«عناية الأمة بضبط الاختلافات»
وفيه ثلاثة فصول
الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح:
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ.
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية».
الفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح:
ويتكون من ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات عندهم.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي.
المبحث الثالث: نسخة ابن سعادة.
الفَصْل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات:
أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
الفَصْل الأول:
عناية المشارقة بالصحيح
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ.
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية».
[ ٢ / ٦٥٤ ]
التمهيد
جاء عصر اليُونِينِيّ وقد كثرت روايات «الصحيح» في كل مكان وكثر التحديث بروايات مختلفة بسبب كثرة الرُّواة والبعد الزماني عن البُخارِيّ، فجاء اليُونِينِيّ - رحمه الله تعالى - وعزم على ضبط «صحيح البُخارِيّ» بحيث يجمع في نسخة واحدة أشهر الروايات وأضبطها وأتقنها.
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ
اسمه ونسبه (١):
هو الفقيه المحدث الزاهد، الإمام شيخ العلماء في زمانه، شرف الدين
_________________
(١) مصادر ترجمة اليُونِينِيّ: ترجمة شرف الدين اليُونِينِيّ في كتب كثيرة، فقد ترجم له تلميذه الذَّهبي في معظم كتبه، فترجم له في «تاريخ الإسلام» وفيات سنة ٧٠١ هـ (٥٣/ ١٨ - ١٩)، وفي «المعجم المختص» ص: ١٦٨، ١٦٩ (٢٠٧)، و«معجم الشيوخ» ٣٧٦، ٣٧٧ (٥٤٣)، و«تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٥٠٠، و«المقتنى في سرد الكنى» ١/ ١٨٨ (١٦٠٨). كما ترجم له الصفدي في «الوافي بالوفيات» ٢١/ ٤٢١ (٢٩٥)، واليافعي في «مرآة الجنان» ٤/ ٢٣٥، وابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» ٤/ ٣٢٩ (٤٩١)، وتقي الدين الفاسي في «ذيل التقييد» ٣/ ٢١٠ (١٤٥٢)، وابن حجر في «الدرر الكامنة» ٣/ ٩٨ (٢٢٣)، وابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» ٨/ ١٩٨، وابن مفلح في «المقصد الأرشد» ٢/ ٢٥٩ ترجمة (٧٥٩)، والعليمي في «الدر المنضد» ٢/ ٤٥٠ (١١٩١)، وابن العماد في «شذرات الذهب» ٦/ ٣، والزبيدي في «تاج العروس» ١٨/ ٦٠٢، وغيرها. وقد ترجم له الدكتور عمر عبد السلام تدمري ترجمة وافية استفدت منها كثيرًا في مقدمة تحقيقه «مشيخة اليُونِينِيّ شرف الدين» تخريج محمد بن أبي الفضل البعلبكي، والتي طبعتها المكتبة العصرية ببيروت مع ملحق من «عوالي شرف الدين» أيضا برِوَاية مؤرخ الإسلام الحافظ الذَّهبي، وذلك في سنة ١٤٢٣ هـ الموافق ٢٠٠٢ م.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
أبو الحسين، علي بن محمد بن أحمد ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، اليُونِينِيّ (١)
ولادته: ولد - ﵁ - ببعلبك (٢) في الحادي عشر من شهر رجب من سنة إحدى وعشرين وستمائة، وقد نشأ في بيت علم، وأسرة لها شأن عظيم في العلم والديانة وحفظ الحديث.
أسرته: أما والده فهو الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد تقي الدين اليُونِينِيّ المحدث الحافظ الزاهد، أحد الأعلام، كان حنبلي المذهب، ولد في شهر رجب سنة (٥٧٢) هـ بيونين القريبة من بعلبك، وكان ملازمًا لأسد الشام عبد الله اليُونِينِيّ، وحفظ كثيرًا من كتب الحديث منها: «الجمع بين الصحيحين» و«صحيح مسلم» وأكثر «مسند أحمد» وكان إماما في الفقه.
توفي في ١٩ من رمضان المبارك سنة (٦٥٨) هـ (٣).
_________________
(١) نسبة إلى قرية من قرى بعلبك اسمها يونين - بضم الياء وكسر النون الأولى - وسماها ياقوت في «معجم البلدان» ٥/ ٤٥٣، والفيروزآبادي في «القاموس»: يونان بضم الياء وفتح النون الأولى، وقال الزبيدي في «تاج العروس» ويقال فيها: يونين أيضًا وهو المعروف. وفي هذه القرية نشأة أسرة اليُونِينِيّ، قَال الزبيدي: وهم أهل بيت علم وحديث. ومن ينسب إلى يونين: - محمد بن عبد القادر بن على بن محمد حفيد الشيخ ت٧٧٧ هـ يكنى أبا الحسن. - محمد بن على بن أحمد المعروف بابن اليونانية ت٧٩٣ هـ.
(٢) بعلبك بفتح الباء وسكون العين وفتح اللام والباء الموحدة والكاف مشددة، مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وأثار عظيمة وقصور لا نظير لها في الدنيا، بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، أو اثنا عشر فرسخًا من جهة الساحل «معجم البلدان ١/ ٤٥٣».
(٣) ينظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» للذهبي ٤٨/ ٣٥٦ - ٣٦١ رقم ٤٥٦، و«الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٣، و«مرآة الجنان» لليافعي ٤/ ١٥٠، و«الوافي بالوفيات» للصفدي ٢/ ١٢١، و«الدرر الكامنة» لابن حجر ٢/ ١٩٥، ٢٧٨، ٣٠٢، و«النجوم الزاهرة» ٧/ ٩٢، وغيرها مما لا مجال لحصره.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
أما أخوه فهو قطب الدين موسى صاحب «التاريخ» الذي ذيله على «مرآة الزمان» لسبط بن الجوزي والمتوفى سنة (٧٢٦) هـ (١).
وله أخٌ آخر اسمه بدر الدين الحسن، وأخت اسمها أمة الرحيم حدثا كما قال الزبيدي في «تاج العروس».
وكان لنشأة شرف الدين اليُونِينِيّ في بيت علم أن طلب العلم مبكرًا، فحضر ببلده بعلبك عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسي، وسمع بها من القاضي عبد الواحد بن أبي المضاء الإربلي في سنة (٦٢٦) هـ، وهو في السادسة من عمره، كما سمع والده الشيخ الفقيه وغيرهم.
شيوخه: يمكن القول أن شيوخ الفقيه شرف الدين تجاوزوا السبعين شيخًا من خلال تتبع مشيخته التي ألفها اليُونِينِيّ نفسه، ومنهم من سمع منه في رحلاته: إسماعيل بن إبراهيم بن شاكر التنوخي، وأبو المواهب الحسن بن سالم بن الحسن ابن صَصْرىَ وغيرهم.
ويعتبر الحسن بن الحسن الجواليقي، ومحمد بن عبد الله بن المبارك البندنيجي، المعروف بابن عُفَيجة، أقدم شيوخ شرف الدين وفاة؛ حيث توفي الإثنان سنة (٦٢٥) هـ مما يعني أنه أخذ بالإجازة عنهما وهو في الرابعة من عمره.
أما آخر شيوخه وفاة فكان عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الذي تأخرت وفاته حتى سنة (٧٠٥) هـ أي بعد وفاته هو بأربع سنين، وكان من
_________________
(١) ينظر في ترجمة قطب الدين: «نهاية الأرب» للنويري ٣٣/ ٢١٥، و«المعجم المختص» للذهبي٢٨٥، ٢٨٦ (٣٦٦)، و«مرآة الجنان» ٤/ ٢٧٦، و«الذيل على طبقات الحنابلة» ٢/ ٢٧٩، ٣٨٠، و«الدرر الكامنة» ٥/ ١٥٣ (٤٩٠٠)، وغيرها.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
بين شيوخه امرأة واحدة، هي زينب بنت عمر بن كندي، كما كان من بين شيوخه سلطانٌ مَلِكٌ، هو الأشرف موسى العادل محمد الأيوبي، وقد حدث عنه بأربعين حديثًا خرجت له.
وتنوعت تخصصاتهم بين الحديث والفقه والقضاء والفتوى والأدب والأنساب وغيرها، وأكثرهم من الأئمة الأعلام المسندين سواء في المذهب الحنبلي أو الشافعي أو الحنفي.
تلاميذه: بعد أن انتهى شرف الدين من رحلاته العلمية، التي سمع وتفقه فيها على أعيان عصره من العلماء الشاميين والمصريين، عاد إلى وطنه لكي يحدث ويسمع ما أخذه، وحدث بكل من دمشق وبعلبك.
ومكانته العلمية بوأته لكي يحدث في دار الحديث الظاهرية (١) بدمشق سنة (٦٨٣) هـ، وحدث بما سمع، ومن الكتب التي حدث بها: «المحدث الفاصل» للرامهرمزي، كما حدث وأقرأ: «مسند الشافعي» و«الثقفيات العشرة» و«مشيخته» و«سنن الشافعي» برِواية الطحاوي ورِواية المزني وكتاب «المنتقى الكبير من ذم الكلام».
وأخذ عنه الكثير من الدمشقيين وأهل بلده من البعلبكيين ومن بلاد شتى - كانوا ينزلون دمشق وبلاد الشام - من بلاد المغرب وغيرها، وممن أخذ عنه:
- أحمد بن إبراهيم بن محمد التركماني (٧٢٣) هـ.
_________________
(١) المدرسة الظاهرية هي التي أمر ببنائها السلطان الظاهر بيبرس صاحب مصر والشام، المولود في حدود العشرين وستمائة، والمتوفى سنة ست وسبعين وستمائة. وأمر ببناء هذه المدرسة في حدود سنة سبعين وستمائة وهي الآن مقر دار الكتب الوطنية بدمشق، ينظر «الدارس في تاريخ المدارس» ١/ ٣٤٨ - ٣٥٩، و٥٤٣ - ٥٤٨ لعبد القادر النُّعيمي الدمشقي المتوفى سنة (٩٢٧) هـ.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
- أحمد بن أيوب بن أبي فراس، ويعرف بابن الغلفي، إمام مسجد الحنابلة ببعلبك ٧٤٥ هـ.
- محيي الدين أحمد بن الحسين الشبلي خازن الكتب بدار الحديث الأشرفية بدمشق، المتوفى سنة (٧٤٤) هـ.
- العلامة المفسر شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، صاحب «الفتاوى الكبرى» المتوفى سنة (٧٢٨) هـ.
- الحافظ المصنف القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الدمشقي، المتوفى سنة (٧٣٩) هـ.
- شمس الدين أبو عبد الله الذَّهبي صاحب «تاريخ الإسلام» المتوفى سنة (٧٤٨) هـ وغيرهم.
وباستعراض قائمة تلاميذه نجد منهم الأئمة الأعلام أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والبرزالي والذَهَبِيّ، فبرعوا في تخصصاتهم وتنوعت معارفهم في الفقه وفروعه وأصوله والنحو والتفسير والحديث، وغير ذلك من الفنون.
أقوال العلماء فيه: من يتتبع أقوال العلماء في الإمام شرف الدين اليُونِينِيّ يجد أنهم أجمعوا على وصفه بالإمامة، والحفظ، والفضل، والسبق في الضبط والقراءة والتقييد، وأجمعوا على تنوع معارفه في الفقه والأصول واللغة.
أما الحديث فهو حامل لوائه، والمقدم فيه على أقرانه، حتى توافد عليه العلماء من كل مكان، حتى استحق أن يكون شيخ بعلبك.
قال فيه الذَّهبي: الإمام العلامة الصالح العارف المحدث المتقن الديّن شيخ العلماء ، قدم واستنسخ «صحيح البُخارِيّ»، وعُني به وقابله بضع
[ ٢ / ٦٥٩ ]
عشرة مرة في سنة (١)
وقال ابن رجب: حدث بالكثير، وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة، وأكثر عنه البرزالي والذَهَبِيّ بدمشق وبعلبك (٢).
وقال الصفدي: عُني بالحديث وضبطه، وبالفقه واللغة، وحصل الكتب النفيسة، وكان في زمنه عديم النظير في بابه، ليس له مشارك في عشرته لأصحابه (٣).
وقال القاضي الفاسي: سمع على البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي كتاب «مناقب الإمام أحمد» لأبي الفرج بن الجوزي بسماعه منه، وعلى الحسين بن المبارك بن الزبيدي البغدادي «صحيح البُخارِيّ» وكان أجل من رواه عنه (٤).
وغير ذلك الكثير من أقوال العلماء التي لا يتسع المقام بذكرها لكثرتها.
رحلاته: ارتحل شرف الدين اليُونِينِيّ من بلده بعد أن سمع بها طلبًا لعلو الإسناد، فذهب إلى:
١ - دمشق مرات كثيرة ليتزود من العلم بها، وسمع بها من الحسين بن المبارك ابن محمد الزبيدي، وعبد الله بن عمر بن علي اللتي أبو المنجا، وابن الصلاح، وجعفر الهمداني، وابن الشيرازي وغيرهم.
٢ - ثم ارتحل إلى مصر خمس مرات بعد سنة (٦٤١) هـ فلازم الحافظ المنذري وتخرج به، وسمع من علي بن هبة الله بن سلامة المعروف بابن
_________________
(١) «المعجم المختص» ص: ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) «الذيل على طبقات الحنابلة» ٢/ ٣٤٦.
(٣) «أعيان العصر» ٣/ ٤٧٦.
(٤) «ذيل التقييد» ٢/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الجميزي، ومحمد ابن الظافر بن أبي الحسين الإسكندراني المعروف بابن رواج، وغيرهم.
آثاره العلمية: لا تعرف آثار حديثية أو غيرها لشرف الدين اليُونِينِيّ بالرغم من شهرته التي ملأت الآفاق شرقًا وغربًا، إلا «المشيخة» التي خرج فيها أسماء شيوخه، وجزء فيه عوالي، خرجها تلميذه الذَّهبي، ونص «الصحيح»، الذي ضبطه على الروايات التي وقعت له.
و«المشيخة» خرجها تلميذه محمد بن أبي الفضل البعلبكي المتوفى سنة ٧٠٩ هـ.
وهي ثبت خرج فيه اليُونِينِيّ شيوخه الذين روى عنهم وعرف بهم، ويذكر حديثًا أو اثنين مما رواه من طريقه، وهو يتألف من ثلاثة عشر جزءًا (١).
أما «العوالي» فهي مجموعة أحاديث رواها عنه الذَّهبي، وهي منثورة في مؤلفات الذَّهبي (٢).
وفاته: توفي - ﵁ - شهيدًا في رمضان ليلة الجمعة من سنة إحدى
_________________
(١) لم يحقق منها سوى ثلاثة أجزاء هي الثامن والتاسع والعاشر، حققها الدكتور عمر بن عبد السلام تدمري، ونشرته المكتبة العصرية بصيدا بيروت سنة ٢٠٠٢ م.
(٢) وقد جمع بعضًا منها الدكتور عمر عبد السلام وألحقها في آخر مشيخة اليُونِينِيّ. ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن فؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» ذكر في ترجمة البُخَارِيّ عند الكلام على نسخ «صحيح البُخَارِيّ» أن اليُونِينِيّ قام بإعداد النص الذي بين أيدينا من شرح «الجامع الصحيح» للفربري إلخ. ففهم منه الدكتور عمر تدمري أن اليُونِينِيّ له شرح على «الصحيح» وإنما في حقيقة الأمر المقصود نص اليُونِينِيّ لـ «صحيح البُخَارِيّ».
[ ٢ / ٦٦١ ]
وسبعمائة من الهجرة وفاةً غبطه الناس عليها؛ إذ كانت وفاته شهادة عندما دخل عليه - يوم الجمعة في الخامس من رمضان وهو يجلس في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة ببعلبك بعد مجيئه من دمشق - شخص يدعى موسى المصري الناشف، وصف بالفقير، فضربه بعصا على رأسه عدة ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه في رأسه أيضًا، فاتقى الشيخ بيده فجرحه فيها، وأُمسك الضارب، وأخد إلى مُتولي بعلبك، وضرب ضربًا مبرحًا وحبس وأظهر الاختلال في عقله وتجانن، فكان يقول: كسرة وجبينة (١)، وهو غير معروف بالبلد.
أما الشيخ فحمل إلى داره وأتم صيام يومه، وأقبل على أصحابه يحدثهم وينشدهم على عادته، ثم حصل له بعد ذلك حمى، وحقن واشتد مرضه حتى توفي يوم الخميس المذكور، في الساعة الثامنة منه، ودفن من يومه بباب سطحا حيث المقبرة ببعلبك، وصُلي عليه يوم الجمعة بجامع دمشق الأموي صلاة الغائب، وتأسف الناس عليه، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_________________
(١) كأنه يظهر علامات الجنون عنده حتى لا يؤاخذ بما فعل.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المبحث الثاني:
نسخة اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ
بعد البحث والتحري استطاع اليُونِينِيّ الوقوف على عدة أصول لنسخ روايات امتازت كل نسخة بمميزات عن غيرها.
فقام بجمع ما وقف عليه من الأصول واعتمد أحدها أصلًا، ثم قابل باقي النسخ عليها بقراءة جملة من المشايخ والعلماء.
وقبل البدء في وصف هذا العمل يجب التنبيه على عدة أمور:
أولًا: يجب مراعاة الفرق بين الأصول المكتوبة التي وقف عليها شرف الدين اليُونِينِيّ وبين الروايات التي سمع «الصحيح» من خلالها.
فالأصول التي اعتمد عليها في نص المتن خمسة قد ذكرها في مقدمته وعلقت عليها فيما يأتي.
أما الروايات التي روى الصحيح من خلالها فهي غير هذه الأصول، وإن كانت الأسانيد تنتهي إلى أصحاب هذه الروايات وهي:
١ - رواية أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر الزبيدي عن أبي الوقت عن الداودي عن السرخسي عن الفربري، وهذا هو أصل سماعه.
٢ - رواية كريمة المروزية: رواها عن شيخه أبي الحسن علي بن شجاع بن سالم (٦٦١) هـ، عن شيوخه الثلاثة: (أبو القاسم البوصيري (٥٩٨) هـ، وأبو عبد الله محمد ابن أحمد بن مفرج الحنبلي (٦٠١) هـ، - وأبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله عتيق بن باقا (٦٠٨) هـ) بأسانيدهم إلى كريمة المروزية عن الكشميهني عن الفربري.
٣ - رواية الأصيلي: رواها عن والده أبي عبد الله محمد عن أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي بإسناده إلى الأصيلي عن أبي زيد المروزي وأبي محمد الجرجاني كلاهما عن الفربري.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
٤ - رواية ابن عساكر: رواها إجازة عن شيخه المكي بن علان (٦٨٠) هـ وزين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد عن مؤرخ الشام ابن عساكر.
٥ - رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة:
رواها إجازة عن أبي جعفر الهمداني عن الحافظ أبي طاهر السلفي إجازة عن الإمام القاضي عياض عن أبي علي الصدفي عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي عن أبي ذر الهروي ﵀. .
ثانيًا: مراعاة عدم وجود كتابات قديمة أو حديثة، قد بسطت الكلام على منهج هذا الإمام في هذه النسخة، وإنما كان الكلام عليها إشارات سريعة (١).
_________________
(١) توجد دراسة صغيرة في مجلة «الجامعة الإسلامية» المجلد العاشر العدد الأول لسنة ٢٠٠٢ م من ص: ٢٢٣ إلى ص: ٢٦٠ بعنوان: «الإمام اليُونِينِيّ وجهوده في حفظ صحيح الإمام البُخَارِيّ وتحقيق رواياته» بقلم الشهيد نزار عبد القادر الريان، الدكتور بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة بفلسطين، وهي دراسة تكلمت عن اليُونِينِيّ وعمله في «صحيح البُخَارِيّ» وهي دراسة متخصصة إلا أنه لم يفرق بين الروايات التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ، حيث لم يفرق بين الأصول وبين الروايات التي سمع «الصحيح» من خلالها خيث ذكر أن اليُونِينِيّ اعتمد على أربع عشرة نسخة واستمد ذلك من خلال الرموز الموجودة في أول الطبعة السلطانية والواقع غير ذلك فجعل الروايات الثلاث التي اعتمد عليها أبوذر الهروي كل واحدة منهن نسخة ثم جعل رِوَاية أبي ذر واحدة أخرى وهكذا. وللشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - مقالة بعنوان «النسخة اليُونِينِيّة من صحيح البُخَارِيّ» قد وضعتها دار الجيل في مقدمة الطبعة التي طبعوها من «النسخة السلطانية» مما يوهم أنه أشرف على هذه الطبعة، والحقيقة غير ذلك؛ حيث نص أنه لم يتيسر له ذلك. وتناول في هذا المقال التعريف باليُونِينِيّ، وتكلم عن عمله في نسخته، والنسخ التي وقف عليها، وقارن بينها وبين النسخة المطبوعة التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني، والتي أشرف عليها علماء من الأزهر، وتكلم عن مصير هذه النسخة ومكانها في مكتبات العالم. كما كتب عنها محمد زهير بن ناصر في مقدمة طبعة دار طوق النجاة التي أخرجوا فيها الطبعة السلطانية التي طبعت سنة ١٣١٣ هـ، وتكلم عن نسخة اليُونِينِيّ وتوثيقها والنسخ التي اعتمد عليها، إلا أنها دراسة صغيرة جدًّا لا تفي بهذا العمل الجليل.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
ثالثًا: كتب اليُونِينِيّ - رحمه الله تعالى - عدة أوراق ذكر فيها منهجه في هذه النسخة، ورقومه فيها وأصوله التي اعتمد عليها، ورواياته التي سمع «الصحيح» بها، ومشايخه الذين أخد عنهم «الصحيح» وهي على صغر حجمها حيث لا تتعدى الست ورقات إلا أنها في غاية النفاسة؛ حيث أزالت كثيرًا من الإشكالات التي أثيرت، وبقيت مدة طويلة لا تعرف إلا من خلال إشارات العلماء الذين استفادوا من هذه النسخة، مثل إشارات العلامة القَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري».
بل يمكن القول: إن كل من كتب عن هذه النسخة اعتمد على ما ذكره القَسْطَلّانِيّ في المقدمة، ومن العجيب أنه لا يوجد أحد ممن اهتم بطباعة هذه النسخة حتى القائمين على طباعة النسخة «السلطانية» - التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد - قد ذكر المقدمة التي كتبها اليُونِينِيّ والتي هي بمثابة المفتاح لهذه النسخة.
وقد وقفت - بفضل الله تعالى - على صورة لمخطوط مجموع فيه عدة أجزاء حديثية، وفيها ورقات هي مقدمة اليُونِينِيّ، ولها صورة في المكتبة الأزهرية ودار الكتب المصرية وكاتبها متأخر، ويبدو أنها منسوخة من نسخة أقدم منها، وكاتبها هو أحمد بن محمد السحيمي القرشي القلعي سنة (١١٧٣) هـ كما وجدت ذلك في آخر النسخة.
ولقد قمت بنسخها، وآثرت ذكرها كاملة؛ لما فيها من فوائد وأمور، ستكون مدار الحديث عن هذه النسخة.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العلامة أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليُونِينِيّ عفا الله عنه:
الأصول المشار إليها مما أحلت عليه في هوامش نسختي من «صحيح البُخارِيّ»، وما أعلمت عليه في نفس الكتاب بين الأسطر.
فما وقع عليه اتفاق الأئمة الحفاظ الأربعة وهم: أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، والحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ، والحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي، والأصل المسموع على أبي الوَقْت بقراءة الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السَّمْعاني.
كتبت عليه (هـ ص: س ظ) هكذا، وما اتفق عليه ثلاثة منهم أسقطت رسم أحدهم، وكذلك إن اتفق اثنان منهم رُقم ما جعل رسمًا لهما.
وإن لم يكن عندهم فإما أن أكتب على الهامش سقط عند (هـ ص: س ظ) أو أكتب عليه: (لا) وأرقم رسم من ليس عنده.
مثاله: إنه وقع في أصل سماعي حديث بدء الوحي: (جمعه لك في صدرك).
ووقع عند (٥ ص: س ظ) (جمعه لك صدرك) بإسقاط: (في).
فأنا أرقم على: (في) (لا)، وأرقم فوقها أو إلى جانبها (هـ ص: س ظ).
هذا إن وقع الاتفاق على سقوطها.
وإن كانت عند أحدهم وليست عند الباقين كتبتُ عليها: (لا)، ورقمت عليها الحرف المصطلح عليه، وعلى ذلك فقس في كل ما تراه مرقومًا عليه، فافهم الرسم، واحذر من الغلط، وراقب رَقْم أبي ذر ومشايخه الثلاثة: الحَمُّوييّ، والمُسْتَمْلِيّ، وأبي الهيثم، فيما خالف أصل سماعي، فإن
[ ٢ / ٦٦٧ ]
كانت المخالفة من الجميع كتبته في الهامش ورقمت عليه (هـ) هكذا أو صححت عليه (صح) هكذا، وإن وافق أحد مشايخه أصل سماعي كتبتُ الذي خالف، إما في الأصل بين الأسطر ورقمت عليه ما تقرر من الاصطلاح إنه قد رسم له، أو في الهامش وكتبت فوقه الرَقْم.
فالحَمُّوييّ رَقْمُهُ (حـ) هكذا، والمُسْتَمْلِيّ (سـ) هكذا، والكشيمهني (هـ) هكذا، فإن كان عند الحَمُّوييّ والمُسْتَمْلِيّ رقمت عليه (حسـ) هكذا، أو إن كان عند الحَمُّوييّ وأبي الهيثم رقمت عليه (حهـ) هكذا، وإن كان عند المُسْتَمْلِيّ وأبي الهيثم رقمت عليه (سهـ) هكذا.
وإن كان ثابتًا عند أحدهم دون الآخر رقمت عليه رسمه، إما في الأصل أو في الهامش.
وقد وقع شيء كثير من التراجم والأحاديث والكلمات ويرقم عليها في رِواية أبي ذر: إنها عند المُسْتَمْلِيّ وحده، وهى في أصل سماعي من «صحيح البُخارِيّ» الذي أخبرني به الإمام العالم الثقة أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر عبد الله المبارك بن محمد ابن يحيى بن الزبيدي الربعي السلامي، بقراءة سيدي ومولاي والدي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليُونِينِيّ.
والحافظ الإمام العلامة مفتي الفرق، رئيس الأصحاب، حجة العلماء، تقي الدين أبو العباس أحمد (١)، ابن الإمام العلامة الحافظ عز الدين محمد
_________________
(١) هو شيخ الحنابلة المولود في إحدى وتسعين وخمسمائة، سمع من الخشوعي وأسعد بن روح وغيرهما، روى عنه العز بن العماد، والشمس بن الواسطي، وغيرهما، مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة (ينظر سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢١٢ (١٢٨). وجده تقي الدين كان شيخًا محدثًا، صاحب «الأحكام الكبرى» ولد سنة (٥٤١) هـ وتوفى سنة (٦٠٠) هـ ينظر «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٤٤٤.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
ابن الإمام العلامة حجة الحفاظ الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن على ابن سرور.
وقراءة ابن عمه الإمام العالم شرف الدين أبي محمد الحسن (١) بن الإمام الحافظ جمال الدين بن أبي موسي عبد الله بن الحافظ عبد الغني.
والإمام العالم المحدث سيف الدين أبي العباس أحمد بن عيسى بن الإمام العلامة موفق الدين محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيين (٢).
وذلك في شهر رمضان سنة (٦٣٥) هـ بدمشق المحروسة في قلعتها.
عن الشيخ الثقة، الصدوق الصالح السديد بقية الأشياخ أبي الوَقْت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي الهَرَويّ قراءة عليه في شهور سنة (٥٨٣) هـ.
أنبأنا الإمام جمال الإسلام، أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد معاذ بن سهل بن الحكم الدّاوُدِيّ، قراءة عليه ببوشنج، في ذي القعدة سنة (٤٩٥) هـ.
أنبأنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه بن أحمد بن يوسف بن أيمن السَّرْخَسي، قراءة عليه في صفر سنة (٣٨١) هـ عن الفَرَبْريّ
_________________
(١) المولود سنة خمس وستمائة، أفتى ودّرَّس ورحل في الحديث، وسمع الكثير من أبي اليمن الكندي وغيره، وكتب عنه الأبيوردي والدمياطي وكثير من الحفاظ، توفي سنة تسع وخمسين وستمائة، ينظر «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٥١، و«تاريخ الإسلام» ٤٨/ ٣٨١.
(٢) ولد سنة خمس وستمائة وسمع من جده الكثير ومن أبى اليمن الكندي وغيرهما، جمع وصنف، وكان ثقة حافظًا ذكيا متيقظا ومحاسنه كثيرة، عاش ثمانية وثلاثين سنة. «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٤٤٦.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
عن البُخارِيّ.
وإنما سقت سندي حتى يعلم أنه عن الحَمُّوييّ، وقد خالفت رِواية الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد بن عفير الهَرَويّ عن الحَمُّوييّ لرِواية الحسن الدّاوُدِيّ عن الحَمُّوييّ في أشياء ثابتة عند الحَمُّوييّ.
وكذلك يرقم على ما ترجمته أنها ليست عند الحَمُّوييّ من روايته، وهي ثابتة في أصل سماعي من رِواية الدّاوُدِيّ عن الحَمُّوييّ، أو يرقم فوقها بما اصطلح الحافظ أبوذر عليه من هـ هكذا أنها عنده وهي ثابتة عن الحَمُّوييّ من رِواية (حـ) هكذا أو (سـ) هكذا فيعلم ذلك.
وليس ما أعلمت عليه من أنه عند أبي الهيثم على ما أرقم عليه أن ذلك ليس في روايتي، وإنما رقمت فوقه أو نبهت عليه إما في أصل أو في هامش، حتى يعلم أنه عند الحافظ أبي ذر كذلك، وهو ثابت عند الحَمُّوييّ من طريق الدّاوُدِيّ فيعلم ذلك.
وعنيت برِواية الإمام الحافظ أبي ذر لأمرين:
أحدهما: أني قرأت جميع «صحيح البُخارِيّ» ﵁ على الشيخ الإمام المحدث، شيخ القراء وكبيرهم بالديار المصرية، أبي الحسن علي بن شجاع (١)
بن سالم العباس الضرير المنعوت بكمال الدين في شهور سنة (٦٦١) هـ، بالقاهرة المحروسة من أصل سماعه بحق روايته له عن المشايخ الثلاثة الثقات المسندين:
أبي القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت بن غالب بن هاشم
_________________
(١) مسند الآفاق في القراءات والحديث، وتزوج ابنة الشاطبي، وسمع الشاطبية وصححهها دروسًا على الشاطبي، وقرأ عليه كثيرون، منهم الدمياطي والوزيري وغيرهم. توفي سنة إحدى وستين وستمائة، ينظر «الوافي بالوفيات» ٢١/ ١٥٢ - ١٥٣.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
الأنصاري الخزرجي المعروف بالبوصيري (١).
والإمام المقرئ الصالح أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حامد بن مفرج الحنبلي المصري (٢).
والثقة المسند أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله عتيق بن باقا البغدادي.
قال البوصيري: أنبأنا الإمام العلامة اللغوي النحوي أبو عبد الله محمد بن بركات ابن هلال بن عبد الواحد السعيدي الصوفي ﵀.
وقال الأرتاحي: أَخْبَرَنا الشيخ المسند أبو الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء إجازة (٣) قالا: أخبرتنا الحرة العالمة أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المَرْوَزيّة.
وقال البوصيري أيضًا: أَخْبَرَنا الشيخ المسند أبو صادق مرشد بن يحيى بن قاسم ابن علي بن خلف بن محمد بن رعبل المدني (٤) إجازة إذ
_________________
(١) المتوفى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة له ترجمة في «التكملة لوفيات النقلة» ١/ ٤١٤ (٦٤٧)، «تاريخ الإسلام» ٤٢/ ٣٧٥، «الوافي بالوفيات» ٢٧/ ٣٠٤.
(٢) هو الشيخ الصالح أبو عبد الله الأنصاري الأرتاحي، ثم المصري الأدميّ الحنبلي. قَال الحافظ عبد العظيم: كان مولده في حدود سنة (٥١٧) هـ. سمع من أبي الحسن الأرتاحي، وأجاز له أبو الحسين الفراء، وكتب عنه جماعة من الحفاظ. روى عنه الحافظ عبد الغني، وقال الضياء: كان شيخنا هذا ثقة دينًا ثبتا، وكانت وفاته سنة إحدى وستمائة. ينظر: «تاريخ الإسلام» ٤٣/ ٧٠، و«سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٤١٥ - ٤١٦، «النجوم الزاهرة» ٦/ ١٨٨.
(٣) سبقت ترجمتهم.
(٤) كان ثقة صحيح الأصول، وتوفى سنة سبع عشرة وخمسمائة، ينظر: «تاريخ الإسلام» ٣٥/ ٤١٨، «سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٤٧٥، «مرآة الجنان» ٣/ ٢٢٢، «شذرات الذهب» ٤/ ٥٧.
[ ٢ / ٦٧١ ]
لم يكن سماعًا، أخبرتنا كريمة المَرْوَزيّة.
قال السعيدي: بقرأتي سنة ست، وقال أبو صادق: قراءة وأنا أسمع في شوال سنة سبع ثم اثنتين وخمسين وأربعمائة بمكة شرفها الله تعالى.
قالت: أنبأنا أبو الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن المكي بن زراع الكُشْمِيهَني قراءة عليه وأنا أسمع في جمادى الأولى سنة (٣٨٩) هـ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفَرَبْريّ بفربر، قراءة عليه وأنا أسمع، في شهر ربيع الأول سنة (٣٢٥) هـ، أنبأنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف الجعفي مولاهم البُخارِيّ بصحيحه مرتين، مرة بفربر سنة ثمان وأربعين، ومرة سنة (٢٥٣) هـ (١).
وقال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله عتيق بن باقا، أنبأنا أبو الوَقْت، أَخْبَرَنا الدّاوُدِيّ، أَخْبَرَنا الحَمُّوييّ، أَخْبَرَنا الفَرَبْريّ، أَخْبَرَنا البُخارِيّ.
الأمر الثاني: أن أصل سماعي الوقف بخانقاه (٢) الشيخ أبي القاسم السُّمَيْساطِي (٣) الذي سمع على الشيخ أبي الوَقْت ببلاد خراسان بقراءة
_________________
(١) في المخطوط (٣٥٢) وهو خطأ والصواب: ما أثبته.
(٢) (خانقاه) كلمة فارسية معناها بيت، وقيل أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك، والخوانق حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى وجمعها خوانق، ومن هذه الخوانق: خانقاه أقبغا، وهي موضع من المدرسة الأقبغاوية بجوار الجامع الأزهر، أفرده الأمير أقبغا عبد الواحد، وجعل فيه طائفة يحضرون للتصوف، وأقام لهم شيخًا وأفرد لهم وقفًا يختص بهم، وهي باقية إلى يومنا هذا. ينظر «الخطط» للمقريزي ٣/ ٣٩٩، ٤٢٢.
(٣) خانقاه السميساطي بمهملات وتسمى الخانقاه السميساطية. كانت هذه الخانقاه دار عبد العزيز ابن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، وهي بدمشق، اشتراها أبو القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي، من أكابر الرؤساء بدمشق، ولي مشيختها كثير من العلماء والأكابر، منهم أبو المظفر الفلكي (٥٦٠) هـ، وتقي الدين العثماني (٧٤٧) هـ ينظر: «الدارس في تاريخ المدارس» ٢/ ١٥١ - ١٦١. والسميساطي هو أبو القاسم على بن محمد بن يحيى السلمي، كان متقدمًا في علم الهندسة وعلم الهيئة، ينظر في ترجمته: «الإكمال» لابن ماكولا ٥/ ١٤١ - ١٤٢، «الأنساب» ٧/ ٢٤٦ (٢١٦٧)، «تاريخ الإسلام» ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الإمام الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السَّمْعاني (١)، فإنه مسموع من رِواية كريمة المرزوية، وقد جمع فيه بين روايتي أبي الوَقْت وكريمة، فعنيت برِواية أبي ذر؛ لأن أحد مشايخه - وهو أبو الهيثم شيخ كريمة المَرْوَزيّة - وقد خالف كريمة المَرْوَزيّة في روايتها عن الكُشْمِيهَني للحافظ أبي ذر في أشياء من روايته عن الإمام أبي الهيثم الكُشْمِيهَني.
والأصل الذي قابلت به من طريق أبي ذر هو مسموع على الشيخ الإمام الثقة العالم الفقيه المسند أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئة، عن الشيخ الفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن منصور الحضرمي، عن الشيخ الفقيه أبي القاسم عبد الجليل بن أبي سعد، عن الحافظ أبي ذر الهَرَويّ، وهى نسخة صحيحة معني بها حجة.
قال الإمام الحافظ العارف الزاهد العابد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد
_________________
(١) هو الحافظ البارع العلامة أبو سعد عبد الكريم ابن الحافظ أبي بكر محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار التميمي، السَّمْعَاني صاحب «الأنساب» ولد سنة ست وخمسمائة، قيل: بلغت شيوخه سبعة آلاف شيخ، توفي في سنة اثنتين وستين وخمسمائة وله ست وستون سنة، ينظر: «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣١٨، «وشذرات الذهب» ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
بن الأزهر الصريفيني شيخنا (١): هذه النسخة من «صحيح البُخارِيّ» مفزع يلجأ إليه لصحتها وإتقانها.
وأما الأصل المعزو إلى الأصيلي فإنه وقف في مدرسة شيخنا الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (٢)، وعليه الحواشي بخط الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري وهو أصل صحيح تظهر عليه مخايل النباهة والصحة.
وأما الأصل المعزو إلى الحافظ أبي القاسم مؤرخ الشام علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر فإنه أصل سماعه، وقد سمع عليه غير مرة.
وأما الأصل المعزو إلى الحافظ أبي سعد السَّمْعاني فإنه أصل أصيل، وهو أحد أصول سماعات دمشق المحروسة وخراسان، ردها الله إلى المسلمين، وهو قد سمع على جماعة من الحفاظ وسمع بقراءة جماعة من الحفاظ.
واخترت لأبي ذر: (هـ) على الشكل علامة؛ لأنه غلب عليه النسبة إلى
_________________
(١) المولود ستة إحدى وثمانين وخمسمائة، كان ثقة حافظًا، صالحًا، سمع الكثير وكتب وأفاد، وولي مشيخة دار الحديث بمنبنج، وسكن حلب، ومات في سنة إحدى وأربعين وستمائة، ينظر «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٣٣.
(٢) تسمى المدرسة الضيائية المحمدية، وهي بسفح قاسيون شرقي الجامع المظفري، أنشأها الشيخ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ أحد الأعلام صاحب «المختارة في الأحاديث» ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وهذه المدرسة أوقف لها كثيرًا من الكتب بخطه، ووقف عليها أوقافا كثيرة أخرى، وجعل هذه المدرسة دار حديث. فرحمه الله تعالى. (ينظر الدارس في تاريخ المدارس» للنعيمي ٢/ ٩١ - ٩٨، وينظر في ترجمة الضياء «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٠٥، ١٤٠٦.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
بلده فلا يقال إلا الحافظ الهَرَويّ، وللأصيلي (ص:) هكذا؛ لأنه غلب عليه النسبة إلى بلده وهو أزيلة فقلبت إلى الصاد وغلبت على الزاي (١).
وللحافظ الدمشقي مؤرخ الشام (س) هكذا؛ لأنه لا يقال له إلا: ابن عساكر.
وأما ابن السَّمْعاني فاخترت له (الظاء)؛ لحفظه وإتقانه وتقدمه على أقرانه فيعلم ذلك.
وكذلك ربما وقع الخلاف في حرف واحد من كلمة، مثل أن يكون في أصل سماعي: (فقال) وفي غيره: (وقال) بالواو أو بالعكس فربما كتبت الحرف المختلف فيه فقط ورقمت فوقه أو إلي جانبه بالحرف المصطلح عليه، وكذلك إذا كان الخلاف في الياء والتاء أو غير ذلك من الحروف.
وقد أخبرني بالجامع الصحيح من رِواية الإمام الحافظ أبى عبد الله الأصيلي ﵀، فأخبرني سيدي ومولاي والدي أبو عبد الله محمد ﵀ إذنًا، أَخْبَرَنا الشيخ الثقة المسند أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات الخشوعي إجازة (٢)، أَخْبَرَنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد عتاب إذنًا، أخبرني والدي (٣)، عن أحمد بن ثابت
_________________
(١) قَال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» ١/ ٧٠: الأصيلي بفتح الهمزة مقصورة منسوب إلى أصيلة مدينة بالمغرب مشهورة، ويقال: بالزاي مكان الصاد أيضًا، والصاد هنا أشهر.
(٢) المولود في سنة عشر وخمسمائة، والمتوفى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. روى كتبًا كثيرة بالسماع والإجازة، سمع من هبة الله الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة، وأجاز له أبو علي الحداد من أصبهان. (ينظر ترجمته في، «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، و«شذرات الذهب» ٤/ ٣٣٥)
(٣) من أهل قرطبة، ومن أكابر الشيوخ الأندلسيين في علو الإسناد وسعة الرحلة، ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتوفي سنة عشرين وخمسمائة. ينظر «الصلة» ٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠ (٧٤٩) «هدية العارفين» ١/ ٥١٨، «معجم المؤلفين» ٢/ ١١٦ (٧٠١٢)، وأبوه العلامة المحدث مفتي قرطبة، توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة ينظر: «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٣٢٨.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
الواسطي (١) وغيره، عن الأصيلي، عن أبي زيد محمد ابن أحمد المَرْوَزيّ وأبي محمد يوسف الجُرْجانيّ، كلاهما عن الفَرَبْريّ.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب: وأخبرني بالجامع الصحيح أبو عبد الله بن نبات إجازة عن الأصيلي.
وأما رِواية الحافظ أبى القاسم مؤرخ الشام للجامع الصحيح فحدثني بها إجازة الشيخ السديد المكي بن علان القيسي (٢) وزين الأمناء (٣) بحق
_________________
(١) سبقت ترجمته.
(٢) هو المسلم بن محمد بن مسلم بن مكي بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن حصن بن صقر بن عبد الواحد بن علي بن علان، القاضي الجليل المسند، شمس الدين أبو الغنائم ابن علان القيسي، الدمشقي الكاتب، أجاز للذهبي مروياته، ولي نظر بعلبك ثم انفصل عنها، ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة. ينظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٥٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤، «ذيل مرآة الزمان» ٤/ ١٢٥ - ١٣١، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٤٦٦، وغيرها.
