [بِالتَّخْيِيلِ] الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الاِقْتِدَار عَلَى الوَطْء، فَإِذَا دَنَا مِنَ المَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن المَعْقُود» (١).
وهذا الذي دلت عليه رواية سفيان بن عيينة وشرحه القاضي عياض هو الذي ينبغي أن يصار إليه في فهم هذا الحديث وعلى هذا فلا يكون هناك إخلال بعصمة النَّبِي - ﷺ - وينهار ما استشكله المنكرون للحديث.
[٢] وأما أن الحديث يخالف القرآن فغير مُسَلَّمٌ لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٢) أنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - سُحِرَ حتى أدركه بعض التغيير أيامًا ثم شفاه الله وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول ويفعل وأن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته، ورميه بالجنون وهذا أمر واضح جَلِيٌّ لكل من تتبع النصوص القرآنية التي تعرضت لهذا، فالغرضان مختلفان والموضوعان متباينان.
[٣] وأما قولهم: إذا جاز أن يتخيل ما ليس بواقع واقعًا في غير أمور الدين
_________________
(١) " الفتح ": ج ١٠ ص ١٨٦.
(٢) [سورة الإسراء، الآية: ٤٧] و[سورة الفرقان، الآية: ٨].
[ ٢٢٥ ]
لجاز ذلك في أمور الدين فهذا مردود بما قدمناه في بيان المراد من الحديث وأن السحر أثر في جسمه لا في عقله ولو سلمنا لهم ما تدل عليه الرواية بحسب ظاهرها لما تم لهم ما قالوا، لأن قياس أمور الوحي والرسالة على أمور الدنيا قياس مع الفارق، فإنه بالنسبة لأمور الدين معصوم من الخطأ والتغيير والتبديل ولا عصمة له في أمور الدنيا فللرسول اعتباران: اعتبار كونه بَشَرًا، واعتبار كونه رسولًا، فبالاعتبار الأول يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر ومنه أن يسحر، وبالاعتبار الثاني لا يجوز عليه ما يخل بالرسالة لقيام الدليل على العصمة منه، ثم ما رأى المنكرين للحديث فيما ثبت في القرآن الكريم منسوبًا إلى موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - من أنه تخيل في حبال السحرة وعصيهم أنها حيات تسعى، فهل ينكرون القرآن المتواتر؟ وإذا كان لا مناص لهم من التسليم بما جاء به القرآن فلم اعتبروا التخيل في حديث السحر منافيًا للعصمة ولم يعتبروه في قصة موسى - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - منافيًا للعصمة؟
لقد شاء الله - سُبْحَانَهُ - أن يبتلي أنبياءه بشتى أنواع الابتلاء ليعلم الناس أنهم بشر مثلهم فلا يرفعوهم إلى مقام الألوهية، وليزداد ثواب الأنبياء وتعظم منازلهم عند الله بما يقاسون في سبيل تبليغ الدين والرسالات.
ولا أحب أن أطيل بذكر بعض أقوال أئمة العلم الجامعين بين المعقول والمنقول ولكني سأجتزئ بنقلين:
[١] قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ: «أَنْكَرَ [المُبْتَدِعَةُ] هَذَا الحَدِيثِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِعِ إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ»، قَالَ: «وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ، لأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَتِهِ فِي التَّبْلِيغ، وَالْمُعْجِزَات شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفه بَاطِل. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لأَجْلِهَا وَلاَ كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا يَعْتَرِضُ البَشَر كَالأَمْرَاضِ، فَغَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتهِ عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّينِ»، قَالَ: «وَقَدْ قَالَ
[ ٢٢٦ ]
بَعْضُ النَّاسِ إِنَّ المُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتَهُ وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلإِنْسَانِ فِي المَنَام فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي اليَقِظَةِ» (١).
[٢] قال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على سحر النَّبِيِّ - ﷺ -: «وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مُصَنَّفًا مُنْفَرِدًا حمل فيه على هشام - يعني ابن عروة بن الزبير - وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال: غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال: لأن النَّبِي - ﷺ - لا يجوز أن يسحر فإنه تصديق لقول الكفار ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٢)
قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين.
وهذا الذي قاله هؤلاء عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رَدَّ حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن؟.
وقد رواه غير هشام عن عائشة وقد اتفق أصحاب " الصحيحين " على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة والقصة مشهورة عن أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين، إلى أن قال: والسحر الذي أصابه كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا نقص في ذلك ولا عيب بوجه فإن المرض على الأنبياء، وكذلك الإغماء فقد أغمي عليه - ﷺ - في مرضه ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقه (٣) وهذا من البلاء الذي يزيده به الله رفعة في درجاته ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء فابتلوا من أُمَمِهِمْ بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس فليس ببدع أن يُبْتَلَى النَّبِيُّ - ﷺ - من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلى بالذي رماه فشجه
_________________
(١) " فتح الباري ":ج ١ ص ١٨٥.
(٢) [سورة الإسراء، الآية: ٤٧]، [سورة الفرقان، الآية: ٨].
(٣) إشق وكان ذلك في غزو أُحُدْ.
[ ٢٢٧ ]
وابتلى بالذي ألقى على ظهره السلا (١) وهو ساجد فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله».
ثم أخذ في الإجابة عما أورد المنكرون للحديث من شبه بما لا يخرج عما ذكرناه (٢).
مِثَالٌ - مِنْ مَثَلٍ - يَدُلُّ عَلَى ضُحُولَةِ أَبِي رَيَّةَ فِي البَحْثِ:
في [ص ٢٦١] قال: وقد رد الأستاذ الإمام كذلك أحاديث كثيرة في أمور اعتقادية، وغير اعتقادية كحديث الغرانيق، وحديث زينب بنت جحش وغيرهما مِمَّا لا نستطيع إيراد أقواله فيها هنا.
وهذا الكلام يدل على ضحولة المؤلف في البحث، وضيق عطنه في العلم، وحديث الغرانيق حديث باطل موضوع كما نص على ذلك الثقات من أهل الحديث، فهو مردود قبل أن يولد الإمام بعدة قرون، وكل ما صنعه الشيخ محمد عبده أنه نقل ما سبقه القاضي عياض وغيره من أئمة العلم الذين زيفوها ووضح ذلك وجلاه بأسلوبه في الخطاب، وأضاف إلى الرَدِّ ما من شأن المتأخر أن يزيده على كلام المتقدم، وكذلك حديث قصة زينب بنت جحش موضوع عند أهل العلم بالحديث وقد بسط الكلام عليها الحافظ ابن حجر في " الفتح " وبين أنها لا أصل لها، فالأستاذ الإمام لم يزد أكثر من أنه جلى كلام الأقدمين وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن المؤلف طعن في غير مطعن وجافاه الصواب.
الحَقُّ عِنْدَ أَبِي رَيَّةَ يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ:
في [ص ٢٦١، ٢٦٢] نقل كلامًا للسيد محمد رشيد رضا، وفيه هنات ومؤاخذات وفيما قدمنا من الرُدُودِ ما يجد فيه القارئ الفطن ما يرد هذه الهنات، ولسنا مِمَّنْ يعرفون الحق بالرجال وإنما يعرفون الرجال بالحق ولا سيما وقد درسنا
_________________
(١) ما يخرج من بطن الناقة ونحوها مع ما تلده «المشيمة».
(٢) " التفسير القيم " لابن القيم: ص ٥٦٤ - ٥٧٢.
