لعلي ﵁ غير صريح. هذا وهم من أهل البيت، فلو كان هناك نص صريح لحفظه عامة أهل البيت، وأخبروا به أبناءهم والثقات من شيعتهم.
وأما القاعدة فواهية؛ لأن توفر الدواعي على الإبطال وإن اقتضى أن تَعِزَّ رواية الخبر، فلا يقتضي أن كل خبر يُروى صحيح، فضلًا عن أن يكون مقطوعًا به. وها نحن نجد الدول تحرِصُ على إخفاء الأخبار التي تخشى أن تبلغ أعداءها، أو أن تُوقِع الاضطراب في رعاياها، ومع ذلك نجد الرعايا يتناجَون بكثير من الأخبار التي من شأنها ما ذُكِر، ولا أصل لها، وقد تَشِيع كثير من هذه التي لا أصلَ لها حتى يسمع به جميع الرعايا.
[ص ٣٧] فصل
قال جماعة من المتأخرين (^١): إن أحاديث الصحيحين تفيد العلم لأنها تُلقِّيت بالقبول، عدا أحاديث انتقدها عليهما بعض الحفاظ الذين جاءوا بعدهما.
أقول: في "مقدمة الفتح" (ص ٤٩١) (^٢):
"قال أبو جعفر العقيلي: لما صنّف البخاري كتابه الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري. وهي صحيحة".
_________________
(١) انظر "علوم الحديث" لابن الصلاح (ص ٢٥) و"فتح المغيث" (١/ ٥٨ - ٦١) و"تدريب الراوي" (١/ ١٣١ وما بعدها).
(٢) (٤٨٩) ط. السلفية ..
[ ١٩ / ٤٦ ]
تقسيم أحاديث «صحيح البخاري» من حيث احتياط البخاري في إيرادها
وفي مقدمة "شرح مسلم" (^١) للنووي: "بلغنا عن مكي بن عبدان ــ أحد حفاظ نيسابور ــ أنه قال: سمعت مسلم بن الحجاج ، قال: وسمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرَّجتُه".
وقد يقال: إذا استُثنِيَت الأحاديث التي انتُقِدت عليهما، فإنهما ــ أو أحدهما ــ قد أخرجا لجماعة ممن طُعِن فيهم والطعن في بعضهم مؤثر، فينبغي أن تُستثنى الأحاديث التي ينفرد بها هؤلاء، ولاسيما إذا كان الطعن من بعض أئمة عصرهما أو ممن بعدهما.
ويوضح ذلك: أن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني عامتها إنما انتقدها بعللٍ أبداها، وهو نفسه يضعِّف جماعة ممن أخرج لهم في الصحيحين، فالظاهر أنه اكتفى بالقدح في الراوي عن انتقاد الأحاديث التي انفرد بها في الصحيحين.
والذي يتحرر لي في "صحيح البخاري" أن أحاديثه على أضرب:
الضرب الأول: ما يحتج به على قول يجزم به في العقائد أو الأحكام على أنه أصل في ذلك. فهذا يحتاط له البخاري جدًّا، وكذلك ينبغي أن يكون احتاط له الأئمة الذين أقروه على تصحيحه.
الضرب الثاني: ما يورده على أنه شاهد أو متابع للضرب الأول. فهذا مما يتسامح فيه، فقوته إنما هي فيما وافق فيه الأصل، فإن كان فيه زيادة عما عقد عليه البخاري الباب فهي نازلة عن الضرب الأول.
_________________
(١) (١/ ١٥).
[ ١٩ / ٤٧ ]
الضرب الثالث: ما هو في الترغيب أو الترهيب أو فضائل الأعمال، ونحوها. فهذا أيضًا مما يتسامح فيه، فإذا أورده البخاري لهذا القصد وكان فيه ما يستدل به على عقيدة أو حكم فليس في قوة الضرب الأول.
الضرب الرابع: المعلقات.
فإن كان قد أسند المعلق في موضع آخر من "الصحيح" فحكمه حكم الضرب الذي أسند فيه. وإن لم يسنده البتة فالذي يتحرر لي أنه يصلح أن يكون عاضدًا، أو في ترغيب أو ترهيب، أو فضيلة عمل، أو نحو ذلك. فأما أن يُحتجَّ به وحده فلا، حتى يعرف سنده.
والحاصل أن الضرب الأول هو الذي احتاط له البخاري ﵀، ويظهر أن الذين أقروه على صحة الكتاب احتاطوا أيضًا، فهو الذي يصح أن يقال: إن أئمة الحديث الذين اطلعوا على الكتاب أجمعوا على صحته، إلا ما انتقده بعضهم.
وأما الباقي فغاية ما هناك أنهم أجمعوا على أنه صالح لموضعه الذي ذكر فيه. أعني المتابعات والشواهد وفضائل الأعمال والعواضد، ونحوها.
[ص ٣٨] ويقاس عليه "صحيح مسلم" فيما يتبيَّن منه.