(٣) الشيخ العالم الجليل المسند العابد زين الأمناء، أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر الدمشقي، سمع من أبي العشائر محمد بن الخليل، ومحمد بن محمد الكُشْمِيهَني، وغيرهم، وحدث عنه عز الدين بن الأثير، وأمين الدين أبو اليمن حفيده وآخرون. قَال البرزالي: ثقة كريم نبيل. توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة سادس عشر صفر سنة سبع وعشرين وستمائة. ينظر ترجمته في «التكلمة لوفيات النفلة» ٣/ ٢٥٨ (٣٢٧٧)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٢٥٣ (٢٣١، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٢٨٤ (١٦٣).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
سماع شيخنا زين الأمناء من عمه مؤرخ الشام.
وهذا الرسم الذي أشرت إليه وجعلته مضافًا إلى رِواية الحافظ أبي ذر فهو رسم روايتي في الأصل الذي رواه الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن السَّمْعاني على أبي الوَقْت (هـ).
وإنما وقع اختياري على هذه النسخة المنسوبة إلى الحافظ أبى ذر لتحقق ضبطها وتحريره، وما قاله شيخنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أزهر الصريفيني من جودة ضبطها أنها يلجأ إليه وإن خالفتها النسخة التي في الوقف السميساطي من بعض رسم ما فيعلم ذلك.
وقد أخبرني نازلًا برِواية الحافظ أبي ذر بدرجات الشيخ المقرئ أبو جعفر الهمداني إجازة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، إجازة عن الإمام أبى الفضل عِياض إجازة.
قال القاضي عِياض: أخبرني القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الصَّدفي عن القاضي أبى الوليد سليمان بن خلف الباجي عن أبي ذر ﵀ تعالي.
تمت الفهرسة المباركة على يد كاتبها أحمد بن محمد السحيمي القرشي القلعي لسنة (١١٧٣) هـ ا. هـ
وبعد ذكر نص المقدمة أبدأ في الكلام على هذه المقدمة
الأصول التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ في كتابته لهذه النسخة.
بعد قراءة المقدمة التي ذكرها اليُونِينِيّ والتأمل لصنيعه في نسخته يلاحظ ما يلي مما يتعلق بالأصول التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ:
[ ٢ / ٦٧٧ ]
أولًا: وقف الحافظ اليُونِينِيّ على خمسة أصول لروايات (١) «الصحيح» وهذه الخمسة كلها تنتهي بأشهر الروايات عن الإمام البُخارِيّ وهي رِواية الفَرَبْريّ، مما يدل على أن اليُونِينِيّ لم يعتمد على رِواية أخرى غير رِواية الفَرَبْريّ، وهذه الأصول الخمسة هي:
الأصل الأول: نسخة أبى الوَقْت وقد سبق الكلام عليها في الباب الأول: وهو الذي جعله أصلًا لسماعه، واعتمده أصلًا لنسخته، وهو الأصل المسموع على أبي الوَقْت، ويلاحظ عليه أشياء:
الأول: أنه أصل سماعه من «صحيح البُخارِيّ» الذي أخبره به الإمام أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر عبد الله المبارك الزبيدي الربعي السلامي (٦٣١) هـ، عن الشيخ الثقة الصدوق الصالح السديد بقية الأشياخ أبي الوَقْت عبد الأول بن عيسى بن شعيب ابن إبراهيم الهَرَويّ (٥٥٣) هـ قراءة عليه، عن الإمام جمال الإسلام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، عن الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السَّرْخَسي الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ، عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ عن البُخارِيّ (٢٥٦) هـ رحمه الله تعالى.
الثاني: أن سماع اليُونِينِيّ ﵀ كان بقراءة مجموعة من العلماء وهم:
والده أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليُونِينِيّ (٦٥٨) هـ.
والحافظ الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الإمام عز الدين محمد بن الإمام محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور.
_________________
(١) أعنى بأصول الرِّواية: النسخ الخطية التي تمثل رِوَاية هؤلاء الرُّواة المذكورين.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وابن عمه الإمام شرف الدين أبو محمد الحسن بن جمال الدين بن أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني (٦٥٩) هـ.
والإمام المحدث سيف الدين أبو العباس أحمد بن عيسى بن الإمام موفق الدين محمد بن عبد الله بن قدامة المقدسي.
الثالث: أن ذلك كان في سنة (٦٣٥) هـ بدمشق في شهر رمضان المعظم.
الرابع: أن هذا الأصل من رِواية أبي الوَقْت كان وقفًا بخانقاه الشيخ أبي القاسم السُّمَيْساطِي الذي سُمع على الشيخ أبي الوَقْت ببلاد خراسان بقراءة الإمام الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السَّمْعاني، وهذا الأصل مسموع أيضًا من رِواية كريمة المَرْوَزيّة عن الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
وقد جمع فيه الشيخ أبو القاسم السُّمَيْساطِي بين روايتي أبي الوَقْت وكريمة، فهذه الرِّواية بمثابة رِواية أخرى عن الكُشْمِيهَني غير رِواية أبي ذر الهَرَويّ عنه.
وهو أصل أصيل أحد سماعات دمشق وخراسان وقد سمع على جماعة من الحفاظ وكان يقراءة جمع من الحفاظ.
الأصل الثاني: أصل أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة: الكُشْمِيهَني، والحَمُّوييّ السَّرْخَسي، والمُسْتَمْلِيّ.
وهو مسموع على الشيخ الإمام أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئة، عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن منصور الحضرمي، عن الشيخ الفقيه أبي القاسم عبد الجليل بن أبي سعد عن الحافظ أبي ذر (١).
_________________
(١) وهذا الأصل محفوظ بالمغرب منه نسختان وينظر أصول أبى ذر الهروي عند الكلام على روايته من الباب الأول.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وهي كما قال اليُونِينِيّ: نسخة صحيحة معني بها حجة.
وقال في بيان منزلتها الإمام الحافظ العارف الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن الأزهر الصريفيني (٦٤١) هـ شيخ اليُونِينِيّ:
هذه النسخة من «صحيح البُخارِيّ» مفزع يلجأ إليه لصحتها وإتقانها.
الأصل الثالث: أصل معزو إلى الأصيلي عن أبي زيد المَرْوَزيّ.
وهو وقف في مدرسة الشيخ الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي وعليه حواشٍ بخط الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري. وهو أصل صحيح تظهر عليه مخايل النباهة والصحة كما قال اليُونِينِيّ.
الأصل الرابع: الأصل المعزو إلى الحافظ أبي القاسم مؤرخ الشام علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، وهو كما قال اليُونِينِيّ أصل سماعه، وقد سمع عليه غير مرة.
وهذا الأصل لم يذكر اليُونِينِيّ من أي الروايات هو، وقد ذكر ابن عساكر في «تاريخ دمشق» أحاديث رواها من طريق:
أبي عبد الله عن أبي عبد الله محمد بن علي الخبازي وأبو سهل محمد بن أحمد الحفصي كلاهما عن محمد المكي الكشمهيني عن الفَرَبْريّ.
ومن طريق أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وأبي الوَقْت عبد الأول بن عيسى كلاهما عن الدّاوُدِيّ عن عبد الله بن أحمد حموية عن الفَرَبْريّ (١).
كما روي أيضا أحاديث من الصحيح عن أبي بكر خلف بن عطاء بن أبي عاصم الهَرَويّ النجار عن المليحي عن النُّعيمي عن الفَرَبْريّ (٢)
_________________
(١) «تاريخ دمشق» ٩/ ١٩٢، ١٦/ ١٣.
(٢) «تاريخ دمشق» ٩/ ١٩٢، ١٦/ ١٣، وفي «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٦٤ - ٦٥ ترجمة الفضيلي ذكر الذَّهبي ابن عساكرَ فيمن روى عنه.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وعن أبي عبد الله الفراوي، عن سعيد بن محمد العيار، عن محمد بن عمر بن شَبُّويه، عن الفَرَبْريّ (١).
فهذه أربع روايات عن الفربري، ويبدو أن نسخة ابن عساكر التي وقف عليها اليونيني كانت تضم أكثر من رواية، لأني وجدت رموزًا تدل على نسخ أخري لابن عساكر، وذكرت هذه الرموز في رموز اليونيني في نسخته.
الأصل الخامس: أصل الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السَّمْعاني المسموع على أبي الوَقْت بقراءته.
وهو أصل أصيل، وهو أحد سماعات دمشق وخراسان، وقد سمع على جماعة من الحفاظ وسمع بقراءة جماعة من الحفاظ.
عمل اليُونِينِيّ في التنسيق بين هذه الأصول:
سبق أن أشرنا إلى أن مراد اليُونِينِيّ الوصول إلى تحرير نص «الصحيح»، وذلك بجمع أصح النسخ، والمقارنة بينها لفظةً لفظة، وذكر مواضع الاختلاف والاتفاق بين هذه النسخ.
ولذا ابتكر اليُونِينِيّ منهجًا فريدًا من نوعه لحكاية هذه النسخ وغيرها مما وقف عليه.
فهو وضع في الأصل نص سماعه من «الصحيح»، الذي سبق الإشارة إليه وهو الأصل الأول فيما سبق، وبعد ذلك المتفق عليه بين جميع الروايات يكتب بلا رقوم، فإذا كانت هناك كلمة أو جملة غير موجودة في بعض النسخ، وهي في أصل سماعه وضع فوق هذه الكلمة أو الجملة أو الحركة ما يدل على حذفها عند هذه الروايات، ووضع لذلك رقومًا للدلالة على الحذف ورقومًا تدل على الروايات، وسأذكرها بالتفصيل فيما بعد.
_________________
(١) «تاريخ دمشق» ١٦/ ١٣.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وإذا كانت هناك زيادات في بعض الروايات، وليست في أصل سماعه، فإنه يذكرها في الحاشية، ويضع فوقها ما يدل على الرِّواية التي جاءت فيها.
ويلاحظ أن اليُونِينِيّ وضع رموزًا أصلية ورموزًا فرعية.
فالرموز الأصلية هي للأصول التي وقف عليها، وسبق وصفها. والرموز الفرعية هي للدلالة على الحذف والإثبات في روايات أبي ذر عن شيوخه الثلاثة.
كما وضع رموزًا للدلالة على الصحة كما وضع رموزًا لحكاية الوجهين معًا ورموزًا للتقديم والتأخير، ورموزًا لنسخ أخرى وقف عليها كانت موجودة في هوامش الأصول التي اعتمد عليهاٍ.
واشتمل حكاية الخلاف على كل كلمة أو جملة أو حركة حتى الكتب والأبواب زيادة ونقصًا، تقديمًا وتأخيرًا، كل ذلك في منهج فريد لم يسبق إليه.
واليُونِينِيّ رحمه الله تعالى لم يقصد من عمله هذا الترجيح بين هذه الروايات والخروج منها بصورة مختارة، وإنما كان قصده حكاية وجمع هذه الروايات كلها في مكان واحد، تيسيرًا على من أراد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عنها في مختلف المظان، وقد استطاع أن يحقق هذه الغاية على وجه الاختصار عندما استعان بالرموز وصنع من حروف الهجاء علامات يضعها على موضع الخلاف.
وبذلك حكى ألفاظ «الصحيح»، وميزها كما وقعت عنده في الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله وهو يسبق بذلك المستشرقين في تحقيق النصوص وضبطها.
فأيادي اليُونِينِيّ رحمه الله تعالى في حفظ روايات ونسخ «الصحيح» وارفة، لا يعرفها إلا من كابد النظر في الفروق بين النسخ، فصارت طوع يد أهل الحديث، تراها في صفحة واحدة ينهل منها كل من جاء بعده.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
لكن العجب العجاب أنك تجد كثيرًا من المعاصرين الذين لا يقفون على جهود السابقين؛ قد خدعوا بأعمال المستشرقين، ووصفوهم بأنهم قادة العلماء في التحقيق والتدقيق، وعلى أيديهم اكتشف الناس ضبط النصوص وتحقيقها، دون الإشارة إلى سبق المسلمين في هذا الميدان، لا من زمن اليُونِينِيّ فحسب بل من قبله بمئات السنين، فهذا هشام بن عروة يروي عن أبيه أنه كان يقول: كتبت؟ فأقول نعم، فيقول: عرضت كتابك؟ قلت: لا، قال: لم تكتب، وغير ذلك من النقول كثير، وقد تكلمت عن عناية المحدثين بذلك في التمهيد فأغنى عن إعادته هنا.
رموز اليُونِينِيّ:
قد بالغ اليُونِينِيّ رحمه الله تعالى في ضبط ألفاظ وروايات «الصحيح» زيادة ونقصانا، تقديمًا وتأخيرًا، راقمًا عليه بما يدل على مراده، وبعد حصر هذه الرموز يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: رموز أصلية تدل على الأصول التي اعتمد عليها وهي:
(هـ): علامة لأبي ذر الهَرَويّ، واختار له الهاء؛ لأنه غلب عليه النسبة إلى بلده.
(ص): علامة للأصيلي هكذا لأنه غلب عليه النسبة إلى بلده وهي أزيلة، فقلبت إلى الصاد وغلبت على الزاي فيقال: الأصيلي.
(س): علامة لابن عساكر الدمشقي.
(ظ): علامة لابن السَّمْعاني، واختار له الظاء لحفظه وإتقانه وتقدمه على أقرانه، فأخذ من الحفظ الظاء.
واختار لمشايخ أبي ذر الثلاثة رقومًا خاصة بكل واحد منهم منفردين ومجتمعين، فإذا ذكر رمز (هـ) هكذا فقط معناه اتفاق الثلاثة على ما رقم فوقه.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
واختار لكل واحد منهم رَقْما خاصًّا به عند الانفراد وهي:
(حـ): للحموي السَّرْخَسي.
(سـ): للمستملي.
(هـ): للكشميهني.
أما رموز اجتماع اثنين منهم فهي:
(حهـ): للحموي والكُشْمِيهَني.
(حسـ): للحموي والمُسْتَمْلِيّ.
(سهـ): للمستملي والكُشْمِيهَني.
وهناك رموز أخرى مثل:
(لا): توجد قبل الرمز إشارة إلى سقوط الكلمة عند أصحاب الرمز.
إلى: توجد في آخر الجملة التي عليها (لا) إشارة إلى آخر الساقط عند صاحب الرمز (١).
(صحـ): إشارة إلى صحة الرواية في هذه الكلمة عند المرموز له، أو عند الحافظ اليُونِينِيّ عند عدم وجود رمز.
هذه هي الرموز التي ذكرها اليُونِينِيّ في مقدمته.
ثانيا: رموز أخرى موجودة في مقدمة الطبعة «السلطانية».
وذكر المراد بها محققو النسخة «السلطانية» وقالوا: قد وجدنا في النسخ الصحيحة المعتمدة التي صححنا عليها هذا المطبوع رموزًا لأسماء الرُّواة.
فذكروا ما سبق من رموز وأضافوا إليها:
_________________
(١) وأحيانا يكرر لفظ (لا إلى) كما فصل في هامش ٣، ٧ في ١/ ٥٤، وكما في ١/ ٧٣ آخر كتاب: الحيض.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
(ك): رمزًا لرِواية كريمة المَرْوَزيّة.
(ع): قالوا لعلها لابن السَّمْعاني.
(ج): لعلها للجرجاني.
(ق): لعلها للقابسي.
(ح)، (عط)، (صع): رموزًا لنسخ لم يعلم أصحابها.
(خـ) أو (ـخـ) أو (خ): إشارة إلى نسخة أخرى.
ثالثا: رموز وقفت عليها من خلال التتبع:
وهي كثيرة، وكررت كثيرًا، وسأكتفي بضرب أمثلة مع الإحالة إلى مواضع ذكرها في الطبعة «السلطانية»:
(معًا): إشارة إلى صحة الوجهين في كلمة معينة مثل كلمة:
البَكالي (١) وضعت على حرف الباء للدلالة على صحة الرواية في كسر الباء وفتحها.
ومشبّهات (٢) وضعت على حرف الباء للإشارة إلى صحة الرواية في كسر الباء وفتحها.
وكلمة الوضوءُ (٣) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في رفعها ونصبها.
الجنةِ (٤) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في جرها ونصبها.
_________________
(١) ١/ ٣٥ (ح ١٢٢) كتاب العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم.
(٢) ١/ ٢٠ (٥٢) كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه.
(٣) ١/ ٤٧ (١٨٠) كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
(٤) ١/ ٤٨ (١٨٤) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
كَفة (١) وضعت على حرف الكاف للدلالة على صحة الرواية في ضم الكاف وفتحها.
والنبيَّ (٢) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في رفعها ونصبها.
يغتسلْ (٣) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في الرفع والجزم.
الغُسل (٤) وضعت على حرف الغين للدلالة على صحة الرواية في فتح الغين وضمها.
غيرُ (٥) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في الفتح والنصب.
مضطجعةٌ (٦) وضعت على آخر الكلمة للدلالة على صحة الرواية في الفتح والنصب.
ويضع فوق بعض رموز الرواة رموزًا أخرى مثل:
(هـ هـ) (هـ حـ) (هـ سـ) (هـ هسـ) لاختلاف النسخ عند أبي ذر عن مشايخه مجتمعين أو منفردين.
(صحـ): للدلالة على نسخة أخرى عند الأصيلي مثل (تَبِعَ) (٧).
_________________
(١) ١/ ٤٩ (١٩١) باب من مضمض واستنشق.
(٢) ١/ ٥٥ (٢٢٥) باب البول عند صاحبه.
(٣) ١/ ٥٧ (٢٣٩) باب الماء الدائم.
(٤) ١/ ٥٩ كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل.
(٥) ١/ ٦١ كتاب الغسل، باب هل يدخل الجنب يده في الإناء.
(٦) ١/ ٧٢ (٣٢٣) كتاب الحيض، باب من أخذ ثياب الحيض.
(٧) هامش (١٩) ١/ ١٨ (٤٧) كتاب: الإيمان، باب: اتباع الجنائز.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
(س خ) أو (س خـ) (س هـ): نسخة أخرى لابن عساكر مثل كلمة (بشبع) (١) من قول أبي هريرة: (وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه) حيث رمز على كلمة: (بشبع) بما يدل على صحة الرواية عند أبي ذر الهروي عن مشايخه الثلاثة وابن عساكر وأبي الوقت والأصيلي بلفظ: (لشبع) ثم وضع الرمز السابق على لفظ: (ليشبع) أي بزيادة المثناة من تحت.
وينظر أيضًا: كلمات (تَبِع) (٢)، و(الشهر) (٣)، و(يحدثه) (٤) فقد رمز فيها لنسخ أخرى عند ابن عساكر.
(خف): إشارة إلى أن الحرف الذي وضعت عليه مخفف، مثل حرف اللام من كلمة (سلام) (٥) وهو شيخ البخاري محمد بن سلام، وحرف الياء في كلمة (بروميَة) (٦)، وحرف اللام من كلمة (زلَفها) (٧)، وحرف الياء في كلمة (الثُّديّ) (٨) حيث أشار إلى أن الياء عند الأصيلي وأبي ذر عن مشايخه الثلاثة وكريمة عن الكشميهني بجعل الياء ألفًا مقصورة.
_________________
(١) ينظر هامش (٤)، ١/ ٣٥ (١١٨) كتاب: العلم، باب: حفظ العلم.
(٢) هامش (١٩) ١/ ١٨ (٤٧) كتاب: الإيمان، باب: اتباع الجنائز.
(٣) هامش (١٠) ١/ ٢٠ (٥٣) كتاب: الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان.
(٤) هامش (١١) ١/ ٢١ (٥٩) كتاب: العلم، باب: من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه.
(٥) ١/ ٤٧ (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه.
(٦) ١/ ١٠ (٧) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي.
(٧) ١/ ١٧ (٤١) كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء.
(٨) هامش (٢٩)، ١/ ١٣ (٢٣) كتاب: الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
(سقط): إشارة إلى سقوط الكلمة عند المرموز له، مثل كلمة (هذا) (١) حيث أشار إلى سقوط هذه الكلمة عند أبي ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة، (والبعير) (٢) حيث أشار إلى سقوط هذه الكلمة عند الأصيلي، وأيضًا كلمة (أنه) (٣) فهي ساقطة عند الأصيلي.
ومن الملاحظ أنه كثيرًا ما يستخدم هذه الكلمة في التعبير عن السقط، ويسخدمها في الأصل والحاشية، ولذلك أمثلة كثيرة.
(ساقط): إشارة أيضًا إلى سقوط الكلمة أو الجملة، مثل جملة (تقتله الفئة الباغية) (٤)، حيث أشار لسقوط هذه الجملة عند أبي ذر عن مشايخه والأصيلي.
وقد يؤكد السقوط بأكثر من إشارة، كما فعل في المثال السابق حيث أشار إلى السقوط عند من سبق ذكرهم وجاء هكذا (لا ساقط هـ ص: إلى) ووضع هذه الرموز فوق الجملة السابقة.
وقد يعبر عن السقوط بقوله: (لاسقط) مثلًا عند كلمة (باب) (٥)، للتعبير عن سقوط هذه اللفظة عند أبي ذر والأصيلي.
وأحيانًا يعبر عن الحذف برمز (ليس) قبل الرمز الدال على الرِّواية التي سقطت منها اللفظة أو الجملة، مثل (ليس ص:) كما في كلمة (بن عقبة) (٦)،
_________________
(١) ١/ ٧٨ (٣٤٩) كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء.
(٢) ١/ ١٠٧ كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى الراحلة.
(٣) ١/ ١٢٧ (٦٢٢) كتاب: الأذان، باب: الأذان قبل الفجر.
(٤) ١/ ٩٧ (٤٤٧) كتاب: الصلاة، باب: التعاون في بناء المسجد
(٥) ١/ ١٤٩ كتاب: الأذان، باب: الخشوع في الصلاة.
(٦) ١/ ٨٢ (٣٦٨) كتاب: الصلاة، باب: ما يستر من العورة.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
(بن شداد) (١).
ويضعه أيضًا فوق الرمز هكذا: (سـ لا): للدلالة على الحذف عند ابن عساكر كما في قوله: (سرًّا وعلانية) (٢).
(م م): إشارة إلى التقديم والتأخير عند المرموز له.
وقد يكون بين جمل مثل (قال ابن أبي مريم ..) و(قال علي بن عبد الله: حَدَّثَنا ..) (٣) حيث أشار إلى تقديم الجملة الثانية على الأولى عند الأصيلي.
وقد يكون بين كلمات مثل: (مسجدًا) و(طهورًا) (٤) حيث أشار إلى تقديم الكلمة الثانية على الأولى عند الأصيلي، و(خليلًا) و(من أمتي) (٥) وتقديم الثانية على الأولى عند أبي ذر الهروي، و(أحدٌ) و(من أهل الأرض) (٦) حيث أشار إلى تقديم الجملة الثانية على الكلمة الأولى عندأبي ذر والأصيلي وابن عساكر، و(لا ينبغي) و(هذا) (٧) حيث أشار إلى تقديم الثانية على الأولى عند الأصيلي، و(من الصبح) و(ركعة) (٨) حيث أشار إلى تقديم الكلمة الثانية على الأولى عند ابن عساكر، و(المنابذة)
_________________
(١) ١/ ٨٥ (٣٧٩) كتاب: الصلاة، باب: إذا أصاب ثوب المصلي امرأته.
(٢) ١/ ١٢٢ (٥٩٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت.
(٣) ١/ ٨٧ (٣٩٣) كتاب: الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة.
(٤) ١/ ٩٥ (٤٣٨) كتاب: الصلاة، باب: قول النبي - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا ..»
(٥) ١/ ١٠٠ (٤٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد.
(٦) ١/ ١١٨ (٥٦٩) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: النوم قبل العشاء.
(٧) ١/ ٨٤ (٣٧٥) كتاب: الصلاة، باب: من صلى في فروج حرير.
(٨) ١/ ١٢٠ (٥٧٩) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الفجر ركعة.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
و(الملامسة) (١) حيث أشار إلى تقديم الثانية على الأولى عند الأصيلي.
(قصر) للدلالة على أن الكلمة مقصورة، مثل وضعها على لفظ (الحيا) (٢).
وقد يرمز لعدم ثبوت لفظة في أي نسخة من النسخ التي بين يديه وصورتها (لاخـ) كما جاء في حاشية حديث أبي جهيم: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ» (٣) حيث وضع في الحاشية جملة (من الإثم) ووضع عليها هذه العلامة دلالة على عدم ثبوتها في أي نسخة، وهذا من دقته وشدة تحريه في إثبات ألفاظ «الصحيح» (٤).
مصير النسخة «اليُونِينيّة»:
لا توجد اليوم أي إشارة عن وجود النسخة الأصلية لليونيني في أي مكتبة من مكتبات العالم. حسب علمي بعد استقراء وتتبع.
واليُونِينِيّ رحمه الله تعالى توفي بدمشق سنة (٧٠١) هـ، ولاشك أن نسخته كانت معه حتى وفاته، واستنسخ الناس منها في حياته نسخًا كثيرة، قابلوها بها وصححوها عليها وأسموها فروعًا إذ اعتبروا نسخة اليُونِينِيّ أصلًا، وقد كانت أصلًا وحجة.
قال القَسْطَلّانِيّ في مقدمة «إرشاد الساري» (٥): ولقد وقفت على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، فرأيت من أجلها الفرع الجليل الذي لعله
_________________
(١) ١/ ١٢١ (٥٨٤) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة بعد الفجر ..
(٢) ١/ ١٣ (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
(٣) ١/ ١٠٨ (٥١٠) كتاب: الصلاة، باب: إثم المار بين يدي المصلي.
(٤) وينظر الكلام على هذا الحديث في أسباب الاختلافات من الباب الثاني من هذه الرسالة.
(٥) ١/ ١٤١ طبعة (منحة الباري).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
فاق أصله وهو الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد الغزولي (١) وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة (٢)، المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاج مالك وأصل اليُونِينِيّ غير مرة إلخ. اهـ.
فهذا النص يتضمن ثلاثة فروع عن أصل اليُونِينِيّ فرع الغزولي،
_________________
(١) المولود سنة ٦٩٧ هـ سمع من أبي الحسن ابن القيم ومن حسن بن عبد الكريم ومن العماد المقدسي توفي سنة ٧٧٧ هـ. وينظر ترجمته في: «ذيل التقييد» ١/ ٤٦ (٢٣)، و«الدرر الكامنة» ٣/ ٣١٩ (٨٥٩)، و«إنباء الغمر» ١/ ١١٩ وفيات سنة ٧٧٧ هـ.
(٢) هو أحد أبواب القاهرة القديمة: وكان للقاهرة من جهتها القبلية بابان متلاصقان، يقال لهما باب زويلة، ومن جهتها البحرية بابان متباعدان: أحدهما باب الفتوح، والآخر باب النصر. ومن جهتها الشرقية ثلاثة أبواب متفرقة: أحدها: باب البرقية، والآخر الباب الجديد، والباب المحروق، ومن جهتها الغربية ثلاثة أبواب: باب القنطرة، وباب الفرج، وباب سعادة، وباب آخر يعرف بباب الخوخة ينظر: «الخطط» ٢/ ٧٧. والباب المحروق كان يعرف قديمًا بباب القراطين، فلما زالت دولة بني أيوب واستقلّ بالمُلكِ الملك المعز عز الدين أيبك التركماني، أول من ملك من المماليك بمملكة مصر في سنة خمسين وستمائة، كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية - ممالك الملك الصالح نجم الدين أيوب - الفارس أقطاي الجمدار، وقد استفحل أمره وكثر أتباعه، ونافس المعز أيبك، وتزوج بابنة الملك المظفر، صاحب حماة، وبعث إلى المعز بأن ينزل من قلعة الجبل، ويخليها له حتى يسكنها بامرأته المذكورة. فقلق المعز منه وأهمه شأنه ففتك به، وقتله وانتشر الصوت بقتله في البلد، وحاول أنصاره الخروج من مصر، متوجهين إلى الشام من باب القراطين هذا، وكان من عادة الأبواب أن تغلق، فألقوا عليه النار حتى سقط، فسمي بالمحروق من وقتها. ينظر «الخطط» ٢/ ٨٢ بتصرف يسير.
[ ٢ / ٦٩١ ]
وفرعين آخرين وقف مدرسة الحاج.
ويذكر القَسْطَلّانِيّ أن أصل اليُونِينِيّ لم يكن بين يديه عندما قام بشرح «الصحيح» وإنما اعتمد في ألفاظ الصحيح على الفرع المنسوب للغزولي هذا.
ويذكر أنه وقف في يوم الإثنين ثالث عشر من جمادى الأولى سنة عشرة وتسعمائة بعد انتهائه من الشرح المذكور على المجلد الأخير من أصل اليُونِينِيّ وقابل ألفاظ شرحه عليه.
ثم قال بعد ذلك: إنه وُجد الجزء الأول من أصل اليُونِينِيّ يُنادى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأُحضر إليه فقابل عليه شرحه.
يقول: فكملت مقابلتي عليه جميعه حسب الطاقة.
ويدل نص القَسْطَلّانِيّ السابق ذكره على أن أصل اليُونِينِيّ يتكون من جزأين، وكان هذا الأصل موقوفًا بمدرسة آقبغا آص بسُويْقة العِزَّي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية (١).
_________________
(١) (سويقة العزي) هذه السويقة خارج باب زويلة قريبًا من قلعة الجبل، كانت من جملة المقابر التي خارج القاهرة، فيما بين الباب الجديد والحارات وبركة الفيل، وبين الجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل. عرفت هذه السويقة بالأمير عز الدين أيبك العزي، نقيب الجيوش، وذلك في حدود سنة تسعين وستمائة، وهذه السويقة عامرة بعمارة ما حولها. «الخطط» للمقريزي ٢/ ٤٨١ وقد كان بمدينة القاهرة ومصر وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدًا، قد باد أكثرها وحولها حوانيت كثيرة. وقد ذكر المقريزي في خططه كثيرًا منها. يراجع ٢/ ٤٥٩ وما بعدها. وباب زويلة هو أحد الأبواب التي في سور القاهرة. ينظر في ٢/ ٧٧ من «الخطط».
[ ٢ / ٦٩٢ ]
كما يفهم أيضًا أن آقبغا آص بذل فيه ما يقرب من عشرة آلاف دينار، وأنه رأى ذلك مكتوبًا على ظاهر بعض نسخ الصحيح الموثوق بها والموقوفة برواق الجبرت من الجامع الأزهر.
وكلام القَسْطَلّانِيّ يدل على أن الجزء الثاني من أصل اليُونِينِيّ كان موجودًا في مدرسة آقبغا آص حتى انتهائه من شرحه.
والجزء الأول منه فُقد من المدرسة بعد حصول آقبغا عليه نحو خمسين سنة إما بالسرقة، وإما بالعارية في معنى السرقة ثم وجد في عصر القَسْطَلّانِيّ.
ولم أقف بعد القَسْطَلّانِيّ المتوفى سنة (٩٢٣) هـ فيما وقفت عليه من مصادر على ذكر لهذا الأصل (١)، وجاءت سنة (١٣١١) من الهجرة النبوية في عصر السلطان عبد الحميد الثاني في الخلافة العثمانية وأمر بطبع
_________________
(١) إلا ما ذكره الأستاذ المنوني في مقاله: «صحيح البُخَارِيّ في الدرسات المغربية» [ص: ١٥٨] حيث يقول عن هذه النسخة: ويبدو أن موقوفات هذه المدرسة (يقصد المدرسة التي أشار إليها القَسْطَلّانِيّ فيما سبق) طرأ عليها تبديد في فترة لاحقة، فضاع منها الأصل اليُونِينِيّ بجملته إلى أن عثر عليه العالم المغربي محمد بن محمد بن سليمان السوسي الروداني ثم المكي، المتوفى بدمشق عام ١٠٩٤ هـ / ١٦٨٣ م، ومن حوزته انتقل إلى ملكية الشيخ محمد أكرم ابن محمد بن عبد الرحمن الهندي نزيل مكة المكرمة، ثم استعاره من هذا الأخير محدث الحجاز عبد الله بن سالم البصري فصار يسمع منه، ثم علق على ذلك في الحاشية قائلًا: ورد هذا خلال إجازة من عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الحاج إلى محمد بن موسى بن محمد بن الشيخ أبى عبد الله بن ناصر، وتقع أول مجموع خ. ع. ق ١٧٢. ثم استطرد حديثه عن أصل اليُونِينِيّ قائلًا: وكان هو عمدته في نسخته - أي نسخة عبد الله بن سالم البصري آنفة الذكر - التي كتبها من «الجامع الصحيح» ومن هنا ينسدل الغموض على مصير أصل الشرف اليونيبي. اهـ.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
«صحيح البُخارِيّ» على أصح نسخة وهي نسخة اليُونِينِيّ.
والمفهوم من تقرير الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر سنة (١٣١٣) هـ، المطبوع في مقدمة الطبعة «السلطانية»، أن أصل اليُونِينِيّ محفوظ في الخزانة الملوكية بالأستانة العلية، وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر ليقوم العلماء المكلفون بالتصحيح والمقابلة بالاعتماد عليه.
قال الشيخ حسونة بعد أن تكلم عن أمر السلطان بطبع «صحيح البُخارِيّ»:
فأمر وأمره الموفق بأن يطبع في مطبعة مصر الأميرية، لما اشتهرت به من دقة التصحيح وجوده الحروف بين كل المطابع العربية، وبأن يكون طبع هذا الكتاب في هذه المطبعة على النسخة «اليُونِينيّة»، المحفوظة في الخزانة الملوكية بالأستانة العلية لما هي معروفة به من الصحة ، وبأن يتولى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة بين الأنام ، ثم بعث دولته إلينا بالنسخة «اليُونِينيّة» والنسخ المطبوعة على يد صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي للمقابلة عليها ا. هـ.
ولكن بالنظر في نص المقدمة التي كتبها مصححو المطبعة، والموجودة في أول الطبعة «السلطانية» يوجد فيها بالنص:
وأن يعتمد في تصحيحه على نسخة شديدة الضبط، بالغة الصحة من فروع النسخة «اليُونِينيّة» المعول عليها في جميع روايات «صحيح البُخارِيّ» الشريف، وعلى نسخ أخرى خلافها شهيرة الصحة والضبط إلخ.
فظاهر كلام الشيخ حسونة شيخ الأزهر يدل على أن الطبع كان بالمقابلة على النسخة الأصلية لليونيني، وظاهر كلام مصححي الطبعة «السلطانية» يدل على أن التصحيح كان على فرع من فروعها.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
ولذلك لا نستطيع أن نجزم - كما قال الشيخ أحمد شاكر - بصحة أحدهما حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه، وحتى نعرف مصير النسخة «اليُونِينيّة».
وإذا كانت النسخة «اليُونِينيّة» قد جاءت إلى مصر للمقابلة فهل بقيت بعد التصحيح هنا في الأزهر أم أعيد الأصل إلى مقره في الخزانة الملوكية بالأستانة العلية؟ فالله أعلم.
ولقد بحثت عنها كثيرًا في المكتبة الأزهرية، ودار الكتب المصرية، ومكتبة معهد المخطوطات العربية، فلم أجد لها أي ذكر كما أني راجعت الكتب المعنية بذكر أماكن المخطوطات وفهارس المكتبات، وسألت كثيرًا ممن لهم عناية بتتبع أخبار المخطوطات، فلم أجد لها أثرًا، وأقرب الاحتمالات وجودها في مكتبات تركيا؛ فما زال الكثير من المخطوطات النادرة هناك لم يفهرس ولا يعرف عنه شيء.
هذا ما يتعلق بالأصل اليُونِينِيّ.
أما عن الفروع القديمة لهذا الأصل، فأول الفروع التي وقفت عليها هو الفرع الغزولي وهو الفرع الذي ذكره القَسْطَلّانِيّ في مقدمة «الإرشاد» يقول القَسْطَلّانِيّ:
ولقد وقفت على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، فرأيت من أجلها الفرع الجليل الذي لعله فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد المقريء الغزولي (١) وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاج مالك وأصل اليُونِينِيّ المذكور غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئا - كما
_________________
(١) ترجمته في «الدرر الكامنة» ٣/ ٣١٩ (٨٥٩).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
قيل - فلهذا اعتمدتُ في كتابة متن البُخارِيّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الرويات، وما في حواشيه من الفوائد والمهمات. ا. هـ.
ففي هذا النص يذكر القَسْطَلّانِيّ أنه وقف على الفرع المنسوب للغزولي، وهو مقابل على فرع مدرسة الحاج مالك وأصل اليُونِينِيّ.
وفرع الغزولي هذا لا يزال النصف الثاني منه موجودًا بدار الكتب المصرية في ١٧٧ ورقه بخط الغزولي نفسه، فرغ منه يوم الثلاثاء ١٢ جمادى الآخرة عام ٧٣٥ هـ / ١٣٣٥، وفي آخره سماعات لأفاضل من العلماء، كما جاء ذلك في فهرسة الكتب العربية الموجودة بالكتبخانة الخديوية (١) وهذا الفرع قد اعتمد عليه المصححون في الطبعة «السلطانية» ويسمونه بالفرع التنكزي (٢).
٢ - ويوجد بدار الكتب أيضا فرع آخر من «اليُونِينيّة» في مجلد يشتمل على ٣٠١ ورقة بها خروم في أثنائها، كتبه - بخطه الشرقي - محمد بن إلياس بن عثمان المتصوف، وفرغ منه يوم الأحد ٢٠ ربيع النبوي عام ٧٤٨ هـ ١٣٤٧ م. (٣).
وهذا الفرع من أهم ما يميزه بالإضافة إلى كتابته بعد اليونيبي بفترة قليلة أنه مقابل على نسخ أخرى وهي:
١ - مقابل بنسخة قوبلت على نسخة اليُونِينِيّ الأصل، وقابله عليها العلامة أحمد ابن محمد بن عبد الرحمن العسجدي.
_________________
(١) ١/ ٣٠٢ ط. مصر سنة ١٣١٠ هـ.
(٢) كما جاء في ٣/ ١٦٤ من طبعة الحلبي.
(٣) «فهرسة الكتب العربية» ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
٢ - قابله مرة أخرى العلامة أحمد بن على السبكي الشافعي في مدة آخرها رمضان عام (٧٦١) هـ معتمدًا على نسخة صححها جمال الدين المزي (٧٤٢) وشمس الدين الذَّهبي (٧٤٨) هـ ونسخة أخرى صححها تقي الدين علي السبكي، وعلاء الدين التركماني.
٣ - توجد عليه مجموعة من خطوط العلماء الأفاضل.
وهذا الفرع أيضا وقف عليه المصححون في الطبعة «السلطانية» (١).
٣ - وهناك الفرع الثالث الذي استمرت شهرته حتى يومنا هذا، وهو فرع إمام الصناعة عبد الله بن سالم بن محمد البصري ثم المكي (٢) المتوفى سنة (١١٣٤) هـ (١٧٢٢) م ونقل الكتاني عن محدث اليمن الوجيه عبد الرحمن بن سليمان الأهدل في كتاب «النفس اليمانى» أن نسخته صارت يرجع إليها من جميع الأقطار التي وجد فيها ما في «اليُونِينيّة» وزيادة وقد أخذ في تصحيحها وكتابتها نحوًا من عشرين سنة (٣).
فنقل الكتاني نقلا عن السيد أزاد البلجرامي الهندي في «تسلية الفؤاد» لما ترجم للبصرى قال: والنسخة التي نسخها بيده الشريفة - يقصد نسخة «صحيح البُخارِيّ» - هي أصل الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق، رأيتها عند مولانا محمد أسعد الحنفي المكي، من تلامذة الشيخ تاج الدين المكى ببلد أركات، كان أخذها الشيخ عن ولد المصنف بالاشتراء، فقلت للشيخ محمد أسعد: هذه النسخة المباركة حقها أن تكون في الحرمين ولا ينبغي أن تنقل منها إلى مواضع أخرى، لاسيما إلى الديار الشاسعة. فقال الشيخ:
_________________
(١) ٤/ ١٩٣.
(٢) ينظر ترجمته في: «فهرس الفهارس» ١/ ١٩٣ وما بعدها.
(٣) «فهرس الفهارس» ١/ ١٩٨.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
هذا الكلام حسن ولكن ما فارقتها لفرط محبتي لها، ثم أرسل الشيخ كتبه من أركات إلى أورنقاباد، وهي موجودة بها إلى الآن حفظها الله. ا. هـ (١)
ثم قال الكتاني عقب ذلك: قلت: رأيت في المدينة المنورة عند الحكيم المسند الشيخ طاهر سنبل نسخة عبد الله بن سالم البصري بخطه من الصحيح ثمانية، وهي في نهاية الصحة والمقابلة والضبط والخط الواضح، وأخبرني أنه أحضرها إلى الأستانة ليصحح عليها النسخة الأميرية التي طبعت هناك من «الصحيح» وفرقها السلطان عبد الحميد على المساجد والآفاق، وعليها ضبطت، ولا أدري من أين اتصلت بسلفه (٢). ا. هـ.
وهذا الفرع قد اعتمد عليه مصححو هذه الطبعة، وقد جاء ذكرها في مواضع كثيرة (٣)، وصرحوا فيها باسمه كما عبروا عنها أيضا بالفرع المكي (٤).
بعض الملاحظات على «اليونينية»
توجد بعض الأبواب وأحاديثها ليست في «اليونينية» وهي في أصول أخرى للصحيح مثل ما جاء في كتاب البيوع (٥).
ففيه: (باب: أمر النبي - ﷺ - اليهود ببيع أرضيهم حين أجلاهم. فيه المقبري عن أبي هريرة.)
_________________
(١) «فهرس الفهارس» ١/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) «فهرس الفهارس» ١/ ١٩٩.
(٣) منها مثلا ٢/ ٨١، ٩٤.
(٤) انظر مثلا: ١/ ١١، ١٣، ٢٩، ٣١، ٣٨، ٢٩، ٢/ ٤٣، ٣/ ٨٣، ٨٩، ١٢٣ وغير كثير.
(٥) بعد حديث (٢٢٢٧) ٣/ ٨٣ هامش (١).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
فهذا الباب وما فيه ذكره ابن حجر في الفتح (١) وأشار إلى أنه في رواية أبي ذر، وذكر التعليق الوارد فيه في كتابه «تغليق التعليق» (٢).
وذكر الباب أيضًا والمعلق الذي فيه: ابن الملقن في شرحه (٣)، ولم يذكره الكرماني في شرحه (٤).
وقال مصححوا السلطانية في الموضع السابق: هذا الباب وما معه في بعض الأصول، وليس هو في «اليونينية»، وهو ملحق في الفرع المكي ا. هـ.
ورقمه الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي برقم (١٠٧).
كماسقطت جملةٌ من «اليونينية» وهي في كتاب: الاجارة، باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (٥).
ففي الحاشية على قوله: (على إحياء العرب) قال المصححون: هذه الجملة مضروبٌ عليها في «اليونينية» وفرعها، وهي ثابتةٌ في أصولٍ كثيرةٍ، بل قال ابن حجر في الفتح: هي ثابتة عند الجميع (٦) أ. هـ.