[ ٢٢٨ ]
الحديث كما درسوا، ولنا عقول كما لهم عقول، ومنهجنا في البحث أننا لا نأخذ بكلام فلان إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، ولا نرد كلام فلان إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
نَفْيُهُ لِلأَحَادِيثِ المُتَوَاتِرَةِ وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى الحَافِظِ ابْنِ حَجَرَ:
في [ص ٢٦٣] قال تحت عنوان «ليس في الحديث متواتر»: إن المتواتر قليل ونفى بعضهم المتواتر اللفظي في السُنَّةِ إِلاَّ حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ » وحديث الحوض وبضعة أحاديث أخرى ثم يأتي في الهامش فيقول: نقلنا في [ص ٤١] من هذا الكتاب أن ابن حجر نفى أنه رأى حديث «مَنْ كَذَبَ » متواتر، وَيُعَلِّقُ اَيْضًا على حديث الحوض بذكر متنه ثم يقول متهكما: هذا مثل من المتواتر عندهم
وإليك الحق في هذا:
[١] إن المتواتر قسمان: لفظي، ومعنوي، فالأول قليل، والثاني كثير.
[٢] ما نسبه إلى الحافظ من أن الحديث غير متواتر كذب على الحافظ وقد ذكرت - فيما سبق - أنَّ الحافظ نقل هذا عن بعض العلماء ثم رده وذكر جملة أحاديث أخرى ولكن المؤلف دلس على الحافظ وخان الأمانة وما أكثر هذه الخيانات في كتاب المؤلف.
[٣] ساق المؤلف لفظا لحديث الحوض لم أقف عليه وإليك نص الحديث كما رواه البخاري (١) في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا» ورواه مسلم بنحو هذا اللفظ (٢)، وقد رُوِيَ الحديث من طرق عدة عن كثير من الصحابة، وأحاديث الحوض متواترة كما نص على ذلك القاضي والقرطبي والحافظ ابن حجر
_________________
(١) كتاب الرقاق - باب الحوض.
(٢) " مسلم بشرح النووي ": ج ١٥ ص ٥٣ - ٦٥.
[ ٢٢٩ ]
وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٣) قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي " الْمُفْهِم " تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ فِي غَالِبهِ: مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمًهُ وَيُصَدِّقَ بِهِ أَنَّ اللَّه ﷾ قَدْ خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَوْضِ المُصَرَّحِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَشَرَابِهِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الشَّهِيرَةِ التِي يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِهَا العِلْمُ القَطْعِيُّ، إِذْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحَابَة نَيِّفٌ عَلَى الثَّلاَثِينَ، مِنْهُمْ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مَا يُنِيفُ عَلَى العِشْرِينَ وَفِي غَيْرهِمَا بَقِيَّةُ ذَلِكَ مِمَّا صَحَّ نَقْلُهُ وَاشْتُهِرَتْ رُوَاتُهُ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ المَذْكُورِينَ مِنْ التَّابِعِينَ أَمْثَالهمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَضْعَاف أَضْعَافهمْ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَأَجْمَعَ عَلَى إِثْبَاته السَّلَفُ وَأَهْل السُّنَّة مِنْ الْخَلَف، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَأَحَالُوهُ عَلَى ظَاهِرهِ وَغَلَوْا فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِحَالَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَلاَ عَادِيَّةٍ تَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلاَ حَاجَةَ تَدْعُو إِلَى تَأْوِيلِهِ، فَخَرَقَ مَنْ حَرَّفَهُ إِجْمَاعَ السَّلَفِ وَفَارَقَ مَذْهَبَ أَئِمَّةِ الخَلَفِ. قُلْت: أَنْكَرَهُ الْخَوَارِج وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة».
وقد تتبع الحافظ طرق حديث الحوض ومن رواه من الصحابة فوصل بهم إلى ما يزيد عن خمسين من الصحابة قال الحافظ: «وَلِكَثِيرٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الحَدِيثِ الوَاحِدِ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنْسَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرُو وَأَحَادِيثَهُمْ بَعْضهَا فِي مُطْلَق ذِكْرِ الحَوْض وَفِي صِفَتِهِ بَعْضَهَا وَفِيمَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ بَعْضَهَا وَفِيمَنْ يُدْفَع عَنْهُ بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الأَحَادِيث الَّتِي أَوْرَدَهَا المُصَنِّفُ فِي هَذَا البَابِ، وَجُمْلَةِ طُرُقِهَا تِسْعَةَ عَشَر طَوْقًا، وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَصَلَهَا إِلَى رِوَايَة ثَمَانِينَ صَحَابِيًّا». والمتواتر بإجماع أهل العلم يفيد القطع واليقين في نسبته إلى قائله، فَمَا رَأْيُ أَبِي رَيَّةَ ومن على شاكلته من المنكرين لأحاديث الحوض في حكم من أنكر المتواتر عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ وحكم من تهكم بحديث النَّبِيِّ الثابت بالتواتر؟ ليرى منزلته من الإيمان أو الكفر.
_________________
(١) ج ١١ ص ٣٩٣.
[ ٢٣٠ ]
عِنَايَةُ أَبِي رَيَّةَ بِذِكْرِ المَآخِذِ وَإِخْفَاءِ المَحَاسِنِ:
في ص (٢٦٩) وما بعدها عرض لكتب الحديث المشهورة، وذكر ترجمة موجزة لكل صاحب كتاب منها، وبيان منزلة هذا الكتاب بين كتب الحديث، وقد لاحظت أنه يُعْنَى بذكر المعايب أو المآخذ أكثر مِمَّا يُعْنَى بذكر المحاسن والخصائص، وفي سبيل ذلك صار يتصيد الروايات من هنا وهناك من غير تمحيص وتحقيق ما دامت هذه النصوص تسعفه فيما قصد إليه من تأليف كتابه هذا وهو الغض من شأن الحديث وَالمُحَدِّثِينَ والإزراء بهم وجعلهم زَوَامِلَ أَسْفَارٍ لاَ يَعْقِلُونَ وَلاَ يَعُونَ مَا يَحْمِلُونَ وَيَرْوُونَ، والشأن في الباحث المحقق الذي ينشد الحق ويقصد إليه أن يستقرئ الروايات ويمحصها ويوازن بينها وَيُرَجِّحَ ما يستحق الرجحان من جهة السند أو المتن أو النقل أو العقل أما يفتح عينيه على المساوئ ويغمضها عن المحاسن فذلك شأن الباحث المتحامل، ومثل هذا قلما يصل إلى حق.
وستجد فيما أنقله لك عن كتابه مصداق هذا، وليس الخبر كالعيان.
ففي [ص ٢٧٣] قال تحت عنوان «نقد ابن معين لمالك» قال ابن معين: «إن مالكا لم يكن صاحب حديث بل كان صاحب رأي»، وقال الليث ابن سعد: «أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لِسُنَّةِ الرسول»، وقد اعترف مالك بهذا.
وليس أدل على ما ذكرته لك آنِفًا من نقله مثل هذا، ولم نجد إمامًا يكاد يجمع العلماء على جلالته مثل ما عرفنا ذلك لمالك، ولكن المؤلف يغفل كل ما قاله الأئمة في إنصاف مالك والثناء عليه، ولا يجد في جعبته إِلاَّ هذين النقلين، وقد رجعت إلى كتاب " الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفُقَهَاء " للإمام ابن عبد البر حافظ المغرب فوجدته قد خصص منه بضع عشرة صحيفة (١) في ثناء الأئمة على مالك من أمثال سفيان بن عُيينة وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن الحسن.
_________________
(١) من ص ١٨ - ٣٢.