قلت (الباحث): وأسقطها ابن بطال في شرحه (٧)، وذكرها ابن الملقن في روايته التي شرح عليها الصحيح (٨) ثم قال: سقط في بعض النسخ من هذه الترجمة لفظ: (على إحياء العرب). ثم ذكر سبب سقوطها عند من أسقطها قائلًا:
_________________
(١) ٤/ ٤١٨.
(٢) ٣/ ٢٦٩.
(٣) ١٤/ ٥٧٥.
(٤) ١٠/ ٧٧
(٥) ٣/ ٩٢ هامش (٨).
(٦) «فتح الباري» ٤/ ٤٥٢.
(٧) ٦/ ٤٠٤.
(٨) ١٥/ ٧٦ - ٧٧.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
لأن الحكم لا يختص به، وعلى إثباتها سببه أن الواقعة وقعت فيهم. ا. هـ.
ومن في الأمثلة التي خالفت فيها «اليونينية» كثيرًا من الأصول ما جاء في تصحيف جملة: (ويروى عن عمرو بن عوف)
وذلك في كتاب الحرث والمزارعة، باب: من أحيا أرضًا مواتًا (١) فقد جاء في «اليونينية» (ويروى عُمَرَ وابنِ عوف) وفي الحاشية كتب المصححون: كذا في الأصول التي بأيدينا، وقال القسطلاني: وفي بعض النسخ المعتمدة، وهي التي في الفرع وأصله: (عن عَمْرِو بن عوف). وصحح هذه الكرماني ا. هـ.
وقال ابن حجر: ووقع في بعض الروايات: (وقال عمر وابن عوف) على أن الواو عاطفة، وعمر بضم العين، وهو تصحيف ا. هـ (٢).
وعند ابن بطال في شرحه (٣) (ويروى عن عمر وابن عوف) بإثبات حرف العطف، وجاء عند ابن الملقن في روايته التي شرح عليها على الصواب (٤) ثم قال: وحديث عمرو حديث محفوظ كما قال الجياني ثم ساق بسنده الجياني في «تقييد المهمل» (٥) وذكر القاضي عياض أن رواية الجمهور بفتح العين في عمرو، ورواية الأصيلي بضم العين وفتح الواو للعطف.
ثم قال: والأول الصواب وهو عمرو بن عوف المزني اهـ (٦).
وقال الجياني في «تقييد المهمل» بعد أن ساقه على الصواب بفتح
_________________
(١) ٣/ ١٠٦ (٢٣٣٤).
(٢) «فتح الباري» ٥/ ١٩.
(٣) ٦/ ٤٧٣.
(٤) «التوضيح» ١٥/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٥) ٢/ ٦٢١ - ٦٢٢.
(٦) «مشارق الأنوار» ٢/ ١١٤.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
العين: وقع في روايتنا عن أبي زيد وأبي أحمد: (ويُروى عن عُمرَ وابن عوف) وعند ابن السكن وأبي ذر: (عن عمرو بن عوف عن النبي - ﷺ -) (١).
ومما يجب التنبه له في هذا المثال السابق أن (عمرو بن عوف) الذي صحف إلى راوٍ آخر غيره هو عمرو بن عوف المرئي جد كثير بن عبد الله، وليس لعمرو بن عوف هذا في البخاري غير هذا الموضع مما يعطي أهمية كبيرة لتصويب هذا الموضع حيث جهل بذلك من رواة الصحيح. وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري (٢).
ومن التصحيف في الأسماء وترتب عليه اختلاف الراوي ما جاء في تصحيف (أبو هارون) إلى (أبو هريرة) في حديث جابر بن عبد الله ﵄ من كتاب: الجنائز، باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة (٣) وفيه: (قال سفيان: وقال أبو هريرة وكان على رسول الله - ﷺ - قميصان الخ.
كذا جاء في «اليونينية» (أبو هريرة) ورمز أنه كذا عند الأصيلي أيضًا، وفي الهامش رمز إلى أن في رواية أبي ذر الهروي مصححًا: (وقال أبو هارون) ا. هـ.
وقال ابن حجر في الفتح: قوله (قال سفيان: وقال أبو هارون .. الخ) كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثيرٍ من الروايات (وقال أبو هريرة) وكذا في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف، وأبو هارون المذكور جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون المدني، وقيل هو الغنوي، واسمه: إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة، وكلاهما من أتباع التابعين، فالحديث معضل، وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان،
_________________
(١) ٢/ ٦٢١ - ٦٢٢.
(٢) ينظر «فتح الباري» ٥/ ١٩.
(٣) ٢/ ٩٢ (١٣٥٠).
[ ٢ / ٧٠١ ]
فسماه عيسى، ولفظه: حدثنا عيسى بن أبي موسى. فهذا هو المعتمد. ا. هـ (١).
القَسْطَلّانِيّ والنسخة «اليُونِينيّة»:
العلامة أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القَسْطَلّانِيّ القاهري الشافعي (٨٥١ - ٩٢٣) هـ
أحد من قاموا بشرح «صحيح البُخارِيّ» وله جهد كبير في ضبط ألفاظه ورواياته، وقد اعتمد في شرحه هذا على النسخة «اليُونِينيّة» مما جعله يحفظ كثيرًا من معالم هذه النسخة، وبعض نصوص المقابلات والسماعات التي كانت على النسخة الأصلية لليونيني، وقد عقدت فصلًا خاصًّا ببيان جهد القَسْطَلّانِيّ رحمه الله تعالى، وذكرت نماذج من عمله هذا مبرزًا فيها دوره في بيان اختلاف الروايات والنسخ.
وذلك في الفصل الثالث من هذا الباب.
ابن مالك والنسخة اليونينية:
ابن مالك هو جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجَيّانيّ الشافعي، نزيل دمشق، ولد سنة ستمائة، وسمع بدمشق، وتصدر بحلب لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وأربى على المتقدمين.
وكان إماما في القراءات وعللها، صنف فيها قصيدة دالية، وكان إمامًا في اللغة النحو والصرف، مطلعًا على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو، فكان أمرًا عجبًا، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره.
وكان بجانب ذلك مطلعًا على الحديث عالمًا به، فكان أكثر ما يستشهد به من القرآن، فإن لم يكن فيه شاهد عدل إلى الحديث، فإن لم
_________________
(١) «فتح الباري» ٣/ ٢١٥.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
يكن فيه شيء عدل إلى أشعار العرب.
هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وكثرة النوافل وحسن السمت وكمال العقل.
روى عنه: ولده بدر الدين، وعلاء الدين ابن العطار، وأبو عبد الله الصيرفي، وغيرهم.
كانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة (١)
وابن مالك سبق بيان أنه سمع الصحيح من اليونيني في مجالس، ووجه الروايات في اللغة العربية وجمع ذلك في كتاب وسماه: «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح»
وهذا الكتاب ضمن فيه بعض المباحث العربية التي بسط فيها الكلام على بعض المشكلات، التي كانت تمر عليه أثناء سماع «الصحيح» بحضرة جماعة من الفضلاء ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مرَّ بهم لفظ ذو إشكال، بين فيه الصواب وضبطه على مقتضى علمه بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة وإقامة دلالة، أخَّره إلى هذا الجزء ليسوق له ما يحتاج إليه من نظير وشاهد؛ ليكون الانتفاع به عامًا والبيان تامًا.
وقد كتب ابن مالك هذا بخطه على ظاهر الورقة الأولى من المجلد الأخير من النسخة اليُونِينيّة كما حكاة الشهاب القَسْطَلّانِيّ في مقدمة «إرشاد الساري» والكتاب مقسم إلى مباحث بلغت واحدًا وسبعين مبحثًا. وبعض المباحث كانت تتضمن عدة مطالب، والعمدة عنده في المبحث هو الاستشهاد بالكلمة أو الجملة من الحديث كما جاءت وصحت الرِّواية عند
_________________
(١) ينظر في ترجمته: «تاريخ الإسلام» ٥٠/ ١٠٨ (٨٣)، و«توضيح المشتبه» ٢/ ١٤٩ «فوات الوفيات» ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٩ (٤٧٢)، و«شذرات الذهب» ٥/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
البُخارِيّ، وبعد ذلك يقرر القاعدة، ثم يأتي لها بنظائر من القرآن الكريم واللغة والشعر.
فمثلا جعل أول مبحث في الكلام على قول ورقة بن نوفل: (يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). فقال: المبحث الأول في (يَا لَيْتَنِي) وفي استعمال (إذ) مكان (إذا) وبالعكس وفي تركيب: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟) (١).
وفي هذا الموضع عند اليُونِينِيّ جاءت كل الروايات بحذف (يا) وصح من رِواية الأصيلي إثباتها (٢). فوجه ابن مالك كلتا الروايتين، وبين أنها ليست ياء النداء، وإنما الأقوى عنده أنها (يا) للتنبيه. ثم بسط القول في ذلك.
ومن الأمثلة أيضًا:
ما ذكره في المبحث العاشر في ترك تنوين ثماني، وجعل فيه مطلبًا في حذف تنوين (منع وهات) الوارد في الحديث، ثم ذكر قول أبي برزة ﵁ (٣): غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ ثَمَانِي. ثم ذكر أوجه ذكر ثماني بدون تنوين.
قلت (الباحث): قد جاءت الرِّواية وصحت عند اليُونِينِيّ عند جمهور الرُّواة: (أو ثمان) وفي الحاشية مصححًا علية من رِواية أبى ذر الهَرَويّ عن شيخيه المُسْتَمْلِيّ والحَمُّوييّ: (أو ثماني) وفي نسخة أخرى عن أبى ذر غير معلومة: (ثمانيًا).
_________________
(١) «شواهد التوضيح» ص: ٤. والحديث في الصحيح كتاب: بدء الوحي، حديث (٣) ١/ ٧.
(٢) ينظر ١/ ٧.
(٣) ٢/ ٦٤ - ٦٥ (١٢١١) كتاب: العمل في الصلاة، باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
فقد جاء فيها ثلاثة أوجه من الرِّواية: ثمان، ثماني، ثمانيًا، فبدأ ابن مالك يوجه الثلاثة أوجه من ناحية العربية، مستدلًا على كل ما يقول بالشواهد من القرآن والحديث والشعر والقواعد العربية إلخ (١).
_________________
(١) «شواهد التوضيح» ص: ٤٧، والحديث في الصحيح كتاب: العمل في الصلاة، باب: إذا انفلتت الدابة حديث (١٢١١) ٢/ ٦٤ - ٦٥. وكتاب «شواهد التوضيح» مطبوع متداول من مصورات دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، بتحقيق وتعليق الشيخ محمد فؤاد بعد الباقي. وذكر في آخر الكتاب أن هذه الطبعة طبعت عن الطبعة الأولى المطبوعة ببلدة إله آباد الهندية عام ١٣١٩ هـ وقد طبعت هذه عن نسخة عتيقة كتبت في سنة ٧٠١ هـ. كما توجد له طبعة أخرى بتحقيق الدكتور طه محسن، من مطبوعات مكتبة ابن تيمية في طبعتين: الأولى في سنة ١٤٠٥ هـ، والثانية في سنة ١٤١٣ هـ.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
المبحث الثالث:
الطبعة السطانية (١)
هي الطبعة التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني أمير المؤمنين سنة (١٣١١) هـ من الهجرة النبوية، كما أمر أن يكون الطبع على النسخة
_________________
(١) لقد طُبع الصحيح طبعات كثيرة جدًا أشير إليها على وجه الاختصار:
(٢) طبع في ثمانية أجزاء بمجلدة واحدة سنة ١٢٦٩ هـ بمنبى بالهند.
(٣) طبع في جزأين سنة ١٢٧٠ هـ بدلهي بالهند.
(٤) طبع في عشرة أجزاء وهو طبع حجر وبهامشها النور الساري من فيض صحيح البخاري وهو شرح الشيخ حسن العدوي الحمزاوي سنة ١٢٧٩ هـ بمصر.
(٥) طبع في ثلاثة أجزاء سنة ١٢٨٠ هـ ببولاق بمصر.
(٦) طبع في ثلاثة أجزاء سنة ١٢٧٨ هـ باعتناء كرهل وذلك بليدن.
(٧) طبع في أربعة أجزاء بقلم محمد بك المكاوي سنة ١٢٨٦ هـ ببولاق بمصر.
(٨) طبع في جزأين سنة ١٢٩٢ هـ ببولاق بمصر.
(٩) طبع في جزء واحد سنة ١٢٩٣ هـ في بطرسبرج.
(١٠) طبع في أربعة أجزاء طبع حروف وبهامشها السندي سنتي ١٢٩٩ هـ و١٣٠٩ هـ بمصر.
(١١) طبع أيضًا في أربعة أجزاء وبهامشها حاشية السندي وتقريرات من شرحي القسطلاني وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري سنوات ١٢٩٩ هـ و١٣٠٠ هـ و١٣٢٠ هـ وذلك بمطبعة محمد مصطفى بمصر.
(١٢) طبع في أربعة أجزء سنة ١٣٠٤ هـ بالمطبعة الخيرية بمصر.
(١٣) طبع في أربعة أجزاء سنة ١٣٠٥ هـ بمطبعة شرف بمصر.
(١٤) طبع في أربعة أجزاء سنتي ١٣٠٦ هـ و١٣٠٩ هـ بالمطبعة الميمنية بمصر.
(١٥) طبع في تسعة أجزاء في ثلاث مجلدات من سنة ١٣١١ هـ بالمطبعة الأميرية ببولاق بمصر وهي الطبعة السلطانية ينظر في ذلك: مقدمة الطبعة السلطانية، طبع جمعية المكنز.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
«اليُونِينيّة» المحفوظة في الخزانة الملوكية بالأستانة.
وأصدر السلطان عبد الحميد أمره إلى مشيخة الأزهر بأن يتولى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة، وكان شيخ الأزهر إذ ذلك الشيخ حسونة النواوي - رحمه الله تعالى - فجمع ستة عشر عالمًا من جهابذة علماء العصر وفحولهم من مختلف المذاهب، وكتبت قائمة بأسمائهم في أول الطبعة كما كتب في أول الطبعة تقرير الشيخ حسونة النواوي ومقدمة كتبها مصححو الطبعة في المطبعة كما كتب جدولًا فيه بعض الأخطاء، التي وقفوا عليها ولم يمكنهم استدراكها في هذه الطبعة.
وتم الانتهاء من طباعة «الصحيح» في مطبعة بولاق المعروفة في ذلك الوقت بالمطبعة الأميرية، لما اشتهرت به من دقة التصحيح، وجودة الحروف بين كل المطابع العربية.
وشرعت المطبعة في طباعته في نفس السنة التي صدر فيها أمر السلطان عبد الحميد، وأتمت طباعتها في أوائل الربيعين سنة (١٣١٣) هـ في تسعة أجزاء.
فقد جاء في آخر هذه الطبعة ما نصه:
تم طبع هذا «الصحيح» بحمد الله على هذا الشكل الجميل والوضع الجليل بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية في أوائل الربيعين سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف من هجرة خاتم الرسل الكرام عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم السلام. اهـ.
وذكر مصححو الطبعة أنهم اعتمدوا على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة من فروع «اليُونِينيّة» المعول عليها في جميع روايات «صحيح البُخارِيّ» الشريف، وعلى نسخ أخرى خلافها شهيرة الصحة والضبط
[ ٢ / ٧٠٧ ]
- كما قالوا في مقدمة الطبع - ولم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك.
وبالتتبع يمكن إلقاء الضوء على بعض هذه النسخ التي اعتمدوا عليها.
فمن الفروع التي اعتمدوا عليها:
١ - فرع عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة (١١٣٤) هـ، وهو فرع متأخر وشهرته ملأت الآفاق، وسبق بيان قيمته العلمية والتاريخية قريبا في المبحث السابق، وقد نص الكتاني في كتابه «فهرس الفهارس» (١) نقلا عن الشيخ طاهر سنبل أنه أحضرها إلى الأستانة؛ ليصحح عليها النسخة الأميرية التي طبعت هناك من «الصحيح» وفرقها السلطان عبد الحميد. اهـ.
وقد ذكر المصححون في هوامش الطبعة «السلطانية» بعض الفروق ونقلوها من نسخة عبد الله بن سالم.
فكانوا يصرحون باسمه أحيانًا كما جاء ذلك على سبيل المثال في ٢/ ٨١، ٩٤، وكثيرًا ما كانوا يعبرون عنها بالفرع المكي، وانظر على المثال الصفحات الحادية عشرة والثالثة عشرة من غيرها من الجزء الأول (٢).
٢ - ومن الفروع التي اعتمدوا عليها كما جاء في تعليقاتهم:
فرع الغزولي، وهو المنسوب لشمس الدين محمد بن أحمد، والموقوف بالتنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، والذي سبق الكلام عليه وبيان قيمته في المبحث السابق، وهو الفرع الذي اعتمد عليه القَسْطَلّانِيّ في «شرحه»:
_________________
(١) ١/ ١٩٩
(٢) وينظر ١/ ٢٩، ٣١، ٣٨، ٣٩، ٢/ ٤٣، ٣/ ٨٣، ٨٩، ١٢٣ وغيرها.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وهذا الفرع يعبر عنه المصححون للسلطانية بالفرع التنكزي (١).
٣ - ومن هذه الفروع الفرع المقابل على أصلي جمال الدين المزي (٧٤٢) هـ وشمس الدين الذَّهبي (٧٤٨) هـ (٢).
٤ - ومن هذه الأصول التي اعتمدوا عليها أصل ابن الحطيئة الذي قابل عليه اليُونِينِيّ نفسه (٣)، وقد جاءت الإشارة إليها في الجزء الرابع (٤) حيث جاء في الهامش روى ابن الحطيئة.
٥ - ومن الأصول المشار إليها أصل الحافظ المنذري (٦٥٦) (٥).
٦ - أصل منقول من نسخة ابن أبي رافع (٦).
كما اعتمدوا على عدة شروح للصحيح ومنها على سبيل المثال:
١ - شرح العلامة القَسْطَلّانِيّ (إرشاد الساري) وذلك لأنه كما سبق حكى نسخة اليُونِينِيّ وقابل عليها متن «الصحيح» وجاء ذلك في إشارات كثيرة (٧).
٢ - شرح العلامة ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) وذلك لبيانه كثيرا من
_________________
(١) كما جاء ذلك في ٣/ ١٦٤ط الحلبي.
(٢) ٢/ ١٩٣ ط الحلبي.
(٣) وينظر هذه النسخة أيضًا في مبحث: أصول أبي ذر الهروي الموجودة في بلاد المغرب من هذه الرسالة.
(٤) صفحة ٤٢ ط الحلبي.
(٥) كما في ١/ ٥٤، ٢/ ٥٣ ط الحلبي.
(٦) كما في ٤/ ١٩٣ ط حلبي.
(٧) منها على سبيل المثال: ١/ ٨، ١/ ١٥، ١٦، ٣/ ٣، ٥، ١٥، ٣٠، ١٥١ وغيرها كثير جدًا، ويراجع قيمة هذا الشرح وعلاقته باليونينة في المبحث الخاص من هذه الدراسة.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
الروايات التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ (١)
وذلك لأن ابن حجر قد نص في «الفتح» أنه اطلع على نسخة اليُونِينِيّ ولا يبعد أن يكون قد اعتمد عليها؛ لما لها من شهرة كما جاء في «هدي الساري» ص: ٢٢٤ (٢).
٣ - «شرح الكرماني» شمس الدين محمد بن يوسف المتوفى سنة (٧٨٦) هـ حيث اهتم بشرحه أيضًا بذكر الاختلافات بين الروايات، وجاءت الإشارة إليه في مواضع كثيرة (٣).
٤ - شرح العيني في «عمدة القاري» وهو بدر الدين محمود بن أحمد العيني، المتوفى سنة (٨٥٥) هـ (٤).
وغير ذلك من الشروح والكتب الأخرى في اللغة العربية والغريب والضبط، والتي لا يتسع المجال لسردها. والله الموفق.
التصويبات التي تمت على الطبعة «السلطانية»
سبق القول: إن السلطان عبد الحميد أمر أن يطبع «الصحيح» في القاهرة في المطبعة الأميرية ببولاق وأن تعطى بعد الطباعة لتصحيحها ومقابلتها لمجموعة من علماء الأزهر المشهود لهم بالتحري والدقة.
والذين قاموا بتصحيح هذه الطبعة في المطبعة، هم الشيخ محمد الحسيني، والشيخ محمود مصطفى والشيخ نصر العادلي ومعهم جماعة من مصححي المطبعة، وباشر الطبعة مع علماء التصحيح محمد بن علي المكاوي، بدعوة من أحمد باشا مختار المندوب العالي العثماني في القطر
_________________
(١) ينظر مثلا: ١/ ٨، ١٥، ١٦، ٣/ ٥، ١٥، ٣٠، ١٥١ وغيرها كثير ..
(٢) يراجع الكلام على (فتح الباري) في المبحث الخاص به.
(٣) ينظر مثلا: ١/ ١٢، ١٥، ٣/ ٧١، ٤/ ١٩٢ وغيرها.
(٤) ينظر مثلا ١/ ١٦.
[ ٢ / ٧١٠ ]
المصري في ذلك الوقت.
وبعد ذلك قابل النسخة أكابر علماء الأزهر الذين اختارهم شيخ الأزهر الشيخ حسونة النواوي وعددهم ستة عشر عالمًا، وقد ذكر أسماءهم بالتفصيل في التقرير الذي وجد مكتوبًا في أول الطبعة.
وبعد قراءتهم خرجوا بقائمة من التصويبات التي صحح بعضها في الطبعة والبعض الآخر لم يصحح لتعذره بعد الطباعة فقاموا بإثبات هذا الجدول أول الطبعة مع تمييز ما تم إصلاحه.
ولم يطبع إلا صفحة واحدة من هذا الجدول وهي المصورة في أول الطبعة «السلطانية» وفيها التصويبات من بداية صفحة (٧) حتى صفحة (١٧٢) من الجزء الأول. ويبدو أنها كانت كثيرة، وأنها لا تقل عن عشر ورقات على أقل تقدير وتشتمل على اختلافات في الشكل أو الرسم أو تسهيل بعض الهمزات أو قطعها أو وصلها، أو ضبط بعض الأسماء التي اختلف فيها.
وبعد الانتهاء من صدور هذه الطبعة قام الشيخ محمد بن علي المكاوي - الذي كان من كبار المصححين بالمطبعة الأميرية، والذي نشر البُخارِيّ بتصحيحه قبل صدور هذه الطبعة وذلك سنة ١٢٨٦ هـ في المطبعة الأميرية أيضًا - في قراءات خاصة به بمراجعة وقراءة الطبعة «السلطانية» مرة أخرى، وقيد ما وجده مما فات اللجنة السابقة، ثم هذب هذا المستدرك ونقحه وعرضه على الشيخ الأستاذ سليم البشري - شيخ المالكية إذ ذاك - وراجعه فيه من أوله إلى آخره، وبعد تهذيبه وتنقيحه قدمه لأحمد باشا مختار؛ ليأمر بما يراه فأمر بطبعه لتعم الفائدة.
وطبع منه الشيخ محمد المكاوي عدة نسخ زهاء الأصل على نفقته، وهذه التصويبات يوجد منها نسخة خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٥٢٢)
[ ٢ / ٧١١ ]
حديث بعنوان جدول الخطأ والصواب، وهو يشتمل على اختلافات في الشكل أو الرسم الذي توبع فيه رسم المصحف، أو تسهيل بعض الهمزات أو قطعها أو وصلها، أو ضبط بعض الأسماء التي اختلف ضبطها أو صرفها مما لا يخلو منه كتاب أصلًا.
وقد قامت جمعية المكنز الإسلامي في طبعتها التي صورت فيها الطبعة «السلطانية» بنشر هذا الجدول مع نشر المقدمة التي كتبها الشيخ محمد بن علي المكاوي وذلك في آخر مجلد منها.
وهي في أربعة عشر صفحة، وكان الشيخ علي المكاوي يكتب الجزء ثم الصفحة ثم السطر، ويذكر الخطأ وصوابه بعد ذلك، وربما كان يذكر دليلًا على ما رآه صوابًا.
فمثلًا يقول في الصفحة (١٨) من الجزء الأول سطر (١): (أبان) ضبطه بالمنع من الصرف وقد نص النووي في شرحه على مسلم أن الأجود صرفه (١).
ويقول أيضًا في الجزء الرابع (ص: ٦) سطر (٩): وحسان بن ثابت بإسقاط ألف ابن، صوابه: وحسانُ ابن ثابت بإثبات ألف ابن لأنه مخبر به. وغير ذلك.
الطبعة الثانية والثالثة من الطبعة «السلطانية»:
وهذه الطبعة «السلطانية» نفذت فور صدورها وأعيد طبعها في المطابع الأميرية في السنة التالية مباشرة بما عرف بطبعة (١٣١٤) هـ وتمت في (١٣١٥) هـ واشتهرت بالفكهانية، وهذه الطبعة الفكهانية صححها الشيخ محمد الحسيني، وذكر في آخر الجزء التاسع والأخير منها أنهم طبعوها
_________________
(١) «شرح مسلم» للنووي ١/ ٩٥.
[ ٢ / ٧١٢ ]
على مثال «السلطانية»، وقام نفس الفريق السابق بتصحيحها الحرف بالحرف والشكل بالشكل والضبط بالضبط، وتم الانتهاء منها في أوائل ربيع الآخر (١٣١٥) هـ، وكان القائم بنفقات طبعها التاجر الشهير حضرة محمد أفندي حسين عيد، واشتهرت بالفكهانية نسبة إلى تجارة محمد أفندي؛ حيث كان يتاجر في الفاكهة.
كما ذكر الشيخ محمد الحسيني أن هذه الطبعة كان فيها بعض الأخطاء التي لاحظها عند قراءته لـ «الصحيح» في رواق الأتراك بالأزهر الشريف سنة (١٤٢٠) هـ مع المقارنة بين «السلطانية» والفكهانية ثم ذكر بعض الأخطاء وتصويبها.
كما علق على الفكهانية أيضًا الشيخ محمد بن علي المكاوي، ويوجد من هذا التعليق نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢٧٣) حديث تيمور ميكروفيلم رقم (٢٥٤٥٦).
ثم صدرت سنة (١٣٢٥) هـ طبعة تقلد هذه الأخيرة (عرفت باسم كالمطبوع)؛ وذلك أنها حاكت طبعة (١٣١٤) هـ حتى كأنها أخذت عنها بالتصوير ولم يكن يستعمل بعد، فلو اشتبه النقط بين التاء والثاء في طبعة (١٣١٤) هـ نراه مشتبهًا في نسخة كالمطبوع مما يدل على مدى دقة المحاكاة وانتباههم إلى كل ضبط وشكل.
ثم أقبل الطلب على اقتناء هده الطبعة فتسارعت المطابع العربية في إعادة طبعها، فأعادت طباعتها مكتبة الحلبي بمصر، ومطابع الشعب بمصر، ودار الجيل بلبنان، وحديثًا كثرت طبعات الصحيح، وتلاعب المحققون في النص، مما أدى إلى تعدد النصوص، حتى إنك لا تجد طبعة تتفق مع الأخرى، وكل قائم على تصحيح طبعة يدعي أن منهجه هو الصواب.
والسبب الحقيقي في كل ذلك عدم الرجوع إلى أصول خطية لمتن
[ ٢ / ٧١٣ ]
الصحيح، وإنما اعتمادهم جميعًا على الطبعة «السلطانية»، وإذا لاحظنا منهج اليُونِينِيّ في نسخته وأنه جمع عددًا من الروايات مستخدمًا الرموز التي تدل عليها، تبين لنا بوضوح عدم إمكان الوصول إلى نص للصحيح من خلال عمل اليُونِينِيّ مجردًا عن الرموز، اللهم إلا إذا انتزعنا رِواية واحدة، وتتبعناها وحذفنا ما عداها، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى الحديث عن كيفية الوصول إلى نص صحيح.
كل ذلك أعدم الثقة في كل الطبعات الموجودة حديثًا، مما جعل الحاجة ماسة إلى إعادة إخراج الطبعة «السلطانية» مرة أخري.
وكان السبيل إلى ذلك أحد طرق ثلاث:
١ - تصوير الطبعة «السلطانية» التي طبعت سنة (١٣١٣) هـ ولا بأس بخدمتها دون التصرف في النص الأصلي، وذلك مثل ما فعل الدكتور زهير الناصر في طبعة طوق النجاة، وما فعلته جمعية المكنز الإسلامي.
٢ - محاولة حكاية نسخة اليُونِينِيّ، والاعتماد على «السلطانية» ولكن بطريق الطباعة الحديثة، ويتم التعامل مع الرموز بذكر ما تدل عليه، كما فُعل في طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر، بإشراف الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.
٣ - محاولة الاقتصار على بعض الروايات مثل رِواية أبي ذر الهَرَويّ، عن شيوخه الثلاثة مثلًا، مثل المحاولة التي قام بها الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، وإن كانت ليست على الوجه المطلوب.
ولذا سأتحدث عن هذه الأعمال باختصار.
[ ٢ / ٧١٤ ]
طبعة دار طوق النجاة
هي الطبعة التي أشرف عليها واعتنى بها محمد زهير بن ناصر الناصر المشرف على أعمال الباحثين بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالمدينة المنورة.
نشرتها دار طوق النجاة للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت بلبنان، وصدرت منها الطبعة الأولى سنة ١٤٢٢ هـ. وهي طبعة فخمة في أربع مجلدات من القطع الكبير، وصورت عن الطبعة «السلطانية» التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني ببولاق سنة (١٣١١) هـ، والتي تم الانتهاء منها سنة (١٣١٣) هـ من الهجرة النبوية في تسعة أجزاء، والتي سبق الكلام عليها بالتفصيل.
وبعد تصوير هذه الطبعة قاموا بخدمتها، وكانت خطتهم في إخراج هذه الطبعة كما يلي:
١ - اعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في عدّ أحاديث وكتب وأبوب «صحيح البُخارِيّ»، وما فاته من ترقيم بعض الأحاديث أو الأبواب يُعطى له الرقم السابق مع إضافة رمز (م)، إشارة إلى تكرار الرقم السابق، وفي اعتماد هذا الترقيم تسهيلٌ وتيسيرٌ على الباحثين في الرجوع مباشرة إلى كتاب «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني، لأنّ المكتبة السلفية ومطبعتها في القاهرة اعتمدت هذا الترقيم في طبعها «فتح الباري» سنة ١٣٨٠ هـ.
٢ - الإشارة في أعلى كل صفحة إلى أماكن الأحاديث المذكورة فيها من كتاب «عمدة القاري» للحافظ العيني، ومن كتاب «إرشاد الساري» للقسطلاني، وذلك بذكر رقم الجزء والصفحة فيهما، ليتمكن القارئ من الرجوع إليهما والاستفادة منهما بُيسْرٍ وسهولة.
[ ٢ / ٧١٥ ]
٣ - الربط بين أحاديث «صحيح البُخارِيّ» وبين كتاب «تحفة الأشراف» للحافظ المزي، والإشارة في الهامش إلي رقم هذا الحديث في «تحفة الأشراف»، وذكر رموز من أخرجه - إنْ وجد - تحت الرقم المتسلسل له، وذلك حسب الخطّة التي سلكها الحافظ المِزّي في تصنيف كتابه، بحيث يتسنّى للقارئ مباشرة معرفةُ من شارك الإمام البُخارِيّ في تخريج هذا الحديث.
٤ - الربط بين الأحاديث المعلَّقة الواردة في «صحيح البُخارِيّ» وبين كتاب «تغليق التعليق» للحافظ ابن حجر العسقلاني، والإشارة في الحاشية إلى موضع كل حديث معلَّق من كتاب «تغليق التعليق» بذكر الرمز (تغ) اختصارًا لاسم الكتاب، مع رقم الجزء والصفحة، تيسيرًا للباحث للوقوفِ على هذا الحديث المعلَّق ومعرفةِ من وصله.
٥ - الإشارة في الحاشية السفلى إلى أرقام الأحاديث المكررة في كل موضعٍ وَرَدَتْ فيه من الصحيح، وبذلك يتسنى للباحث معرفةُ هذه الأطراف ومراجعتُها عند كل حديث يقف عليه.
وبعد أن ذكروا خطتهم في هذه الطبعة ذكروا أيضًا الطبعات التي اعتمدوا عليها وهي كما يلي:
- «فتح الباري بشرح صحيح البُخارِيّ» للحافظ ابن حجر العسقلاني: الطبعة الأولى بالمطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة عام ١٣٨٠ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، في ١٣ جزءًا.
- «عمدة القاري في شرح صحيح البُخارِيّ» للعلامة بدر الدِّين العيني: عنيت بنشره إدارة الطباعة المنيرة بالقاهرة عام ١٣٤٨ هـ، ٢٥ جزءًا في ١٢ مجلدًا.
- «إرشاد الساري لشرح صحيح البُخارِيّ» للحافظ شهاب الدين
[ ٢ / ٧١٦ ]
القَسْطَلّانِيّ: الطبعة السادسة بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق عام ١٣٤٠ هـ، في ١٠ أجزاء.
- «تغليق التعليق» للحافظ ابن حجر العسقلاني: تحقيق سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، الطبعة الأولى بالمكتب الإسلامي ببيروت ودار عمار بعَمّان الأردنية عام ١٤٠٥ هـ، في ٥ أجزاء.
- «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» للإمام جمال الدِّين المِزّي: تحقيق عبد الصمد شرف الدين، الطبعة الأولى بالدار القيمة بالهند عام ١٣٨٤ هـ، في ١٣ جزءًا.
وقد ذكر قبالة كل حديث في الحاشية باقي الكتب الستة التي أخرجت الحديث، وذلك باستخدام الرموز وهي (خ) للبخاري، (م) لمسلم، و(د) لأبي داود، (ت) للترمذي في «السنن»، (تم) للترمذي في «الشمائل»، (س) النسائي في «السنن»، (سي) النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة، (ق) لابن ماجه، (ع) لما اتفق عليه الجماعة الستة.
وكتب الدكتور محمد زهير مقدمة لهذه الطبعة تكلم فيها باختصار شديد عن البُخارِيّ و«صحيحه»، وعن الرُّواة عنه، ونسخة الحافظ اليُونِينِيّ وتوثيقها، وخطتهم في إخراج هذه الطبعة، والدوافع التي جعلتهم يخصون هذه الطبعة.
وصوروا الطبعة «السلطانية» حتى التقارير التي كتبت من أولها وجدول الخطأ والصواب الوارد من قبل علماء الأزهر، والفهرسة التي صنعها مصححو الطبعة، كل ذلك حرصًا على نشر هذه الطبعة التي تكاد تكون قد فقدت، فجزاهم الله خيرًا على هذا العمل الجليل.
ومن تمام العمل الذي أعطى له أجمل صورة أنهم جعلوا الرموز سواء كانت في الحاشية أو في الأصل وبدايات الأحاديث وأسماء الكتب والأبواب بالمداد الأحمر تميزًا وإبرازًا لها.
[ ٢ / ٧١٧ ]
طبعة دار الجيل بيروت
هي الطبعة التي طبعتها دار الجيل ببيروت بلبنان، ونقلتها عن الطبعة «السلطانية» ولم يكتب سنة الطبع، إلا أنها منقولة من الطبعة «السلطانية» وكتب بهوامشها كل التقييدات التي ذكرها مصححو الطبعة «السلطانية».
وقُدّم لهذه الطبعة بمقالة للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - تكلم فيها عن تفكيره في القيام بالإشراف على إخراج كتاب «صحيح البُخارِيّ» إخراجًا صحيحًا متقنًا موثقًا عن الطبعة «السلطانية» المطبوعة بمصر سنة ١٣١١ - ١٣١٣ هـ، والتي تليها، والتي طبعت على مثالهما سنة ١٣١٤ هـ.
وقال: منذ بضع عشرة سنة فكرت في طبع «صحيح البُخارِيّ» بطلب أحد الناشرين إذ ذاك، ثم لم يقدر أن يتحقق ما أردنا. اهـ.
وتكلم عن الطبعة «السلطانية» والنسخة «اليُونِينيّة»، وعرّف بهما، وترجم لليونيني، وتكلم عن نسخته الخاصة من الطبعة «السلطانية»، وعنايته بها هو ووالده رحمهما الله تعالى.
كما تكلم عن مصير النسخة «اليُونِينيّة» الأصلية، وهل جاءت إلى مصر أم لا؟
وهي مقدمة على صغر حجمها إلا أنها في غاية النفاسة، ويبدو أنها كانت مقالة في إحدى المجلات، فهي إلى المقالة أقرب من التقدمة لطبعة دار الجيل هذه؛ لأنه لم يتكلم عن الطبعة من قريب أو بعيد، لا إشارة ولا تصريحًا، مما يوهم أنه أشرف على الطبعة، وهذا غير صحيح، وإنما الطبعة تحاكي الطبعة «السلطانية».
ومما يجدر التنبيه إليه في هذه الطبعة أن الناشر ذكر في المقدمة نص ما وجد على النسخة «السلطانية» التي صار عليها الطبع، وهو تقرير الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر، والمقدمة التي كتبها مصححو النسخة
[ ٢ / ٧١٨ ]
في المطبعة.
وعند كلام الشيخ حسونة على التصويبات التي وقف عليها علماء الأزهر وأنهم وضعوها في جدول في أول الطبعة ذكر الناشر أنهم استدركوا هذه التصويبات في هذه الطبعة، فجاءت خالية منها ولذا لم يوضع جدول في أول الطبعة.
وهذه الطبعة في ثلاثة مجلدات، كل مجلد ثلاثة أجزاء من تقسيم الطبعة «السلطانية»، كل صفحة عشرون سطرًا، وكل سطر في حدود أربع عشرة كلمة ولكل صفحة حاشية من خارج الصفحة.
وهي تخالف الطبعة السلطانية في عدد الصفحات وعدد السطور.
طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
هي الطبعة التي صدرت عن لجنة إحياء التراث والسنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بجمهورية مصر العربية، وذلك بناء على طلب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد للسكرتير العام للمجلس في ظل قيادة الحكومة المصرية؛ فطلب من الشيخ محمد محيي الدين اختيار لجنة لهذا المشروع، وهو إحياء وتحقيق كتب السنة الستة تحقيقًا علميًّا دقيقًا.
وأشرف الشيخ محمد محيي الدين على فريق من العلماء الذين عُرفوا بالتحري والدقة، وهم كما ذكرهم الشيخ محمد محيي الدين في المقدمة: الشيخ محمد محمد السماحي، والشيخ أحمد إبراهيم الشعراوي، والشيخ عبد العظيم الشناوي، والشيخ محمود فرج العقدة.
وكان أول عمل بدأوا به هذا المشروع هو «صحيح البُخارِيّ».
وكانت الفكرة الأساسية في إخراجه قائمة على محاكاة الطبعة «السلطانية» التي سبق الحديث عنها، ولكن مع تحويل الرموز التي استعان بها اليُونِينِيّ إلى ما تدل عليه من عبارات، تيسيرًا على الباحثين، مع إضافة
[ ٢ / ٧١٩ ]
بعض الأشياء الأخرى التي ذكروها في منهجهم في المقدمة كترقيم الأحاديث، وعمل فهارس للكتب والأبواب، والألفاظ وغير ذلك.
والفكرة في ذاتها جليلة وجديرة بالتقدير، وتحرص على الجمع بين الاختلافات بأسلوب ميسر مبني على ما ابتكره اليُونِينِيّ.
وفعلًا تم بذل الجهد والوسع في إخراج هذا الكتاب بهذه الصورة، ولكن يبدو - وللأسف الشديد - أنهم لم يتموا هذا العمل بهذه الطريقة؛ حيث صدرت هذه الطبعة في أحد عشر جزءًا. المطبوع منها بهذه الطريقة سبعة أجزاء فقط بما يعادل آخر سورة المؤمن (غافر) من كتاب التفسير، والأجزاء الأربعة الباقية اكتفوا بإثبات النص مع بعض معاني المفردات دون النظر إلى حكاية اختلاف الروايات، وكأن القائمين على طباعة الأجزاء الباقية قد بدا لهم تغيير المنهج ولم يقتنعوا بالفكرة التي بدأ الكتاب على أساسها، ولو تم كل الصحيح بنفس الطريقة الأولى لتم النفع، والله تعالى الهادي لأقوم سبيل.
وقد كتب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد مقدمة لهذه الطبعة تكلم فيها عن فكرة المشروع ومنهج العمل فيه، وتكلم عن الإمام البُخارِيّ و«صحيحه» وعمل اليُونِينِيّ وهي مقدمة نفيسة، خاصة في بيان حياة البُخارِيّ ومنهجه في «الصحيح».
ومن الجدير بالذكر أن المحققين في السبعة أجزاء الأولى قد بذلوا جهدًا مشكورًا في محاكاة الطبعة «السلطانية»، مع إضافة بعض الزيادات من الشروح، والكتب الأخرى التي خدمت الصحيح، مع حذف بعض التعليقات التي كتبها مصححو الطبعة «السلطانية»، ولكنهم حكوا كل الخلافات التي وردت في الرموز، سواء كانت في الأصل أو في الحاشية. فجزاهم اللهم خير الجزاء.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
طبعة جمعية المكنز الإسلامي
من الجهود التى بذلت في إعادة نشر الطبعة السلطانية ما قامت به جمعية المكنز الإسلامي - وهي جمعية تعنى بنشر التراث الإسلامي وخدمته - حيث قامو بتصوير الطبعة «السلطانية» المطبوعة سنة ١٣١٣ هـ ولكن دون أي أعمال إضافية إليها، اللهم إلا إذا استثنينا المقدمة التي كتبوها، ونص جدول تصويب الأخطاء التي وجد في الطبعة «السلطانية» لـ «صحيح البُخارِيّ» لكاتبه محمد بن علي المكاوي، والمقدمة التي كتبت لهذه الطبعة أو لهذه الصورة لم يذكر من الذي أعدها أو كتبها، وهي مقدمة تحدثوا فيها عن النسخة «اليُونِينيّة» والطبعة «السلطانية».
وهذه الطبعة التي قامت بتصويرها جمعية المكنز الإسلامي قد أضافت جديدًا للطبعات الأخرى وهو أنها نشرت نص جدول الخطأ والصواب الخاص بالشيخ محمد بن علي المكاوي، وهو من كبار المصححين بالمطبعة الأميرية في قراءة خاصة منه للطبعة «السلطانية»، والذي سبق الحديث عنه في موضعه.
كما قامت الجمعية بربط أرقام صفحات هذه الطبعة لطبعتهم التي قاموا بنشرها بعد أن قاموا بصفها على الحاسب الآلي، وتكميلها ببعض المكملات التي لابد منها، وهو عمل مستقل غير هذا مما لا يسع المجال لتفصيله هنا.
[ ٢ / ٧٢١ ]
الفَصْل الثاني:
عناية المغاربة بالصحيح
ويتكون من ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات عندهم.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي.
- ترجمته، روايته، نسخته، أهم النسخ المأخوذة منها.
المبحث الثالث: نسخة ابن سعادة.
- ترجمته، روايته، نسخته، أهم النسخ المأخوذة منها.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
المبحث الأول:
عناية المغاربة بصحيح البُخارِيّ (١)
«صحيح البُخارِيّ» له منزلة عظيمة عند المغاربة، وكما كان لأهل المشرق عناية بالصحيح فإن أهل المغرب كانت لهم به عناية أيضًا.
وكما اشتهرت بعض روايات الصحيح ونسخه عند المشارقة، فإن بلاد المغرب كان لهم أيضا حظ وافر في العناية بالصحيح.
وقد سبق القول بأن «الجامع الصحيح» رواه عن مؤلفه محمد بن إسماعيل البُخارِيّ جم غفير من الرُّواة.
والذي وصل إلى المغرب الإسلامي من هذه الروايات روايتان:
الأولى: رِواية النَسَفْيّ: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج (٢٥٨) هـ.
الثانية: رِواية الفَرَبْريّ: أبو عبد الله محمد بن يوسف (٣٢٠) هـ، وأكثر الروايات من طريقه.
قال القاضي عِياض في «مشارق الأنوار»: ولم يصل إلينا - من غير هذين الطريقين - عنه، ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما، على كثرة رواة البُخارِيّ عنه لكتابه (٢).
ورِواية الفَرَبْريّ هي التي اشتهرت في العالم الإسلامي، وفي هذا يقول ابن حجر العسقلاني: والرِّواية التي اتصلت - بالسماع - في هذه الأعصار وما قبلها هي رِواية محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفَرَبْريّ (٣).
_________________
(١) عندما أطلق القول وأقول: المغاربة أو بلاد المغرب أو أهل المغرب، فالمراد بلاد الشمال الغربي الأفريقي وبلاد الأندلس.
(٢) ١/ ٣٦، وينظر «الغنية» ص: ١٠٣ - ١٠٥.
(٣) «هدي الساري» ص: ٤٩١ - ٤٩٢.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
ورِواية النَسَفْيّ يرجع الفضل إلى الإمام الخطابي (٣٨٨) هـ في الاحتفاظ ببعض معالمها، ونقل بعض النصوص منها، وذلك من خلال كتابيه: «أعلام الحديث» الذي شرح فيه الصحيح واعتمد فيه على رِواية النَسَفْيّ، وكتابه الآخر «غريب الحديث».
وأول من وقفت له من بلاد المغرب على ذكر لهذه الرِّواية بعد الخطابي (٣٨٨) هـ هو الإمام أبو علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ فقد ذكر في أسانيده للصحيح في أول كتابه «تقييد المهمل» أن من بين الروايات التي روي الصحيح من خلالها رِواية النَسَفْيّ، أخبره بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ عنه.
وذكر موضع النقص من نسخته (١)
ومن العلماء المغاربة الذين تحملوا هذه الرِّواية ونقلوا منها:
القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) والحافظ أبو بكر بن خير الأشبيلي (٥٧٥) هـ في فهرسته (٣) وكلاهما من طريق أبي علي الجَيّانيّ.
أما رِواية الفَرَبْريّ فقد دخلت إلى الغرب الإسلامي في وقت مبكر، وانتقلت إليه بواسطة روايات اشتهر منها ستة يتصل أصحابها بالفَرَبْريّ مباشرة:
_________________
(١) ١/ ٦٧.
(٢) ١/ ٣٩، و«الغنية» ص: ١٠٣ - ١٠٥.
(٣) ص: ٩٧ - ٩٨.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
١ - راوية أبي علي بن السكن: سعيد بن عثمان بن سعيد المصري (٣٠٣) هـ.
٢ - رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ: محمد بن أحمد بن عبد الله، (٣٧١) هـ.
٣ - رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ: محمد بن محمد بن يوسف، (٣٧٣) هـ.
٤ - رِواية أبي علي الكُشّانيّ: إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب (٣٩١ هـ).
٥ - رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ: إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم البلخي (٣٧٦) هـ.
٦ - رِواية السَّرْخَسي: عبد الله بن أحمد بن حمويه (٣٧١) هـ.
٧ - رِواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني: محمد بن مكي بن زراع (٣٨٩) هـ
أولا: رِواية الإمام الحافظ أبي علي، سَعِيد بن السَّكن المصري البزّاز، البغدادي الأصل (٣٥٣) هـ،
وقد روى عنه من الأندلسيين: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الجهني الطليطلي ساكن قرطبة (٣٩٥) هـ، جاء في ترجمته (١): "ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، فسمع من أبي علي بن السكن بمصر.
ومن طريق ابن أسد الجهني انتقلت رِواية ابن السكن إلى بلاد المغرب حيث روى «الصحيح» عن الجهني الإمام أبو علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ ومن طريقه اشتهرت.
فرواها القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) والحافظ
_________________
(١) ينظر ترجمته في «تاريخ علماء الأندلس» ص: ٢٤٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٨٣.
(٢) ١/ ٣٩.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
أبو بكر بن خير الإشبيلي (٥٧٥) هـ في فهرسته (١) وكلاهما من طريق أبي علي الجَيّانيّ.
وذكر الاستاذ محمد المنوني أنه يوجد منها المجلد الأول في الخزانة الوقفية بالجامع الأعظم من مدينة تازة وهي بخط عبد المهيمن بن علي بن علي بن حرز الله التميمي (٦٩٨) هـ وهو منقول ومقابل بأصل أبي الحسن يونس بن محمد بن مغيث القرطبي المعروف بابن الصفار (٥٣٢) هـ (٢) المكتوب بخط أبي عمر الطلمنكي (٣).
وهناك طرق أخرى عُرفت بها رِواية ابن السكن في المغرب منها:
رِواية أبي جعفر ابن عبد الله وأبي عبد الله بن مفرج، وكانت رحلتهما وسماعهما مع الجهني الطليطلي.
ومن طريق أبي عبد الله بن مفرج يسند ابن حزم رِواية ابن السكن في كتابه «المحلى» حيث يسوق حديثين من «الصحيح» رواهما عن شيخه عبد الله بن ربيع، عن ابن مُفَرِّجٍ، عن ابْن السَّكن، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ .. (٤).
كما أن القاضي عِياض يتصل بنفس الرِّواية بواسطة كل من ابن عون وابن مفرج (٥).
_________________
(١) ص: ٩٧ - ٩٨
(٢) هو شيخ ابن خير الإشبيلي في رِوَاية ابن السكن، حيث يرويها عنه عن القاضي أبي عمر أحمد بن محمد الحذاء عن ابن أسد الجهني عن ابن السكن (الفهرسة ص: ٩٥).
(٣) ذكره في مقالة بعنوان صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية.
(٤) «المحلى» ١/ ٨٢، ١٠٦.
(٥) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٨. و«الغنية» ص: ١٠٣ - ١٠٥
[ ٢ / ٧٢٧ ]
ثانيا: رِواية أبي زَيْد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
ثالثا: رِواية الإمام أبي أحمد، محمد بن محمد بن يوسف بن مكي، الجُرْجانيّ (٣٧٣)، أو (٣٧٤) هـ.
روى عنهما معًا الحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيليُّ (٣٩٢) هـ.
قال أبو علي الجَيّانيّ: وكان سماع أبي محمد الأَصيليِّ وأبي الحَسَن بن القابسي على أبي زَيْدٍ المَرْوَزيّ واحدًا بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. ثم سَمعه بعد ذلك أبو محمد ببغداد على أبي زيد المَرْوَزيّ في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. (١).
وهما عمدته في سنده إلى «الجامع الصحيح»، وهما شيخاه في البُخارِيّ، وقد رافق الأصيلي في رحلته هذه أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني الضرير القابسي، (٤٠٣) هـ، غير أن هذا إنما روي عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وكان الأصيلي هو الذي ضبط له سماعه على هذا الأخير لـ «الجامع الصحيح».
وقد كان القابسي أول من أدخل «صحيح البُخارِيّ» إلى إفريقيا (٢)، كما يعتبر الأصيلي أول من رُوي عنه نفس الكتاب من طرق بعض المغاربة، حيث رواه عنه وعن القابسي أبو عمران الفاسي: موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي، نزيل القيروان، والمتوفى بها عام (٤٣٠) هـ.
ومن جهة أبي عمران الفاسي يتصل عِياض بالقابسي (٣)، ومن جهته
_________________
(١) «تقييد المهمل» ١/ ٦٣.
(٢) كما ذكر ذلك محمد محمد مخلوف في كتابه «شجرة النور الزكية في طبقات المالكية» ص: ٩٧ (٢٣٠) في ترجمة القابسي.
(٣) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٨، و«الغنية» ص: ١٠٣ - ١٠٥
[ ٢ / ٧٢٨ ]
أيضا يتصل ابن عطية بالأصيلي (١).
وكان من كبار أصحاب الأصيلي بالأندلس المهلب بن أبي صفرة أبو القاسم بن أحمد بن أسيد التميمي المري، (٤٣٥) هـ، قال عنه أبو الأصبغ بن سهل القاضي: وبأبي القاسم - يعني: المهلب - حيا كتاب البُخارِيّ بالأندلس؛ لأنه قرئ عليه تفقها أيام حياته، وشرحه واختصره (٢).
وبعد الأصيلي والقابسي يذكر أبو علي الجَيّانيّ راويًّا أندلسيًّا عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وهو عبدوس بن محمد الطليطلي، (٣٩٠) هـ (٣).
ويوجد في مكتبات الأندلس من رِواية الأصيلي نسختان:
الأولى: قطعة تشتمل على أوراق من السفرين الرابع والخامس بخزانة ابن يوسف بمراكش رقم (٣٠١) بخط أندلسي كتبه لنفسه علي بن غالب بن محمد بن خزمون الكلبي وفرغ منه في سنة (٥٣٥) هـ بمدينة باغة من الأندلس، وانتسخه من أصل قوبل بأصل أبي عبد الله بن عتاب، الذي نقله بخطه من نسخة الأصيلي.
الثانية: وتشتمل على السفر الأخير من «الصحيح» ابتداء من أواخر كتاب الأدب، وانتسخه لنفسه محمد بن عبد الله بن أحمد بن القاضي لنفسه، من كتاب قوبل على كتاب الأصيلي، وهو محفوظ بخزانة المعهد الأصيل بتارودانت (٤).
_________________
(١) «فهرس ابن عطية» ص: ٥.
(٢) ينظر: «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» ٣/ ١٢٧٦ (١٢٩٠) ترجمة المهلب.
(٣) حيث يقول: وكذلك عارضت مواضع إشكاله بأصل عبدوس بن محمد الذي بخطه أيضا، وروايته فيه عن المروزي. «تقييد المهمل» ١/ ٦٧. ونقله عنه القاضي عياض في «المشارق» ١/ ٣٨.
(٤) ينظر «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية».
[ ٢ / ٧٢٩ ]
رابعًا: رِواية أبي علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكُشّانيّ (٣٩١) هـ وهو آخرُ مَنْ حَدَّثَ بالصحيح عن الفَرَبْريّ وحقه التأخير وإنما قدمته لارتباط الثلاثة الآتين ببعض.
وهذه الرِّواية رواها القاضي عِياض عن شيخه أبي علي الصَّدفي، عن أبي الحسن ابن أيوب البزار، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الخلال عن الكُشّانيّ (١).
خامسًا: رِواية الإمام المحدث أبي إسحاق، المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ.
سادسًا: رِواية الإمام المحدث أبي محمد، الحَمُّوييّ السَّرْخَسي (٣٨١) هـ.
سابعًا: رِواية المحدث الثقة، أبي الهَيْثَم، الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ.
ومن الرُّواة عن الأخير: كريمة بنت أحمد بن محمد المَرْوَزيّة، (٤٦٣) هـ، وقد روى «الصحيح» عنها في الغرب الإسلامي:
- الشيخ أبو الأصبغ بن عيسى بن أبي البحر الزهري، والخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرئ.
- أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الشارفي الأندلسي، نزل فاس، المتوفى قريبًا من عام (٥٠٠) هـ، ويقول عنه عِياض: وله رحلة حج فيها وسمع من كريمة كتاب البُخارِيّ.
كما رواه عنها مكاتبه أبو علي الجَيّانيّ حسين بن محمد بن أحمد الغساني القرطبي، (٤٩٨) هـ (٢).
وبعد كريمة ننتقل إلى رِواية أبي ذر: عبد بن أحمد الأنصاري الخزرجي الهَرَويّ ثم المكي، (٤٣٤) هـ.
_________________
(١) «الغنية» ص: ١٠٥.
(٢) ينظر: «المشارق» ١/ ٣٦ - ٣٩ و«الغنية» ص: ١٠٣ - ١٠٥
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وأبو ذر يروي عن الشيوخ الثلاثة: (المُسْتَمْلِيّ، والسَّرْخَسي، والكُشْمِيهَني)، وقد صارت روايته بعد ذلك أشهر الروايات المعتمدة.
قال ابن حجر: أتقن الروايات عندنا هي رِواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها (١).
وعن انتشار روايته يقول عِياض: وسمع منه عالم لا يحصى من أهل الأقطار من شيوخ شيوخنا .. وآخر من حدث عنه بالإجازة: أحمد بن محمد الإشبيلي بعد الخمسمائة (٢).
ورِواية أبي ذر هذه اشتهرت اشتهارا واسعًا في بلاد المغرب كما اشتهرت في بلاد المشرق.
يقول ابن رشيد (٧٢١) هـ في كتابه «إفادة النصيح» (٣) في الكلام على أشهر الروايات في بلاد المغرب عن أبي ذر الهَرَويّ: وسمعه عليه من الأندلسيين العدد الكثير، ومن أشهر الطرق المعروفة إليه اليوم بالمغرب التي اعتمدها الرُّواة رِواية القاضي أبي الوليد الباجي عنه، وأبي العباس العذري، وأبي عبد الله بن شريح المقري، وأبي عبد الله بن منظور القيسي. اهـ.
والرُواة عن أبي ذر من أهل المغرب كثيرون، وأخص بالذكر منهم الذين اشتهرت رواياتهم وهم:
أولًا: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن منظور القيسي الإشبيلي، (٤٦٩) هـ.
رواها عنه:
١ - ابن خير الإشبيلي وقال: وقال ابن منظور: سمعته عليه في
_________________
(١) «فتح الباري» ١/ ٧.
(٢) «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» ٢/ ٦٠١ (٥٢٤) نقلا عن «المدارك»
(٣) ص: ٤٥.
[ ٢ / ٧٣١ ]
المسجد الحرام، عند باب الندوة سنة (٤٣١) هـ، وقرئ عليه مرة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي هذا، في المسجد الحرام عند باب الندوة في شوال من سنة (٤٣١) هـ (١).
٢ - ابن رشيد السبتي كما في «إفادة النصيح» (٢).
ثانيًا: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٧٤) هـ.
ورواه عنه أبو علي الصَّدفي، ومن طريقه اشتهرت هذه الرِّواية وسبق الحديث عن هذه الرِّواية بالتفصيل في النسخ الموجودة من رواية أبي ذر.
وممن رواه عن أبي علي الصَّدفي من الأعلام:
١ - القاضي عِياض (٥٤٤) هـ
وعن القاضي عِياض روى كثير من الأعلام منهم أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي (٥٧٦) هـ الذي روى من طريقه رِواية القاضي عِياض، شرفُ الدين اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ صاحب «اليُونِينيّة» كما جاء ذلك في مقدمته التي كتبها، التي سبق وذكرها كاملة عند الحديث عن نسخته.
وقد استوفيت ترجمته في أثناء الكلام عن كتابه: «مشارق الأنوار». وقد نص على روايته هذه في «المشارق» (٣)، و«الغنية» (٤).
٢ - صهره أبو عمران موسى بن سعادة.
وسيأتي الحديث عنه وعن نسخته في مبحث مستقل.
ثالثًا: ابن شريح محمد بن شريح بن أحمد الرعيني الإشبيلي، (٤٧٦) هـ.
_________________
(١) «الفهرسة» ص: ٩٤.
(٢) ص: ٤٦.
(٣) ص: ٩.
(٤) ص: ١٠٥.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
رواها عنه:
١ - ابن خير الإشبيلي (١) وقال: قال محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٠٣ هـ.
٢ - ابن رشيد السبتي في «إفادة النصيح» (٢).
رابعًا: أحمد بن عمر بن أنس العذري المري، (٤٧٨) هـ
رواها عنه أبو علي الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٣) وعنه القاضي عِياض كما في «الغنية» (٤).
خامسًا: ابن الغرديس: بكار بن برهون بن عيسى التغلبي الفاسي ثم السجلماسي، كان بقيد الحياة عام (٤٩٢) هـ من الرُّواة المغاربة عن أبي ذر، يقول عنه ابن الأبار: وكان قد حج قديمًا، وسمع «صحيح البُخارِيّ» من أبي ذر الهَرَويّ، وعمر طويلًا حتى انفرد بروايته، يقال: إنه بلغ المائة أو أربى عليها، وبيته شهير بمدينة فاس، ونزل هو سجلماسة (٥).
سادسًا: كما عرفت في بلاد المغرب رِواية أبي ذر من رِواية ابنه أبي مكتوم عيسى وأول من جاء بها ميمون بن ياسين الصنهاجي من أمراء المرابطين (٦).
_________________
(١) «الفهرسة» ص: ٩٤
(٢) ص: ٥١.
(٣) ١/ ٦١.
(٤) ص: ١٠٤.
(٥) «المعجم في أصحاب أبي علي الصَّدفي» أثناء ترجمة أبي القاسم ابن أبي الورد رقم ١٧ ص: ٢٢.
(٦) «الوجيز في المجيز والمجاز» ص: ١٢٤ - ١٢٥. وينظر «السير» ١٧/ ٥٦١ ترجمة أبي ذر الهروي وينظر «السير» أيضًا ١٩/ ١٧٢ ترجمة ابن أبي ذر.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
المبحث الثاني:
نسخة أبي علي الصَّدفي (٤٥٤ - ٥١٤) هـ (١)
تمهيد:
يعتبر الإمام الصَّدفي علمًا من أعلام رواة الحديث وحفاظه في العصور الأولى للإسلام، فإنك لا تكاد تجد مؤلفًا أو مؤرخًا أرخ أو ألف بعد وفاته إلا وقد نال حظًّا من ذكر أخباره وتراجمه.
ولعل أشمل تعريف وأوفاه بالحافظ أبي علي الصَّدفي هو ما قام به عَلَمان عظيمان من أعلام التاريخ والحديث، وهذان العَلَمان هما:
القاضي عِياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ)، الذي خصه بكتابه «المعجم» ضَمَّنه أخباره وأخبار شيوخه الذين بلغوا نحوًا من مائتي شيخ (٢).
والآخر هو المحدِّث العلامة محمد بن عبد الله أبي بكر القضاعي، المعروف بابن الأبار المتوفى سنة (٦٥٨ هـ)، حيث خصه بنوع آخر يكمل عمل القاضي عِياض، تناول فيه ذكر تلامذة الحافظ الصَّدفي.
ويتضح من صنيع هذين الإمامين تلك المكانة العالية التي كان يتبوأ بها أبو علي الصَّدفي.
وإذا كانت الأقدار لم تُوفِّق العلماء إلى العثور على معجم القاضي عِياض - حيث قد عُني به كثير منهم وتقفوا آثاره، ولكن لم يعرف له ذكر حتى الآن - فإنها لحسن الحظ قد وضعت بين أيدينا المعجم الحافل الذي عني بجمعه ابن الأبار حيث خرج للنور (٣).
_________________
(١) سأتكلم بالتفصيل عن هذه النسخة نظرًا لأهميتها وتفرع كثير من نسخ بلاد المغرب عنها فشهرتها في بلاد المغرب شهرة نسخة اليُونِينِيّ عند المشارقة.
(٢) كما ذكر الكتاني في كتابه «فهرس الفهارس» ٢/ ٧٠٥.
(٣) وقد طبع في مدريد سنة ١٨٨٥ م، وقد اعتمدت فيه على طبعة دار الكتاب العربي بالقاهرة، المطبوعة سنة ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٨ م.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وقد ذكر فيه ابن الأبار ثلاثمائة وخمس عشرة شخصية من كبار المحدثين وغيرهم في مختلف الفنون، كلهم تتلمذوا على يد أبي علي الصَّدفي.
وهذا المعجم يكفي في إبراز المكانة العلمية التي تميز بها هذا الإمام، ومع ذلك فإنه لمن المفيد أن نتلمس أهم أخبار هذا الإمام من خلال بعض المصادر التي ترجمت له، وبخاصة كتاب «الغنية» للقاضي عِياض.
اسمه ونسبه (١): هو القاضي الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن فيرة بن حيون الصَّدفي، المعروف بابن سُكّرة.
أصله من سرقسطة من قرية على أربعة أميال منها، كانت تعرف بمنزل محمود بالثغر الأعلى، وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
نشأته: نشأ أبو علي في بلدته التي ولد بها، فأخذ عن شيوخها، ودرس على مقرئيها، وسمع من أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وابن الصواف، وغيرهم.
_________________
(١) ينظر ترجمته في «الصلة» لابن بشكوال ١/ ١٤٤ - ١٤٦، و«الغنية» للقاضي عياض ص: ١٩٢ - ٢٠١، و«الفهرسة» لابن خير الإشبيلي (٤٧٧، ٤٩٧، ٥١١)، و«تاريخ الإسلام» ٣٥/ ٣٦٧ (٧٠)، و«سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٣٧٦ (٢١٨)، و«تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٢٥٣ - ١٢٥٥، و«المعين في طبقات المحدثين» ص: ١٥٠ (١٦٣٣)، و«الوافي بالوفيات» ١٣/ ٤٣ - ٤٤ (٤١)، و«مرآة الجنان» ٣/ ٢١٠، و«الديباج المذهب» ١/ ٣٣٠ - ٣٣٢، و«غاية النهاية» ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، و«طبقات الحفاظ» (٤٥٥)، و«نفح الطيب» للمقري ٢/ ٩٠ - ٩٣، و«شذرات الذهب» ٤/ ٤٣، و«شجرة النور الزكية» ١/ ١٢٨ - ١٢٩، و«الرسالة المستطرفة» (١٦٥)، و«الأعلام» ٢/ ٢٥٥، «معجم المؤلفين» ١/ ٦٤١ (٤٨٣٧).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ودرس في بلنسية تحت إشراف أبي العباس العذري، ثم سمع بالمرية من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله بن المرابط وغيرهما.
وقد رحل إلى بلاد المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
التقى بمصر بأبي إسحاق الحبال مسند مصر الذي أعطاه إجازة، والقاضي أبي الحسن علي بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وغيرهم.
كما التقى بالإسكندرية بأبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق وغيره.
والتقى بمكة بأبي عبد الله الحسين بن علي الطبري إمام الحرمين، وأبي بكر الطرطوشي وغيرهم، وبالبصرة بأبي القاسم بن شعبة، وأبي يعلى المالكي، وأبي العباس الجُرْجانيّ، وسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره.
ودخل بغداد في السادس عشر من جمادى الآخرة لسنة اثنتين وثمانين وأربعمائة فمكث بها خمس سنين كاملة، وسمع من عدد من محدثيها، منهم: أبو الحسن الطيوري وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون مسند بغداد، والإمام أبو بكر الشاشي وغيرهم، ودخل الشام فسمع بها من الشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر الإسفراييني وغيرهما.
وبعد هذه الرحلة الطويلة التي مر فيها بكل هذه البلاد المشرقية عاد إلى بلاد الأندلس، وذلك في سنة تسعين وأربعمائة، ورحل إليه الناس من كل مكان وكثر الآخذون عنه.
ثم ارتحل بعد ذلك إلى مدينة سبتة مرتين، فأخذ عنه إذ ذاك جماعة
[ ٢ / ٧٣٦ ]
من المشايخ والأصحاب كان منهم القاضي عِياض رحمه الله تعالى.
واستوطن بعد ذلك مدينة مرسية وسمع منه جمهور كبير من الناس إذ ذاك؛ منهم من كان من عداد مشايخه الذين أخذ عنهم، وذلك لتمكنه في الحديث والرجال بعد رحلته المشرقية.
وقد وُلِّيَ القضاء في مدينة مرسية سنة خمس وخمسمائة أيام حكم أمير المؤمنين علي بن يوسف بن تاشفين، فحُمدت سيرته إلى أن استعفى فلم يُعفَ.
وهنا اختفى عن الأنظار عددًا من الشهور إلى أن قُبِل طلبُه بمساعدة عبد الله اللخمي سنة ثمان وخمسمائة، وطلب بعد ذلك لقضاء إشبيلية وامتنع، ولم يخرج إليها حتى عُوفي.
ومن الجدير بالذكر أن أبا علي الصَّدفي كان يتمتع بمكانة كبيرة لدى دولة المرابطين، وقد كان شيخًا لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وقد كان واليًا على مرسية من قبل أخيه أبي الحسن علي بن يوسف أمير المغرب (١).
وقد خرج رحمه الله تعالى للغزو سنة أربع عشرة وخمسمائة مع الأمير أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وحضر يوم قُتُندَة بالثغر الأعلى يوم الخميس لست بقين في ربيع الآخر في تلك السنة، فكان فيمن فُقد رحمه الله تعالى، وختم له بالشهادة، وكان يومئذٍ ابن الستين.
ولقد كان القاضي أبو علي علما من أعلام المعرفة في زمانه، وفضله على الثقافة العربية في بلاد الأندلس والديار المغربية أمر لا يقبل المناقشة، حتى إنك تجد أن جل الأعلام الذين تخرجوا بعده من بلاد الأندلس كان
_________________
(١) «المعجم لابن الأبار» ص: ٥٤، ٥٥ (٤٠).
[ ٢ / ٧٣٧ ]
له عليهم فضل من التلمذة على يديه أو الاستفادة من تلاميذه الذين ربّاهم على يديه.
قال أبو علي الصَّدفي لبعض الفقهاء: خذ «الصحيح» فأذكر أي متن أردت تدقيقه أذكر لك سنده، وأي سند أردت أذكر لك متنه.
وكان مما يتميز به ﵀ أنه مع كثرة مشاغله ووفرة أعماله يعتمد على خط يده هو في كتابة العلم الكثير، وفي كتابة الإجازات العلمية لطلبته التي كان منها ما زكى به نسخة البُخارِيّ التي احتفظ بها ابن سعادة، التي كانت خزانة القرويين تحتضنها، ونسخة الترمذي لأبي الفضل مبارك التي كانت بخزانة الجامع الأعظم بمدينة تازة (١).
نسخة أبي علي الصَّدفي من «الصحيح».
لقد كان مما حرره أبو علي الصَّدفي بخطه الجميل جيد الضبط صحيح الإمام البُخارِيّ في سفر واحد.
وأبو علي يروي «الصحيح» في نسخته هذه عن شيخه أبي الوليد الباجي عن أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ.
وكان يعتني بها، وبها كان يسترشد سائر تلامذته، وكانت أول ما يطلبه السامعون على يد أبي علي.
وقد ظل الناس يعتقدون فقدانها فيما فقد مع ضياع بلاد الأندلس، وأصبح العلماء يعتبرون الكلام عليها من قبيل الوصف المنقول عن بعض من اطلع عليها، ولا يكاد يأتي ذكر أبي علي الصَّدفي إلا ويتمنى المشتغلون بالحديث الوقوف على هذه النسخة، وخاصة المغاربة الذين يعدون روايته أولى بالاعتناء.
_________________
(١) «فهرس الفهارس» ٢/ ١١٠ - ١٣٠.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
ولقد عثر المتأخرون بطرابلس الغرب عام ١٢١١ هـ على أصل عظيم من «الصحيح» بخط الحافظ الصَّدفي وقد أسهبوا في وصفه ونعته، وها أنا ذا أنقل النصوص التي وردت فيما يتعلق بذلك، ثم اتبعه بتعليق إن شاء الله تعالى.
منها ما جاء عن الحافظ العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي المتوفى سنة ١٢٣٩ هـ، بمناسبة رحلته الثانية عام ١٢١١ هـ إلى البقاع المقدسة المسماة الرحلة الصغرى، واجتماعه في ليبيا بالعلامة الشيخ أحمد بو طبل قال ما نصه: "ومن الكنوز التي وقفت عليها بيد أبي الطبل المذكور نسخة من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ في مجلد بخط الحافظ أبي علي الصَّدفي شيخ القاضي عِياض، قال: إنه اشتراها بثمن بخس - في عدة كتب بمدينة إسطنبول - وراودته على بيعها عازمًا على إعطائه مائة دينار ذهبا فيها، فامتنع، ويأبى الله إلا ما أراد، وما هي إلا مضيعة بهذه البلدة، وقد كانت تداولتها الأيدي بالأندلس ومصر في سالف القرون، وعليها من سماعات العلماء - عِياض ممن دونه إلى الحافظ ابن حجر - العجب، وكتب عليها الحافظ السخاوي ما نصه: هي الأصل الذي يعتمد عليه ويرجع عند الاختلاف إليه.
ولقد اعتمد عليها شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر حالة شرحه لـ «الجامع» الذي سماه «فتح الباري» (١).
وعليها أيضا ما نصه: لكاتبه ابن العطار في الشيخ الإمام الحافظ أبي علي حسين بن محمد بن عيسى الصَّدفي كاتب هذا البُخارِيّ، وهو شيخ القاضي عِياض صاحب كتاب «الشفاء» ﵃:
_________________
(١) سيأتي فيما بعد ما يدل على نقل ابن حجر منها.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
قد دام بالصَّدفي العلم منتشرًا مبتشرا وجل قدر عِياض الطاهر السلف السلف
ولا عجيب إذا أبدى لنا دررًا ما الدر مظهره إلا من الصدف
قال ابن العطار: وقلت أيضا في سيدنا ومولانا قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة الكناني الشافعي أدام الله أيامه وأعز أحكامه، وقد حملت له هذه النسخة لمجلسه بالصالحية في العشر الأول من رجب الفرد سنة اثنتين وثمانمائة فنظر فيها وقال:
لو كتبت نسخة واضحة بخط حسن، وقوبلت على هذه لكانت أحسن، فإن كاتبها رجل جليل القدر ﵁:
رأى البُخارِيّ بخط الحافظ الصَّدفي قاضي القضاة إمام النبل والسلف
جمال واسطة العقد الثمين له ولا عجيب بميل الدر للصدف
وقال: مقيد الرحلة سامحه الله: وقد قلت في ذلك وإن لم أكن هنالك:
هذا سماع الإمام الحافظ الصَّدفي بخطه وعليه رونق الصدف
تداولته يد الحفاظ من خلف عن سالف فرماه الدهر بالتلف
وموجب قول ابن جماعة ما ذكر من أن خط الصَّدفي أندلسي، دقيق غير منقوط، إلا أنه يشكل المشكل على عادته وعادة بعض الكتاب، نعم عليها تصحيحات واختلاف الروايات ورموز وتخريجات لا ينتفع بها إلا الماهر في الفن المتدرب على الروايات. انتهى بلفظه ومن خطه المبارك (١).
وبعد تسجيل هذا الحديث عن مخطوطة الصَّدفي في رحلته الصغرى يعود ابن عبد السلام الناصري إلى الحديث عنها في كتابه المسمى بـ «كتاب
_________________
(١) «فهرس الفهارس» ٢/ ٧٠٨.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا» عند ذكره للبدعة الثالثة عشرة.
وفي هذا النص يفيد الشيخ الناصري بعد وصفه لهذه المخطوطة بمثل ما ذكره في رحلته الصغرى أن الغيرة حملته على ألاَّ يسمح بترك هذا الأثر العظيم الذي يعرف هو قيمته ضائعا في طرابلس، فأخبر بوجوده السلطان المولى سليمان عاهل المملكة المغربية آنذاك المعروف بهوايته لنوادر المخطوطات، فيقول كما نقله عنه الكتاني في «فهرس الفهارس»:
ولقد بذلت لمن اشتراه بثمن تافه - في عدة كتب - من أهل طرابلس المغرب من إسطنبول صرة ذهب فأبى بيعه، وبقي ضائعًا في ذلك القطر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم حملتني الغيرة والمحبة على أن أبلغت خبره لإمامنا المنصور أبي الربيع سيدنا سليمان بن محمد أدام الله ملكه وأنجح أمره، فوجه إليه - حسبما شافهني به - ألف مثقال أو ريال - الشك مني - فأجابه من هو بيده: أنه يقدم به لحضرته، وما منعه إلا فتنة الترك فيما بين تونس والجزائر، ثم لما طال الأمر أعاد الكتب بذلك، وإلى الآن لم يظفره الله به، ولقد داعبته ذات مرة قائلا على سماع الصَّدفي المذكور: وماذا لمبلغ هذه الخصلة؟ فوعدني - ووعد الملوك تحقيق - أنه إن ظفر به جرد منه فرعًا، وأعطاني أحدهما على اختياري. اهـ.
وممن أفاض في وصف هذه النسخة الفقيه المدرس أبو العباس أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي في رحلته الحجازية الواقعة عام ١٢١١، قال: لطيفة: وقفت بمحروسة طرابلس على نسخة من البُخارِيّ في سفر واحد في نحو من ست عشرة كراسة، وفي كل ورقة خمسون سطرًا من كل جهة، وكلها مكتوبة بالسواد لا حمرة بها أصلا، وهي مبتدأة بما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، كيف كان
[ ٢ / ٧٤١ ]
بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
وعند تمام كل حديث صورة. (اهـ).
ولا نقط بها إلا ما قل، وبآخرها عند التمام ما صورته: آخر «الجامع الصحيح» الذي صنفه أبو عبد الله البُخارِيّ ﵀ والحمد لله على ما منَّ به، وإياه أسأل أن ينفع به.
وكتبه حسين بن محمد الصَّدفي من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود مقروءة على أبي ذر ﵀ وعليها خطه.
وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة ٢١ محرم عام ثمانية وخمسمائة، والحمد لله كثيرا كما هو أهله، وصلواته على محمد نبيه ورسوله - ﷺ - كثيرًا أثيرًا.
وعلى ظهرها:
كتاب «الجامع الصحيح» من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه، تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخارِيّ ﵁ رِواية أبي عبد الله محمد ابن يوسف الفَرَبْريّ عنه ﵀، لحسين بن محمد الصَّدفي.
أوقفني على هذه النسخة المباركة محبنا الفقيه الناسك ذو الأخلاق الحسنة سيدي الحاج أحمد بوطبل، وذكر لي - حفظه الله - أنه اشتراها من إسطنبول، وحيث اشتراها اجتمع علماؤها وقالوا له: أخليتَ إسطنبول. ثم قال: وعليها إجازة الصَّدفي للقاضي عِياض في جملة الفقهاء بسماعهم له في المسجد الجامع بمرسية. وعلى ظهرها أيضا:
هذه النسخة جميعها بخط الإمام أبي علي الحسين بن محمد الصَّدفي شيخ القاضي عِياض، وهي أصل سماع القاضي عليه كما ترى في الطبقة المقابلة لهذه، وهي الأصل الذي يعتمد عليه ويرجع عند الاختلاف إليه،
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وقد اعتمد عليها شيخنا الحافظ ابن حجر حالة شرحه «الجامع» الذي سماه «فتح الباري» اهـ كلام الرحلة الفاسية (١).
هكذا جاء وصف هذه النسخة لأبي علي الصَّدفي، وأنها بخطه نقلها من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود، بينما توجد نسخة محفوظة بالمكتبة الحسنية رقم (٥٠٥٣) وهي في مجلد ضخم بخط أندلسي دقيق مدموج مليح، مكتوب بالمداد الباهت مع تلوين - عند الاقتضاء - بالأحمر والأزرق والذهب المصور بالمداد على ورق متين عتيق.
ودون تحديد مكان الانتساخ جاء في آخر المخطوط: في الرابع من جمادى الثانية عام خمسة وعشرين وثمانمائة.
وفي هامش هذا الموضع وردت فقرة هكذا: بلغت المقابلة على جهد الاستطاعة، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد. من نسخة الصَّدفي بخطه التي نسخ من نسخة القاضي الباجي بخطه، وعلى الأول خطوط الشيوخ نحو خمسين ..
وأسفل فقرة تاريخ الانتساخ يقع إطار مربع مزخرف، غير أن كتابة داخله انقطع موضعها بالمرة (٢).
وبملاحظة فقرة المقابلة الآنفة الذكر يتبين لنا أن الأصل الذي وقعت المعارضة به هو بخط الصَّدفي نفسه نقله - بدوره - من نسخة بخط أبي الوليد الباجي.
بينما الأصل الذي سبق ذكره يفيد أنه نقله بخطه من نسخة بخط محمد بن على ابن محمود.
_________________
(١) «فهرس الفهارس» ٢/ ٧٠٨.
(٢) «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات العربية» ص: ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وهكذا يتبين أن الصَّدفي كتب بخطه من «صحيح البُخارِيّ» نسختين كانتا معًا معروفتين، إحداهما من أصل الباجي والأخرى من أصل محمد بن علي بن محمود، غير أن التي اشتهرت الثانية، ولاسيما بعد انتقالها إلى طرابلس بليبيا، بينما استمرت الأولى مجهولة حتى كشفت عنها نسخة المكتبة الحسنية المتفرعة عنها دون أن نعرف عن أصل الصَّدفي الأول أية معلومات أخرى ونجهل مصيره بالمرة.
وعلى كلٍّ تم استقرار النسخة المكتوبة من خط محمد بن علي بن محمود في طرابلس، وهكذا كانت طريقة الإتيان بها من إسطنبول إلى طرابلس، ويبقى الإجابة على سؤال وهو: كيف انتقلت هذه النسخة من بلاد الأندلس إلى إسطنبول عاصمة العثمانيين؟
يبدو أن انتقال هذا الأصل من الأندلس إلى بلاد المغرب ثم إلى العاصمة التركية، شأنه شأن كثير من المخطوطات التي حملت إلى العاصمة، سواء بطريق الفداء أو طريق المجاملة.
فلقد ظل همُّ الملوك المغاربة مركزًا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك التراث الذي وقع بأيدي القشتاليين.
على أن هناك مسلكًا آخر يمكن أن يكون الكتاب أخذه في الالتحاق بالمغرب، هو الطريق العائلي؛ حيث توجد بفاس منذ القرن السادس الهجري أسرة تحمل اسم: ابن حيون الصَّدفي، وقد اشتهرت من بينهم شخصية كبيرة هو أبو مروان عبد الملك ابن حيون (ت٥٥٩ هـ) كما عرف منهم القاضي الحيوني (ت٦٨٧ هـ) قاضي فاس المشرف على القرويين.
وقد اشتهر ابن حيون بالأعمال الإحسانية الكثيرة وبأياديه الكبرى على جامع القرويين، ومن المعقول جدا أن تكون المخطوطة قد صارت إلى خديجة أو فاطمة بنت الشيخ أبي علي الصَّدفي، لاسيما وقد كانت على
[ ٢ / ٧٤٤ ]
جانب كبير من الاعتزاز بتراث أبيها، وربما بكون الكتاب قد انتقل لفاس بواسطة أحد السادة الذين لهم صلة بالسيدة الصالحة كابنها مثلا.
ومن فاس انتقلت بعد ذلك إلى إسطنبول عن طريق وفادة علمية أو سفارة سياسية؛ فقد كان هناك جسر يربط بين المغرب وبين الأستانة، وبخاصة أيام السعديين.
ولهذا فمن المحتمل أن ينقل الكتاب للعثمانيين بطريق ما من الطرق.
ونعود مرة أخرى إلى طرابلس حيث الإفادات التي سبق نقلها عن الناصري والفاسي، والتي تدل على استقرار المخطوطة حتى عام ١٢١١ هـ في طرابلس، حيث البذل الذي أعطاه السلطان المولى سليمان إلى الشيخ أبي العباس أحمد بوطبل.
وينقل عبد الحي الكتاني المتوفى سنة ١٣٨٨ هـ عن بعض طلبته أنه التقى بالشيخ أحمد الشريف بن محمد الشريف السنوسي، المتوفى ١٣٥١ هـ، وصحبه، وأعلمه أن الأصل المذكور بخط الصَّدفي موجود في كتب السيد الإمام أبي عبد الله محمد بن علي المعروف في مسقط رأسه بابن السنوسي شيخ الطريقة السنوسية المتوفى سنة ١٢٧٦ هـ.
ثم يقول عبد الحي الكتاني: ثم كتبت له أسأله عن ذاك - أي: أحمد الشريف - فأجابني بما نصه: نسخة البُخارِيّ التي بخط الصَّدفي عندي في الكتب التي بجغبوب يحفظها الله. اهـ (١).
ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي أنه ذهب إلى ليبيا ممثلًا لبلاده، وذلك في صيف سنة ١٩٧٦ م، وفي حديث مع الملك الإدريسي بن المهدي بمدينة طبرق تكرر الحديث حول مخطوط الحافظ الصَّدفي،
_________________
(١) «فهرس الفهارس» ٢/ ٧٠٩.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
ويذكر أنه زار واحة الجغبوب، وذلك في ٢٢ أبريل ١٩٦٨ م، بعد البحث عنها في العاصمة.
وبعد البحث عنها ساعات كثيرة وأيام متعددة، وبعد سؤال كثير طلب الوقوف على أوراق توجد في درج سير المكتبة، فوقف على إيصال استعارة للمخطوط في ١٨ سبتمبر سنة ١٩٥٦ م بمناسبة الذكرى المائة لوفاة ابن السنوسي؛ حيث دعي كثير من العلماء والوجهاء، وكان منهم الشيخ الفاضل ابن عاشور، حيث كان بصدد تأليف في الحديث الشريف.
وهذا الإيصال يفيد استعارة الشيخ ابن عاشور المخطوط من مكتبة الأوقاف لبنغازي، وكانت تحمل رقم ٢١٥٩ لتبقى في خزانة المكتبة العبدلية بجامع الزيتونة الأعظم؛ لتصحح عليها نسخة «الصحيح» ثم توجه إلى مقرها الأصلي.
فذهب الدكتور التازي وأحضر المخطوط وعاد به إلى الدار البيضاء حيث الملك الإدريسي بعد أن عبر عن فرحته بالحصول على هذا المخطوط الذي كان مطمح الملوك والأمراء، وذلك أن المغرب يعد جديرًا بهذا المخطوط، وأنه وحده الذي يستحق شرف امتلاكه، ورغب من الدكتور التازي أن يقوم بنشره وتصويره على غرار ما فعل لافي بروفنسال في نسخة ابن سعادة، إلا أن الله لم يقدر ذلك حتى الآن.
وختم مقالته هذه بأن المخطوط مازال بطبرق محل إقامة الملك (١).