[ ٢٣١ ]
وما ذكره عن يحيى بن معين معارض بما رواه الثقات الأثبات كابن عبد البر من ثناء يحيى بن معين على مالك، روى ابن عبد البر بسنده عن ابن معين أنه كان يقول: «مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ وَعَبْدَ اللهِ بْنِ عُمَرَ». وقال ابن أبي مريم قلت ليحيى: «الليث أرفع عندك أم مالك قال: " مالك "». وقال يحيى بن معين: «كان مالك من حجج الله على خلقه». فهذا هو ما يليق أن ينسب إلى ابن معين، وَهَبْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ مروي عن ابن معين أفما كان الأليق بالمؤلف كباحث أن يذكر الروايتين ويوازن بينهما أو على الأقل يقف المحايد حتى يكون القارئ على بَيِّنَةٍ من الأمر، ثم كيف نصدق أن يقول ابن معين في مالك: أنه ليس صاحب حديث وهذا كتابه " الموطأ " بين أيدينا وأحاديثه الموصولة المرفوعة عند كثير من أهل الحديث في درجة أحاديث " الصحيحين "، وهذا الإمام الشافعي يقول فيه: «إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك» وفي لفظ آخر: «إذا جاءك الخبر فمالك النجم» (١).
وأما قول الليث بن سعد: «أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنن الرسول».فليس فيها طعن على مالك، والمخالفة إنما تكون مجالًا للطعن إن كانت عن عناد ومكابرة أما إن كانت عن اجتهاد وَحُجَّةٍ فلا، وليس بلازم كما ذكرت أن تبلغ كل الأحاديث أي إمام من الأئمة وليس بلازم إذا بلغته أن يعمل بها لجواز أن تكون منسوخة أو مخصصة أو مقيدة أو مرجوحة إلى غير ذلك من الوجوه.
اِفْتِرَاؤُهُ عَلَى الإِمَامَيْنِ: البُخَارِيِّ وَابْنِ حَجَرَ:
في [ص ٢٧٤] تحت عنوان «كان البخاري يروي بالمعنى» ثم ذكر ما رواه الخطيب في " تاريخ بغداد " عن البخاري أنه قال: رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر قيل له: يا أبا عبد الله بكماله فسكت.
وقال ابن جحر: «[وَهَذَا] مِنْ نَوَادِر مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ أَنْ يَخْرُج الْحَدِيث تَامًّا بِإِسْنَادٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ» كما في حديث سحر النَّبِيِّ - ﷺ -.
_________________
(١) " الانتقاء ": ص ٢٣.
[ ٢٣٢ ]
والبخاري مِمَّنْ يرى جواز الرواية بالمعنى ولكن ليس فيه دلالة قط على الرواية بالمعنى وكل ما فيه أنه كان يسمع الشيء ولا يكتبه حتى إذا وجد له مناسبة أو ترجمة لائقة كتبه، وسكوته لا يدل على أنه رواه بالمعنى وغاية ما يدل عليه جواز الاختصار في الحديث بذكر بعضه كما هو شأنه في كتابه يقطع الحديث الواحد في عدة أبواب مقتصرًا في كل باب بما لا يليق به وأما ما نقله عن الحافظ فهو أبعد ما يكون عن الرواية بالمعنى، ولم يسقه الحافظ لهذا وإنما ساقه في معرض الكلام عن حديث سحر النَّبِيِّ وأن البخاري رواه مرة عن شيخه إبراهيم بن موسى بلفظ: «حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ» بالشك، وفي موضع آخر عن هذا الشيخ نفسه بلفظ «حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ» من غير شك، وقد ظن الحافظ أَوَّلًا أن الشك من البخاري ثم ظهر له أنَّ الشك من شيخ شيخه عيسى بن يونس، وإليك كلام الحافظ ابن حجر قال بعد أن ذكر الروايتين وتحقيق أن الشك ليس من البخاري: «فَيُحْمَلُ الجَزْمُ الْمَاضِي عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى شَيْخَ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَهُ بِهِ تَارَةً بِالجَزْمِ وَتَارَة بِالشَّكِّ، وَيُؤَيِّدهُ مَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ الاِخْتِلاَف عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ نَوَادِرِ مَا وَقَعَ فِي " البُخَارِيِّ " أَنْ يُخْرِجَ الحَدِيثَ تَامًّا بِإِسْنَادٍ وَاحِد بِلَفْظَيْنِ» (١).
وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن المؤلف افترى على البخارى وعلى الحافظ وأنه يخطف الكلام خَطْفًا من غير تثبت وَتَحَرٍّ.
في [ص ٢٧٤] ذكر عنوان «موت البخاري قبل أن يبيض كتابه» ثم ذكر في ذلك كلامًا نقله الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " وليس في الكلام ما يشهد لِمَا عَنْوَنَ له وغرضه من هذا العنوان إيهام من لا يعرف أن الإمام البخاري ترك كتابه مسودة ومن شأن المسودات أنها لم تنقح، ومن شأن عدم التنقيح أن يأتي الكتاب على غير ما يرام وكل ذلك ليخلص إلى ما يريد من التشكيك في منزلة كتب الحديث المعتمدة.
_________________
(١) ج ١ ص ١٨٦، طبعة عبد الرحمن محمد.
[ ٢٣٣ ]
والحق أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن نقح كتابه وهذبه غاية التهذيب والنقل الذي ذكره الحافظ إنما هو في شأن التراجم التي بيضها البخاري أي ذكرها ولم يذكر فيها حَدِيثًا أو الأحاديث التي ذكرها ولم يذكر لها بَابًا، والنقل الذي ذكره يدل على أن " صحيح البخاري " كان مُدَوَّنًا في أصل محرر قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المُسْتَمْلِي: «انْتَسَخْتُ كِتَابَ البُخَارِيَّ مِنْ أَصْلِهِ الذِي كَانَ عِنْدَ صَاحِبِهِ مُحَمَّدُ بْنَ يُوسُفَ الفَرْبَرِيِّ فَرَأَيْتُ فِيهِ أَشْيَاءَ لَمْ تَتِمَّ وَأَشْيَاءَ مُبَيَّضَةً مِنْهَا تَرَاجِمُ لَمْ يُثْبِتْ بَعْدَهَا شَيْئًا وَمِنْهَا أَحَادِيثَ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا فَأَضَفْنَا بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ».
وليس أدل على أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن حرر كتابه وعرضه على أئمة الحديث مِمَّا قاله أبو جعفر محمود بن عمر العقيلي قال: «لَمَّا أَلَّفَ البُخَارِيُّ كِتَابَ الصَّحِيحِ عَرَضَهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَعَلِيٍّ بْنَ المَدِينِيِّ وَغَيْرِهِمْ فَاسْتَحْسَنُوهُ وَشَهِدُوا لَهُ بِالصِحَّةِ إِلاَّ فِي أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ». قال العقيلي: «وَالقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ البُخَارِيُّ وَهِيَ صَحِيحَةٌ». وروي عن الفَرْبَرِيِّ أنه قال: قال البخاري: «مَا كَتَبْتُ فِي كِتَابِ الصَّحِيحِ حَدِيثًا إِلاَّ اِغْتَسَلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ» وذلك كي يجتمع له الاطمئنان القلبي والاستلهام الروحي إلى الاجتهاد العلمي والبحث العقلي، وليس أدل على ما بذله من جهد وتنقيح وغربلة للأحاديث حتى جاء كتابه في غاية الصحة من قوله: «جَمَعْتُ كِتَابِي هَذَا مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ» وقد استفاض واشتهر أن البخاري لم يمت إِلاَّ بعد أن حَدَّثَ بصحيحه الكثيرين من تلاميذه وأنهم تسابقوا في كتابة أصله الذي بالغ في التحري في جمع أحاديثه حتى وصل إلينا كما تركه.
ذِكْرُهُ لاِخْتِلاَفِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
في [ص ٢٧٦] ذكر كَلاَمًا عن الأستاذ أحمد أمين وخلاصته اختلاف علماء الجرح والتعديل اختلافًا بَيِّنًا في قواعد الجرح والتعديل وأسبابهما وأن بعضهم تشدد فلم يرو أحاديث من اتصل بالولاة وأن بعضهم تزمت فرد أحاديث الرجل لمزحة مزحها وأنهم اختلفوا تَبَعًا لذلك في الحُكْمِ على الأشخاص اختلافًا كثيرًا وَمَثَّلَ لذلك بعكرمة مولى ابن عباس فقد ملأ الدنيا حديثًا وتفسيرًا ومع هذا رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأي الخوارج وبأنه يقبل جوائز الأمراء وَرَوَوْا عن كذبه شيئًا كثيرًا إلى
[ ٢٣٤ ]
أن قال: فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو يروي له في " صحيحه " كثيرًا ومسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو له إِلاَّ حديثًا واحدًا في الحج ولم يعتمد عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه.