_________________
(١) ومن مظاهر الاهتمام برحلة هذا المخطوط التي تكاد لا تتكرر لأي مخطوط آخر بكل هذه التفاصيل كتابة هذه الرحلة والتنقلات التي مر بها هذا الأثر، وقد كتب غير واحد عن هذه الرحلة، ومنهم: عبد الحي الكتاني في رسالته المشهورة التي طبعت ونشرت كمقدمة لنسخة ابن سعادة، والتي تسمى «التنويه والإشادة بمقام رِوَاية ابن سعادة»، كما كتب عنها في «فهرس الفهارس» في ترجمة أبي علي الصَّدفي. كما كتب في التعريف بها وبأصلها الباقي في ليبيا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مفتي الجمهورية التونسية على ما جاء في رسالة «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين» للأستاذ محمد المنوني، وذكر أنها نشرت في أخبار التراث العربي، العدد ٢٢ ص: ٥ - ٨. كما كتب عن هذا المخطوط دراسة قيمة استفدتُ منها كثيرا الدكتور عبد الهادي التازي بعنوان: «صحيح الإمام البُخَارِيّ بخط الحافظ الصَّدفي» وهي منشورة بمجلة معهد المخطوطات العربية العدد التاسع عشر الجزء الأول، وأفاد الأستاذ محمد المنوني أن هذه الدراسة في مجلة دعوة الحق العدد الثامن السنة الخامسة عشرة ص: ١٨ - ٢٤. وينظر أيضا: مقالة للأستاذ محمد المنوني: «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية» وهي ضمن مجموعة مقالات عن «صحيح البُخَارِيّ» ص: ١٣٧ - ١٣٩.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وعن أصل أبي علي الصَّدفي تفرعت نسخ كثيرة:
منها من النسخ الموجودة، والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي نسخة موجودة بخزانة القرويين، وهي نسخة عشرينية مسجلة تحت رقم (٩٥٦) وقع محو في تحديد تاريخ نسخها ومقابلتها، وهي نسخة عتيقة مقابلة على أصل أبي علي الصَّدفي وعلى أصل بخط أبي علي الغساني، وقد قرئت على الشيخ أبي عبد الله القصار.
وقيمة هذه النسخة ترجع إلى كونها مقابلة على أصلين عتيقين: أصل الصَّدفي من جهة، وأصل أبي علي الغساني من جهة أخرى (١).
ومن النسخ الموجودة والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي: نسخة للقاضي عِياض عن أبي على الصَّدفي، وقد كانت معروفة بالمغرب خلال
_________________
(١) مخطوطات «صحيح البُخَارِيّ» بخزانه القرويين ص: ١٦٩.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
النصف الثاني من القرن الثاني عشر، حيث وقف عليها عبد السلام بن الخياط القاوري الفاسي لدى أستاذه الشارفي المحدث أبي العلاء إدريس بن محمد بن حمدون الحسيني الفاسي المتوفى بها عام ١١٨٣ هـ، كما نقله في «التحفة القادرية» وعنه الكتاني في «فهرس الفهارس» (١).
وعن القاضي عِياض انتشرت نسخًا أخرى، ومن الجدير بالذكر أن إحدى روايات اليُونِينِيّ في نسخته الشهيرة، عن طريق أبي طاهر السلفي، عن القاضي عِياض، عن أبي علي عن الباجي، عن أبي ذر الهَرَويّ (٢) حيث يرويها اليُونِينِيّ عن شيخه أبي جعفر الهمداني عن أبي طاهر السلفي عنه.
ومن النسخ الموجودة والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي النسخة التي كتبها بخطه صهره وراوي «صحيح البُخارِيّ» عنه، والعمدة فيه عند المغاربة بعد أبي علي الصَّدفي، والتي سيأتي التعريف بصاحبها، ثم الكلام عليها تفصيلًا لما لها من الأهمية.
_________________
(١) ٢/ ٣٦٨
(٢) ينظر مقدمة اليُونِينِيّ
[ ٢ / ٧٤٨ ]
المبحث الثالث:
نسخة أبي عمران موسى ابن سعادة (٥٢٢) هـ
اسمه ونسبه (١):
هو أبو عمران موسى بن سعادة، مولى سعيد بن نصر مولى الناصر عبد الرحمن ابن محمد الأموي.
كان من أهل بلنسية، وخرج منها لما تملكها الروم بعد الثمانين وأربعمائة إلى دانية، ثم استوطن مريسية.
وابن سعادة نُسب إليها غير واحد، منهم:
- موسى بن محمد بن سعادة ابن أخي هذا، وسمع أيضا من أبي علي الصَّدفي كثيرا، وسمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي وغيره (٢).
- القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة، ابن أخي صاحب النسخة أيضا، ولد سنة (٤٩٦ هـ)، المرسي سكن شاطبة ودار سلفه ببلنسية، سمع أبا علي الصَّدفي أيضا واختص به وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق، وأمهات كتبه الصحاح لصهر كان بينهما؛ حيث كان أبو علي صاهر عمه أبا موسى.
وصفه غير واحد بالتفنن في العلوم والمعارف والرسوخ في الفقه وأصوله والمشاركة في علم الحديث والأدب، وسمع منه أبو الحسن بن هذيل «جامع الترمذي»، ومن تآليفه كتاب «شجرة الوهم المترقية إلى ذروة
_________________
(١) ينظر ترجمته في: «معجم أصحاب أبي علي الصَّدفي» ص: ١٩٦ - ١٩٨ (١٦٧)، و«نفح الطيب» ص: ٢٢١ (١٤٢)، و«التنويه والإشادة بمقام ابن سعادة» للشيخ عبد الحي الكتاني.
(٢) ينظر: «معجم أصحاب أبي علي» لابن الأبار ص: ١٩٨ (١٦٨).
[ ٢ / ٧٤٩ ]
الفهم» قال ابن الأبار: روى عنه جلة شيوخنا وأثنوا عليه.
حُكِي أنه كان عنده أصول حسان بخط عمه ابن عمران موسى بن سعادة مع الصحيحين بخط الصَّدفي في سفرين.
توفي في شاطبة آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ودُفن في الروضة المنسوبة إلى أبي عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى (١).
ومنهم: الفقيه أبو القاسم محمد بن يوسف بن سعادة يوجد اسمه في سماع على نسخة ابن سعادة.
شيوخ ابن سعادة:
قال ابن الأبار في «معجم شيوخ أبي علي الصَّدفي» (٢): سمع من أبي علي عامة روايته، ولازم مجلسه قديمًا وحديثًا، وكان صهره والقائم بمؤنه والمتولي لأشغاله دونه سعة يسار وكرم أصهار، ويتفرغ بذلك للإمتاع بما رواه إلخ.
قال التلمساني في «نفح الطيب» (٣) سمع صهره أبا علي بن سكرة الصَّدفي، وكانت بنته عند أبي علي، ولازمه وأكثر عنه، وروى عن أبي محمد مُفَوِّز الشاطبي، وأبي الحسن بن شفيع، قرأ عليهما «الموطأ»، ورحل، وحج، وسمع «السنن» من الطرطوشي، وعُني بالرِّواية، وانتسخ
_________________
(١) ينظر ترجمته في «معجم ابن الأبار» ص: ١٨٣ - ١٨٥ (١٥٨)، «الوافي بالوفيات» ٥/ ٢٥٠ (٢٣٢٥)، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٥٠٨، «الديباج المذهب» ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٨٠)، «بغية الوعاة» ١/ ٢٧٧ (٥١١)، «نفح الطيب» ٢/ ١٥٨ - ١٦٠ (١١٠)، «فهرس الفهارس» لعبد الحي الكتاني ٢/ ١٠٣٠ - ١٠٣٢ (٥٨٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد ٤/ ٢١٨.
(٢) ص: ١٩٦ (١٦٧).
(٣) ٢/ ٢٢١ (١٤٢).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
صحيحي البُخارِيّ ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنهما سُمعا على أبي علي نحو ستين مرة.
وقال ابن الأبار أيضا: وشارك في اللغة والأدب، وقد أخذ عنه بعض كتبهما ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة (١)
وقال التلمساني: وكتب أيضا الغريبين للهروي وغير ذلك.
وكان أحد الأفاضل الصلحاء، والأجواد السمحاء، يؤم الناس في صلاة الفريضة، ويتولى القيام بمئونة صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها، وإليه أوصى عند توجهه إلى غزوة قتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب، وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن سعادة بكتاب «أدب الكُتّاب» (٢) لابن قتيبة، و«الفصيح» لثعلب (٣)
عرف ابن سعادة أبو عمران بملازمته لأبي علي الصدفي، وعهد إليه أبو علي الصدفي قبل ذهابه إلى الغزوة التي استشهد فيها بابنته التي سماها فاطمة، أوصى بها إليه وعول في تنفيذ عُهُوده كلها عليه، فقام بها بعد مماته قيامه بشئونه حيال حياته، وكان من كلام أبي علي له عند وداعها وهي في
_________________
(١) «معجم شيوخ أبي علي الصَّدفي» ص: ١٩٧ - ١٩٨ (١٦٧).
(٢) ويقصد به «أدب الكاتب» كما هو عند المشارقة، وتسميته بـ «أدب الكتاب» معروفة عند المغاربة. ينظر: مقدمة كتاب «الاقتضاب شرح أدب الكتاب» للبطليوسي ويوجد كتاب آخر اسمه «أدب الكتاب» ولكنه لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي (٣٣٥) هـ وهو غير كتاب ابن قتيبة.
(٣) «نفح الطيب» ٢/ ٢٢١ (١٤٢).
[ ٢ / ٧٥١ ]
حوْلَي إرضاعها سنوا بها سنة الاحترام، ولاتجمعوا لها بين اليتم والفطام (١).
وفاته: ذكر ابن الأبار وثيقة مؤرخة بصدر رجب من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة تتضمن تنفيذ أبي عمران عهد أبي علي بإعتاق مملوكه مبشر الرومي الأصل، وإعطائه من صريح متروكه ما لا يأتلي في مثله أولو الفضل. ثم قال: ولم أقف لأبي عمران بعد هذا التاريخ على خبر، وأحسبه توفي بعقبه رحمه الله تعالى (٢).
وعن هذه النسخة صارت نسخًا كثيرة في أقطار الأرض.
نسخة ابن سعادة:
هي تلك النسخة التي نسبت للحافظ أبي عمران موسى بن سعادة الأندلسي التي رواها عن شيخه وصهره أبي علي الصَّدفي عن أبي الوليد الباجي عن أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وهذه النسخة ظهرت منها بالمملكة المغربية نسخة مصورة بالتصوير الشمسي سنة ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م على يد الأستاذ لافي بروفنسال، ونشر منها المجلد الأول الموافق للخمس الثاني من الأصل، وكان الأستاذ بروفنسال مديرًا لمعهد الرباط آنذاك، وهي تبدأ من أول كتاب الحج حديث (١٥١٣)، وتنتهي بكتاب الجهاد، وهذا القسم المنشور من هذه الرِّواية كُتب له مقدمتان إحداهما بالفرنسية لبروفنسال والأخرى عربية كتبها محمد عبد الحي الكتاني، وقد طبعت هذه المقدمة منفردة بعد ذلك بعنوان: «التنويه والإشادة بمقام رِواية ابن سعادة»، وقد منَّ الله تعالى عليَّ ووقفت على نسخة خطية من هذه المقدمة.
_________________
(١) ينظر: «معجم أصحاب الصَّدفي» ص: ١٩٧.
(٢) «معجم أصحاب أبي علي» ص: ١٩٧.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
وجه إيثار هذه النسخة والرِّواية على غيرها:
لقد اعثمد كثير من الشراح للصحيح على هذه النسخة في متن الصحيح ومن هؤلاء الإمام ابن مرزوق التلمساني المتوفى سنة (٨٤٢) هـ في شرحه «المتجر الربيح والمسعى الرجيح» كما جاء ذلك في أول شرحه (١).
إن رِواية ابن سعادة ونسخته اختصت بالترجيح والتقديم على غيرها من الروايات لموجبات:
١ - صحة الأصل المأخوذة منه، فإنها نسخت من نسخة شيخه وصهره الحافظ أبي علي الصَّدفي التي طاف بها في الأمصار، وسمعها وقابلها على نسخ شيوخه بالعراق ومصر والشام والحجاز والأندلس، وقد سبق بيان ما امتازت به هذه النسخة.
٢ - إن أبا عمران موسى بن سعادة اعتنى بمقابلتها وتصحيحها من يوم أتم كتابتها أواخر القرن الخامس، وتكرر سماعه فيها ومقابلتها على شيخه الصَّدفي
قال الحافظ ابن الأبار: انتسخ «صحيح البُخارِيّ» ومسلم بخطه، وسمعها على صهره أبي علي نحو ستين مرة (٢).
فإذا كان سماعه لها على أبي علي الصَّدفي وحده نحو ستين مرة، فانظر كم سمعها على غيره من مشايخه، وكم أسمعها للناس بعد وفاة مشايخه، وإذا علمنا أن أبي علي الصَّدفي إنما جلس بالأندلس بعد رجوعه
_________________
(١) وقد استفدت ذلك من رسالة دكتوراة في تحقيق أول هذا الشرح، وهي مسجلة في جامعة الجزائر للباحثة حفيظة بلميهوب وأشرف عليها الأستاذ الدكتور مصطفى أبو عمارة.
(٢) ينظر: «معجم أصحاب أبي علي» ص: ١٩٧.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
من رحلته نحو أربع وعشرين سنة تقريبًا، وخوطب أثناءها بولاية القضاء بمرسية، فاختفى مدة في المرية فرارا منه، ثم وليه كرها ثم استعفي منه.
قال عِياض في «الغنية»: ولي القضاء بمرسية سنة خمس وخمسمائة فحمدت سيرته واشتدت في الحق شكيمته إلى أن استعفى فلم يُعف، فاختفى وغيب وجهه (عدة) (١) شهور إلى أن أعفي سنة ثمان وخمسمائة (٢).
وفي ترجمة عِياض من «معجم أصحاب الصَّدفي» لابن الأبار: رحل إلى الصَّدفي بمرسية فقدمها من غرة صفر عام ٥٠٨ هـ.
وبعد خروج الصَّدفي توفر على ما كان عليه من الإسماع والتفقه والنسخ، فقد كتب الصَّدفي بخطه «صحيح البُخارِيّ» في هذه المدة وأتمه سنة ثمان وخمسمائة، وسمع عليه صهره «الصحيح» في أثنائها هذه المرات العديدة في هذه المدة القصيرة، مع أنه لم يكن يؤخذ عنه الصحيح وحده.
قال عنه عِياض في «الغنية»: سمع عليه الناس كثيرًا، وسمع منه من في عداد شيوخه، ومن سمع منه قبل، وذكر أيضا أنه بعد إعفائه من القضاء، توفر على ما كان بسبيله من الإسماع والتفقه (٣).
٣ - إن هذه النسخة اتخذها أهل الأندلس بعد الصَّدفي، وابن سعادة محراب تصحيحهم، ويعسوب روايتهم ودرايتهم، فتداولتها أيدي جماعة من الحفاظ الأعلام، وكبار علماء الأندلس في كل جيل، وكما سمع فيها موسى بن سعادة وابن أخيه على مشايخهم، سمع الناس عليهم فيها أيضا، فكان على أول جزء منها سماع حسين بن محمد بن علي الأنصاري على
_________________
(١) تحرفت في المطبوع إلى مدة.
(٢) «الغنية» ص: ١٩٤.
(٣) ينظر «الغنية» ص: ١٩٤.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
محمد بن يوسف بن سعادة بالمسجد.
وسماع آخر بتاريخ (٥٥٦ هـ) وبقي الناس يعارضون بها ويقابلون ويصححون، واتخذها الناس أيضا عمدة عددوا منها الفروع، حتى إنه في آخر القرن العاشر وأول الحادي عشر، انتسخ منها العالم الصالح أبو عبد الله محمد بن علي المري الأندلسي الفاسي المعروف بالجزولي نسخة للشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي وسميت بالشيخة.
وتفرعت عن الشيخة هذه عدة نسخ:
منها: نسخة الشيخ أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي التي كان عدد منها كثيرا من النسخ، وببيعها كان يتعيش.
ومنها نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد ميارة شارح «المرشد» و«التحفة» وهي نسخة معتمدة تداولتها أيضا أيدي الأعلام، وقد انتقلت اليوم إلى مراكش، وهي التي كان اعتمد عليها أبو عبد الله محمد الفضيل بن الفاطمي الشبيهي الزرهوني شارح «الصحيح» المسمى بـ «الفجر الساطع» في نسخته العشارية التي انتسخها بخطه منها، وصححها وضطبها عشرات المرات.
ومنها نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي العباس أحمد الصقلي الحسيني الفاسي التي منها عدد كثيرًا من النسخ، وببيعها كان أيضًا يتعيش.
وهذا الفرع المعروف بالشيخة الذي هو أصل هذه النسخ المعتمدة في المغرب، المرجوع إليها في التصحيح والضبط، موجودة بفاس إلى الآن عند أولاد ابن سليمان الغرناطيين، صار لهم من أولاد الشيخ أبي المحاسن، ولعله ينقصه الآن السفر الثالث الذي أوله كتاب الخلق.
وبهذا صارت النسخة السعادية في الدرجة الأولى من الصحة.
وحسب الكتابات المرقومة على هذه النسخة، فإن المحدثين تداولوها
[ ٢ / ٧٥٥ ]
بعد وفاة أبي عمران بن سعادة ابتداء من ابن أخيه محمد بن يوسف بن سعادة، وقد سمع هذا جميع «الصحيح» من النسخة ذاتها على أبي علي الصَّدفي، وتم ذلك في ربيع الآخر عام ٥١٠ هـ، وكتب عليها بخطه تصحيحات كثيرة.
ثم سمعها على محمد بن يوسف بن سعادة غير واحد:
أولا: حسين بن محمد بن علي الأنصاري: السفر الأول بالمسجد الجامع في مرسية ٥٣٩ هـ.
ثانيا: ابن نوح: محمد بن أيوب بن محمد الغافقي: جميع الكتاب بتاريخ صفر عام ٥٥٦ هـ.
ثالثا: ابن أبي العاص: أحمد بن محمد بن علي النفزي، في جماعة سمعوا سائر السفر الثاني.
وسوى هؤلاء يوجد على نفس الأصل خط أبي الخطاب بن واجب، أحمد بن محمد بن عمر وإجازة محمد بن يوسف بن سعادة له، وكذلك خط أخيه وخط ابن بقي: عبد الواحد بن محمد القيسي، وخط ابن عمرو عثمان بن محمد بن عيسى اللخمي (١).
ولهذه الاعتبارات اعتمد المغاربة نسخة ابن سعادة في رِواية «صحيح البُخارِيّ» غير أنه لا يعرف - بالضبط - بداية هذا الاختيار.
وأقدم ذكر لها لا يتعدى العقد الرابع من المائة الهجرية التاسعة، حيث تمت مقابلة نسخة من «الجامع الصحيح» بأصل ابن سعادة، قراءة على محمد بن يحيى السراج، بمسجد إمامته من زنقة حجامة بفاس، في مجالس عدة بين المغرب والعشاء، وهو يمسك أصل ابن سعادة، وكمل ذلك أواخر
_________________
(١) «التنويه والإشادة» المقدمة المنشورة مع السفر الثاني من نسخة ابن سعادة.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
ربيع الثاني، عام ٨٣٦ هـ / ١٤٣٢ م.
ومن هذا التاريخ تنتقل إلى عام ٨٣٨ هـ / ١٤٣٤ م - ١٤٣٥ م، حيث تمت فيه معارضة نسخة خامسة من «صحيح البُخارِيّ» بأصل ابن سعادة، وكان ذلك برسم خزانة الوزير علي بن يوسف الوطاسي.
وبعد هذا تأتي الإشارة إلى نفس الأصل بمناسبة مقابلة نسخة أخرى وتصحيحها عليه، بتاريخ رجب عام ٨٤٦ هـ / ١٤٤٢ م.
ومن هذا التاريخ تختفي المصادر التي تردد ذكر هذا الأصل إلى حوالي نهاية القرن العاشر الهجري، وهنا ينتظم الحديث عن نسخة ابن سعادة، ويتأكد وجودها بكاملها محفوظة في خزانة القرويين بفاس.
وفي الوقت ذاته شهد نفس الأصل مبادرة علمية جعلته يتركز في الدراسات الحديثة بالمغرب عبر الفترات التالية، وذلك بكتابة نسخة جديدة منه من خط أبي عمران بن سعادة مباشرة، وتداول المعنيون بالأمر - إلى العقود الأخيرة - هذا الفرع المستجد بالانتساخ منه، والتصحيح به، والتعليق عليه، وإسماعه ودراسته (١).
قال عبد الحي الكتاني في «التنويه والإشادة»: وهي النسخة التي قال عنها ولده صاحب «مرآة المحاسن»: كانت قراءة الشيخ أبي المحاسن لـ «الصحيح» في نسخة نسخت له في خمسة أسفار من نسخة هذه التجزئة بخط الحافظ أبي عمران موسى ابن سعادة، وكان الفرع المذكور يسرد فيه شيخنا أبو العباس أحمد بن يوسف، ويمسك الأصل عمي شيخنا أبو محمد عبد الرحمن، وتعددت مقابلته مرات، ثم اشتهرت القراءة في الفرع المذكور، وصارت هذه النسخة تعرف في فاس بالشيخة، لتفرع أكثر نسخ
_________________
(١) مقالة «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية» ١٤٥ - ١٤٦.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
فاس والمغرب منها، وكثرة تداول الأعلام لها، واعتمادهم عليها.
ومن هوامشها جمعت حواشي الشيخ أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي على «الصحيح»، جمعها من طرره عليها حفيد أخيه الشيخ أبو عبد الله بن عبد القادر الفاسي ﵀، وسماها «تشنيف المسامع» (١).
وقد صارت نسخة هذا الفرع تعرف في فاس بـ «الشيخة»؛ نظرا لوفرة المنتسخات المغربية منها، مباشرة أو بواسطة، واعتبارا بكثرة تداول المحدثين لها واعتمادهم عليها.
ومن الجدير بالذكر أن النسخة «الشيخة» هذه لا تزال بقيد الوجود، وهي - بأسفارها الخمسة - في حوزة السفير المغربي السابق: السيد الحاج الفاطمي بن سليمان الأندلسي الغرناطي الأصل ثم الفاسي، ومنها مصورة بالخزانة العامة بالرباط في فيلم يحمل رقم ٧٣٦.
أما النسخة الأصلية التي بخط ابن سعادة فقد بقي منها الآن أسفار، بينما كان السفر الأول قد ضاع قديما، وجدد بأمر السلطان العلوي محمد الرابع، بانتساخ آخر بدله من النسخة الشيخة، وكتبه بخطه محمد الهادي بن عبد النبي بن المجذوب الفاسي، حيث كمل في ١٢ ذي الحجة عام ١٢٨٥ هـ / ١٨٦٩ م. هذا السفر محفوظ بدوره بنفس الخزانة رقم د / ١٣٣٢.
ثم كان مصير السفر الثالث الذي بخط ابن سعادة أن استعاره مستشرق معروف، ولعله كان يحاول تصويره نظير عمله في السفر الثاني، غير أنه توفي ولم يعد المخطوط إلى مكانه بالخزانة العامة بالرباط.
وقد قام المستشرق الفرنسي الأستاذ ليفي بروفنسال بنشر السفر الثاني من نسخة ابن سعادة منقولا بالتصوير الشمسي من خطه الأصلي مع
_________________
(١) «التنويه والإشادة» المقدمة المنشورة مع السفر الثاني من نسخة ابن سعادة
[ ٢ / ٧٥٨ ]
تصويره بمقدمة بالعربية باسم «التنويه والإشادة بمقام رِواية ابن سعادة» للمحدث المغربي محمد عبد الحي الكتاني، مع مقدمة أخرى بالفرنسية لنفس المستشرق ناشر هذا السفر في باريس عام ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م، في ١٧٧ ورقة عدا المقدمتين (١).
وما أجدر الأسفار الباقية من هذا الأصل بنشرها - هي الأخرى - بالتصوير، مع طبع النسخة بكاملها، طبعة علمية مصححة، وهو دين في ذمة المعنيين بالأمر من المغاربة (٢).
_________________
(١) وعندي مصورة من هذا السفر المنشور بباريس.
(٢) مقالة «صحيح البُخَارِيّ في الدراسات المغربية» ١٤٧ - ١٤٨.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
الفَصْل الثالث:
أهم المصنفات التي تعتني بضبط الاختلافات
المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
[ ٢ / ٧٦١ ]
المبحث الأول:
ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح
١ - «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ.
٢ - «إرشاد الساري» للقسطلاني (٩٢٣) هـ.
- كتب أخرى تذكر إجمالًا.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
١ - كتاب «فتح الباري» بشرح صحيح البُخارِيّ لابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ (١)
مؤلفه: هو الحافظ الإمام أحمد بن علي بن محمد بن محمد الكناني، العسقلاني، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي مذهبًا، ويعرف بابن حجر العسقلاني، ولد في مصر القديمة سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
كان رحمه الله تعالى يمتلك حافظة قوية، فقد حفظ القرآن الكريم وهو طفل، كما حفظ جملة وافرة من أمهات الكتب العلمية المتداولة.
أول ما بدأ به بعد القرآن الكريم النظر في كتب التاريخ، ثم نظر في فنون الأدب وكان شاعرًا، ثم حبب إليه طلب الحديث، وبدأ طلبه في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة من الهجرة.
_________________
(١) تجد ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر في كثير من كتب التراجم، ومن أوسع الكتب التي ترجمت له وأفردته بالترجمة كتاب: «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» ألفه تلميذه السخاوي (٩٠٢) هـ وهو كتاب مطبوع متداول في ثلاثة مجلدات طبعتة دار ابن حزم بيروت - لبنان سنة ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م بتحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد، وكان قد سبق طبع الجزء الأول منه سنة ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م في وزارة الأوقاف المصرية بتحقيق كل من الدكتور حامد عبد المجيد والدكتور طه الزيني، وأشرف على التحقيق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف حينئذ، وروجع من قبل لجنة مكونة من اثني عشر أستاذًا ذكرت أسماءهم في أول المقدمة. كما ترجم له السخاوي (٩٠٢) هـ أيضًا في «الضوء اللامع» ٢/ ٣٦ - ٤٠، والسيوطي في «حسن المحاضرة» ١/ ٢٠٦، وابن العماد في «شذرات الذهب» ٧/ ٢٧٠، والشوكاني في «البدر الطالع» ١/ ٨٧، والكتاني في «فهرس الفهارس» ١/ ٢٣٦، وكحالة في «معجم المؤلفين» ١/ ٢١٠، ٢١١ وغيرها كثير.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
كان معروفًا بكثرة الرحلات، فبعد أن تلقى العلم على شيوخ بلده في الديار المصرية، رحل إلى بلاد الشام، ثم البلاد الحجازية واليمن.
عرف بكثرة شيوخه، حيث زاد عدد شيوخه سماعًا وإجازة عن سبعمائة شيخ في سائر العلوم والفنون، وذكرهم في كتاب له اسمه «المجمع المؤسس للمعجم المفهرس»، حيث ذكر فيه شيوخه والكتب التي قرأها عليهم.
ومن أشهرهم: الحافظ زين الدين العراقي (٨٠٦) هـ، وسراج الدين ابن الملقن (٨٠٤) هـ وسراج الدين البلقيني (٨٠٥) هـ، ومحمد بن يعقوب الفيروز آبادي (٨١٧) هـ صاحب «القاموس المحيط» ونور الدين الهيثمي (٨٠٧) هـ.
تنوعت تآليفه رحمه الله تعالى ما بين التاريخ والتراجم والشروح والحديث والمصطلح وغير ذلك.
ومن أهمها: «فتح الباري بشرح صحيح البُخارِيّ»، «وتغليق التعليق» وغيرها من الكتب حول «صحيح البُخارِيّ».
ومن كتب التراجم الهامة كتاب «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وغير ذلك.
- درّس التفسير والحديث والفقه في أكبر المراكز العلمية في الديار المصرية.
- ولي مشيخة الحديث في أكثر من مدرسة وأملى كثيرًا من حفظه. كما عمل في القضاء ما يزيد على عشرين سنة، وتولى منصب قاضي قضاة الشافعية.
خطب في الجامع الأزهر، وجامع عمرو بن العاص وتولى خزانة الكتب المحمودية ووضع لها فهرسًا.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وعبارات الثناء والمدح التي تدل على مكانته ونبوغه في مختلف العلوم كثيرة، فقد قال فيه السخاوي في «الضوء اللامع» (١):
وقد شهد له القدماء بالحفظ والثقة والأمانة والمعرفة التامة، والذهن الوقاد، والذكاء المفرط، وسعة العلم في فنون شتى اهـ.
وقال ابن العماد في ترجمته في «شذرات الذهب» (٢): شيخ الإسلام، علم الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ العصر. اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في «البدر الطالع» (٣): الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة حتى صار إطلاق الحافظ عليه كلمة إجماع.
وهكذا تجد عبارات العلماء في وصفه من أعلى درجات المدح والثناء؛ حتى قال فيه التقي الفاسي، والبرهان الحلبي: ما رأينا مثله.
توفي رحمه الله تعالى بعد أن ملأ علمه مشارق الأرض ومغاربها في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة رحمه الله تعالى.
الكتاب
كتاب «فتح الباري بشرح صحيح البُخارِيّ» يعتبر من أفضل الشروح لـ «الصحيح» على الإطلاق؛ حيث اشتمل على إيضاح ما أشكل في «الجامع الصحيح» وتخريج ما فيه من الأحاديث والآثار المعلقة، وبيان كثير من مسائل الإجماع والخلاف المتعلقة بأحاديث الكتاب، والتنبيه على كثير من أوهام بعض شراح «الجامع» وغيرهم وغير ذلك من الفوائد الكثيرة النادرة
_________________
(١) ٢/ ٣٩.
(٢) ٧/ ٢٧٠.
(٣) ١/ ٨٧ - ٨٨.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
التى اشتمل عليها هذا الشرح العظيم.
أما في الروايات والنسخ فقد اشتمل على وصف وتحليل دقيق لاختلاف الرُّواة، والتمييز بينها وترجيح ما ترجح لديه منها، وبيان أسباب الوهم في بعضها، وذلك من خلال الروايات التى روى الصحيح من خلالها مع إضافة بعض الزيادات نقلًا من الكتب التى لها عناية بذلك، وسأبدأ بذكر الروايات التى روى الصحيح من خلالها.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
شجر الإسناد
[ ٢ / ٧٦٧ ]
الروايات التى روى الصحيح من خلالها:
ذكر ابن حجر في مقدمة «الفتح» في الجزء الأول (١). وفي كتابه «تغليق التعليق» (٢) وكتاب «المعجم المفهرس» (٣) أسانيده إلى البخاري:
ويلاحظ عليها ما يلي:
أولًا: اتصلت رِواية ابن حجر للصحيح عن البُخارِيّ رحمه الله تعالى من رِواية أربعة تلاميذ - أو رواة - عن البُخارِيّ: هم محمد بن يوسف الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ، وإبراهيم بن معقل النَسَفْيّ (٢٩٥) هـ، وحماد بن شاكر النسوي (٣١١) هـ، وأبي طلحة البزدوي (٣٢٩) هـ.
فأما رِواية الفَرَبْريّ فرواها عنه تسعة ممن اتصلت رِواية ابن حجر إليهم وهم:
١ - رِواية الحافظ أبي على بن السكن (٣٥٣) هـ رواها عنه عبد الله بن أسد الجهني (٣٩٥) هـ.
٢ - رِواية أبي اسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ رواها عنه أبو ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ وعبد الرحمن بن عبد الله الهمداني (٤١١) هـ.
٣ - رِواية أبي نصر أحمد بن محمد الأخسيكتي رواها عنه إسماعيل بن إسحاق الصفار.
٤ - رِواية الإمام الفقيه أبي زيد المروزى (٣٧١) هـ رواها عنه ثلاثة من الأعلام:
أولهم: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ وثانيهم: أبو محمد
_________________
(١) من ص: ٥ حتى ص: ٧.
(٢) ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٦.
(٣) ص: ٢٥ - ٢٧ من الباب الأول.
[ ٢ / ٧٨١ ]
الأصيلي (٣٩٢) هـ، وثالثهم: أبو الحسن علي القابسي (٤٠٣) هـ.
٥ - رِواية أبي علي الشبويي رواها عنه سعيد بن أحمد العيار (٤٥٧) هـ، وعبد الرحمن بن عبد الله الهمداني (٤١١) هـ أيضًا.
٦ - رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ، رواها عنه الحافظان أبو نعيم (٤٣٠) هـ وأبو الحسن القابسي (٤٠٣) هـ.
٧ - رِواية أبي محمد السَّرْخَسي (٣٨١) هـ رواها عنه أبو ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ، وأبو الحسن الدّاوُدِيّ (٤٦٧) هـ.
٨ - رِواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ رواه عنه ثلاثة: أبو ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ، وأبو سهل الحفصي (٤٦٦) هـ، وكريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ.
٩ - رِواية أبي علي الكُشّانيّ (٣٩١) هـ رواها عنه المستغفري (٤٣٢) هـ.
فيتحصل من الروايات اثنتا عشرة رِواية ينقل منها ابن حجر في الشرح وهى:
١ - رِواية الجهني عن ابن السكن.
٢ - رِواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة المُسْتَمْلِيّ والسَّرْخَسي والكشميهنى.
٣ - رِواية عبد الرحمن الهمدانى عن شيخيه المُسْتَمْلِيّ والشبويي.
٤ - رِواية إسماعيل الصفار عن الأخسيكتى.
٥ - رِواية أبي نعيم عن شيخيه أبي زيد المروزى والجُرْجانيّ.
٦ - رِواية الأصيلي عن أبي زيد المَرْوَزيّ.
٧ - رِواية القابسي عن شيخيه أبي زيد المرزوي والجُرْجانيّ.
٨ - رِواية سعيد العيار عن الشبويي.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
٩ - رِواية الدّاوُدِيّ عن السَّرْخَسي.
١٠ - رِواية الحفصي عن الكُشْمِيهَني.
١١ - رِواية كريمة المَرْوَزيّة عن الكُشْمِيهَني.
١٢ - رِواية المستغفري عن الكُشّانيّ.
وأما رِواية إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ فرواها عنه أبو صالح خلف بن محمد.
ورِواية حماد بن شاكر النسوي فرواها عنه الحاكم أبي عبد الله عن أحمد بن محمد بن رميح عنه.
ورِواية أبي طلحة البزدوي رواها عنه المستغفري من طريق أحمد بن عبد العزيز عنه.
ثانيًا: مما يجب التنبه له أن ابن حجر نص في المقدمة على أنه يقتصر في المتن وأصل ترتيب «الصحيح» عنده على رِواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، ثم ينبه على ما يخالفها من باقي الروايات (١).
_________________
(١) وقد خالف ابن حجر هذا المنهج في بعض المواضع، فقد ثبت في أول كتاب التيمم ثبوت لفظ كتاب التيمم عند أبي ذر عن شيوخه الثلاثة كما ذكر ذلك القَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» وكما رمز لذلك اليُونِينِيّ في ١/ ٧٣ ورمز لثبوته أيضًا مع أبي ذر عند أبي الوقت والأصيلي وابن عساكر، في حين قَال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٤٣١: قوله: (باب التيمم) البسملة قبله لكريمة وبعده لأبي ذر. وقد تقدم توجيه ذلك الخ فهو اقتصر في حكايته الخلاف بين الروايات على الخلاف في تقديم البسملة أو تأخيرها في حين لم يتعرض للخلاف في لفظة كتاب أو باب، مما يدل على أن ابن حجر خالف منهجه الذي نص عليه في المقدمة من اقتصاره على نسخة أبي ذر الهروي في شرح الأحاديث. والله أعلم.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
ثالثًا: أن ابن حجر قد اعتمد في شرحه هذا على بعض الروايات الأخري، والتى نقلها من نسخ بعض العلماء الذين لهم عناية بنسخهم مثل:
١ - نسخة العلامة اللغوي الحسن بن محمد البغدادي المعروف بالصغاني المتوفى سنة خمسين وستمائة (١).
٢ - حاشية الإمام شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة خمس وسبعمائة (٢).
٣ - نسخة أبي علي الصَّدفي عن أبي ذر الهَرَويّ، وسبق مبحث خاص بهذه النسخة وبيان قيمتها، وعناية أبي علي بها، وإقبال العلماء على روايتها (٣).
_________________
(١) وهى النسخة البغدادية التي صححها العلامة أبو محمد بن الصغاني اللغوي بعد أن سمعها من أصحاب أبي الوقت، وقابلها على عدة نسخ وجعل لها علامات. ينظر «الفتح» ١/ ١٥٣. وقد نقل منها ابن حجر في «الفتح» في مواضع كثيرة ينظر على سبيل المثال: ١/ ١٧٧، ١/ ٣٩٨، ١/ ٥٤٢ وقال فيه: إنه قابلها على نسخة الفِربْريّ التي بخطه، ٢/ ٤٤٦، ٣/ ٣٣، ٣/ ٨٩، ٣/ ٤٩٦، ٤/ ١٢٥، ٣٨٢، ٥/ ١٣٧ وقال فيه ابن حجر: وقع في نسخة الصغاني زيادة لم أرها في شيء من النسخ غيرها، ٦/ ١٨٤، ٧/ ٣٧٤ وغير ذلك كثير.
(٢) وهى حاشية على «الصحيح» نقل منها ابن حجر كثيرًا منها على سبيل المثال: ١/ ١٨١، ٣/ ١٥٦، ٣/ ٥٠١، ٤/ ٤٥٧، ٥/ ٣٨٧، ٦/ ١٢٧، ٨/ ٥٤، ٨/ ٣٢٣، ٥٠٤، ٩/ ٤٧١، ١٠/ ٥٤٥، ١٣/ ٣١٨ وغير كثير.
(٣) ذكر ابن حجر في «الفتح» نقولًا كثيرة من نسخة أبي علي الصَّدفي، وفيها ما يدل على اطلاعه ووقوفه على هذه النسخة التي هي بخطه، وقد نقل ابن حجر من نسخة أبي على الصَّدفي وحواشيها فوائد في «الفتح» في ستة عشر موضعًا، وفي وبعضها يقول: وقال أبو علي الصَّدفي في حاشية نسخته التي بخطه من البُخَارِيّ. كما في ٢/ ٤٧٤ وقال في بعضها: وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصَّدفي في نسخته ٤/ ٨٩، ٣٩١ وقال في بعضها: فرأيت بخطه في هامش نسخته ٤/ ٣٩٥. وغير ذلك من العبارات التي تفيد قطعًا وقوفه على هذه النسخة وباقي المواضع هى: ٣/ ٢٨٦، ٣٤٩، ٣٦٣، ٥/ ١٤٩، ٣٠٢، ٣٩٧، ٧/ ٤٨٧، ٨/ ٣٤٢، ٤٣٢، ٦٥٨، ٦٦٩، ٩/ ٢٨٢. وقد نص تلميذ ابن حجر وهو السخاوي في طرة نسخة أبي علي الصدفي على اعتماد ابن حجر على هذه النسخة في شرحه فتح الباري. ينظر: مبحث رواية أبي علي الصدفي من هذا الباب.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
٤ - نسخة الحافظ شرف الدين اليُونِينِيّ وقد نص على ذلك ابن حجر في موضع من الكتاب ونقل عن اليُونِينِيّ في موضع آخر.
ففي المقدمة في الفَصْل السابع في تبيين الأسماء المهملة، فيمن أسمه أحمد قال: قلت ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليُونِينِيّ، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له إلا رِواية واحدة، فإنه كتب عليها علامة: (ق) ونسبه فقال أحمد بن يونس (١).
الموضع الثاني: قال وهو يحكي خلاف العلماء في ضبط «يجرجر»: وسألت أبا الحسين اليُونِينِيّ فقال: ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلا مبنيا للفاعل. قال: ويبعد اتفاق الحفاظ قديمًا وحديثًا على ترك رِواية ثابتة. قال: وأيضًا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل، وإسناده إلى المفعول فرع، فلا يصار إليه بغير حاجة. وأيضا فإن علماء العربية قالوا: يحذف الفاعل إما للعلم به أو للجهل به أو إذا تخوف منه أو عليه أو لشرفه أو لحقارته أو لإقامة وزن وليس هنا شيء من ذلك (٢).اهـ
_________________
(١) ص: ٢٢٤.
(٢) ١٠/ ٩٧.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
رابعًا: أن ابن حجر قد اعتمد على بعض الكتب التي اهتمت بضبط روايات الصحيح والتمييز بينها.
ومن هذه الكتب: «تقييد المهمل وتمييز المشكل» لأبي علي الجَيّانيّ ٤٩٨ هـ (١)
_________________
(١) نقل منه ابن حجر في المقدمة في الفصل السابع: في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها، وفي الفصل الثامن: في سياقه الأحاديث التي انتقدها الحافظ الدارقطني ونقل في «الفتح» في مواضع كثيرة منها: ٢/ ٤٧٣، ٥٤٧، ٣/ ١٧، ٤٧٦، ٤٨٦، ٥٠٣، ٤/ ٥٧، ٥/ ١٧، ٦/ ١٣، ٥٨، ٧/ ١٦٨، ٤٥١، وغيرها كثير. ولم يكن ابن حجر رحمه الله تعالى مجرد ناقل فقد تعقب على الجَيَّانيّ في مواضع من كتابه فمثلًا: في حديث (٧٣٥٠) من كتاب الاعتصام باب إذا اجتهد الحاكم فأخطأ من صحيح البُخَارِيّ قَال البُخَارِيّ: حثدنا إسماعيل عن أخيه عن سليمان بن بلال عن عبد المجيد من سهيل عن ابن المسيب عن أبى هريرة وأبى سعيد حدثاه أن رسول الله - ﷺ - بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر الحديث (اليُونِينِيّة» ٩/ ١٠٧ (٧٣٥٠، ٧٣٥١) قَال أبو على الجَيَّانيّ في «تقييد المهمل» ٢/ ٧٥٣ (٧٥٤): هكذا روى هذا الإسناد إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخَارِيّ. وسقط من كتاب الفَرَبْريّ: سليمان بن بلال من هذا الإسناد. وذكر أبو زيد المروزي: أنه لم يكن في أصل الفَرَبْريّ. وكذلك لم يكن في كتاب ابن السكن ولا عند أبى أحمد [أي: الجُرْجَانيّ] وكذلك قَال أبو ذر عن مشايخه، ولا يتصل الإسناد إلا به، والصواب: رِوَاية النَسَفْيّ. اهـ. كذا قَال الجَيَّانيّ. فقال ابن حجر ﵀ بعد أن نقل كلام الجَيَّانيّ هذا معقبا عليه ١٣/ ٣١٨: قلت: وهو ثابت عندنا في النسخة المعتمدة من رِوَاية أبى ذر عن شيوخه الثلاثة عن الفَرَبْريّ، وكذا في سائر النسخ التي اتصلت لنا عن الفَرَبْريّ، فكأنها سقطت من نسخة أبى زيد فظن سقوطها من أصل شيخه، وقد جزم أبو نعيم في المستخرج بأن البُخَارِيّ أخرجه عن إسماعيل عن أخيه عن سليمان، وهو [أي أبو نعيم] يرويه عن أبى أحمد الجُرْجَانيّ عن الفَرَبْريّ، وأما رِوَاية ابن السكن فلم أقف عليها. اهـ.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
وكتاب «مشارق الأنوار على صحاح الأخبار» للقاضي عِياض ٥٤٤ هـ (١)
وكتاب «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» للحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف الوهراني المعروف بابن قُرقُول المتوفى سنة ٥٦٩ هـ (٢).
منهج المؤلف في كتابه:
قد ذكر ابن حجر في أول كتابه - وذلك في المقدمة - أنه قدم للشرح بمقدمة وانحصر القول فيها في عشرة فصول:
الأول: في بيان السبب الباعث له على تصنيف هذا الكتاب.
الثاني: في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه، والكلام على تحقيق شروطه إلخ.
الثالث: في بيان الحكمة من تقطيعه للحديث واختصاره، وفائدة إعادته للحديث وتكراره.
الرابع: في بيان السبب في إيراده الأحاديث المعلقة، والآثار الموقوفة.
الخامس: في ضبط الغريب الواقع في متونه مرتبًا له على حروف المعجم.
السادس: في ضبط الأسماء المشكلة التى فيه، وكذا الكنى والأنساب
السابع: في تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كان يكثر اشتراكها
_________________
(١) نقل منه ابن حجر في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال: ١/ ٤٠٨، ٤١٤، ٤١٥، ٤/ ٨٢، ٥/ ٤١، ٣٣٤، ٣٤٠، ٨/ ٣٨، ٦٤، ٩/ ١٤٥، ٢٤١، ٣٧٣، ١٠/ ٢٨١، ١١/ ٢١١، ١٢/ ٣٠٦، ١٣/ ٤١٤.
(٢) نقل منه ابن حجر في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال: ١/ ٤٨٦، ٤٩٠، ٥٨٢، ٢/ ١٥٢، ٣/ ١٢٠، ٣٤٥، ٤٨٦، ٤/ ٤٥٦، ٥/ ٢٤٢، ٢٩٩، ٦/ ٢٧٥، ٩/ ٦، ٥٧، ١٠/ ٦٣، ١١/ ٤٥٤، ١٣/ ٦٨، وغير ذلك.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
كمحمد
الثامن: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد والرد عليها.
التاسع: في سياق أسماء جميع من طُعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف
العاشر: في سياق فهرسة كتابه المذكور بابًا بابًا وعدة ما في كل باب من الحديث
تم ختم هذه المقدمة بترجمة كاشفة عن خصائصه ومناقبه - ﵁ -.
وبعد ذلك شرع في الشرح، وهو يذكر الكتاب والباب وحديثه أولًا ثم يذكر وجه المناسبة بين الحديث والترجمة إن كان ذلك خفيًّا، ثم يستخرج ما يتعلق بغرض البُخارِيّ من ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات، وكشف غامض، وتصريح سماع مدلس، ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات الكتب والمسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد والأمالي وغير ذلك.
ثم يضبط ما يشكل من جميع ما تقدم من الأسماء والأوصاف، مع إيضاح معاني الألفاظ والتنبيه على النكات البيانية.
ثم يتبع ذلك بالأحكام والاستنباطات الفقهية مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على الناسخ والمنسوخ، والعام والمطلق والمجمل، والظاهر والمئول. والإشارة إلى القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية وما اتصل بذلك من كلام الأئمة، ويفعل ذلك في كل باب غالبًا، فإذا تكرر الحديث أو المسألة أحال غالبًا مع التنبيه على حكمة التكرار.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
وهو مع كل ذلك يسوق اختلاف الرُّواة في كل لفظة مع بيان وجه كل رِواية وبيان الوهم وسببه عندما تقتضي الحاجة لذلك.
نماذج الكتاب:
النموذج الأول: من كتاب العيدين، باب: من خالف الطريق إذا رجع.
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ (١).
قال ابن حجر في «الفتح» (٢): قوله: (تابعه يونس بن محمد عن فليح وحديث جابر أصح).
كذا عند جمهور رواة البُخارِيّ من طريق الفَرَبْريّ، وهو مشكل لأن قوله: (أصح) يباين قوله: (تابعه) إذ لو تابعه لساواه فكيف تتجه الأصحية الدالة على عدم المساواة وذكر أبو على الجَيّانيّ (٣) أنه سقط قوله: (وحديث جابر أصح) من رِواية إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ فلا إشكال فيها.
قال: ووقع في رِواية ابن السكن: تابعه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة.
وفي هذا توجيه قوله (أصح) ويبقى الإشكال في قوله (تابعه) فإنه لم يتابعه بل خالفه، وقد أزال هذا الاشكال أبو نعيم في «المستخرج» فقال:
_________________
(١) «صحيح البُخَارِيّ» ٢/ ٢٣ (٩٨٦).
(٢) ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
(٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٧.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
أخرجه البُخارِيّ عن محمد عن أبي تميلة وقال: تابعه يونس بن محمد عن فليح. وقال محمد بن الصلت: عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، وحديث جابر أصح.
وبهذا جزم أبو مسعود في الأطراف، وكذا أشار إليه البرقاني.
وقال البيهقي: إنه وقع كذلك في بعض النسخ، وكأنها رِواية حماد بن شاكر عن البُخارِيّ.
ثم راجعت رِواية النَسَفْيّ فلم يذكر قوله: (وحديث جابر أصح). فسلم من الإشكال، وهو مقتضى قول الترمذي: رواه أبو تميلة ويونس بن محمد، عن فليح، عن سعيد عن جابر (١).
فعلى هذا يكون سقط من رِواية الفَرَبْريّ قوله: (وقال محمد بن الصلت عن فليح) فقط، وبقي ما عدا ذلك.
هذا على رِواية أبي على بن السكن، وقد وقع كذلك في نسختي من رِواية أبي ذر عن مشايخه.
وأما على رِواية الباقين فيكون سقط إسناد محمد بن الصلت كله.
وقال أبو على الصَّدفي في حاشية نسخته التي بخطه من البُخارِيّ: لا يظهر معناه من ظاهر الكتاب، وإنما هي إشارة إلى أن أبا تميلة ويونس المتابع له خولفا في سند الحديث، وروايتهما أصح، ومخالفهما - وهو محمد بن الصلت - رواه عن فليح شيخهما، فخالفهما في صحابيه فقال: عن أبي هريرة.
قلت: فيكون معنى قوله: (وحديث جابر أصح) أي من حديث من
_________________
(١) «جامع الترمذي» ٢/ ٤٢٥ (٥٤١) أبواب الصلاة، باب ما جاء في خروج النبي ﷺ إلى العيد
[ ٢ / ٧٩٠ ]
قال فيه عن أبي هريرة.
وقد اعترض أبو مسعود في الأطراف على قوله: تابعه يونس. اعتراضا آخر فقال: إنما رواه يونس بن محمد عن فليح عن سعيد عن أبي هريرة، لا جابر، وأجيب بمنع الحصر فإنه ثابت عن يونس بن محمد كما قال البُخارِيّ، أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس، وكذا هو في «مسنده» و«مصنفه».
نعم رواه بن خزيمة (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣) من طريق أخرى عن يونس بن محمد، كما قال أبو مسعود. وكأنه اختلف عليه فيه، وكذا اختلف فيه على أبي تميلة، فأخرجه البيهقي من وجه آخر عنه فقال: عن أبي هريرة (٤).
وأما رِواية محمد بن الصلت المشار إليها فوصلها الدارمي (٥) وسمويه كلاهما عنه والترمذي (٦) وابن السكن والعقيلى (٧) كلهم من طريقه بلفظ: كان إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره.
_________________
(١) «صحيح بن خزيمه» ٢/ ٣٦٢ (١٤٦٨) كتاب: الصلاة، باب: استحباب الرجوع من المصلى من غير الطريق الذي أتى فيه المصلى.
(٢) «المستدرك» ١/ ٢٩٦ كتاب: العيدين.
(٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٣٠٨ كتاب: صلاة العيدين، باب: الإتيان من طريق غير الطريق الذي غدا منها.
(٤) المرجع السابق.
(٥) «سنن الدارمي» ٢/ ١٠٠٤ (١٦٥٤) كتاب: الصلاة، باب: الرجوع من المصلى من غير الطريق الذي خرج منه.
(٦) «سنن الترمذي» (٥٤١).
(٧) ذكره في «الضعفاء» ٣/ ٣١٩ معلقًا دون إسناد.
[ ٢ / ٧٩١ ]
وذكر أبو مسعود أن الهيثم بن جميل رواه عن فليح - كما قال بن الصلت - عن أبي هريرة.
والذي يغلب على الظن أن الاختلاف فيه من فليح، فلعل شيخه سمعه من جابر ومن أبي هريرة، ويقوى ذلك اختلاف اللفظين، وقد رجح البُخارِيّ أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجحا أنه عن أبي هريرة، ولم يظهر لي في ذلك ترجيح والله أعلم. اهـ
النموذج الثاني:
قال البُخارِيّ في كتاب بدء الخلق في أول باب منه بعد الحديث الثاني في الباب:
وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ - ﷺ - مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ (١).
قال ابن حجر (٢):
قوله: (وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ) كذا للأكثر وسقط منه رجل، فقال بن الفلكي: ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة، وبذلك جزم أبو مسعود، وقال الطرقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفَرَبْريّ، وثبت في رِواية حماد بن شاكر، فعنده عن البُخارِيّ: روى عيسى عن أبي حمزة عن رقبة، قال: وكذا قال بن رميح عن الفَرَبْريّ. قلت: وبذلك جزم أبو نعيم في «المستخرج»، وهو يروي «الصحيح» عن الجُرْجانيّ عن الفَرَبْريّ.
_________________
(١) «صحيح البُخَارِيّ» ٤/ ١٠٦ (٣١٩٢).
(٢) فتح الباري ٦/ ٢٩٠.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
فالاختلاف فيه حينئذ عن الفَرَبْريّ، ثم رأيته سقط أيضا من رِواية النَسَفْيّ، لكن جعل بين عيسى ورقبة ضبة (١)، ويغلب على الظن أن أبا حمزة ألحق في رِواية الجُرْجانيّ، وقد وصفوه بقلة الإتقان، وعيسى المذكور هو ابن موسى البُخارِيّ، ولقبه غنجار - بمعجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم جيم - وليس له في البُخارِيّ إلا هذا الموضع.
وقد وصل الحديثَ المذكور من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة، وهو محمد بن ميمون السكري عن رقبة الطبرانيُّ في مسند رقبة المذكور - وهو بفتح الراء والقاف والموحدة الخفيفة - ابن مصقلة - بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وقد تبدل سينا بعدها قاف - ولم ينفرد به عيسى، فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة نحوه، لكن بإسناد ضعيف. اهـ
طبعات الكتاب:
لقد طبع الكتاب طبعات كثيرة جدًّا نظرًا لشهرة الكتاب، ومن أشهر هذه الطبعات التي وقفت عليها:
١ - الطبعة السلفية، وقد اشتهرت هذه الطبعة حتى إن كثيرًا من دور النشر قد صوروها، ولا يعرف عدد طبعاتها.
وهذه الطبعة تمتاز بأنها بإخراج وتصحيح محب الدين الخطيب، وترقيم كتب وأبواب وأحاديث محمد فؤاد عبد الباقي.
وهذه الطبعة تقع في ثلاثة عشر مجلدًا بالإضافة إلى المقدمة والتي تقع في مجلد مستقل.
_________________
(١) أي علامة إلحاق السقط، وهو من الأمور المتعارف عليها بين ناسخي المخطوطات.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
وقد زود القائمون على هذه الطبعة هذا الشرح بأحاديث «صحيح البُخارِيّ» قبل شرحها لأن ابن حجر رحمه الله تعالى لم يذكر المتن كاملًا قبل شرح كل حديث، وإنما يذكر اللفظة أو الجملة من السند أو المتن، ثم يتبعها بما قيل فيها من فوائد واستنباطات.
تنبيه: يلاحظ اختلاف هذا المتن عن المتن الذي يشرح عليه ابن حجر ﵀؛ حيث صرح الحافظ بأن اعتماده في متن «الصحيح» سيكون على نسخة أبي ذر الهَرَويّ، ومعلوم أن هذه النسخة تخالف غيرها في أشياء كثيرة من حيث الترتيب وثبوت بعض الألفاظ أو حذفها.
ولذلك تجد في بعض المواضع أن ابن حجر يشرح في لفظة وهذه اللفظة غير موجودة في النص المثبت أو تجد لفظة تخالفها أو لفظة أخرى بمعناها أو غير ذلك.
وانظر لذلك مثلًا في أول حديث في الفتح عن يحيى بن سعيد وفي المتن حَدَّثَنا يحيى بن سعيد الأنصاري ونص ابن حجر على ذلك لغير رِواية أبى ذر أى قوله حَدَّثَنا بدلًا من عن وزيادة الأنصاري (١).
وفي حديث رقم (٣٤٠١)، وحديث (٣٤٠٢) من كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى ﵉ حيث ذرك محققو الطبعة السلفية (٢) جملة: قال الحَمُّوييّ قال محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خشرم عن سفيان بطوله بعد الحديث رقم (٣٤٠٢) بينما الموافق لسياق الإسناد وضعها بعد الحديث (٣٤٠١) كما فعل ابن حجر في الشرح.
_________________
(١) ينظر «الفتح» ١/ ٩ - ١٠.
(٢) «الفتح» ٦/ ٤٣٠ - ٤٣٣
[ ٢ / ٧٩٤ ]
وأيضًا في حديث (٧٣٥٠، ٧٣٥١) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول .. في إسناد الحديث زيادة كلمة بن بلال بينما في الفتح حذفها (١).
ولم يصرح القائمون على هذه الطبعة أيَّ النصوص وضعوها كمتن. وغالب الظن أنه مستمد من الطبعة «السلطانية»، ولكن مع عدم مراعاة وتتبع نسخة أبي ذر الهَرَويّ رحمه الله تعالى.
ملاحظات على هذه الطبعة:
سقطت من عنده بعض الأبواب التي ثبتت عند بعض الرواة مثل ما جاء في ترجمة في هامش السلطانية، ولم تثبت إلا لأبي ذر عن المستملي (٢) ولم يرقم ولم يُذكر تحته حديث والباب الذي بعده فيه حديث (١٤٧٣).
أيضًا لم يرقم لحديث وجد في هامش الأصل، وهو من نسخة مسموعة من طريق الخلال وغيره وهو بعد حديث (١٣٢٥)، وقد ذكره المزي في التحفة (١٣٢٦٦) مما يعني أن الشيخ محمد فؤاد لم يستوعب كل الأحاديث التي في الأصل والهامش.
الطبعة الثانية:
هى الطبعة التى قدم لها وعلق عليها الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، المدرس بالمسجد النبوي، وإنما ذكرت هذه الطبعة دون غيرها من الطبعات الكثيرة، لما ذكر أنه اعتمد في نص هذه الطبعة من «الفتح» على رِواية أبي ذر الهَرَويّ عن مشايخه لثلاثة: السَّرْخَسي، والمُسْتَمْلِيّ،
_________________
(١) «الفتح» ١٣/ ٣١٨.
(٢) ٢/ ١٢٣، هامش (٥)
[ ٢ / ٧٩٥ ]
والكُشْمِيهَني (١).
وابتدأ المحقق الطبعة بمقدمة ذكر فيها الباعث له على هذه الطبعة من «فتح الباري» فقال - بعد أن ذكر ما جاء عن ابن حجر من اعتماده على رِواية أبي ذر الهَرَويّ -:
وقد غفل عامة من جمع متن البُخارِيّ مع «فتح الباري» عن شرط الحافظ ابن حجر ﵀، فقد جاءت جميع المتون التى طبعت مع «فتح الباري» ملفقة للرواة الآخرين.
ولذلك تجد كثيرًا ما يشرح الحافظ ابن حجر كلمات لا وجود لها في المتن، أو تجد كلمات في المتن لا وجود لها في «فتح الباري» (٢).
وذكر أن عدم وجود بعض الكلمات أو الجمل في الشرح مع وجودها في المتن الملحق في الكتاب جعله يعزم على إعادة طبع «الفتح» وأن يبحث عن نسخة أبي ذر التى ارتضاها الحافظ ابن حجر.
كما ذكر في المقدمة أيضًا أنه اعتمد في هذا المتن على نسختين:
الأولى: مكونة من خمس مجلدات فقد منها المجلد الثالث، وهي نسخة محفوظة في مكتبة الحرم النبوي الشريف.
الثانية: نسخة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة وأكمل منها المفقود من النسخة الأولى.
يقول الشيخ عبد القادر شيبة الحمد في المقدمة (٣): ومخطوط المسجد
_________________
(١) طبعت عام ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران بالمملكة العربية السعودية. كما أن مكتبة العبيكان قد طبعتها بعد ذلك طبعة تجارية.
(٢) المقدمة ص: ٥ - ٦.
(٣) المقدمة ص: ٨.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
النبوي هى نسخة أبي علي الصَّدفي من روايته عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، عن أبي ذر الهَرَويّ، عن مشايخه الثلاثة .
وقد نص الحافظ ابن حجر على أن رِواية أبي ذر الهَرَويّ قد اتصلت له من طريق أبي مكتوم عيسي بن الحافظ أبي ذر.
وقد ظهرت نسخة لـ «صحيح البُخارِيّ» من رِواية أبي علي الصَّدفي، وقد كتب عليها بخط السخاوي أن شيخه الحافظ ابن حجر كان يعتمد عليه وقت شرحه للبخاري كما ذكر عبد الحي الكتاني المغربي في كتابه «فهرس الفهارس» أ. هـ
ثم ذكر ما يدل على أن أبا الوليد الباجي وقع لنسخته ذكر في «الفتح» وضرب لذلك مثالًا وقع في شرح الحديث رقم (١٦٩١) في باب من ساق البدن معه، وحديث رقم (٢١٩٣) من باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. وحديث رقم (٤٩١٣) الوارد في كتاب التفسير في تفسير سورة التحريم.
ثم ختم قوله محاولًا إثبات أن نسخة الحرم المدني هى نسخة أبي علي الصَّدفي التي بخطه قائلًا:
وقد وجدت سماعات في مخطوطة المسجد النبوي، وهي سماعات أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة عن الصَّدفي وقد ذيلت بخط الصَّدفي ﵀ (١).
ويلاحظ على هذه الطبعة ما يلي:
أولًا: جاء على غلاف العنوان لكل مجلد من هذه الطبعة: قول الناشر «تحقيق وتعليق عبد القادر شيبة الحمد» الأمر الذي يوهم بأن التحقيق والتعليق متوجه إلى كتاب فتح الباري، مع أن عمل المحقق متوجه أصلًا
_________________
(١) المقدمة ص: ١٠.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
إلى متن الصحيح، ولا علاقة له بفتح الباري؟!
ثانيًا: أن المحقق رحمه الله تعالى لم يلتزم إثبات النص الموجود بين يديه من رِواية أبي ذر، وإنما تصرف في النص بحيث أنك لا تستطيع الجزم بأنه رِواية أبي ذر عن طريق أحد تلاميذه، فهو مرة يذكر ما يوافق رِواية تلميذه وابنه أبي مكتوم كما جاء في «الفتح» ومرة يرجح ويثبت ما يكون عنده من رِواية أبي علي الصَّدفي عن شيخه أبي الوليد عن أبي ذر.
وتارة يثبت ما جاء في النسخة الأزهرية، وتارة ما جاء في نسخة الحرم المدني.
وليته اقتصر على حكاية ما جاء في رواية أبي علي الصَّدفي، سواء وافق رِواية ابن حجر أو لا؛ وذلك لأن رِواية أبي ذر التي اعتمد عليها ابن حجر في «الفتح» هى من رِواية ابنه أبي مكتوم لا من رِواية أبي الوليد الباجي، التى رواها عنه أبو علي الصَّدفي.
وهذا الخلط بين الروايات قد صرح به المحقق نفسه في المقدمة؛ فقد صرح بأنه أحيانًا يخالف ما في المخطوطتين ويثبت ما ذكره ابن حجر في «الفتح» فبعد أن ذكر مثالًا يدل على أن ابن حجر لم يعتمد في ذكر متن «الصحيح» على نسخة أبي علي الصَّدفي. قال ص: ٢٥:
وهذا يدل على أن الرِّواية التى اعتمدها الحافظ في التيمم هنا ليست رِواية الصَّدفي، ونظرًا لاعتبارنا أن الحافظ يُعْتبَر حَكَمًا عند الاختلاف؛ فقد اخترنا أن نكتب باب التيمم. لا: كتاب التيمم. وإن كان متفقًا عليه في النسختين كما تقدم.» أهـ.
ثالثًا: أن المحقق يرى أن هذه النسخة المحفوظة في مكتبة الحرم المدني هى نسخة أبي علي الصَّدفي التي بخطه، وهذا غير صحيح؛ لأن نسخة أبي علي الصَّدفي التي هى بخطه تقع في مجلد واحد كما هو
[ ٢ / ٧٩٨ ]
معروف في صفتها، وذلك كما وصفها العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي في رحلته الثانية عام ١٢١١ هـ إلى البقاع المقدسة المسماة «الرحلة الصغرى» (١).
أما عبارة: «وكتب حسين بن محمد الصَّدفي بخطه عقب شهر المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة».
فهذه العبارة منقولة من الأصل على عادة النساخ نقل كل ما وجد على الأصل المقابل عليه فقد سبق قبل هذه العبارة ما نصه: كان على ظهر الأصل المنتسخ منه
رابعًا: مع ما سبق من تصرف المحقق في نص «الصحيح» لم يميز هذه المواضع التى وجد فيها مخالفة بين ما وقع في النسخ الخطية التي اعتمدها وما وقع لابن حجر في الشرح، فقد تصفحت هوامش الشرح فلم أجد أي إشارة إلى أي اختلاف بين النسخ، حتى المواضع التى نص عليها في المقدمة.
خامسًا: لم يقارن المحقق بين نسخة أبي ذر الهَرَويّ وغيرها من النسخ المشهورة كاليُونِينيّة فضلًا عن مقابلة عمله مع عمل القَسْطَلّانِيّ الدقيق الذي قام به في «إرشاد الساري»، أو عمل الحافظ من خلال الألفاظ المشروحة التي يثبتها ممزوجة بشرحه أو ما يشير إليه من اختلاف الروايات أثناء الشرح.
سادسًا: عندما جمع المحقق حفظه الله بين رِواية أبي ذر الهَرَويّ
_________________
(١) ينظر المبحث الخاص برِوَاية أبي علي الصَّدفي ووصف العلماء لها، فقد ذُكر عدد من الأوصاف التي لا توجد في هذه النسخة التي اعتمد عليها المحقق، كما أن نتيجة البحث انتهت إلى أن المخطوط بطبرق وليس في الحرم المدني.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
للصحيح وبين «فتح الباري» في هذه الطبعة لم يشر إلى أن غاية ما قام به هو إخراج رِواية أبي ذر الهَرَويّ وضمها إلى كتاب «فتح الباري»، والذي اقتصر فيه المحقق على طبعة مصورة عن طبعة المكتبة السلفية الصادرة بعناية محب الدين الخطيب ﵀ ولم يكن هناك أدنى إشارة إلى أن «فتح الباري» مأخوذ بالتصوير.
سابعًا: لم يذكر المحقق الاختلافات التي بين روايات شيوخ أبي ذر الثلاثة، إذ من المعروف أن بين الروايات الثلاثة بعض الاختلافات التي ميزها أبو ذر في نسخته.
وعلى كل فهي تجربة لا تخلو من فائدة، ويكفي أنه انتبه لاقتصار ابن حجر على رِواية أبي ذر، والخلاف بين الرُّواة عن أبي ذر أقل بكثير من اختلاف باقي الروايات مع رِواية أبي ذر، ولعل الله يهيِّيء من يقوم بخدمة هذا الشرح حتى يخرج كما أراد له مؤلفه، إنه ﷾ ولي ذلك والقادر عليه.
هذه هي الطبعة الثانية من «فتح الباري» وأهم الملاحظات عليها، وقد طبع غير ذلك كثيرًا إلا أنها لا تختلف كثيرًا عن الطبعة الأولى التي سبق الحديث عنها؛ ولذا نكتفي بهذا القدر، ففيه دلالة على غيره - والله أعلم.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
٢ - كتاب «إرشاد الساري إلى صحيح البُخارِيّ»
المؤلف (١): هو الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد أبي بكر بن عبد الملك أحمد القَسْطَلّانِيّ، المصري، الشافعي، الإمام، العلامة، الحجة، الرحالة، الفقيه، المقرئ، المسند.
ولد ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، ونشأ بها وحفظ القرآن وتلا السبع، وحفظ الشاطبية والجزرية وغير ذلك.
تلقى وأخذ العلم عن مشايخ منهم الشيخ خالد الأزهري النحوي والفخر المقسمي والجلال البكري، وأخذ العلم بمكة عن مشايخ منهم النجم بن فهد، وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار بالقرافة الصغرى، وعمل تأليفًا في مناقب الشيخ المذكور.
وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ وكتب بخطه شيئًا كثيرًا لنفسه ولغيره، وأقرأ الطلبة وأقبل على التأليف بعد ذلك.
وقال عنه العيدروسي: كان إمامًا حافظًا متقنًا جليل القدر، حسن التعزيز والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف؛ لطيف الترتيب والترصيف، زينة أهل عصره، ونقاوة ذوي دهره، ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر، توفي سنة (٩٢٣) هـ ليلة الجمعة سابع المحرم بالقاهرة ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
_________________
(١) وينظر ترجمته في: «الضوء اللامع» ١/ ٢٤١، «النور السافر» للعيدروسي ص: ١٠٦، ١٠٧، «شذرات الذهب» ٨/ ١٢١، «فهرس الفهارس» ٢/ ٩٦٧ (٥٤٦)، «الأعلام» ١/ ٢٣٢، «معجم المؤلفين» ١/ ٢٥٤ (١٨٢٨) وغيرها ..
[ ٢ / ٨٠١ ]
- من تصانيفه:
١ - «إرشاد الساري إلى صحيح البُخارِيّ».
٢ - «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» (١).
٣ - «فتح الداني في شرح حرز الأماني» في القراءات.
وغير ذلك من الكتب.
- الكتاب:
ذكر العلامة القَسْطَلّانِيّ منهجه في مقدمة الكتاب، وصرح بأن الفكرة الأساسية للكتاب تقوم على ضبط ألفاظ الصحيح وتحريرها بناء على ما وصله من روايات، وقد اعتمد في ذلك على عمل شرف الدين اليُونِينِيّ.
قال القَسْطَلّانِيّ في مقدمة شرحه «إرشاد الساري» (٢):
ثم وقفت في يوم الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة بعد ختمي لهذا الشرح على المجلد الأخير من أصل اليُونِينِيّ المذكور، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصه:
سمعت ما تضمنه هذا المجلد من «صحيح البُخارِيّ» ﵁، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليُونِينِيّ ﵁ وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما إذا مر بهم لفظ ذو إشكال بَيَّنْتُ فيه الصواب، وضبطه على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة وإقامة دلالة أخرت أمره إلى جزء
_________________
(١) قَال فيه العيدروسي في «النور السافر» ص: ١٠٧: وهو كتاب جليل المقدار عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير في بابه.
(٢) ١/ ١١٠ - ١٤٢.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد، ليكون الانتفاع به عامًا، والبيان تامًا، إن شاء الله تعالى، وكتبه محمد بن عبد الله بن مالك حامدا لله تعالى.
قلت: وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا، على هذا الجزء المذكور، من أوله إلى آخره، حرفا حرفا، وحكيته كما رأيته حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة، نفع الله تعالى به، ثم قابلته عليه مرة أخرى.
فعلى الكاتب لهذا الشرح - وفقه الله تعالى - أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنا وسندًا من الشرح واختلاف الروايات بالألوان المختلفة وضبط الحديث متنا وسندًا بالقلم كما يراه، ثم رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصه:
بلغت مقابلة وتصحيحًا وإسماعا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام، حجة العرب، مالك أزمة الأدب، الإمام العلامة أبي عبد الله بن مالك الطائي الجَيّانيّ، أمد الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي، فما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححت عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي، ما خلا الجزء الثالث عشر والثالث والثلاثين؛ فإنهما معدومان، وبأصل مسموع على الشيخ أبي الوَقْت بقراءة الحافظ أبي منصور السَّمْعاني وغيره من الحفاظ، وهو وقف بخانكاه السُّمَيْساطي، وعلاماتُ ما وافقت أبا ذر: (هـ) والأصيلي: (ص:)، والدمشقي (س)، وأبا الوَقْت (ظ) فيُعلم ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة لتعلم الرموز. كتبه علي بن محمد الهاشمي اليُونِينِيّ عفا الله عنه. انتهى.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
ثم وُجد الجزء الأول من أصل اليُونِينِيّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكُتُب، فَعُرِف وأُحضر إليَّ بعد فقده أزيد من خمسين سنة، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمُلت مقابلتي عليه جميعه، حسب الطاقة، ولله الحمد (١).
فالحافظ القَسْطَلّانِيّ اعتمد في شرحه لـ «الصحيح» على فروع مقابلة على الأصل الأصيل لليونيني لفقده الأصل.
وكان من أجل الفروع التي اعتمد عليها الفرع الجليل المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد الغزولي وقف التنكزية بباب محروق خارج القاهرة المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاج مالك وأصل اليُونِينِيّ غير مرة.
يقول القَسْطَلّانِيّ: فلهذا اعتمدت في كتابة متن البُخارِيّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات وما في حواشيه من الفوائد المهمات. ا. هـ.
ثم ذكر القَسْطَلّانِيّ أنه وقف في يوم الإثنين ثالث عشر من شهر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة بعد انتهائه من الشرح المذكورعلى المجلد الأخير من أصل اليُونِينِيّ.
وذكر أنه قابل متن شرحه على هذا المجلد إسنادًا وحديثًا من أوله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكاه كما رآه حسب طاقته، وانتهى من ذلك في العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة ثم قابله عليه مرة أخرى.
فانظر إلى وقت المقابلة حيث استغرقت ما يزيد على ثمانية أشهر.
وهذا يدل على شدة التحري أملا في توثيق النص
_________________
(١) «إرشاد الساري» ١/ ١٤٠ - ١٤٢.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
ولذا يوجه وصية إلى ناسخ الشرح قائلًا:
فعلى الكاتب لهذا الشرح - وفقه الله تعالى - أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشرح، واختلاف الروايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنا وسندًا بالقلم كما يراه.
وذكر القَسْطَلّانِيّ أنه وجد بحاشية ظاهر الورقة الأولى سماعا مكتوبا بخط مالك أزمة الأدب العلامة النحوي اللغوي سيبويه زمانه محمد بن عبد الله بن مالك، وذكر نص هذا السماع، وكان بقراءة الحافظ شرف الدين اليُونِينِيّ وبحضور جماعة من الفضلاء (١).
وذكر أيضًا نص مقابلة بخط الحافظ شرف الدين اليُونِينِيّ وهذه المقابلة كانت بين يدي ابن مالك في إحدى وسبعين مجلسًا، وهو يراعي قراءة اليُونِينِيّ وهو يقابل بأصوله التي وقف عليها.
مما سبق يتبين ما يلي:
أولًا: أن تحرير ألفاظ «الصحيح» ورواياته اعتمد فيه القَسْطَلّانِيّ على عمل اليُونِينِيّ وذلك من خلال الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن أحمد المزي الغزولي.
والذي جعله يعتمد هذا الفرع أنه قوبل على فرعي مدرسة الحاج مالك، وعلى أصل اليُونِينِيّ.
ثانيًا: أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة في هذا الفرع إلا وذكرها في كتابه، يدل على ذلك قوله: ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا
_________________
(١) لم يذكر السماع أسماء الحاضرين، ولذلك يقول الشيخ أحمد شاكر في مقدمة الطبعة السلطانية دار الجيل ١/ ٧: وجماعة الفضلاء الذين كانوا حاضري هذه المجالس للسماع والتصحيح والمقابلة لم أجد أيضًا أسماءهم في شيء مما بين يدي من المصادر، ولا أدري أكتبت أسماؤهم في ثبت السماع على النسخة اليُونِينِيّة أم لم تكتب. اهـ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات وما في حواشيه من الفوائد والمهمات.
ثالثًا: أنه بعد وقوفه على أصل اليُونِينِيّ قابل ألفاظ الحديث عليه كما ذكر، من أوله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكاه كما رآه حسب طاقته.
رابعًا: من نص القَسْطَلّانِيّ السابق يستفاد أنه رسم الروايات واختلافها بالألوان، وأنه انتهى من هذا الشرح في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة. وانتهى من مقابلة الجزء الأخير من أصل اليُونِينِيّ الذي كان بين يديه في العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة.
خامسًا: يتبين بجلاء مدى اهتمام القَسْطَلّانِيّ بنسخة اليُونِينِيّ ويتجلى ذلك من خلال حرصه على مقابلة الفرع الذي وقف عليه أولًا، ثم بعد وقوفه على المجلد الأخير من أصل اليُونِينِيّ أعاد المقابلة عليه مرة أخرى، ثم الحرص على إتمام المقابلة على الجزء المفقود من أصل اليُونِينِيّ حتى كملت المقابلة على الأصل كله.
ثم تمييزه هذه الروايات بالألوان، ووصيته لكاتب الشرح بحكاية ما يراه من الضبط قائلًا: فعلى الكاتب لهذا الشرح - وفقه الله تعالى - أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشرح، واختلاف الروايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما تراه.
ويكفي للدلالة على تحريه وضبطه أن مقابلة الجزء الأخير من أصل اليُونِينِيّ قد استغرقت الفترة ما بين ثالث عشر من جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة وحتى العشر الأخير من المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة من الهجرة أي: ما يزيد على سبعة أشهر.
- ترتيب الكتاب:
الكتاب مرتب على نفس ترتيب «صحيح البُخارِيّ» وقبل البدء في
[ ٢ / ٨٠٦ ]
الشرح كتب مقدمة ذكر فيها الباعث له على تأليف الكتاب، وتسميته بهذا الاسم، ثم ذكر بعض المباحث الضرورية من علوم الحديث وغيرها التي لابد منها وجعلهما من خمسة فصول:
الفَصْل الأول: في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث.
الفَصْل الثاني: في ذكر أول من دون الحديث والسنن ومن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السنن.
الفَصْل الثالث: في نبذة لطيفة جامعة لفرائد فوائد مصطلح الحديث.
الفَصْل الرابع: فيما يتعلق بالبُخارِيّ في «صحيحه» من تقرير شرطه وتحرره وضبطه إلخ.
الفَصْل الخامس: في ذكر نسب البُخارِيّ ونسبته ومولده وبدء أمره ونشأته .. إلخ.
وبعد هذه الفصول بدأ يتكلم عن روايات «الجامع الصحيح» للبخاري، فذكر الروايات التي روى «الصحيح» من خلالها إجمالًا، ثم تحدث عن عناية اليُونِينِيّ بروايات ونسخ «الصحيح» وذكر وقوفه على الأصل ومقابلته بشرحه، ثم ذكر بعد ذلك عناية العلماء بشرح «صحيح البُخارِيّ» وبدأ يذكرهم شرحًا شرحًا مع بيان الشروح التي وقف عليها واستخدمها في شرحه هذا مرتبًا لهم من الأقدم إلى الأحدث.
ثم بعد ذلك ذكر أسانيده إلى البُخارِيّ في رِواية «الصحيح»، ثم بعد ذلك بدأ الشرح، وطريقته فيه أن يذكر الكلمة من الكتاب سواء كانت اسم كتاب أو باب أو كلمة من المتن أو السند ثم يبدأ بذكر اختلاف الرُّواة في هذه اللفظة، وبعد ذلك يذكر شرحها. والفوائد المتعلقة بها، وهو لا يذكر متن «الصحيح» في أول الباب؛ ولعل ذلك بسبب عدم اعتماده على رِواية معينة. وهو يفصل بين المتن وشرحه.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
روايات الكتاب:
سبق أن قلنا أنه اعتمد في نص الصحيح على عمل اليُونِينِيّ، وقد سبق ذكر الروايات والنسخ التي قابل بها أصله.
وأن القَسْطَلّانِيّ - شأنه شأن كل العلماء والشراح - له إسناد يصله بصاحب الكتاب، وأسانيده قد ذكرها في المقدمة (١).
- ويلاحظ من خلال قراءة هذه الأسانيد ما يلي:
أولًا: أن الصحيح وقع للقسطلاني من رِواية ثلاثة رواة عن البُخارِيّ هم:
١ - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ.
٢ - إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ (٢٩٥) هـ.
٣ - حماد بن شاكر النسوي (٣١١) هـ.
ثانيًا: رِواية الفَرَبْريّ وقعت له من رِواية ثمانية من تلاميذ الفَرَبْريّ عنه هم:
أبو علي عثمان بن السكن (٣٥٣) هـ.
أبو إسحاق المستملى (٣٧٦) هـ.
أبو الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ.
أبو محمد السَّرْخَسي الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ.
أبو زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
أبو أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٣ أو ٣٧٤) هـ.
أبو علي الكُشّانيّ (٣٩١) هـ.
أبو علي بن شَبُّويه مات بعد (٣٧٨) هـ.
_________________
(١) ١/ ١٥٥ - ١٥٨.
[ ٢ / ٨١٤ ]
ثالثًا: من الروايات المشهورة التي وقعت له ما يلي:
١ - رِواية ابن عساكر (٥٧١) هـ عن محمد بن الفضل الساعدي، عن أبي سهل الحفصي (٤٦٦) هـ عن الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
٢ - رِواية الزبيدي (٦٣١) هـ عن أبي الوَقْت (٥٥٣) هـ عن الدّاوُدِيّ (٤٦٧) هـ، عن السَّرْخَسي الحَمُّوييّ، عن الفَرَبْريّ.
٣ - رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ عن الكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
٤ - رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ عن شيوخه الثلاثة عن الفَرَبْريّ.
٥ - رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ.
وهذه الروايات هي التي اعتمد عليها اليُونِينِيّ في نسخته، ووقع على أصول لها عنده.
رابعًا: شيوخ شهاب الدين القَسْطَلّانِيّ في رِواية الصحيح خمسة هم:
١ - أبو العباس أحمد بن عبد القادر بن طريف الشاوي (١) هـ.
روى من طريقه: رِواية ابن عساكر والتي تنتهي بالكُشْمِيهَني عن الفَرَبْريّ.
كما روى من طريقه رِواية الزبيدي والتي تنتهي بالسَّرْخَسي عن الفَرَبْريّ.
٢ - قاضي القضاة إمام الحرم الشريف المكي أبو المعالي بن الإمام رضي الدين محمد الطبري المكي المتوفى آخر ليلة الأربعاء ثامن عشر من صفر سنة أربع وتسعين وثمانمائة.
روى عنه: رِواية أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة (الكُشْمِيهَني
_________________
(١) لم أقف له على ترجمته ووجدت له ذكر في ترجمة أبي العباس أحمد بن أحمد بن محمد البرنسي الفاسي، «فهرس الفهارس» ١/ ٤٥٥.
[ ٢ / ٨١٥ ]
والسَّرْخَسي والمُسْتَمْلِيّ) عن الفَرَبْريّ.
٣ - الحافظ نجم الدين عمر بن الحافظ تقي الدين محمد الهاشمي المكي المتوفى في رمضان سنة خمس وثمانين وثمانمائة عن ثلاث وسبعين سنة.
روى عنه وحده رِواية الزبيدي أيضًا السابق ذكرها، كما روى عنه رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ عن الكُشْمِيهَني ورِواية المستغفري (٤٣٢) هـ عن الكُشّانيّ (٣٩١) هـ عن الفَرَبْريّ.
٤ - الحافظ أبو عمرو فخر الدين بن أبي عبد الله محمد المصري
روى من طريقه بالاشتراك مع من سبقه ومن يأتي بعده باقي الروايات عن الفَرَبْريّ وهي رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ، والتي تنتهي بأبي زيد المَرْوَزيّ (٤٣٤) هـ ورِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ وابن شَبُّويه جميعهم عن الفَرَبْريّ.
كما روى من طريقه رِواية خلف بن محمد أبي صالح (٣٦١) هـ، عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ (٢٩٥) هـ، عن البُخارِيّ كما روى أيضًا رِواية الحاكم أبي عبد الله (٤٠٥) هـ، عن ابن رميح، عن حماد بن شاكر (٣١١) هـ، عن البُخارِيّ.
٥ - الحافظ شمس الدين محمد بن زين الدين أبي محمد المصري:
روى من طريقه بالاشتراك مع شيخيه السابقين ما سبق ذكره عند شيخه أبي عمرو فخر الدين المصري.
قيمة الكتاب في الوقوف على الروايات:
مما سبق ذكره يتبين لنا قيمة كتاب «إرشاد الساري» في الوقوف على كثير من الروايات والاختلاف بينهما، خاصة وأنه اعتمد كما سبق أن صرح على عمل شرف الدين اليُونِينِيّ؛ لأنه قد استوعب كل الروايات والاختلافات
[ ٢ / ٨١٦ ]
التي كانت في نسخة اليُونِينِيّ وتتجلى قيمة الكتاب في التوجيهات وحكاية الاختلافات ومحاولة الترجيح بينها؛ حيث يحكي اختلاف الروايات ويوجهها.
ولذا لا نبعد كثيرًا عن الحقيقة إذا قلنا: إن عمل القَسْطَلّانِيّ هذا صورة تحاكي عمل اليُونِينِيّ مع توجيه الاختلافات بينها إضافة إلى باقي الفوائد والدرر التي يقف عليها من طالع هذا الشرح العظيم من فوائد حديثية وفقهية وإسنادية وغير ذلك. فمثلًا يقول في بداية كتاب الإيمان وهو يحكي الخلاف في إثبات لفظة باب أو كتاب قال: وفي فرع «اليُونِينيّة» كهي (كتاب الإيمان وقول النبي - ﷺ -) وفي أخرى: (باب الإيمان وقول النبي - ﷺ -)، والأول أصح، لأن ذكر الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته كما لا يخفى، وسقط لفظ (باب) عند الأصيلي (١).
وانظر أيضًا (٢) وهو يضبط الخلاف في لفظة (المشبهات) يقول: المشبهات بالميم وتشديد الموحدة وفي رِواية الأصيلي وابن عساكر (المشتبهات) بالميم والمثناة الفوقية بعد الشين الساكنة وفي أخرى: الشبهات بإسقاط الميم، وضم الشين وبالموحدة. اهـ.