وهذا الكلام فيه حق وفيه باطل، أما أنهم اختلفوا في أسباب الجرح والتعديل فهذا مِمَّا لا ننكره ولكن لا ينبغي أن تتخذ من هذا الاختلاف وسيلة لتعذر الحُكْمِ على الرجال، وهم وإن اختلفوا في بعض الأسباب فقد اتفقوا في كثير منها لماذا ينقم على المتشددين في الجرح والمتزمتين فيه؟ وهما لا يؤديان إِلاَّ إلى التحوط البالغ في الرواية وهو أمر لا يضر ولو أنهم تساهلوا لكان أول من يأخذ على المُحَدِّثِينَ ذلك، ومن أراد أن يعرف الحق في هذا فليرجع إلى مقدمة " فتح الباري " (١) لابن حجر وقد عرض الحافظ ابن حجر في المقدمة لما قيل في عكرمة - له أو عليه - بما لا مزيد عليه مُبَيِّنًا أن من رماه بالكذب إنما أراد الخطأ، والكذب يطلق في لغة أهل الحجاز ويراد به الخطأ، وليس أدل على ذلك من أنه لو كان المراد بالكذب حقيقة لَمَا خَرَّجَ لَهُ مسلم هذا الحديث الواحد إذ الكذاب تحرم الرواية عنه وهذا موضع اتفاق بين المُحَدِّثِينَ، وبعد أن ذكر الحافظ شُبَهَ الطاعنين في عكرمة والإجابة عنها خلص من ذلك إلى أنه ثقة وكفى توثيق البخاري له ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى مقدمة " الفتح " (٢) ليرى كيف يكون البحث المتئد البصير في نقد الرجال.
تَحْمِيلُهُ لِكَلاَمِ السَيِّدِ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا مَا لَمْ يَتَحَمَّلْ:
في [ص ٢٧٧ - ٢٧٩] نقل كلامًا للسيد محمد رشيد رضا - ﵀ - وفي هذا الكلام الحق والباطل، والجيد والرَدِّيء ولسنا نعبد أشخاصًا وإنما نخضع للحق أينما كان، وإني لأُذَكِّرُ المؤلف بكلمة الإمام الجليل مالك بن أنس: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ» يريد النَّبِيَّ - ﷺ -.
_________________
(١) المقدمة: ج ٢ ص ١١١ وما بعدها.
(٢) ج ٢ ص ١٤٨ - ١٥٢.
[ ٢٣٥ ]
وكلام السيد رشيد رضا على ما فيه لا يشهد لما قصد إليه المؤلف من الطعن في الأحاديث وغمزه لأحاديث " صحيح البخاري"، فقد منع وجود أحاديث موضوعة فيه بالمعنى الذي
عرف به العلماء الموضوع وإليك عبارته: «وَدَعْوَى وُجُودِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ فِي أَحَادِيثِ " البُخَارِي " المُسْنَدَةَ بِالمَعْنَى الذِي عَرَفُوا بِهِ المَوْضُوعَ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ مَمْنُوعَةٌ لاَ يَسْهُلُ عَلَى أَحَدٍ إِثْبَاتَهَا وَلَكِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَادِيثَ قَلِيلَةٍ فِي مُتُونِهَا نَظَرٌ قَدْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا عَدُوُّهُ مِنْ عَلاَمَةِ الوَضْعِ» أقول: وهذه الأحاديث القليلة عند إمعان النظر والتحقيق وبذل
الجهد في الوقوف على أسرارها قد لا يصدق عليها ذلك وما مَثَّلَ به السيد رشيد في أثناء كلامه كحديث السحر والذباب قد قدمت بيان الحق فيهما.
تَهَكُّمُ أَبِي رَيَّةَ بِذِكْرِ حَدِيثٍ اِتَّفَقَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ:
في [ص ٢٨٤] ذكر مثالًا لما اتفق البخاري ومسلم على روايته وهو الحديث الذي قاله النَّبِيُّ - ﷺ - يوم الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» وفي رواية «الظُّهْرَ».
وقد قدمت بيان الحق فيه وأن المؤلف حرَّفَ كلام الحافظ ابن حجر ولم يفهمه على وجهه.
تَهْوِينُ أَبِي رَيَّةَ مِنْ شَأْنِ " الصَّحِيحَيْنِ " بَلْهَ غَيْرِهِمَا:
في [ص ٢٩٠ - ٢٩١] قال: «وقد مر بك أنهم أعلوا أحاديث كثيرة مِمَّا رواه " البخاري " و" مسلم "، وكذلك نجد في " شرح ابن حجر للبخاري " و" النووي لمسلم " استشكالات كثيرة، وألف عليها مستخرجات متعددة، فإذا كان البخاري ومسلم - وهما " الصحيحان " كما يسمونهما - يحملان كل هذه العلل والانتقادات، وقيل فيهما كل هذا الكلام - دع ما وراء ذلك من تسرب بعض الإسرائيليات إليهما وخطأ النقل بالمعنى وغير ذلك في روايتهما - فترى ماذا يكون الأمر في غير " البخاري " و" مسلم " من كتب الأحاديث ولا نقول المسانيد لأنها في نفسها لا ثقة بها ولا اعتماد عليها لأن ما فيها كغثاء السيل».
[ ٢٣٦ ]
الرَدُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ المَزَاعِمِ:
وهكذا نجد المؤلف يلجأ إلى التهويل والتزييف كي يوهم القارئ أن " الصحيحين " فضلًا عن غيرهما من كتب السنن والمسانيد فيها ضعيف كثير وموضوعات وَهَذِهِ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، ونحن لا ننكر أن الدارقطني وغيره انتقد على " الصحيحين " أحاديث، ولكن ليس معنى هذا أن هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة، كَلاَّ بل انتقدهما لأنهما نزلا فيها
عن الدرجة العالية في الصحة التي التزماها في كتابيهما، وقد أجاب عن هذه الأحاديث المنتقدة على البخاري الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " والإمام النووي في " شرحه على مسلم " وأغلب هذه الأحاديث المنتقدة الجواب عنها سهل، وبعضها في الجواب عنه تكلف وهذا البعض لا يزيد عن بضعة أحاديث في " الصحيحين "، فهل من العدل والإنصاف أن يهول المؤلف هذا التهويل من أجل بضعة أحاديث في الجواب عنها شيء من التكلف؟!!