وهو في حكايته الروايات عن اليُونِينِيّ يذكرها من فرعه الذي قابل عليه أولًا وإذا كان هناك موضع يحتاج إلى تأكيد يقول (كهي) أي كما جاء في أصل اليُونِينِيّ فمثلًا يقول في آخر الجزء الثاني ص: ٥٢٩ وهو آخر كتاب الصلاة: وزاد في فرع «اليُونِينيّة» كهي هنا: باب صلاة النساء خلف الرجال وهو ثابت فيه قبل ببابين فكرره فيه، ونبه على سقوط الأخير في الهامش بإزاءه عند أبي ذر وهو ساقط في جميع الأصول التي وقفت عليها لكونه لا
_________________
(١) «إرشاد الساري» ١/ ٢٠٤
(٢) ١/ ٢٨٤
[ ٢ / ٨١٧ ]
طبعات الكتاب
فائدة في تكريره. اهـ.
ولذا عندما أراد مصححو النسخة «اليُونِينيّة» التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد الثاني اعتمدوا على شرح القَسْطَلّانِيّ في حكاية الروايات، وتقييد ما وقع من اختلاف بين أصل اليُونِينِيّ وبين هذا الشرح العظيم.
- طبعات الكتاب: كتاب «إرشاد الساري» للقسطلاني حتى الآن لم يحظ بالعناية التامة له من حيث الإخراج وخدمة الكتاب.
فبالرغم من الأهمية الكبرى للكتاب في الضبط والدقة وحكاية الاختلاف بين الروايات وغير ذلك إلا أنه طبع أكثر من طبعة، وكلها تخلو من الضبط وما أعلمه من طبعات للكتاب ما يلي:
١ - طبع في المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق عام ١٣٠٤ هـ طبعة في عشرة أجزاء، وقد ذكر زهير الناصر في مقدمة طبعة دار طوق النجاة في إخراج الطبعة «السلطانية» أنهم اعتمدوا على هذه الطبعة، وصورت كثيرًا عند كثير من المطابع، وعندي هذه الطبعة مصورة صورتها دار الكتاب العربي.
٢ - طبع في المكتبة الميمنية في اثني عشر مجلدًا مع كتابين آخرين هما:
كتاب «تحفة الباري» أو «منحة الباري في شرح البُخارِيّ» لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وكتاب «شرح النووي على صحيح مسلم». وعندي هذه النسخة.
٣ - وقعت أخيرًا على طبعة أخرى طبعتها دار الكتب العلمية، وهي إعادة صف للكتاب عن الطبعة القديمة مع إضافة متن «صحيح البُخارِيّ» أول كل حديث، وهي طبعة مليئة بالأخطاء.
[ ٢ / ٨١٨ ]
كتب أخرى
«شرح صحيح البخاري»
لابن بطال (٤٤٩) هـ
مؤلفه:
هو الشيخ العلامة الفقيه، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، البكري القرطبي، ثم البلنسي (١)، يعرف بابن اللجام، وقيل ابن اللحام.
روى عن: أبي المطرف القنازعي، وأبى الوليد يونس بن عبد الله القاضي، والمهلب بن أبي صفرة، وغيرهم.
وروى عنه: أبو داود المقرئ، وعبد الرحمن بن بشر، وجماعة.
قال فيه القاضي عياض: كان نبيلًا جليلًا متصوفًا.
وقال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عني بالحديث العناية التامة، وأتقن ما قيد منه.
توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء - وصُلي عليه في صلاة الظهر - آخر يوم من صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة (٢).
منهج ابن بطال في شرحه:
قد ساق محققو كتاب شرح ابن بطال المنهج الذي سار عليه ابن بطال في كتابه، وذلك في مقدمة التحقيق، معتمدين في ذلك على مخالطتهم
_________________
(١) البلنسي بفتح الباء المنقوطة بواحدة واللام وسكون النون، وفي آخرها السين المهملة. هذه النسبة إلى بلدة بشرق الأندلس من بلاد المغرب، يقال لها بلنسية.
(٢) ينظر ترجمته في «الصلة» ٢/ ٤١٤ (٨٩١)، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٤٧ - ٤٨، «تاريخ الإسلام» ٣٠/ ٢٣٣ (٣٢٥) «شجرة النور الزكية» (١١٥)، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٣، «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» ٢/ ٨٤٨ (٨٠٢).
[ ٢ / ٨١٩ ]
وتحقيقهم للكتاب، وما يهمنا الآن هو الرواية التي اعتمد عليها ابن بطال في ذكر متن الصحيح عنده.
وشرح ابن بطال يعتبر من نماذج الشروح التي حدث فيها اختلاف كبير بالتقديم والتأخير والحذف والإثبات في نص «الصحيح» وغالب الظن أن ذلك بناء على ما جاء في نسخته من الصحيح؟
وهذه أهم الملاحظات على ما جاء عنده في ذلك:
١ - قدم كتاب الصوم على كتاب الحج.
٢ - أخر كتاب الشهادات إلى ما بعد النفقات، وقبل كتاب الصلح.
٣ - أخر كتاب فضائل القرآن بعد كتاب الرقاق وقبل التمني.
٤ - أخر كتاب الأطعمة فجعله بعد الطب وقبل التعبير.
٥ - قدم كتاب العقيقة فجعله بعد كتاب الخمس وقبل كتاب الصيد والذبائح.
٦ - أخر كتاب المرضى والطب فجعلهما بعد كتاب أدب وبعده وكتاب الأطعمة.
٧ - أخر كتاب اللباس فجعله بعد كتاب الاستئذان وقبل كتاب الأدب.
٨ - قدم كتاب الاستئذان فجعله قبل كتاب اللباس وبعد كتاب استتابة المرتدين وللعائدين وقتالهم.
٩ - أخر كتاب الدعوات فجعله قبل كتاب الرقاق وبعد كتاب الفتن.
١٠ - أخر أيضا كتاب الرقاق فجعله قبل كتاب فضائل القرآن الذي هو مؤخر أيضًا قبل كتاب التمني، وبعد كتاب الدعوات.
١١ - أخر التمني فجعله قبل القدر.
رواية ابن بطال في شرحه:
من المعلوم أن شرح ابن بطال يعتبر كتاب فقه، حيث اهتم ابن بطال
[ ٢ / ٨٢٠ ]
بالجوانب الفقهية في أحاديث الصحيح، ولذلك لم يتعرض لشرح كل كتب صحيح البخاري فضلًا عن أبوابه بل كان جل اهتمامه بما له متعلق بالأحكام الفقهية، وخاصة المذهب المالكي، فهناك كتب في شرحه لم يذكرها مثل: كتاب بدء الخلق، وكتاب التفسير، وكتب الفضائل، ومناقب الصحابة والمغازي، وبناء على اهتمامه هذا نتج عن ذلك أنه لا يهتم بالإسناد، ويقوم بحذف الإسناد في أول الحديث، ويبدأ بذكر الصحابي راوي الحديث، وأحيانا يذكر بعض الأسانيد التي لها تعلق بالمتن.
وسياقه للمتن على أحوال حيث يختصرها، ويكون اختصارها من أولها، وأحيانًا أخرى في أثنائها، وكثيرًا ما يختصر آخرها ويقول: الحديث. وأحيانا يذكر الحديث بالمعنى، أو ما يدل عليه إذا كان مشهورًا بين العلماء.
بل إنه أحيانا يدمج بين بعض الأبواب فيذكر الحديث ثم يقول: وترجم له بباب كذا، ثم لا يذكر الباب.
ومن الملاحظ أنه يترجم أحيانًا لبعض الأبواب، ويعرض عن ذكر أحاديثها وشرحها، لعدم تعلقها بشيء من الفقه، ثم يقول في هذه الأبواب: ليس فيه فقه، أو لا فقه في هذا الباب.
ومنهج المؤلف هذا فيما يتعلق بمتن صحيح البخاري أوجد صعوبة في تحديد الرواية التي اعتمد عليها، وخاصة أنه لم يذكر أسانيده لرواية الصحيح، كما فعل كثير ممن تعرضوا لشرح الصحيح، فأصبح الأمر متروكًا للاجتهاد والاستنباط.
وقد قدم كتاب الصوم على كتاب الحج (١).
_________________
(١) ٤/ ٥ - ١٨٤.
[ ٢ / ٨٢١ ]
ومن المعروف أن الرواية التي وقع فيها تقديم كتاب الصوم على كتاب الحج هي رواية أبي زيد المروزي.
وهذه الرواية اشتهرت من خلال رواتها الأُوَل في بلاد المغرب من خلال ثلاثة من الرواة وكلهم مغاربة:
الراوي الأول: هو الحافظ الثبت العلامة عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيِلي (٣٩٢) هـ.
الراوي الثاني: أبو الحسن القابسي (٤٠٣) هـ
الراوي الثالث: أبو نعيم الأصبهاني (٤٣٠) هـ.
ومن تتبع النصوص الواردة في هذا الشرح من الصحيح، ومقارنتها بروايات الصحيح يجد كثيرًا منها موافقًا لرواية الأصيلي ورواية النسفي، ولذا أشار ابن حجر في «فتح الباري» إلى مثل ذلك حيث يقول (١): في كتاب الأذان، باب رقم (١٢٦) بعد الحديث رقم (٧٩٩): قوله: (باب) كذا للجميع بغير ترجمة: إلا للأصيلي فقد حذفه، وعليه شرح ابن بطال وغير ذلك.
وإذا اعتبرنا أمرًا آخر في شهرة الروايات في بعض الأقطار الإسلامية نجد أن أشهر الروايات عند المغاربة كانت تعتمد على رواية أبي زيد المروزي، ورواية إبراهيم بن معقل النسفي وبعض الروايات الأخرى عن الفربري (٢).
والكتاب مطبوع طبعته مكتبة الرشد في سنة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م في أحد عشر مجلدًا بالفهارس العلمية.
_________________
(١) ٢/ ٣٣٢.
(٢) وينظر المبحث الخاص بروايات المغاربة للصحيح.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
«التلخيص شرح الجامع الصحيح»
للإمام النووي (٦٧٦) هـ
مؤلفه:
هو الإمام الحافظ، االقدوة شيخ الإسلام، أبو زكريا محيي الدين بن شرف بن مُري بن حسن بن حسين الحزامي، النووي، الدمشقي.
والحزامي نسبة إلى جده، والنووي نسبة إلى نوى، مدينة بالجولان، وهي الآن بسوريا.
ولد رحمه الله تعالى في سنة (٦٣١) هـ، وتوفي سنة (٦٧٦) هـ.
ونشأ في بيت العز والتقوى والصلاح، وتتلمذ على مشايخ عصره
وممن أخذ عنهم الحديث وعلومه:
١ - المحدث الإمام ضياء الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن يوسف المرادي الأندلسي (٦٦٧) هـ (١).
٢ - الإمام الزاهد تقي الدين مسند الشام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد ابن فضل، المعروف بابن الواسطي الصالحي الحنبلي (٦٠٢ - ٦٩٢) هـ (٢).
٣ - زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي الدمشقي (٣) وغيرهم كثير.
وترجمة الإمام النووي منثورة في مؤلفات كثيرة، وقد ذكر محقق كتابة «التلخيص شرح الجماع الصحيح» مصادر ترجمته على سبيل
_________________
(١) «تاريخ الإسلام» ١٥/ ١٣٩.
(٢) «تاريخ الإسلام» ١٥/ ٧٤٥.
(٣) «تاريخ الإسلام» ١٥/ ٨٤.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الاستيعاب، كما ذكر الرسائل العلمية في الجامعات المصرية وغيرها، وينظر على سبيل المثال: «تاريخ الإسلام للذهبي» (١٥/ ٣٢٤)، و«طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٨/ ٢٩٥) وغيرها.
وممن أفرده بالترجمة من العلماء: تلميذه علاء الدين على بن إبراهيم ابن العطار (٧٢٤) هـ في كتاب: «تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين».
وشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢) هـ في كتابه «المنهل الروي في ترجمة الإمام النووي».
وللحافظ السيوطي (٩١١) هـ كتابان في ترجمته. وغير ذلك كثير.
له من المؤلفات الكثير وأقوال العلماء في الثناء عليه لا حصر لها، ومصنفاته تدل على إمامته وتميزه على أقرانه، حتى لقب بشيخ الإسلام، ومنها شرحه على الصحيحين.
وفاته: توفي ﵀ ليلة الأربعاء الثلث الأخير من الليل رابع عشر سنة (٦٧٦) هـ بنوى ودفن بها صبيحة الليلة المذكورة.
الكتاب
هذا الكتاب من أواخر ما كتب النووي، ولذا حالت الوفاة دون إتمامه، وقدم له بمقدمة موجزة، يحتاج إليها كل طالب علم يريد المعرفة بالجامع الصحيح، وتحدث فيها عن رواه الصحيح، واقتصر فيها على أشهر رواية، وهي رواية الفربري، ولم يشر إلى الروايات الأخرى، ثم ذكر سبعة من رواة الجامع الصحيح عن الفربري، ثم أشار إلى ما اشتهر من هذه الروايات في بلاد الشام، وهي رواية أبي الوقت السجزي، ثم ترجم للبخاري، كما تكلم عن الصحيح، وشرط البخاري فيه، وعدد أحاديثه، وتبع في ذلك ما روي عن الحمويي رحمه الله تعالى، ثم ذكر عدة فصول أخرى تتعلق بالصحيح،
[ ٢ / ٨٢٤ ]
ثم ترجم للرواة الذين روى الصحيح من خلالهم إلى البخاري، فترجم للفربري، والحمويي، وأبى الوقت، والزبيدي، وشيخه أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن قدامة.
ثم عقد عشرين فصلًا تتعلق بقواعد علوم الحديث، ثم ذكر الباعث له على تأليف هذا الشرح، وأبان منهجه في الكتاب حيث يقول:
شرح متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخلات ولا من المبسوطات المخلات إلخ.
روايته للصحيح:
اختار الإمام النووي ﵀ رواية أبي الوقت السجزي ليعتمد عليها في شرحه، وهي أشهر رواية عند المشارقة في ذلك الوقت، وذلك لا تكاد تجد مشرقيا إلا ويروى الصحيح من هذه الطريق.
ورواية أبي الوقت هي عن الحمويي عن الفربري عن البخاري وقد اتصلت له هذه الرواية عن شيخه العلامة أبي محمد عبد الرحمن بن الشيخ الصالح الإمام المجمع على جلالته أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي عن الزبيدي عن أبي الوقت.
وهو في شرحه مثل كثير من الشراح يذكر الحديث بما يدل عليه، وقد يذكر جملة من الحديث تدل عليه، إذا كان الحديث طويلًا، كما فعل في حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي (١) والمحقق يذكر الحديث بتمامه من السلطانية.
وهو حينما يحكى اختلافًا للرواة في لفظه، لا يميز بين الرواة، فيكتفي بقوله: روى كذا وكذا، ولكنه يوجه جميع الروايات الواردة في اللفظة.
_________________
(١) ١/ ٣١٨، ١/ ٣٣٧، ٣٣٨.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وهذا الكتاب من أواخر ما ألفة النووي رحمه الله تعالى، والتي حالت دون إتمامه منيتُهُ، وقد تناول بالشرح باب بدء الوحي وكتاب الإيمان إلى آخر حديث فيه وقد نال إعجاب العلماء، واستفاد منه جمع من العلماء ممن قاموا بشرح الصحيح بعده ومنهم:
١ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الكرماني (٧٨٦) هـ في شرحه «الكواكب الدراري».
٢ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بابن الملقن (٨٠٤) هـ في شرحه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح».
٣ - الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (٨٥١) هـ في شرحه «فتح الباري».
٤ - وبدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني (٨٥٥) هـ في شرحه «عمدة القاري».
٥ - وشهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني (٩٢٣) هـ في «إرشاد الساري» وغيرهم.
طبعات الكتاب:
وقد طبع شرحه هذا لأول مرة عام (١٣٤٧) هـ طبعته إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة في (٢٨٠) صفحة من القطع الكبير كما صورته دار الكتب العلمية في بيروت في (٢٨٠) صفحة من غير تاريخ ضمن مجموعة شروح هي:
١ - شرح النووي هذا المذكور.
٢ - إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري للقسطلاني (٩٢٣) هـ.
٣ - عون الباري لحل أدلة البخاري لصديق حسن خان القنوجي (١٣٠٧) هـ.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
جاعلين الشروح الثلاثة في جداول، وفي أعلى الصفحة «شرح النووي»، وبعده «شرح القسطلاني»، ثم تحتها «عون الباري».
ثم أفرد الكتاب مستقلًا الدكتور مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
ثم الطبعة التي اعتمدت عليها، وهي طبعة دار طيبة في المملكة العربية السعودية، بتحقيق أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي في مجلدين، وذلك في سنة (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
«الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري» للكرماني (٧٨٦) هـ
مؤلفه:
هو العلامة شمس الدين محمد بن يوسف بن على الكرماني ثم البغدادي.
ولد في جمادى الآخرة سنة (٧١٧) هـ، وأخد عن أبيه بهاء الدين وجماعة ببلده، ثم ارتحل إلى شيراز، فأخد عن القاضي عضد الدين، ولازمه اثني عشرة سنة، حتى قرأ عليه تصانيفه، ثم حج واستوطن ببغداد، ودخل الشام ومصر لما شرع في شرح البخاري، فسمعه بالجامع الأزهر، من لفظ المحدث ناصر الدين الفارقي.
وله كثير من المصنفات غير شرح الصحيح: منها: شرح المواقف، وشرح مختصر ابن الحاجب، وحاشية على تفسير البيضاوي، وغير ذلك.
تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلًا على شأنه، لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعًا باليسير، ملازمًا للعلم، مع التواضع والبر بأهل العلم (١).
وقال السيوطي في «بغية الوعاة» كان تام الخلُق يأتي إليه السلاطين في بيته، ويسألونه الدعاء والنصيحة ا. هـ (٢).
توفي ﵁ يوم الخميس، سادس عشر المحرم، سنة ست وثمانين وسبعمائة، بطريق الحج، فنقل إلى بغداد، ودفن بقبر أعده لنفسه (٣).
_________________
(١) «الدر الكامنه» ٤/ ٣١١، و«طبقات الشافعية» ٣/ ١٨٠.
(٢) ١/ ٢٧٩ (٥١٥).
(٣) ينظر ترجمته في: «طبقات الشافعية» ٣/ ١٨٠ (٧٠٧)، «الدر الكامنة» ٤/ ٣١٠ - ٣١١ (٨٣٦)، «بغية الوعاة» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (٥١٥)، «شذرات الذهب» ٦/ ٢٩٤ وغير ذلك.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
الكتاب:
شرح الكرماني لصحيح البخاري يعتبر أيضًا من الشروح الجامعة لكل ما يتعلق بنص الصحيح، سواء كان ذلك متعلقًا بالسند أو بالمتن، فيشمل الكلام على التراجم والأبواب، والعلاقة بين هذه التراجم والأحاديث، والكلام على رجال الأسانيد وتراجمهم، وما يشتمل عليه المتن من فوائد فقهية، وغير ذلك.
وبالنسبة لمتن الصحيح فقد ذكر المتن أعلى الصفحة، وتحته الكلمات أو الجمل المشروحة مدمجة في النص المشروح، يسبقها كلمة: (قوله) للدلالة على التنصيص.
وقد ساق المصنف في مقدمته أسانيده التي روى من خلالها الصحيح، ومن الملاحظ عليها ما يلي:
١ - روى الصحيح عن البخاري من خلال روايين هما: أبو عبد الله الفربري (٣٢٠) هـ، وأبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (٣٣٠) هـ.
٢ - رواية الفربري وقعت له من خلال ثلاثة من الرواة هم: الكشميهني (٣٨٩) هـ، والمستملي (٣٧٦) هـ، والسرخسي (٣٨١) هـ.
وهذه الثلاثة تمثل ثلاثة روايات مشهورة بين العلماء:
أولهما: رواية أبي ذر الهروي (٤٣٤) هـ التي رواها عن هؤلاء الثلاثة.
والثانية: رواية أبي الوقت (٥٥٣) هـ التي رواها عن الداودي (٤٦٧) هـ عن السرخسي (٣٨١).
والثالثة: رواية كريمة المروزية (٤٦٣) هـ التي روتها عن الكشميهني (٣٨٩) هـ.
٣ - روى الكرماني الصحيح عن ثلاثة شيوخ له هم:
١ - الإمام العلامة محدث الجامع الأزهر ناصر الدين محمد بن أبى
[ ٢ / ٨٢٩ ]
القاسم بن إسماعيل بن محمد، أبو عبد الله الفارقي، وكان قد داوم سنين على قراءة شيء من صحيح البخاري كل يوم بالجامع الأزهر، مات في حدود سنة ستين وسبعمائة.
وروى عنه الصحيح برواية أبى الوقت.
٢ - الشيخ الإمام الحافظ، محدث الحرم الشريف النبوي، أبو الحسن، على بن يوسف بن الحسن الزَرَندي - بفتح الزاي والراء وإسكان النون وبالمهملة - الأنصاري المتوفى سنة اثنين وسبعين وسبعمائة.
وروى عنه الصحيح برواية كريمة المروزية.
٣ - الشيخ الكبير جمال الدين، محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله ابن عبد المعطي، الأنصاري، المكي، محدث الحرم الشريف، سمع عليه صحيح البخاري بمكة المشرفة، بالمسجد الحرام، بباب الرحمة، تجاه الكعبة المعظمة، حذاء الركن اليماني، إلا من كتاب الشهادات إلى سورة الفتح، فإنه كان بداره المباركة، التي يقرب الباب المشهور بباب إبراهيم من الحرم الشريف، في ثلاثة أشهر، أخرها شهر رمضان، سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
وروى عنه الكرماني الصحيح برواية أبى ذر الهروي، كما روى عنه الصحيح برواية المحاملي عن البخاري.
وكتاب «الكواكب الدراري» مطبوع في خمسة عشر جزءًا، مجموعة في تسع مجلدات، من منشورات مؤسسة المطبوعات الإسلامية بشارع الصنادقية بميدان الجامع الأزهر.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
كتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن رجب الحنبلي (٧٩٥) هـ
المؤلف:
هو الإمام الحافظ العلامة، زين الدين عبد الرحمن، بن أحمد بن عبد الرحمن الملقب رجب، بن الحسن بن محمد، بن أبي البركات مسعود، السَّلاميَّ، البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن رجب، وهو لقب جده عبد الرحمن.
ولد ابن رجب في بغداد سنة (٧٣٦) هـ وجاء في «الدر الكامنة» أنه ولد سنة (٧٠٦) هـ وهو خطأ.
نشأ ابن رجب في أسرة علمية عريقة في الإمامه في العلم، مما جعل ابن رجب يطلب العلم مبكرًا، حيث اشتغل بالحديث بعناية والدة.
شيوخه: تلقى ابن رجب العلم عن أكابر عصره، فسمع بدمشق من محمد الخباز، وإبراهيم بن داود العطار، وسمع بمكة من الفخر عثمان بن يوسف، وبمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي، وغيرهم، ولقد كان مرافقًا للإمام العراقي عبد الرحيم بن الحسين في السماع كثيرًا.
ولقد أثنى على ابن رجب كثير من العلماء، مما يبين مكانته، ويكفى فيه قول ابن حجر:
مهر في فنون الحديث أسماء ورجالًا وعللًا وطرقًا وإطلاعًا على معانيه (١).
وأقوال العلماء فيه كثيرة، ومؤلفاته غزيرة، توفي رحمه الله تعالى في
_________________
(١) «إنباء الغمر» ١/ ٤٦٠.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
سنة (٧٩٥) هـ (١).
الكتاب: كتاب «فتح الباري» لابن رجب يعد من أفضل شروح الصحيح، وأعظمها نفعًا، وأرفعها قدرًا، وذلك لجلالة مصنفه، وغزارة علمه، ومع أن الحافظ وافته المنية قبل تمامه، حيث لم يبلغ فيه إلا إلى كتاب الجنائز من الصحيح، فقد مدحه الواصفون، وبالغ في الثناء عليه المزكون، حتى قيل: هو من عجائب الدهر، ولو كمل كان من العجائب (٢).
وقال في وصفه ابن مفلح (٨٨٤) هـ: وشرع في شرح البخاري سماه «فتح الباري في شرح البخاري»، ونقل فيه كثيرًا من كلام المتقدمين (٣).
ومنهج ابن رجب في شرح الصحيح قد بسطه محققو «فتح الباري»، والذي يهمنا الآن روايته في هذا الكتاب لصحيح البخاري.
إن السبيل إلى معرفة رواية المصنف للصحيح هو تنصيص المصنف نفسه، وللأسف الشديد فإن جميع مخطوطات هذا الشرح التي توفرت لمن قام بنشره، قد فقد فيها مقدمة المصنف وسبع أحاديث بشرحها حيث بدأ بالحديث الثامن من الصحيح.
ووقفت في بعض مؤلفاتة الأخرى على بعض الأحاديث المسندة منه إلى البخاري التي تدل على روايته.
_________________
(١) ينظر ترجمته في: «أبناء الغمر» ١/ ٤٦٠ - ٤٦١، «لحظ الألحاظ» ص: ١٨٠، «ذيل تذكرة الحفاظ» ص: ٣٦٧ «المقصد الأرشد» ٢/ ٨١ - ٨٢ (٥٦٨) و«الجوهر المنضد» ص: ٤٦ - ٥٣ (٥٧) وغيرها، وقد بسط ترجمته الدكتور نور الدين عترفي مقدمة كتابه «شرح علل الترمذي» لابن رجب الحنبلي ١/ ٣٠ - ٤١ ومحققو كتابه «فتح الباري» ١/ ١١ - ٣٢.
(٢) هكذا وصفه يوسف بن عبد الهادي (٩٠٩) هـ في كتابة «الجوهر المنضد» ص: ٥٠.
(٣) «المقصد الأرشد» ٢/ ٨٢ (٥٦٨).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
قال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة»
في ترجمة: عبد الرحمن بن عمر بن الغزّال البغدادي:
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصاري أخبرنا يحيى بن الصيرفي الفقيه أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الواعظ، أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو الحسن الداودي أخبرنا أبو محمد الحموي، أخبرنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا البخاري حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا (١).
وفي ترجمة عبد الساتر بن عبد الحميد:
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصاري أخبرنا عبد الساتر بن عبد الحميد، وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسين بن الزبيدي أنبأنا أبو الوقت أنبأنا الداودي أخبرتا الحموي أخبرنا الفربري حدثنا البخاري قال: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٢).
فهذه الأحاديث تدل على أن رواية ابن رجب هي رواية أبي الوقت عن الداودي، وخاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن هذه الرواية كانت أشهر الروايات في بلاد المشرق في ذلك الوقت.
وابن رجب الحنبلي في شرحه سار على منهج كثير من الشراح، حيث لم يلتزم حرفيًا برواية معينة، أو قصد ضبط نص الصحيح وذكره قبل كل
_________________
(١) «الذيل على طبقات الحنابلة» ٣/ ٢٢٢ (٢٨٤) والحديث في الصحيح في أبواب سترة المصلي باب: قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة. ١/ ١٠٦ (٤٩٧).
(٢) «الذيل على طبقات الحنابلة» ٤/ ١٥٧ (٤٤٤) والحديث رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب «اليونينية» ١/ ١١٧ (٥٦١).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
شرح، وإنما قَطَّع النص وخاصة المعلقات، حيث يورده جملةً جملةً، ويفرده بالشرح والتحليل، ولا يجمع بين أكثر من نص إلا لمناسبة تقتضي ذلك.
وبمقارنة النصوص التي نص عليها، تبين أن هناك بعض الاختلافات عن نص اليونيني، وهذه الاختلافات قد تصل أحيانا إلى زيادة حديث أو جملة عنده، وليست في اليونينية وقد يكون الاختلاف بالنقص حيث يكون في اليونينية ما ليس عنده.
كما وقعت بعض الاختلافات بالتقديم والتأخير، وقد أثبت المحققون كل هذه الاختلافات في موضعها من الشرح، وقد أحسنوا في ذلك، حيث التزموا بتمييز نص المصنف كما جاء عنه، والإشارة في الحواشي إلى هذه الاختلافات.
فمثلا جرت عادة المصنف في كتاب الإيمان أن يضع كلمة (فصل) بدلًا من (باب)، وأحيانا يذكر كلمة (فصل)، ولا يذكر اسم الترجمة مثل ما جاء في باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وباب إطعام الطعام من الإيمان، وباب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأحيانا يذكر الترجمة داخل الشرح، وغير ذلك.
أما من حيث الترتيب فمثلا: باب من الدين الفرار من الفتن، وفيه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم » وهو رقم (١٢) في ترتيب اليونيني فلم يذكر في موضعه عند ابن رجب، وإنما ذكر بعد الباب رقم (١٦).
ومثلًا قد سقط باب وما تحته من أحاديث وهي أحاديث رقم (٣٠)، (٣١) مع وجودهما في اليونينية، ولا توجد إشارة في اليونينية لسقوطهما من أي نسخة.
كما سقط عدة أبواب وما تحتها من أحاديث وهي الأبواب من (٢٤)
[ ٢ / ٨٣٩ ]
حتى (٢٨) والأحاديث التي تحتها وهي أحاديث (٣٣) حتى (٣٨).
ويبدو أن ذلك من النسخ الأصلية للكتاب والله أعلم، وأحيانا يختصر الإسناد مثل ما جاء في حديث رقم (٢٤٨) في الباب الأول من كتاب الغسل، وحديث رقم (٣٠٧)، (٣٠٨) وغير ذلك كثير، مما يدل على أن نسخ الكتاب ناقصة، وقد أحال إلى مواضع من شرحه، وهي ليست موجودة فيما وقف عليه المحققون، كما جاء في المجلد الأول ص: ٢٤٦ حيث عزا إلى مواضع من كتاب الوضوء، وليس موجودًا في المطبوع.
وابن رجب في ثنايا شرحه قد اهتم بتحرير ألفاظ الصحيح فتكلم عليها، ووجه بعض الاختلافات في النسخ، وإن كان لا يهتم بتمييز أصحاب هذه الاختلافات، إلا أنه كان يحاول توجيهها، شأنه في ذلك شأن كثير من الشراح، ينظر مثلا توجيهاته للفظة (حبائل) في حديث الإسراء في كتاب الصلاة (١). وينظر ضبطه لكلمة (مؤخرة) (٢).
والكتاب مطبوع طبعتين:
إحداهما: من منشورات مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة، بتحقيق ثمانية من المحققين وهي في تسع مجلدات وكانت سنة ١٩٩٦ م.
وهي أفضل الطبعتين وعليها اعتمدت في نقل النصوص في هذه الرسالة.
والثانية: من منشورات دار ابن الجوزي بالسعودية بتحقيق طارق عوض الله، وذلك في سنة ١٩٩٦ م أيضا وهي في سبع مجلدات.
_________________
(١) (٣٤٩) ٢/ ٣٠٨، ٣٢٥، ٣٢٦.
(٢) في حديث رقم (٥٠٧) كتاب «الصلاة» ٤/ ٧٠ من الفتح.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
كتاب «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقن (٨٠٤) هـ
مؤلفه:
هو العلامة الإمام، أبو حفص، عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله، سراج الدين، الأنصاري، الأندلسي الأصل، المصري، الشافعي، المعروف بابن الملقنز
ولد ابن الملقن في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وتوفي في سنة (٨٠٤) هـ.
وأقوال العلماء في الثناء عليه كثيرة جدًا، ومن أراد المزيد فعليه بالرجوع إلى مقدمة كتابه «التوضيح».
الكتاب:
«التوضيح لشرح الجامع الصحيح» هو كتاب كبير جدًا، جمع فيه ابن الملقن جهود من سبقه من العلماء، وأودعها في شرحه هذا، والكتاب مطبوع طبعته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بقطر في ستة وثلاثين مجلدًا، وقد أوضح المؤلف منهجه في المقدمة التي صنفها في أول الشرح، وضمتها مباحث هامة تتعلق بالصحيح خاصة، وبعلوم الحديث عامة، وكل ذلك في مقدمة الكتاب فليرجع إليها من أراد المزيد.
لقد ذكر ابن الملقن رحمه الله تعالى سند روايته للصحيح في المقدمة، وذكر فيها أن صحيح البخاري سمعه من شيخين:
أولهما: الشيخ زين الدين أبو بكر بن قاسم الكناني، المولود سنة ست وستين وستمائة، والمتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، شهيدًا بالطاعون،
[ ٢ / ٨٤١ ]
وكان خيرًا صالحًا، وزين الدين رواه عن شرف الدين اليونيني، صاحب النسخة المعروفة من الصحيح.
وثانيهما: أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن نعمة الحجار
كلاهما (اليونيني والحجار) عن أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر الزبيدي (٦٣١) هـ عن أبي الوقت عبد الأول السجزي (٥٥٣) هـ عن أبي الحسن عبد الرحمن الداودي (٤٦٧) هـ عن أبي محمد الحموي السرخسي (٣٨١) هـ عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (٣٢٠) هـ عن البخاري.
وترجم ابن الملقن في مقدمته هذه لهؤلاء الرواة.
أهمية الكتاب في بيان هذه الرواية:
لقد سلك ابن الملقن طرقًا مختلفة في ذكر أحاديث الباب، فهو أحيانا يذكر الحديث بإسناده ومتنه كاملًا وهذا قليل، وهو في أول الكتاب أكثر من آخره.
وأحيانًا أخرى يختصر سنده ومتنه، وخاصة الأحاديث المطولة والمكررة.
وأحيانًا أخرى يشير إلى الحديث بما يدل عليه إن كان الحديث معروفًا.
والجزء الذي ذكره من الصحيح يصلح للمقارنة بين هذه الرواية وغيرها من روايات الصحيح (١).
ولذلك في الأمثلة التطبيقية في هذه الرسالة، كنت أحرص على الرجوع إلى ما جاء عند ابن الملقن، ولو أثبت لنا النص كاملًا لكان ذلك له قيمة كبيرة جدًا في المقارنة بين هذه الرواية وغيرها من الروايات.
_________________
(١) ولذلك في مشاركتي لتحقيق هذا الكتاب حرصنا على إثبات نص الصحيح، كما ذكره ابن الملقن، وراعينا في ذلك اختلاف الروايات، وأشرنا إلى اختلافها عن الروايات الأخرى، ونبهنا على ذلك في الحاشية.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
«عمدة القاري شرح صحيح البخاري» لبدر الدين العيني (٨٥٥) هـ
مؤلفه:
هو العلامة قاضي القضاة، بدر الدين، محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، العيني، الحنفي.
ولد في رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة بعنتاب، ونشأ بها وتفقه، واشتغل بالفقه وبرع ومهر، وانتفع في النحو وأصول الفقه والمعاني بالعلاَّمة جبريل من صالح البغدادي، وأخد عن الجمال يوسف الملطي والعلاء السيرافي، ودخل معه القاهرة، وولى نظر الحسبة بالقاهرة مرارًا ثم نظر الأحباس، ثم قضاء الحنفية، ودرس الحديث بالمؤيدية، وتقدم عند الأشرف برسباي، وكان إماما عالمًا علامة عارفا بالعربية والتصريف وغيرهما حافظًا للغة، كثير الاستعمال لحواشيها سريع الكتابة، عمر مدرسة بقرب الجامع الأزهر، ووقف بها كتبه.
له مصنفات كثيرة غير الشرح منها: «شرح معاني الآثار»، و«طبقات الحنفية» و«مختصر تاريخ ابن عساكر» و«البناية في شرح الهداية» في الفقه، وكانت بينه وبين شيخ الإسلام ابن حجر منافسة شديدة.
مات ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة (١).
الكتاب:
هذا الشرح تناول فيه العيني كل نصوص الصحيح بالشرح والتحليل، وهو شرح جامع، فهو يسوق متن الصحيح، ثم يشرح كل ما جاء فيه،
_________________
(١) ينظر ترجمته في: «بغية الوعاة» ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦ (١٩٦٧)، «شذرات الذهب» ٧/ ٢٨٦، «معجم المؤلفين» ٣/ ٧٩٧ - ٧٩٨ (١٦٥٣٥)، «الأعلام» ٧/ ١٦٣ وغير ذلك.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
فيشمل شرح التراجم، والمعلقات والأسانيد والمتون، وغير ذلك.
أما بالنسبة لنص الصحيح فقد ساق العيني نص الصحيح قبل الشرح، وقد ساق العيني أسانيده في مقدمة الشرح، والروايات التي روى من خلالها الصحيح، ويلاحظ على هذه الأسانيد ما يلي:
١ - كل الطرق والأسانيد التي روى من خلالها الصحيح تنتهي إلى الفربري أشهر راو للصحيح، ولم تقع له رواية من الطرق الأخرى مثل إبراهيم بن معقل النسفي أو حماد بن شاكر أو غيرهما.
٢ - وقعت له رواية الفربري من خلال ثلاثة من الرواة هم: الكشميهني (٣٨٩) هـ، والسرخسي (٣٨١) هـ، وأبو علي بن شبويه.
٣ - وقعت له من الروايات المشهورة بين العلماء:
رواية كريمة المروزية (٤٦٣) هـ وهي عن الكشميهني (٣٨٩) هـ.
ورواية أبي الوقت السجزي (٥٥٣) هـ وهي عن الداودي (٤٦٧) هـ عن السرخسي (٣٨١) هـ.
٤ - روى الصحيح عن شيخين له هما: زين الدين العراقي (٨٠٦) هـ. وتقي الدين محمد بن معين الدين محمد بن حيدرة البصري.
تنبيه: ومما يجب التنبيه عليه أن الروايات التي ذكرها العيني في ثنايا شرحه أكثر مما ساق أسانيده، وذلك لأنه اعتمد في مصادره على كتب أخرى، كانت تعتني بضبط هذه الروايات، مثل كتاب «تقييد المهمل» للجياني، و«مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
وهذا الأمر يكاد يكون في كل الشروح المتأخرة، والله أعلم.
وكتاب «عمدة القاري» طبعته شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي في عشرين مجلدًا، من القطع الكبير وكانت الطبعة الأولى منه في سنة ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
الباب الثالث:
عناية الأمة بضبط هذه الاختلافات
الفصل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات:
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ واختلاف الروايات والنسخ
- كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني.
- كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
- كتاب «مطالع الأنوار» لابن قرقول.
[ ٢ / ٨٥١ ]
كتاب «تقييد المهمل وتمييز المشكل» لأبي علي الجَيّانيّ
مؤلفه:
هو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي الغساني (١) الزهري (٢) المعروف بالجَيّانيّ (٣).
ولد أبو علي في ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم سنة (٤٢٧) هـ ونشأ بالأندلس فتتلمذ على أكابر علماء بلده، وكان من أهمهم في بداية طلبه للعلم حكم بن محمد بن حكم الجزامي أبو العاصي (٤٤٧) هـ وكان ثقة عالي الإسناد متأخر الوفاة إذ توفي عن بضع وتسعين سنة، وعرف
_________________
(١) الغساني نسبة إلى قبيلة غسان، وهي يمنية من الأزد، نزلت الشام وسميت غسان بماء نزلته، واختلف في مكان هذا الماء فقيل باليمن بسد مأرب وقيل بالجحفة. «الأنساب» ٤/ ١٩٥، «معجم البلدان» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) والزهري نسبة إلى مدينة صغيرة قرب قرطبة اسمها الزهراء كذا في «معجم البلدان» ٣/ ١٦١ - ١٦٢ وهي نسبة على غير قياس؛ لأن القياس في المنسوب إلى الزهراء أن يقال زهراوي كما جاء في ترجمة عمر بن عبيد الله بن يوسف الذهلي المعروف بالزهراوي وكذا في ترجمة خلف بن عباس الزهراوي أبي القاسم. ينظر «الصلة» لابن بشكوال ١/ ١٦٢، ٣٧٩.
(٣) بالجيم المفتوحة والياء المشددة ثم ألف ونون نسبة إلى جيان وهي بلدة كبيرة بالأندلس «الأنساب» ٢/ ١٣٥، «معجم البلدان» ٢/ ١٩٥ ويبدو أن أبا علي كان يكره النسبة إليها فقد جاء في هامش النسخة الخطية من كتاب «الصلة» لابن بشكوال: قَال الحافظ أبو محمد بن موسي: سمعت الحافظ أبا علي يقول غير مرة: لا حلل من دعاني بالجَيَّانيّ .. «الصلة» ١/ ١٤١ - هامش) ولذا فإنك تجد الحافظين ابن بشكوال وابن الأبار تجنبا نسبته إليه في كتبهم في الأغلب مع أنهما ذكراه مرات كثيرة، فالله أعلم.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
بالرحلة إلى المشرق، كما تحمل أيضًا عن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي القرطبي (٤٦٩) هـ وكان معروفًا أيضًا بالرحلة إلى بلاد المشرق وعمر أيضًا حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، إذ توفي عن إحدى وتسعين سنة.
وبعد هذين الشيخين لازم الإمامَ الحافظ يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي (٤٦٣) هـ حافظ المغرب وأخذ عليه كثيرًا من الكتب ومن رأسها مؤلفاته.
وكان مع اهتمام أبي علي بعلوم الحديث، وإكثاره من السماع والتقييد والضبط كانت له عناية بعلوم اللغة العربية وآدابها، فأخذها عن العالم الأندلسي أبي مروان عبد الملك بن سراج القرطبي (٤٨٩) هـ، وعن عبد الملك بن زيادة الله التميمي الطبني (٤٦٩) هـ.
ولم تكن له رحمه الله تعالى رحلة إلى بلاد المشرق، كما هي دأب المحدثين في زمانه، إلا أنه تتلمذ على يد كثير ممن رحلوا إلى بلاد المشرق، ولم يأثر التاريخ له رحلة إلى المشرق، حتى لأداء فريضة الحج، وإلا لنقلها العلماء الذين التقى بهم، حيث كان الحج مكانًا لالتقاء الشيوخ بالتلاميذ، بل نص غير واحد على عدم خروجه من الأندلس.
ومع أنه لم تكن له رحلة إلى بلاد المشرق إلا أنه كان كثير الترحال في بلاد الأندلس، حيث كان يرحل إلى شاطبة وبلنسية وأشبيلية وبطليوس وطليطلة والمَرِيَّة وكلها من مدن الأندلس، حيث نزلها فسمع وأسمع والتقى بالشيوخ والتلاميذ.
وقد سمع أبو علي من كثيرين حتى أنه ألف كتابًا في أسماء شيوخه، وذكر ما رواه عنهم من كتب العلم لكنه لم يصل إلينا، وقد أكثر ابن خير في فهرسته وابن بشكوال في «الصلة» من النقل عنه.
أما تلاميذه والآخذين عنه فيكفي في الدلالة على كثرتهم قول القاضي
[ ٢ / ٨٥٣ ]
عِياض تلميذه: شيخ الأندلس في وقته وصاحب رحلتهم رحل إليه الناس من الأقطار وحملوا عنه (١).
وقال ابن بشكوال تلميذه (٥٧٨) هـ: ورحل الناس إليه وعولوا في الرِّواية عليه (٢).
وقال ابن الأبار تلميذه: فكثر الراحلون إليه، وغصَّ مجلسُه (٣).