وإليك ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة " الفتح " (١) بعد أن ذكر الأحاديث المنتقدة وأجاب عنها حَدِيثًا حَدِيثًا قال: «هَذَا جَمِيعُ مَا تَعَقَّبَهُ الحُفَّاظُ النُقَّادُ العَارِفُونَ بِعِلَلِ الأَسَانِيدِ المُطَّلِعُونَ عَلَى خَفَايَا الطُّرُقِ، وَلَيْسَتْ كُلُّهَا مِنْ أَفْرَادِ البُخَارِيِّ بَلْ شَارَكَهُ مُسْلِمٌ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا .. وَعِدَّةَ ذَلِكَ اثْنَتَانِ وَثَلاَثُونَ حَدِيثًا، فَأَفْرَادُهُ - أَيْ البُخَارِيُّ - مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ فَقَطْ، وَلَيْسَتْ عِلَلُهَا كُلُّهَا قَادِحَةٌ، بَلْ أَكْثَرُهَا الجَوَابُ عَنْهُ ظَاهِرٌ، وَالقَدْحُ فِيهِ مُنْدَفِعٌ، وَبَعْضُهَا الجَوَابُ عَنْهُ مُحْتَمَلٌ وَاليَسِيرُ مِنْهُ فِي الجَوَابِ عَنْهُ تَعَسُّفٌ، كَمَا شَرَحْتُهُ مُجْمَلًا فِي أَوَّلِ الفَصْلِ، وَأَوْضَحْتُهُ مُبَيِّنًا مَآثِرَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا، فَإِذَا تَأَمَّلَ المُصَنِّفُ مَا حَرَّرْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَظَّمَ مِقْدَارَ هَذَا المُصَنَّفِ - صَحِيحُ البُخَارِيِّ - فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ تَصْنِيفُهُ فِي عَيْنِهِ، وَتَابَعَ الأَئِمَّةَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَقْدِيمِهِمْ لَهُ عَلَى كُلِّ مُصَنَّفٍ فِي الحَدِيثِ وَالقَدِيمِ، وَلَيْسَا سَوَاءٌ: مَنْ يَدْفَعُ بِالصَّدْرِ لاَ يَأْمَنُ دَعْوَى العَصَبِيَّةِ، وَمَنْ يَدْفَعُ بِيَدِ الإِنْصَافِ عَلَى القَوَاعِدِ المَرْضِيَّةِ وَالضَّوَابِطِ المَرْعِيَّةِ» فَلِلَّهِ الحَمْدُ الذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ وَاللهُ المُسْتَعَانُ
_________________
(١) ج ٢ ص ١١٠.
[ ٢٣٧ ]
وَعَلَيْهِ التُّكْلاَنُ» وقال الإمام النووي في " مقدمة شرح مسلم " (٢): «قَدْ اِسْتَدْرَكَ جَمَاعَةٌ عَلَى البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَحَادِيثَ أَخَلاَّ بِشَرْطِهِمَا فِيهَا وَنَزَلَتْ عَنْ دَرَجَةِ مَا الْتَزَمَاهُ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرِهِ وَسَتَرَاهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى».
فهل ندع هذين الإمامين الكبيرين ونأخذ بتهويلات وتحريفات أَبِي رَيَّةَ؟!!.
طَعْنُهُ فِي " مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ المَسَانِيدِ:
في [ص ٢٩١] قال في تعليل عدم ذكره " مسند الإمام أحمد " بين كتب الحديث: وأننا لم نعرض لهذا الكتاب ولا إلى غيره من كتب المسانيد بالتفصيل وهي كثيرة، إِلاَّ لأن العلماء قد تكلموا فيها وقضوا بأنه لا يسوغ الاحتجاج بها ولا التعول عليها، على أننا قد رأينا أن نتكلم عن " مسند أحمد " الذي هو أشهرها، لنبين للمسلمين حقيقته، ونكشف عن درجته». ثم أراد أن يدلل على دعواه فنقل كلام العَلاَّمَةِ الشيخ طاهر الجزائري في كتابه " توجيه النظر " حيث قال: «وأما كتب المسانيد فهي دون كتب السنن في الرتبة، وكتب المسانيد ما أفرد فيه حديث كل صحابي على حدة من غير نظر للأبواب، وقد جرت عادة مصنفيها أن يجمعوا في مسند كل صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحًا كان أو غيره ولذلك لا يسوغ الاحتجاج بما يورد فيها مطلقًا» وهذا الذي قاله الشيخ طاهر هو الذي سبقه إليه الإمام ابن الصلاح وغيره وقد نقل المؤلف كلام ابن الصلاح اَيْضًا.
ونحن لا ننكر أن كتب المسانيد دون كتب الصحاح والسنن، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار أن الأئمة لاَ يَحْتَجُّونَ بما فيها ولا يعولون عليه، وفرق كبير بين قولهم لا يحتج بما يورد فيها مطلقًا وبين مقالة المؤلف: إنه لا يسوغ الاحتجاج بها ولا التعويل عليها، وهذا الفرق يدركه المبتدئ من الطلاب، ولكن المؤلف يفهم بعقل منكوس وقلب مغيظ محنق، ومراد الأئمة بقولهم مطلقًا أنه لا يحتج بكل حديث فيها، وذلك لأنها تجمع بين الصحيح والحسن والضعيف، وإنما يحتج بالصحيح والحسن دون الضعيف بأنواعه، فمن ثم أوجب العلماء البحث عن درجة
_________________
(١) ج ١ ص ٢٧.
[ ٢٣٨ ]
أحاديث المسانيد والتحقق من صلاحيتها للاحتجاج، والشيء الذي لا ينبغي أن يشك فيه أن معظم أحاديث " مسند الإمام أحمد " مِمَّا يصح الاحتجاج بها فهي إما صحيحة أو حسنة، وفيه أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السنن المعروفة، ونحن لا ننكر أن في " المسند " أحاديث ضعيفة بل وموضوعة على ندرة ولكن معظمها مِمَّا زاد ابنه عبد الله في " المسند " وأبو بكر القطيعي، ويقلل من خطرها أنها في الفضائل لا في الأحكام، وإذا أردت اليقين فارجع إلى طلائع " المسند " بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر - ﵀ وَأَثَابَهُ - وستتحقق مِمَّا أقول.
والعجب من المؤلف أنه شرع بعد ذلك ينقل كلام الأئمة في " مسند الإمام أحمد "، وقد ابتدأ بكلام الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية، وكل ما نقله عن هذا الإمام يَرُدُّ عليه دعواه وخلاصة كلام ابن تيمية أنه ليس كل ما في " المسند " صحيح يحتج به، بل فيه الصحيح وغير الصحيح، وأن الإمام وغيره لا يعتمد الرواية عمن عرف بالكذب وإن كان في بعض الرواة من هم معروفون بالضعف » ومعاذ الله أن يريد ابن تيمية أن كل ما في " المسند " ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ولا التعويل عليه كما فهم المؤلف، وقد استدل في كتبه بالأحاديث المتكاثرة التي رواها الإمام في " مسنده "، وغير معقول من مثله أن يحتج بما لا يرى أنه صحيح أو حسن.
ومِمَّا لا يقضي منه العجب أن المؤلف قد أفاض في ذكر ما أخذه العلماء على " المسند " من أحاديث ضعيفة ولم يشر إلى كلمة واحدة مِمَّا ذكره الأئمة الثقات في بيان منزلة " المسند " واعتباره من دواوين الحديث المعتمدة، وهذا يدل على خبث الدخلة وسوء القصد.
ولست الآن [بصدد] تحقيق القول في " المسند "، ولكني سأجتزئ ببعض مِمَّا ذكره العلماء في منزلته، روي عن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت " المسند "؟ فقال: «عَمِلْتُ هَذَا الكِتَابَ إِمَامًا إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ ﷺ رَجَعُوا إِلَيْهِ» وقد روي أنه قال لابنه عبد الله لما ألفه: «اِحْتَفِظْ بِهَذَا " المُسْنَدِ " فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْنَّاسِ إِمَامًا» ومِمَّا لا يختلف فيه
[ ٢٣٩ ]
اثنان أن الإمام أبعد الناس عن المجازفة في القول وإطراء كتابه بغير حق، ولو أراد الدنيا بجاهها وسلطانها لحازها بكلمة تخرج من شفتيه في (فتنه خلق القرآن) ولكنه وقف الموقف المشرف الخالد في تاريخ الإنسانية.
وقال الإمام الحافظ الكبير أبو موسى المديني: «وَهَذَا الكِتَابُ - أَيْ " المُسْنَدُ " - أَصْلٌ كَبِيرٌ وَمَرْجِعٌ وَثِيقٌ لأَصْحَابِ الحَدِيثِ، اِنْتَقَى مِنْ حَدِيثٍ كَثِيرٍ وَمَسْمُوعَاتٍ وَافِرَةٍ، فَجَعَلَهُ إِمَامًا وَمُعْتَمَدًا، وَعِنْدَ التَّنَازُعِ مَلْجَأً وَمُسْتَنَدًا» وروى أنه سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليُونِينِي - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى - أنت تحفظ " الكتب الستة "، فقال: «أَحْفَظُهُمَا وَمَا أَحْفَظُهُمَا» فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا؟ فَقَالَ: «أَنَا أَحْفَظُ " مُسْنَدَ أَحْمَدَ "وَمَا يَفُوتُ " المُسْنَدَ مِنَ الكُتُبِ إِلاَّ قَلِيلٌ»، وقال الحافظ الكبير ابن حجر في كتابه " تعجيل المنفعة برجال الأربعة ": «لَيْسَ فِي " المُسْنَدِ " حَدِيثٌ لاَ أَصْلَ لَهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ أَحَادِيثَ أَوْ أَرْبَعَةَ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أَنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ زَحْفًا»، قَالَ: [وَالاعْتِذَارُ] عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّا أَمَرَ أَحْمَدُ بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ فَتُرِكَ سَهْوًا، أَوْ ضُرِبَ وَكُتِبَ مِنْ تَحْتِ الضَّرْبِ.
فهل يتفق كل هذا، وما ذكره المؤلف في خاتمة كلامه عن " المسند " ص ٢٩٨ حيث قال: «هذا ما رأينا نقله مِمَّا قاله الأئمة الكبار (١) في " مسند أحمد " وهو كاف في التعريف به وبيان قيمته في نفسه، لا فيما هو مشهور عنه وأنه من المصادر التي لا يعول عليها أو يحتج بها شأنه شأن سائر المسانيد».
طَعْنُهُ فِي المُحَدِّثِينَ بِأَنَّهُمْ لاَ يَعْنُونَ بِغَلَطِ المُتُونِ:
في [ص ٣٠٠] ذكر أَنَّ المُحَدِّثِينَ لا يعنون بغلط المتون ونقل كَلاَمًا للشيخ طاهر الجزائري والسيد محمد رشيد رضا ولسنا مِمَّنْ يَتَعَبَّدُ بالأشخاص، ولكنا مِمَّنْ يخضعون للحق وحده».
_________________
(١) مِمَّا ينبغي أنْ يعلم أنَّ ما قالوه لا يشهد لهذا الاستنتاج الفاسد بحال من الأحوال، وارجع إلى ما نقله لترى كيف يكون الافتراء وتحريف الكلم عن مواضعه.
[ ٢٤٠ ]
رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ:
هذه الدعوى قد سبق إليها المُسْتَشْرِقُونَ، وَرَدَّدَهَا مَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ مِنَ البَاحِثِينَ المُحْدَثِينَ وهي دعوى مردودة فالعلماء المُحَدِّثُونَ قد عنوا بنقد المتون كما عنوا بنقد السَّنَدِ، ومن أقسام الحديث عندهم الموضوع والمتروك والمنكر والشاذ والمقلوب والمضطرب وَالمُعَلَّلُ، ومعظم هذه الأنواع يرجع إلى المتن كما يرجع إلى السند، وقد نقل المؤلف نفسه أَنَّ المُحَدِّثِينَ يُقَسِّمُونَ المضطرب إلى مضطرب الإسناد ومضطرب المتن وكذلك فعلوا في الموضوع وَالمُعَلَّلُ وغيرهما من الأنواع.
نعم إِنَّ المُحَدِّثِينَ لم يبالغوا في نقد المتون كما بالغوا في نقد الأسانيد وذلك لنظر دقيق وَسِرٍّ يخفى على بعض البَاحِثِينَ، وقد فصلت ذلك غاية التفصيل فيما سبق.
وضربت الأمثلة لعنايتهم بنقد المتون وبينت وجهة نظرهم في أنهم لم يبالغوا في نقد المتون كما بالغوا في نقد الأسانيد.
وقد عرضت فيما سبق اَيْضًا لحديث سجود الشمس الذي أكثر السيد محمد رشيد رضا من استشكاله والاستشهاد به وبينت أنه صحيح رواية وصحيح معنى وأنه جاء على أسلوب في غاية الروعة والبيان فلا داعي للإعادة.
وأما تعليل عدم عنايتهم بنقد المتون كالأسانيد بقصور المُحَدِّثِينَ في باب الدراية وأن ذلك ليس من صناعتهم وأنه من صناعة علماء الأصول والفقه - كما نقل المؤلف ذلك عن السيد محمد رشيد رضا - (١) فكلام مردود فكثير من أئمة الحديث قَدِيمًا وحَدِيثًا جمعوا بين الرواية والدراية،، وكثير منهم كان يحذق الأصولين - أصول الدين وأصول الفقه - وإذا كان بعض علماء الفقه والأصول تهجموا على بعض الأحاديث وَرَدُّوهَا فليس ذلك لأنهم أعلم بالمتون ولكن ذلك يرجع إلى قصورهم في باب العلم بالرواية وشروطها وعدم تمرسهم فيها كما تمرس علماء الحديث، وإذا كان بعض الرواة كانت مهمتهم الجمع والحفظ دون البصر بالمروي والفقه فيه
_________________
(١) ص ٣٠٢.
[ ٢٤١ ]
فهؤلاء قلة لا يقام لهم وزن، وَالمُحَدِّثُونَ المُحَقِّقُونَ أنفسهم قَدْ نَدَّدُوا بهم وجعلوا فقه الحديث وفهمه من آداب طالب الحديث قال ابن الصلاح في " مقدمته ": [ص ٢١٢] «لاَ يَنْبَغِي لِطَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ، وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ، وَفَهْمِهِ، فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ، وَبِغَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ صَارَ مِنَ المُتَشَبِّهِينَ المَنْقُوصِينَ، المُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ».
فهل هنالك أصرح من هذا في لزوم عناية أهل الحديث بمعنى الحديث وفقهه ومما قيل في هذا:
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي * * * ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ
كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا العِنَا * * * يَةِ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ
وَارْوِ القَلِيلَ وَرَاعِهِ * * * فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ
بل قالوا: يلزم العلم بعلوم العربية اَيْضًا قال ابن الصلاح: (١) «حَقٌّ عَلَى طَاِلبِ الحَدِيثِ أَنْ يَتَعلَّمَ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ شَيْنِ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ وَمَعَرَّتِهِمَا، رُوِّيْنَا عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الحَدِيثَ وَلَمْ يُبْصِرِ العَرَبِيَّةَ فَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ " أَوْ كَمَا قَالَ، وَعنْ حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، قالَ: " مَثَلُ الذِي يَطْلُبُ الحَدِيثَ وَلاَ يَعْرِفُ النَّحْوَ، مَثَلُ الحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلاَةٌ لاَ شَعِيرَ فِيهَا "».
مُحَاوَلَتُهُ الغَضَّ مِنْ شَأْنِ " صَحِيحِ البُخَارِي ":
في [ص ٣٠٨] ذكر حديث البخاري عن شيخه خالد بن مخلد القطواني الكوفي وهو حديث «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا » ثم قال في الهامش: «لما أورد الذهبي في ترجمته خالد بن مخلد القطواني من " الميزان " هذا الحديث قال: " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَلَوْلاَ هَيْبَةَ " الجَامِعِ الصَّحِيحِ " لَعَدَدْتُهُ مِنْ مُنْكَرَاتِ ابْنِ مَخْلَدْ "».
أقول:
كان على المؤلف أن يعي مقدار هذه الكلمة من إمام كبير كالذهبي يعتبر من
_________________
(١) " المقدمة ": ص ١٦١.
[ ٢٤٢ ]
أئمة الحديث ومن أهل الاستقراء التام في نقد الرجال وأن لا يسلك في مؤلفه هذا المسلك الشائن من التهجم على " صحيح البخاري " وغيره من الصحاح والسنن والمسانيد.
غَمْزُهُ العُلَمَاءَ فِي قَوْلِهِمْ: «إِنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ» وَاِسْتِخْفَافُهُ بِهِمْ:
في [ص ٣١٠] نقل كلام الأئمة في عدالة الصحابة وأن الجمهور على أنهم عدول وأن بساطهم قد طوى كما قال الإمام الذهبي وغيره - وقد حاول غمز الجمهور في رأيهم وأنهم ليسوا على حق.
وفيما قدمته في بحث عدالة الصحابة ما يكفي ويشفي.
خِيَانَةُ أَبِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ وَافْتِرَاؤُهُ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ:
في هامش [ص ٣١٢] قال: وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث ": «قَالُوا: وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ الشَّيْخَ إِلَى الكَذِبِ وَلاَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ المُحَدِّثُونَ بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ بن المَدِينِيِّ وَأَشْبَاهَهُمَا. وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا لاَ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَكْذَبَهُ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ».
أقول:
وهو تدليس وخيانة للأمانة العلمية وإيهام للقارئ أنه رأى الإمام ابن قتيبة وليس الأمر كما حاول أن يلبس ويدلس وإنما هو حكاية ابن قتيبة لكلام الطاعنين في الأحاديث ورواتها من أمثال النظام وأضرابه، وقد رَدَّ ابن قتيبة - جَازَاهُ اللهُ خَيْرًا - على الطاعنين وانتصر للحديث وأهله ودافع عنهم دفاع العالم الضليع المُتَثَبِّتِ، وقد أكثر المؤلف من هذا التلبيس في كتابه وَقَدْ نَبَّهْتُ عليه في غير موضع.
تَشْكِيكُهُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ:
في [ص ٣١٢ - ٣٢٨] أخذ يبدئ ويعيد في معنى الصحبة، وعدالة الصحابة، وأخذ يوهن رأي الجمهور، وصار يتصيد كلامًا من هنا وهناك، ويحمله على غير محامله، فصار ينقل عن الشيخ المقبلي وغيره.
[ ٢٤٣ ]
وفيما قدمته في عدالة الصحابة ما بين الحق من الباطل في هذا، وقد بينت غير مرة أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدين الذين ارتدوا في حياة النَّبِيِّ وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام وماتوا على ردتهم هم بمعزل من شرف هذه الصحبة وبالتالي بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفي تعريف العلماء للصحبة ما ينفي عنها هؤلاء وأولئك وكذلك بينت غير مرة أن العدالة شيء، والعصمة شيء آخر والذين قالوا إن الصحابة عدول لم يقولوا قط أنهم معصومون من المعاصي ولا من الخطأ والسهو والنسيان، وإنما أرادوا أنهم لا يتعمدون كَذِبًا على رسول الله - ﷺ - حتى الذين حُدُّوا فِي حَدٍّ أو اقترفوا إِثْمًا تابوا أو لابسوا الفتن والحروب ما كانوا ليتعمدوا الكذب على رسول الله - ﷺ -، ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن الذين قارفوا إِثْمًا ثم حُدُّوا هُمْ قلة نادرة جِدًّا لا ينبغي أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المُؤَلَّفَةِ من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم والمعاصي ما كبر منها وما صغر، وما ظهر وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا.
وهؤلاء الذين اتخذهم الطاعنون في عدالة الصحابة ذريعة لطعنهم بعضهم لا تعرف له رواية وبعضهم لم يعرف له إِلاَّ الحديث والحديثان والثلاثة، ومروياتهم معروفة وثابته من رواية غيرهم، فلا يتوقف على رواياتهم شيء من أصول الدين وفروعه، مِمَّا يجعل الباحث المُتَثَبِّتَ مُطْمَئِنًّا إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء في عدالة الصحابة، وليس أدل على هذا من أنَّ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ - وهو مختلف في صحبته - الذي عرض له الشيخ المقبلي والسيد محمد رشيد رضا في كلاميهما ليس له إِلاَّ حديث في " سنن أبي داود " في عدم قطع الأيدي في السفر، وحديث آخر في الدعاء، ففي " صحيح ابن حبان " أنه سمع النَّبِيَّ - ﷺ - يقول: «اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الآخِرَةِ» (١).
_________________
(١) " الاستيعاب: ج ١ ص ٥٥ على هامش " الإصابة " و" الإصابة ": ج ١ ص ١٤٧.
[ ٢٤٤ ]
ونحن الذين نقول بعدالته إنما أردنا في الرواية، وأما ملابسته للحروب والفتن، وانحيازه لمعاوية فهو أمور اجتهادية، وهي لا تخل بهذه العدالة، والله يغفر لنا ولهم، ويرحم الله القائل: «إِنَّ هَذِهِ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا سُيُوفَنَا، فَلْنُطَهِّرْ مِنْهَا أَلْسِنَتَنَا».
فلا تلق - يا أخي القارئ - بَالًا لِتَهْوِيلِ المُهَوِّلِينَ، وإرجاف المُرْجِفِينَ من المؤلفين، فإنهم - علم الله - ما أرادوا إِلاَّ تفويض بُنْيَانَ السُنَّةِ والتشكيك فيها، وذلك بالتشكيك في حَمَلَتِهَا الأُوَلِ وَمُبَلِّغِيهَا عن الرسول وَهُمْ الصحابة.
سَبْقُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ النُقَّادِ لابِْنِ خَلْدُونَ فِي تَزْيِيفِ بَعْضَ المَرْوِيَّاتِ:
في [ص ٣٣١] عرض في الخاتمة لكلام الإمام ابن خلدون في نقد المرويات وتمحيصها وبيان صحيحها من زائفها وهو كلام حسن وقويم ولا يجادل فيه أحد.
ولكن أقول للمؤلف:
إنَّ ما قاله ابن خلدون قد سبق إليه بعض أئمة الحديث وطبقوه بالفعل (١)، كما أحب أن أقول له: إنه كان أشد الناس مخالفة لهذه القواعد، وإنه في سبيل الوصول إلى ما يهوى ويشتهي من رأي كان يقع فيما هو معلوم بطلانه ببدائه العقول، وليس أدل على هذا من أنه صدق الرواية القائلة: إن أبا هريرة كان يأكل على مائدة معاوية، ويصلي وراء عَلِيٍّ فأي عقل يصدق هذا؟ ومعاوية كان بالشام وَعَلِيٌّ بالكوفة؟ وغير هذه كثير في كتاب المؤلف.
رَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ قَلِيلَ الرِّوَايَةِ:
وقال في [ص ٣٣٤] نقلًا عن ابن خلدون قال: «إنَّ الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال فأبو حنيفة - ﵁ - يقال بلغت روايته إلى ١٧ حَدِيثًا أو نحوها».
_________________
(١) انظر رسالة " أصول التفسير " لابن تيمية (م ٧٢٨) و" تفسير ابن كثير " في كثير من مواضعه (م ٧٧٤) تجدهما نَبَّهَا على كثير من المغالط التي تقع في النقل والمرويات والتنصيص على الإسرائيليات.
[ ٢٤٥ ]
وهذا القول وإنْ كان ذكره ابن خلدون حَاكِيًا عن غيره إِلاَّ أنه غير صحيح وما كان ينبغي لابن خلدون أنْ يسكت عنه إذ في السكوت نوع من الاعتراف به والتصديق، وهو الذي تكلم في غير موضع من " مقدمته " على القواعد التي يجب أنْ تُتَّبَعَ في نقد المرويات وتمحيصها وهل يعقل من إمام كبير كأبي حنيفة قال فيه الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ» أنْ تبلغ مروياته ١٧ حَدِيثًا فحسب؟ ولقد وقع ابن خلدون في ذكره لهذا القول وسكوته عنه فيما وقع فيه غيره من الذين نَدَّدَ بهم في قبول المغالط في الروايات ولم يأخذ نفسه بما وضع من قواعد، والحق أن الإمام له سبعة عشر مُسْنَدًا، وقد طبعت كلها في الهند، وها هي ذي بين أيدينا، وهو أقوى حُجَّةً على تزييف هذا القول، وهل هذا القائل سمع أنَّ له سبعة عشر مُسْنَدًا (١) أي كِتَابًا ففهم منه أنَّ المراد حَدِيثًا.
ومهما قيل في تعليل الرواية عن الإمام أبي حنيفة فلن نصدق ولا العقلاء يصدقون أن مروياته كانت سبعة عشر حَدِيثًا.
أَبُو رَيَّةَ طَوَّلَ كِتَابَهُ فِي غَيْرِ طَائِلٍ:
في [ص ٣٤٧] قال: لما أنشأت أضع أصول هذا الكتاب لم أكن أظن أنه سيبلغ هذا المدى من الطول فاضطررت من أجل ذلك إلى أن احتجز عنه كثيرًا مِمَّا عثر البحث عنه وإن أمسك القلم عن أن يجري إلى أكثر من هذا المدى.
أقول:
وكيف لا يبلغ هذا المدى من الطول وأغلبه نقول وقد يصل النقل إلى بضع ورقات، وليس أدل على هذا من هذه الخاتمة التي أكثر فيها من النقول من غير أن يكون هناك داع إليها مقبول، وأيضًا فأغلب ما في الكتاب مُعَادٌ مَكْرُورٌ، وفي كل مقام يبدئ ويعيد فيما قال، ولو أحصيت ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده،
_________________
(١) يطلق المسند - في الاصطلاح - ويُراد به الكتاب المؤلف على حسب الصحابة، ويطلق وَيُرَادُ به الحديث الذي له إسناد.
[ ٢٤٦ ]
والسيد محمد رشيد رضا - غَفَرَ اللهُ لَهُمَا - لبلغ ثلث الكتاب أو يزيد، ولو أنصف لجعل عنوان الكتاب «نقول ونقول».
ولسنا نعيب عليه أن ينقل، ولكنا نعيب عليه الإكثار من النقل من غير حاجة إليه، وأنه يضع النقل في غير مواقعه، ويحرف الكلم عن مواضعه، ثم يأتي بعد ذلك فيزعم أنه من بنات أفكاره ونتاج بحثه ويستحسن بما ليس فيه حتى أصبح كلابس ثَوْبَيْ زُورٍ (١) ولو تعرى من كثير مِمَّا لبس وتسربل لكان خَيْرًا له وأجمل.
نِهَايَةُ المَطَافِ:
قد كانت نهاية المطاف للمؤلف أنْ ختم الكتاب بجملة من الآيات القرآنية، وغرضه من سوقها أنْ لا حاجة لنا إلى شيء بعد كتاب الله،
وتعمد ترك بعض الآيات القرآنية التي تبين منزلة السُنَّةِ من القرآن، وتحض على اتِّبَاعِ السُنَّةِ وأن لا غنى للأئمة عنها كما لا غنى لها عن القرآن الذي هو أصل الدين وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).
ثم صار يتصيد بعض أحاديث وأقوال للأئمة يوهم ظاهرها أن لا حاجة لنا إلى السنن والأحاديث بعد كتاب الله، بلغ أمره أن قال: إن سنة الرسول هي المتواترة، وهي السنن العملية، أما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث.
وهو جهل فاضح لا يجهله الطالب المبتدئ ولو قصرنا السُنَّةَ على المتواترة العملية لفرطنا في آلاف الأحاديث القولية التي نقلت عن الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في الأحكام والأخلاق والمواعظ وإطلاق الأحاديث وإرادة السنن، وإطلاق السنن وإرادة الأحاديث ليس اصطلاحًا حادثًا كما زعم وإنما هو أمر معروف في الصدر الأول، فهذا هو عمر بن عبد العزيز يكتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعْهُ » فهل
_________________
(١) زُورِ مَا نَقَلَهُ وَزُورِ ادِّعَائِهِ لِنَفْسِهِ.
(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٣) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٤) [سورة الحشر، الآية: ٧].
[ ٢٤٧ ]
كان خامس الراشدين عمر يريد بالأحاديث ما عدا السنن العملية؟ وماذا يقول المؤلف فيما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا» الحديث، فهل كان الفاروق عمر يريد بالسنن السنن العملية فحسب؟ الحق أن لا، لأن السنن العملية - كما قلت - ثابته بالتواتر الفعلي فهي إِذًا ليست في حاجة إلى الكتابة والتقييد.
وإنما أراد الفاروق بالسنن ما يعم القولية والعملية، وقد أكثر المؤلف في خاتمة كتابه من ذكر استنتاجات جعلها بمنزلة القواعد الكلية
أو الأصول المتفق عليها وهي نتائج فاسدة نتيجة لما قدم من مقدمات فاسدة وهل ينتج الفاسد إِلاَّ الفاسد؟ وقد لا تعثر فيما ذكره على قاعدة مُسَلَّمَةٍ أو أصل متفق عليه وإنما هي أمور خالها فزعمها قواعد وأصولًا.
وكنا نحب من المؤلف أن يتعقل في خاتمته ويثوب إلى رشده، ولكنه أَبَى إِلاَّ أن تكون خاتمة سيئة تكشف لنا عن خبث طويته، وإصراره على باطله وماذا نملك له ولغيره، وفتنة الحياة وزخارفها وغلبة الأهواء والشهوات، وبريق الدينار والدرهم تأبى إِلاَّ أن تجعل من بعض الأناسي أَبْوَاقًا تردد الهجر من القول، ولعبة في يد المستعمرين وأعداء الإسلام من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ وَأَذْنَابَهُمْ، وصدق اللهُ حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢).
وَبَعْدُ:
فهنا يا أخي القارئ سألقي القلم فقد وفيت بما وعدت من إظهار حقيقة هذا الكتاب، ولعلك استبان لك - كما استبان لي - هذا الكتاب على حقيقته وأن مؤلفه لم يقصد من ورائه إِلاَّ الطعن في السُنَّةِ وَالأَحَادِيثِ والتقليل من شأنها، والغض من
_________________
(١) [سورة الجاثية، الآية: ٢٣].
(٢) [سورة الرعد، الآية: ٣٣]، [سورة الزمر، الآيتان: ٢٣ و٣٦]، [سورة غافر، الآية: ٣٣].
[ ٢٤٨ ]
قيمة كتب الأحاديث ودواوينه المشهورة، وأنه إذا كان فيه حق قليل، ففيه باطل وغث كثير.
ولعلك تحققت - اَيْضًا - أن المؤلف تابع لغيره، وبوق يردد ما قاله المُسْتَشْرِقُونَ وَالمُبَشِّرُونَ، وأنه عار عن التحقيق وصفة البحث العلمي الصحيح، وإنما هي دعاوى واتهامات ليس لها ما يسندها، ولا ما يدل عليها، فلا تلق بَالًا لما فيه من أباطيل، وعليك بما كتبه الأئمة المُحَقِّقُونَ من رجال الحديث ففيه الغناء والشفاء.
والحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، والشكر له على ما أنعم ووفق، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي إِلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد النَّبِي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وكان الفراغ من تأليف هذا الكتاب الذي نرجو من الله ثوابه في صبيحة يوم الخميس قُبيل الفجر ٢٥ من شوال سَنَةَ ١٣٧٩ هـ الموافق ٢٠ من أبريل سَنَةَ ١٩٦٠ م.
وكان الفراغ من تبييضه في يوم الجمعة المبارك التاسع من رمضان سَنَةَ ١٣٨٠ هـ الموافق اليوم الرابع والعشرين من فبراير سَنَةَ ١٩٦١ م.
أبو محمد محمد محمد أبو شبهة
- عَفَا اللهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -
[ ٢٤٩ ]