كل ذلك جعل أبا علي الغساني يتبوأ مكانة علمية كبيرة في حياة شيوخه وبعد وفاتهم، وقد أثنى عليه من ترجم له من العلماء بعبارات هي من أعلى ما يقال في بيان المكانة العلمية لعَلَمٍ من العلماء فهذا تلميذه أبو محمد بن عطية (٥٤١) هـ يقول في «فهرسته» (٤): الفقيه الإمام الحافظ أحد من انتهت إليه الرياسة بالأندلس في علم الحديث وإتقانه والمعرفة بعلله ورجاله مع تعرُّفٍ في علم النحو والغريب والأدب والشعر. اهـ.
وقال القاضي عِياض تلميذه (٥٤٤) هـ: الشيخ الحافظ شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرِواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال وسعة السماع. ا. هـ (٥).
وقال ابن بشكوال: رئيس المحدثين بقرطبة وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء والمسندين (٦).اهـ.
_________________
(١) «الغنية» ص: ٢٠١، ٢٠٢.
(٢) «الصلة» ١/ ١٤٢.
(٣) «المعجم» ص: ٧٨.
(٤) ص: ٧٧ - ٧٨.
(٥) «الغنية» ص: ٢٠١، و«الِإلمَاع» ص: ١٩٢ - ١٩٣.
(٦) ١/ ١٤١ - ١٤٢.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
وقال الذَّهبي ٧٤٨ هـ في «سير أعلام النبلاء»: الإمام الحافظ، المجود، الحجة، الناقد محدث الأندلس كان من جهابذة الحفاظ، قوي العربية، بارع اللغة، مقدمًا في الآداب والشعر والنسب (١).اهـ.
وكذا في كتبه «التذكرة» و«العبر» و«تاريخ الإسلام». كما ذكر بأعلى الصفات وأبلغ العبارات في الثناء والرفعة والتقدم على أهل زمانه في الفنون المختلفة، ورحلة العلماء إليه، والوقوف بين يديه، والاغتراف من علمه، والفوز بالسماع منه والرِّواية عنه أصح ما وجد في زمانه. وانظر في ذلك أقوال العلماء في كتبهم مثل: ابن عبد الهادي (٧٤٤) هـ في «طبقات علماء الحديث» (٢)، والصفدي (٧٦٤) هـ في «الوافي بالوفيات» (٣)، وابن فرحون المالكي (٧٩٩) هـ في «الديباج المذهب» (٤) وغيرهم.
مؤلفاته:
التأليف موهبة من الله ورزقًا يرزق به من يشاء، وأبو علي الغساني مع أن شهرته التي ملأت الآفاق إلا أنه لم يكن مكثرًا من التأليف، وإنما عرف عنه عدد قليل من الكتب من أهمها وأوسعها كتابه «تقييد المهمل»، وله كتاب آخر اسمه «تسمية شيوخ أبي داود السجستاني في مصنفه» (٥).
وله كتاب «التاريخ» ذكره ابن بشكوال في «الصلة» (٦).
_________________
(١) ١٩/ ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) ٤/ ٧، ٨.
(٣) ١٣/ ٣٢.
(٤) ص: ١٠٥.
(٥) طبع مرتين الأولى عام ١٤١٨ هـ بدار الكتب العلمية تحقيق بسيوني زغلول، والثانية بدار ابن حزم تحقيق جاسم بن محمد بن حمود الفجي.
(٦) ١/ ١٥١.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وله «ذيل الاستيعاب». ينظر: الذَّهبي في «السير» (١)، والسهيلي في «الروض الأنف» (٢) وهذا الكتاب من مصادر ابن الأثير في «أسد الغابة» كما صرح به في مقدمته، وله كتب أخرى.
وفاته:
وبعد هذه الرحلة الحافلة بالسماع والإسماع والضبط والتقييد والرِّواية والتصنيف، أصيب أبو علي ﵀ قبل وفاته بثلاث سنوات بمرض مزمن، ذكر ابن الأبار أنه الفالج، فذهب إلى المَرِيَّة للاستشفاء بها ثم عاد منها إلى قرطبة، وقد كان لزم بيته في آخر عمره، وتوفي في قرطبة ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٤٩٨) هـ ودفن يوم الجمعة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الكتاب
الكتاب الذي نتناوله من أهم الكتب التي ألفت لخدمة الصحيحين في ضبط المشكل من أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم وتعيين الشيوخ الذين روى عنهم البُخارِيّ وأهمل أنسابهم وقبائلهم وبلدانهم، والتنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين في الأسانيد وأسماء الرجال من قبل رواة الكتابين، وبيان الصواب في ذلك بأسلوب لم يسبق إليه.
ولقد قسم المؤلف كتابه هذا إلي أربعة أقسام وقدم له بمقدمة نفيسة ذكر فيها طرفًا من الأخبار التي تحث علي تقييد العلم وكتابته وضبطه، ثم ترجم للبخاري ومسلم وذكر بعضًا من أخبارهما الدالة على فضلهما وإشادة العلماء بمنزلتهما، وختم هذه المقدمة بذكر أسانيده إلى الكتابين.
_________________
(١) ١٩/ ١٤٩.
(٢) ٣/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
الباعث على تأليف الكتاب:
- ذكر أبو علي أن الباعث له على تأليف الكتاب كان سؤالًا من أحد المهتمين بالعلم يحثه على تأليف كتاب يجمع فيه المؤتلف والمختلف وغيره من فنون الحديث قال أبو علي الغساني في المقدمة (١):
أما بعد، يرحمك الله فإنك سألتني أن أجمع لله ما اشتبه عليك مما يأتلف خطه ويختلف لفظه من أسماء الرُّواة وكناهم وأنسابهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، ممن ذكر في الكتابين الصحيحين في السنن المسندة عن رسول الله - ﷺ -، تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ الجعفي، وأبي الحسين مسلم ابن الحجاج النيسابوري القشيري رحمهما الله وأقيد ما التبس عليك وأن أذكر الأوهام التي في الأسانيد التي العهدة في أكثرها على نقلة الكتابين، وأبين وجه الصواب في ذلك فأجبتك إلى ذلك كله مستعينا بالله ﷿ على بيان ما رغبت فيه رجاء ثوابه اهـ.
أقسام الكتاب:
وقد جعل المؤلف الكتاب أقسامًا أربعة وجعل كل قسم كتابًا مستقلًا.
فالقسم الأول سماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو نوعان:
الأول: ضط المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب وتقييده بحيث يحفظه من الإشكال ويخرجه عن الإهمال.
الثاني: تمييز المشكل من المتشابه في الأسماء، وهم قوم تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم أو تشكل صورة الخط إما بزيادة حرف أو بتغيير
_________________
(١) ص: ٣ - ٤.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
بعض الحروف وكذلك من تتفق كناهم ولا يعرفون إلا بها.
وهذا القسم يمثل النصف الأول من مجموع الكتاب تقريبًا حيث جاء في آخره (١): كمل «تقييد المهمل وتمييز المشكل» والحمد لله كما هو أصله، يتلوه «التنبيه على أوهام الواقعة في الصحيحن وإصلاحها».
ويستنبط منه أن تسمية الكتاب بأقسامه الأربعة بـ «تقييد المهمل» فيها تجوز؛ فإنه عنوان القسم الأول منه فقط ومناسب لمحتوياته، وللأقسام الأخرى منه عناوين تدل على موضوعاتها، وإن كانت في الجملة تدخل في التقييد والتمييز.
القسم الثاني: كتاب: «التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين في الأسانيد وأسماء الرُّواة». وهو محل العناية بالروايات وسنتكلم عنه بالتفصيل لاحقًا.
القسم الثالث: كتاب: «التعريف بشيوخ حدث عنهم البُخارِيّ وأهمل أنسابهم».
القسم الرابع: كتاب: «الألقاب» وجاء في آخره (٢): آخر كتاب الألقاب وبتمامه تم جميع الديوان.
فظهر بذلك أن هذا الديوان أربعة كتب مستقلة، وقد طبعت قطع منه مستقلة ثم طبع كاملًا (٣).
_________________
(١) ص: ٥٦٢.
(٢) ص: ١١٥٠.
(٣) فقد طُبع كتاب «التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة» (قسم البُخَارِيّ) وهو رسالة ماجستير بجامعة الإمام بالرياض وباقي الكتاب رسائل هناك أقدمها سنة (١٤٠٢) هـ. والجزء الخاص بموضوعنا وهو التنبيه على الأوهام الواقعة - قسم البُخَارِيّ نشر في دار اللواء بالرياض سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق محمد صادق آيدن الحامدي. وطبع هذا القسم ضمن الكتاب كاملًا نشرته دار عالم الفوائد بالمملكة العربية السعودية في ثلاث مجلدات بتحقيق علي بن محمد العمران، ومحمد عزيز شمس، وكتبت له مقدمة نفيسة، عرفت بالمؤلف ومنهجه في الكتاب وقد استفدت منها كثيرًا في هذا المبحث.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وسأقتصر في كلامي على القسم الخاص باختلاف الروايات وهو قسم: التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة قسم البُخارِيّ:
- صرح المؤلف في مقدمته أن الحمل في هذه الأوهام على رواة الكتابين لا البُخارِيّ ومسلم ومن فوقهما إلا في مواضع يسيرة جدًا نبه على بعضها أبو مسعود الدمشقي وغيره من الأئمة، فرأى المؤلف ذكرها أيضًا لتتم الفائدة.
ومنهجه فيه أن يذكر أولًا الكتاب والباب وسند الحديث وطرفًا من متنه، ثم يذكر الخلاف بين الروايات المختلفة للبخاري في ذكر هذا السند، ثم يبين وجه الصواب في هذه الاختلافات.
وأبو علي أول من فكر - فيما أعلم - في دراسة الاختلافات التي وقعت في الصحيحين من قبل الرُّواة والمقارنة بينها ومحاولة الوصول إلى وجه الصواب فيها معتمدًا على الأدلة العلمية ونقول العلماء الثقات في هذا المجال.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
روايات «صحيح البُخارِيّ» التي اعتمد عليها أبو علي في كتابه:
نعلم أن «صحيح البُخارِيّ» كانت له روايات ونسخ كثيرة حتى عصر أبي علي، واعتمد في كتابه هذا على الروايات التي وصلت إليه بالسند الصحيح، وهذه الروايات ذكرها أبو علي في مقدمة كتابه (١).
ويمكن حصر هذه الروايات التي وقعت له فيما يلي:
الرِّواية الأولى: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ عن الفَرَبْريّ (٣٢٠) هـ عن البُخارِيّ.
وقد وقعت له من طريقين: الأول من طريق أبي الحسن القابسي (٤٠٣) هـ أخذها عن شيخه أبي القاسم حاتم بن محمد بن عبد الله بن حاتم التميمي المعروف بابن الطرابلسي عن القابسي.
الثاني: من طريق أبي محمد الأصيلي (٣٩٢) هـ أخذها عن شيخيه أبي شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب التُجِيْبيُّ المعروف بالقبري، والقاضي أبي القاسم سراج بن عبد الله بن سراج كلاهما عن الأصيلي، وكلاهما - الأصيلي والقابسي - عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: عارضت كتابي من أوله إلى آخره بنسخة أبي محمد الأصيلي التي بخطه.
الرِّواية الثانية: رِواية أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن (٣٥٣) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ:
وقد وقعت له من رِواية أبي محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني (٣٩٥) هـ، رواها أبو علي عن شيخيه القاضي أبي عمر أحمد بن محمد بن يحيى المعروف بابن الحذاء والإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله
_________________
(١) ١/ ٥٩ - ٦٧.
[ ٢ / ٨٦١ ]
بن محمد بن عبد البر النمري، كلاهما عن ابن أسد الجهني عن ابن السكن عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وقال أبو علي: وعارضت كتابي بنسخة أبي محمد بن أسد التي بخطه عن أبي علي بن السكن.
الرِّواية الثالثة: رِواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهَرَويّ الحافظ (٤٣٤) هـ عن شيوخه الثلاثة أبي محمد بن حمويه السَّرْخَسي (٣٨١) هـ، وأبو إسحاق إبراهيم المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ وأبو القيم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ، ثلاثتهم عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
ورِواية أبي ذر هذه قال أبو علي أخبرني بها أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري مناولة من يده إلى يدي وقال لي: سمعته مرارًا يقرأ على أبي ذر بمكة أولها في سنة ثمان وأربع مئة. اهـ.
الرِّواية الرابعة:
رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ عن أبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف بن مكي الجُرْجانيّ (٣٧٤) هـ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
رواها من طريق أبي شاكر عبد الواحد بن موهب التُّجيبي والقاضي أبو القاسم سراج بن عبد الله بن سراج، كلاهما عن الأصيلي به.
الرِّواية الخامسة: رِواية أبي اسحاق إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ.
أخبره بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، قال: نا إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ قال: نا أبو عبد الله البُخارِيّ.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
ثم ذكر أبو علي عن أبي الفضل صالح بن محمد شاذان الأصبهاني عن إبراهيم ابن معقل النَسَفْيّ أن البُخارِيّ أجاز له آخر الديوان من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النَسَفْيّ من «الجامع».
ثم ذكر ما فيها من نقص عن رِواية الفَرَبْريّ وقال: قد علمت على الموضع في كتابي وهو تسع أوراق من كتابي. اهـ.
وقال أبو علي (١) في أول القسم الخاص بالاختلافات التي في «صحيح البُخارِيّ» وهو يذكر الروايات التي وقعت له قال: وانتقلت إلينا هذه الرِّواية على جهة الإجازة من قبل أبي صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البُخارِيّ ومن قبل أبي الفضل صالح بن محمد شاذان الأصبهاني عنه. اهـ.
واستنادًا إلى هذه الروايات المعتبرة عند علماء الرِّواية حيث أن رِواية المَرْوَزيّ من أجل الروايات، ورِواية أبي ذر الهَرَويّ من أدقها وأتقنها.
أقول استنادًا إلى هذه الروايات تكلم أبو علي على الاختلافات، ورجح بينهما بالحجة والبرهان، وكان في ذلك رائدًا لم يسبق في هذا المجال واستطاع بوقوفه على هذه الروايات الوصول إلى وجه الصواب في هذه الاختلافات، ومؤيدًا لهذه الروايات بالنقول من علماء العلل والأنساب.
ونظرًا لأهمية هذا الكتاب ومادته التي لا تكاد توجد في مؤلف غيره اعتمد عليه كل من جاء بعده من الشراح والمؤلفين عند كلامهم في هذا الباب.
وعملُ أبي علي هذا في حقيقة الأمر دفاعًا عن «الصحيح» ببيان الأوهام والأخطاء الواقعة فيه من قبل الرُّواة، والتي يظن الكثير من الناس
_________________
(١) ٢/ ٥٦٦.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
أنها من قبل البُخارِيّ أو من فوقه.
ومعلوم أن الصواب إذا وجد عند أحد الرُّواة لا يصح القطع بنسبة الخطأ إلى مؤلف الكتاب إلا إذا اتفق جميع الرُّواة على ذلك وهذا قليل ونادر.
ولذلك يمكن دخول هذا العمل في باب العلل.
أهمية الكتاب وقيمته وأثره في الكتب اللاحقة:
سبق القول أن عمل أبي علي هذا لم يسبق إليه؛ ولذلك نجد كثيرًا من العلماء قد أثنوا عليه، فقال القاضي عِياض: ألف كتابه على الصحيحين المسمى «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو كبير الفائدة (١).
وقال ابن عطية: قرأت عليه - ﵀ - كتابه الذي ألفه في الصحيحين وسماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» في أصله المجزأ على عشرة أجزاء، ولم يسبق أحد إلى مثله (٢).
وقال ابن بشكوال: جمع كتابًا في رجال الصحيحين سماه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو كتاب مفيد أخذه الناس عنه، وسمعناه على القاضي أبي عبد الله ابن الحاج عنه. اهـ (٣).
بل إنك تجد كثيرًا من العلماء تلقوا الكتاب، وتسابقوا إلي روايته عن المؤلف، وقد استفادوا منه، وأكثروا من النقل والاقتباس منه في الكتب التي ألفوها حول الصحيحين أو في موضوعات أخرى لها علاقة بمحتويات كتاب أبي علي.
_________________
(١) «الغنية» ص: ٢٠١.
(٢) «الفهرسة» لابن عطية ص: ٧٧.
(٣) «الصلة» ١/ ١٤٣.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
وخاصة الأقسام المتعلقة بالأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرُّواة.
ومن أوائل من نقل واقتبس من كتاب أبي علي الإمام أبو عبد الله المازري (٥٣٦) هـ شارح «صحيح مسلم» في كتابه المسمى بـ «المعلم بفوائد مسلم» (١).
ونقل القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في «إكمال المعلم» ما ذكره المازري في «المعلم» ونبه أحيانًا على أن الكلام لأبي علي (٢).
وممن نقل عن أبي علي الغساني واستفاد منه ونسب أقواله إليه كل من ابن الصلاح في «صيانة صحيح مسلم» والنووي في «شرح مسلم» حيث نقلا عن كلامه في الأسانيد ووافقاه غالبًا وتعقباه أحيانًا بكلام مفيد.
ولم تكن الاستفادة من أبي علي في كتابه هذا مقتصرة على كلامه في الأسانيد، وإنما تعدى ذلك إلى رِواية الصحيحين من طريق أبي علي ونقل الفوائد المتعلقة بالروايات من مقدمة كتاب «تقييد المهمل».
حيث تجد في أول كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عِياض (٣)، وشرح النووي على مسلم (٤)، وشرحه على البُخارِيّ، و«فتح الباري» لابن حجر (٥) وغيرها ذكر أسانيد المؤلفين إلى البُخارِيّ ومسلم، وروايات كتابيهما والكلام عليها، وكثير منه من طريق أبي علي الغساني من مقدمة «تقييد المهمل» كما يظهر ذلك بالمقارنة.
_________________
(١) «صيانة صحيح مسلم» (١٥٩)، و«شرح مسلم» للنووي ١/ ١٩٣.
(٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢١٥، ٢٣٨.
(٣) ١/ ٩ - ١١.
(٤) ١/ ١١ - ١٢.
(٥) ١/ ١٠ - ١٢.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
وتجد أيضًا الإمام ابن الملقن (٨٠٤) هـ في شرحه: «التوضيح لشرح الجامع الصحيح للبخاري» ينقل كثيرًا عن أبي علي الغساني في كلامه على الروايات والأسانيد وضبط الأسماء وغير ذلك.
وكذا كل شراح البُخارِيّ أمثال ابن حجر في «الفتح» والعيني في «عمدة القاري» والقَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» وغيرهم.
وبنى القاضي عِياض كتابه «مشارق الأنوار على صحاح الأخبار» على كتاب «تقييد المهمل» حيث اختصر أشياء منه وزاد وتعقب عليه أشياء وأضاف «الموطأ» إلى الصحيحين حتى أصبح أشمل وأجمع في بابه من كتاب أبي علي.
وكذا جاء ابن قرقول (٥٦٩) هـ بعد القاضي عِياض وهذب واختصر وزاد عليه في كتابه «مطالع الأنوار».
أضف إلى ذلك أنك تجد كثيرًا من الكتب التي تتكلم في الرجال وضبط الأسماء والكنى والأنساب تنقل نصوصًا عن أبي علي في الأقسام المتعلقة بالرجال أمثال كتاب «الأنساب» (١) للسمعاني (٥٦٢) هـ، و«توضيح المشتبه» (٢) لابن ناصر الدين (٨٤٢) هـ، و«تبصير المشتبه» لابن حجر (٨٥٢) هـ وغيرها.
حتى المؤلفون في كتب المصطلح مثل القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في «الِإلماع» (٣) وابن الصلاح (٦٣٤) هـ في «علوم الحديث» (٤) والزركشي (٧٩٤) هـ
_________________
(١) ينظر ١/ ٢٨٦، ٤٠٨، ٤/ ٥٩، ٧٥، ٥، ٥٥٠.
(٢) ينظر مثلًا ١/ ١٨٥، ٢١٣، ٤/ ٥، ٥/ ١٣٥.
(٣) ينظر ١٥٤، ١٥٥، ١٩٣.
(٤) ص: ٥٢٠، ٥٦٨، ت / عائشة بنت الشاطئ.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
في «النكت»، والبلقيني (٨٠٥) هـ في «محاسن الاصطلاح» (١) وغير ذلك.
أضف إلى ذلك كتب الرجال مثل كتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٢)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٣) وغيرها.
ونظرًا لأهمية الكتاب فقد قام بعض العلماء باختصار وتهذيب جزء منه، وهو الجزء الخاص بأوهام الرُّواة في «صحيح البُخارِيّ» حيث قام يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بابن المبرد (٩٠٩) هـ باختصاره وسماه الاختلاف بين رواة البُخارِيّ عن الفَرَبْريّ، وروايات عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ، وهو كتاب مطبوع متداول وتوجد عندي نسخة خطية منه (٤).
نموذج من الكتاب.
أقوال أبي علي في كتابه هذا لا يستغني عنها من أراد أن يتكلم في روايات ونسخ «الجامع الصحيح»؛ ولذلك سننقل منه كثيرًا في الكلام على الروايات وبيان معالمها، وسأكتفي بسياق نموذج من الكتاب ليتبين لنا ترتيب الكتاب، وسأحاول اختيار النماذج التي تفي بالغرض، وليكن أول موضع تكلم عنه؛ لبيان جهده في هذا الجزء من الكتاب.
قال أبو علي في كتابه «تقييد المهمل» بعد المقدمة (٥):
من ذلك في كتاب الإيمان في باب الصلاة من الإيمان.
_________________
(١) ص: ٥٤٨، ٥٥٠، ٥٥١.
(٢) ينظر ١٢/ ١٧٢.
(٣) ينظر ١٠/ ٤٠٦، ٤١١.
(٤) نشرته دار الوطن بالرياض ١٤٢٠ هـ بتحقيق فتحي هلل، ونسخته الخطية موجودة في دار الكتب المصرية، وعندي منها مصورة.
(٥) ٢/ ٥٦٧.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا عمرو بن خالد، قال: نا زهير، قال: نا أبو إسحاق، عن البراء، وذكر شأن تحويل القبلة.
قال الشيخ أبو علي: كان في نسخة أبى زيد المَرْوَزيّ: حَدَّثَنا عمر بن خالد، هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد الطليطلي، وذلك وهم، والصواب: عمرو - بفتح العين وسكون الميم - وهو عمرو بن خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البُخارِيّ من يقال له: عمر بن خالد. اهـ. من «تقييد المهمل».
التعليق على النص:
هذا النص يلاحظ عليه ما يلي:
١) أنه يسوق الحديث ويذكر قبله موضع وجوده في «الصحيح»؛ حيث قال: من ذلك في كتاب الإيمان في باب الصلاة من الإيمان.
٢) أنه يذكر الأحاديث التي وجد فيها خلاف أو وهم وقع من قبل الرُّواة الذين وقعت روايتهم له والذين سبق ذكرهم، فهو لم يذكر كل أحاديث البُخارِيّ.
٣) أنه يقتصر على الاختلافات التي يظن القارئ أن فيها وهمًا أو إشكالًا، أما الاختلافات التي لا تضر والتي هي بمثابة توضيح أو زيادة أو اختصار أو غير ذلك فهو خارج عن شرط كتابه، يتبين ذلك إذا تأملنا جميع المواضع التي ذكرها.
٤) أنه يسوق الأحاديث داخل الكتب والأبواب بترتيب البُخارِيّ، فهو مثلا لا يقدم حديثًا جاء في كتاب الصلاة على حديث جاء في كتاب العلم أو الإيمان، ولا يؤخر حديثًا في باب العلم ويذكره بعد كتاب الزكاة مثلًا، وذلك أيضًا واضح من خلال ترتيب الكتاب.
٥) أنه يبدأ أولًا بذكر الحديث على وجه الصواب عنده كما هو عند
[ ٢ / ٨٦٨ ]
البُخارِيّ في «صحيحه» مقتصرًا على السند بنصه، ويذكر في المتن جزءًا منه أو ما يدل عليه إن كان الحديث مشهورًا.
انظر مثلًا قوله في هذا الموضع: وذكر شأن تحويل القبلة، ويقول في الحديث الذي بعده وكثيرًا ما يفعل ذلك وهو حديث بردة: «ثلاثة لهم أجران الحديث (١).
وأحيانًا يذكر الحديث كاملًا إذا كان صغيرًا (٢).
٦) أنه لم يقتصر على الأحاديث التي في «صحيح البُخارِيّ» فقط وإنما تعدى ذلك إلى ذكر المتابعات والشواهد كما فعل في الموضع الذي ذكره في باب درجات المجاهدين من كتاب الجهاد (٢/ ٦٢٧) حيث قال: ذكر في المتابعة: وقال محمد بن فليح عن أبيه قال: وفوقه عرش الرحمن إلخ (٣).
٧) وبعد أن يذكر الحديث بسنده وما يدل عليه أو بدايته على وجه الصواب عنده يذكر بعد ذلك ما خالف ذلك في النسخ الأخرى التي وقف عليها، وكثيرًا ما يؤيد الصواب بأدلة أخرى، وهذه الأدلة قد تكون نقولًا عن علماء آخرين (٤) وهي في الأغلب الأعم تكون استنباطًا (٥).
_________________
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٨.
(٢) ينظر مثلًا ٢/ ٦٤٨.
(٣) ٢/ ٦٢٧.
(٤) أمثال الدارقطني، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي نصر الكلاباذي، وابن أبي حاتم، أو البُخَارِيّ نفسه. ينظر ٢/ ٦٢١، ٦٢٥، ٦٣٢، ٦٤٥، ٦٩٣، ٧١٩ وغيرها كثير مما لا يسع المقام لذكره.
(٥) ينظر إلى قوله: وليس في شيوخ البُخَارِيّ من يقال له: عمر بن خالد. وينظر أمثلة أخرى كثيرة مثل ص: ٥٧٢ بعد أن حكى خلافًا في إسناد قَال: واتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون عن محمد إلخ. وينظر إلى قوله ص: ٥٧٩: ولا يتصل السند إلا بذكر يحيى بن آدم وسقوطه وهم. اهـ.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وغالبًا ما يوفق في الترجيح ويقطع بوجه الصواب والتصريح بذكر الواهم إذا تيقن من ذلك (١)، وأحيانًا يحكي الخلاف ويقتصر عليه إذا كان الوجهان مما لا يتعارضان وغير ذلك.
٨) أنه اقتصر على الأوهام الواقعة للرواة في الأسانيد فقط دون المتون والأبواب والكتب، ولو فعل ذلك لكان في غاية الحسن والتمام في بابه. ولعل السبب في ذلك أن من سأله تأليف الكتاب لم يطلب منه ذلك أو أنه اقتصر على ما يدخل العلة في الإسناد لدخوله في جملة الغرض الذي من أجله ألف جميع الكتاب؛ حيث تجد جميع الأقسام الأخرى في الكتاب تتحدث عن الرجال وضبطها والتمييز بينها والله أعلم.
٩) كثيرًا ما يسوق بعض الأحاديث بإسناده أو يذكر الأقوال مسندة إلى قائليها، وكثيرًا ما ينقل كلام أبي مسعود الدمشقي والكلاباذي، وقد ينقل عن الدارقطني والبُخارِيّ في غير «الصحيح» وابن أبي حاتم.
١٠) أضاف إلى الروايات التي وقعت له رِواية عبدوس وهو أبو الفرج بن محمد الطليطلي، وهي رِواية لـ «الصحيح» عن أبي زيد المَرْوَزيّ عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ (٢).
_________________
(١) ينظر في المثال الذي معنا قوله: وذلك وهم، والصواب عمرو بفتح العين وسكون الميم إلخ. وقال في ص: ٥٧٢: واتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون عن محمد إلخ، وفي ص: ٥٧٨ وهو وهم والصواب سعد بسكون العين ، وقال في ص: ٦٠٨: وقع في نسخة أبي محمد وهو وهم وصوابه إلخ، وقال في ص: ٦٦٣: وهذا خطأ بين وإنما هو التبوذكي. وغير ذلك كثير.
(٢) ينظر مثلًا المثال الذي معنا وينظر أيضًا ص: ٥٧٥، ص: ٥٩٠، ص: ٦٠٠، ص: ٦٦٥، ص: ٧١٢ وغير ذلك.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
كتاب «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» للقاضي عِياض (١)
مؤلفه: هو الإمام الجليل والعالم العلامة، القاضي أبو الفضل عِياض بن عمرو ابن موسى بن عِياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عِياض، الفاسي الأصل، السبتي المولد، المراكشي المدفن، اليحصبي نسبة إلى يحصب بن مالك بن زيد، الحافظ المغربي الذي ارتبط اسم بلاد المغرب باسمه.
يلتقي نسبه بنسب الإمام مالك إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المالكي المتبع بالديار المغربية وأفريقيا، هذا المذهب الذي انتمى إليه
_________________
(١) ترجمة القاضي عياض منثورة في بطون الكتب التي لا يمكن حصرها، ومنها على سبيل المثال: «الصلة» لابن بشكوال ٢/ ٦٦٠ - ٦٦١، «المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي» لابن الأبار ٢٩٤ - ٢٩٨، «وفيات الأعيان» لابن خلكان ٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥، «سير أعلام النبلاء» للذهبي ٢٠/ ٢١٢ - ٢١٩، وغيره من كتب الذَّهبي، «الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب» لابن فرحون ٢/ ٤٦ - ٥١، «فهرس الفهارس» للكتاني ٢/ ٧٩٧ - ٨٠٤، وغير ذلك من المصادر والكتب والمقالات التي ألفت حول شخصية هذا الإمام. وقد خصصت له وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب دورة خاصة به، ضمن سلسلة ندوات الإمام مالك إمام دار الهجرة، وهي تشتمل على ثلاثة وأربعين بحثا منشورًا كلها عن القاضي وما يتعلق به وغير ذلك. ولقد ذكر الدكتور / قاسم سعد في أول كتابه «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» وهي سلسلة ضمن إصدارات دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي لسنة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م محاولة لحصر جميع المصادر والكتب التي ألفت، والمقالات التي ترجمت أو تكلمت عن القاضي عياض.
[ ٢ / ٨٧١ ]
عِياض، ويعتبر من أشهر أعلامه البارزين المشهورين الذي خدموه بالتصنيف والإفتاء والتعليم.
فكان القاضي عِياض ذا صلة بالإمام مالك من ناحيتين:
الأولى: صلة النسب.
الثانية: صلة المذهب.
مولده: ولد القاضي عِياض ببلدة سبتة من الديار المغربية في منتصف شعبان سنة ٤٧٦ هـ، وبها بدأ حياته الأولى في التعليم والقراءة، فحفظ القرآن الكريم بالروايات السبع، وانتقل إلى تعلم العلم، فحفظ الكثير من التصانيف والمتون في مختلف الفنون، وهو ما يزال صغير السن، وذلك لما حباه الله تعالى من ذكاء وقوة الذاكرة، إلى جانب الفطنة الواسعة، وهذه الصفات من شأنها أن ترفع صاحبها حتى تجعله في مصاف العلماء البارزين ذوي المراتب العالية في العلم والفضل والكمال.
ومما ساعده على ذلك ما وجده من عمق الثقافة الإسلامية في تلك البقعة التي نشأ بها، وتربى فيها، بدءًا من مسقط رأسه سبتة التي كانت ملتقى الثقافات بما حباهاالله من موقع جغرافي، مما جعلها دار ممر للعلماء الكبار القادمين من المشرق العربي، الذين يمرون بالمغرب العربي عبرها نحو ديار الإسلام بالأندلس أو العكس؛ حيث العلماء القادمون من بلاد المغرب والأندلس، الراحلون إلى المشرق العربي حيث طلب العلم وأداء فريضة الحج المباركة.
شيوخه ورحلاته: كان القاضي عِياض رحمه الله تعالى ذا منهج فريد ومتميز في طلب العلم وتلقي المرويات، سار عليه من بداية حياته وطلبه للعلم؛ حيث يرى رحمه الله تعالى أن المادة المروية إذا لم تثبت صحة نسبتها إلى صاحبها لا تصلح أن تكون أساسا في البحث والدرس، فضلا
[ ٢ / ٨٧٢ ]
عن أن تبنى عليها الأحكام، فهو يرى أنه لابد من التوسع في الرِّواية والقراءة المقيدة على أربابها.
هذا المنهج الفريد الذي سار عليه القاضي عِياض جعله يرحل من مسقط رأسه - بعد أن استوعب ما فيها - إلى الأندلس، وذلك في سنة ٥٠٧ هـ؛ أي بعد حوالي ثلاثين عاما من ولادته، فوصل إلى قرطبة بغية تصحيح المتون التي تلقاها.
وأول ما تحمل القاضي عِياض من العلم إجازة مجردة من الحافظ أبي علي الغساني، وكان يمكنه السماع منه فقد لحق من حياته اثنين وعشرين عاما، ومن شيوخه من أهل المغرب القاضي أبو عبد الله عيسى، والخطيب أبو القاسم، والفقيه أبو إسحاق بن الفاسي وغيرهم.
ولما رحل إلى الأندلس سنة ٥٠٧ هـ روى عن القاضي أبي علي الصَّدفي سُكَّرة، ولازمه، وأخذ عن أبي حبر بن العاص، وأبي عتاب، وهشام بن أحمد وعدة.
وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي، والقاضي محمد بن عبد الله المسيلي وشيوخه من كثرتهم ألف فهرسًا ذكرهم فيه وترجم لهم، وقد بلغ عددهم ثمانية وتسعين شيخًا، والكتاب مطبوع طبعة الدار العربية للكتاب بليبيا سنة ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م، بدراسة وتحقيق الدكتور / محمد بن عبد الدايم.
وعاد القاضي عِياض من بلاد الأندلس بعد أن رصد عن كثب مناهج العلماء الأندلسيين في التفكير، ورأى كيف كانوا يتناولون المسائل بالدرس والبحث والتمحيص، فيردون منها ما يردون ويقبلون منها ما يقبلون فعاد إلى بلده آخذًا ما ينبغي له أخذه، وتاركًا ما ينبغي له تركه، عاد وقد أصبح بحرًا لا ساحل له في العلم، عاد وهو طاقةٌ هائلةٌ من التجارب، فأصبح
[ ٢ / ٨٧٣ ]
صوتًا للحق مدويًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، يقضي بين الناس كما أمر الله وكما يقضي إليه اجتهاده.
من أجل كل ذلك علا قدره ومكانته بين أهله، وذاع صيته بين أقرانه حتى تبوأ مكانًة عاليًة، يُشد إليه الرحال طلبًا للإسناد وتلقي العلم على يديه، فأصبح بحق إمام وقته في الحديث وعلومه، فقيه زمانه في الأصول واللغة والنحو والأنساب، وغير ذلك مما يدل عليه تنوع معارفه وتآليفه التي تركت علامةً بارزةً في كل لون من ألوان التصنيف دالة على ذلك.
أقوال العلماء فيه:
قال ابن بشكوال في «الصلة» (١): هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، واستقضي بسبتة مدة طولة حمدت سيرته فيها، ثم نُقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطول بها، وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه. اهـ.
وقال فيه ابن الأبار: وكان لا يدرك شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار، وخدمة العلم مع حسن التفنن فيه (٢).
وقال فيه رفيقه وتلميذه أبو عبد الله محمد بن حَمّاد السبتي: جلس القاضي للمناظرة وله نحو من ثمان وعشرين سنة، وولي القضاء وله خمس وثلاثون سنة، كان هينا من غير ضعف، صليبًا في الحق إلى أن قال: وحاز من الرئاسة في بلده والرفعة ما لم يصل إليه أحدٌ قط من أهل بلده، وما زاده ذلك إلا تواضعًا وخشيةً لله تعالى (٣).
وقال ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: وهو إمام الحديث في وقته،
_________________
(١) ٢/ ٤٥٣.
(٢) «معجم أصحاب أبي علي الصَّدفي»
(٣) «السير» ٢٠/ ٢١٤ - ٢١٥.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب، وآبائهم وأنسابهم (١).
وقال الذَّهبي في «السير»: الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام .. (٢).
مصنفاته:
له الكثير من المؤلفات في شتى العلوم والفنون؛ فمنها في الحديث: «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، «إكمال المعلم بفوائد مسلم»، «الِإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع»، وغير ذلك.
وله في الرجال: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك»، «الغنية في أسماء شيوخه»، «المعجم في ذكر أبي علي الصَّدفي».
وله غير ذلك الكثير مما لا يسع المجال لحصره.
وفاته: توفي رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وخمسمائة في رمضان. وقيل: في جمادى الآخرة بمراكش، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الكتاب
كتاب «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، هكذا سماه مؤلفه، اشتمل على تفسير غريب حديث «الموطأ» و«الجامع الصحيح» لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، و«الجامع الصحيح» لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات، وضبط أسماء الرجال.
_________________
(١) «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٨٣.
(٢) «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٢١٢.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
ترتيب الكتاب:
يقول القاضي عِياض في المقدمة مبينا ترتيب كتابه (١):
رأيت ترتيب تلك الكلمات على حروف المعجم، أيسر للناظر، وأقرب للطالب، فإذا وقف قارئ كتاب منها على كلمة مشكلة أو لفظة مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها إن كان صحيحًا، وإن كان من حروف الزوائد أو العلل تركه، وطلب الصحيح، وإن أشكل وكان مهملا طلب صورته في سائر الأبواب التي تشبهه، حتى يقع عليه هنالك.
فبدأت بحرف الألف، وختمت بالياء على ترتيب حروف المعجم عندنا، ورتبت ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف على ذلك الترتيب، رغبة في التسهيل للراغب والتقريب، وبدأت في أول كل حرف بالألفاظ الواقعة في المتون، المطابقة لبابه على الترتيب المضمون. اهـ.
فالكتاب مرتب على ترتيب حروف المعجم عند المغاربة، حيث يوجد نوع اختلاف بين ترتيب حروف المعجم عند المشارقة عنه عند المغاربة، وزيادة في التوضيح سأذكر ترتيب الحروف عند المغاربة ليُعلم ذلك:
فالترتيب عند المشارقة معروف وعند المغاربة هو كما يلي: الهمزة، الباء الموحدة، التاء المثناة، الثاء المثلثة، الجيم المعجمة، الحاء المهملة، الخاء المعجمة، الدال المهملة، الذال المعجمة، الراء المهملة، الزاي المعجمة، الطاء المهملة، الظاء المعجمة، ثم الكاف، اللام، الميم، النون، الصاد المهملة، الضاد المعجمة، ثم العين المهملة، الغين المعجمة، الفاء، القاف، ثم السين المهملة، الشين المعجمة، الهاء، الواو، الياء.
وهكذا رتب الكتاب على حروف المعجم بهذا الترتيب بدءًا من الألف
_________________
(١) ص: ٢٨ - ٢٩
[ ٢ / ٨٧٦ ]
وختما بالياء مع ترتيب ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف نفس الترتيب.
ثم ذكر تحت كل حرف من هذه الحروف أربعة فصول رئيسة:
الفَصْل الأول: في ضبط الألفاظ والحروف الواردة في الأصول الثلاثة، وشرح ما وقع فيها من خلل أو وهم، وبيان ما هو الصواب وغيره.
الفَصْل الثاني: ما في الحرف من أسماء المواضع والأماكن من الأرض وضبطها، وما وقع فيها من اختلاف أو وهم أو تصحيف بالنسبة للكتب الثلاثة المعتمدة.
الفَصْل الثالث: في الأسماء والكنى، مع ضبط ما التبس منها أو وقع فيه اختلاف أو وهم.
الفَصْل الرابع: ما في الحرف من الأنساب، وما استشكل فيها والتبس خلافا أو وهما، ثم ما هو خارج عن هذه الفصول مما لا يدخل في باب من أبوابها لخلل وقع فيه أو التباس أو توهم أو تأخير ذكره أو ضبطه في باب من أبواب الكتاب الأخرى، أو في فصل من فصوله السابقة أو اللاحقة.
مثال: حرف الجيم (١):
قال: حرف الجيم. فبدأ بحرف: (الجيم مع الهمزة) ثم ذكر تحته (ج ار) ثم (ج ان) ثم (ج اش) وهكذا اقتصر على ذلك، حيث لا توجد كلمات إلا في هذه المواد وذكر تحت كل مادة المفردات والألفاظ التي وردت في الأحاديث من جنس هذه المواد.
فذكر تحت مادة: (ج ار) قوله: (أو بقرة لها جوار) وتكلم عن رواياتها
_________________
(١) هذا الحرف بجميع فصوله يقع في حوالي مائة صفحة، ينظر: ١/ ٣٧١ - ٤٦٩.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وذكر أن في بعضها: (خوار) بالخاء ومعنى كل منهما الخ
ثم ذكر (ج ان) وذكر تحتها قوله: (كأنما أخرجها من جونة عطار)
ثم (ج اش) وذكر تحتها قوله: (فيسكن جاشه)
وبعد ذلك ذكر فصلًا بعنوان: الاختلاف والوهم من ذلك، وهذا الفَصْل يذكره عقب كل حرف، وهو الخاص باختلاف الألفاظ الناتج عن اختلاف الرُّواة للكتب الثلاثة.
يقول القاضي عِياض: فصل الاختلاف والوهم.
وقوله: (فجئث منه فرقا) بضم الجيم بعدها همزة مكسورة وثاء ساكنة مثلثة، كذا رِواية كافتهم الأصيلي والحَمُّوييّ والمُسْتَمْلِيّ والنَسَفْيّ، في كتاب الأنبياء وغيره، وكذا لأكثر رواة مسلم، وعند السمرقندي وابن الحذاء في الأول: (جثثت) بثاء مثلثة أخرى مكان الهمزة حيث وقع، وكذا عند العذري في آخر حرف منها، مثل الرِّواية الأولى، ولغيره ما للسمرقندي، وللأصيلي في التفسير الوجهان، وبالثاء فيهما لأبي زيد، ومعنى الروايتين واحد، أي: رعبت، كما جاء بهذا اللفظ أول البُخارِيّ، قال الخليل: جئث الرجل وجث: فزع.
ووقع للقابسي (فجثئت) قدم الثاء على الهمزة في كتاب الأنبياء، ولا معنى له، ووقع له في كتاب التفسير ولغيره (فحثثت) بالحاء المهملة وثاءين مثلثتين، وكذا رواه ابن الحذاء في كتاب مسلم في الثاني والثالث، وفسروه: بأسرعت، ولا معنى له؛ لأنه قال بعده: فهويت إلى الأرض، أي: سقطت. يريد من الذعر، فكيف يجتمع السقوط والإسراع.
وحكى أن بعضهم رواه (فجبنت) من الجبن ولا معنى له هنا وهو
[ ٢ / ٨٧٨ ]
تصحيف (١).اهـ.
ثم ذكر القاضي: الجيم مع الباء فبدأ (ج ب ب) ثم: (ج ب ذ) ثم: (ج ب ر) ثم: (ج ب ل) ثم: (ج ب ن) ثم: (ج ب هـ) ثم: (ج ب ى) يذكر تحت هذه المواد ما يناسبها من المفردات الواردة في الحديث.
ثم عقد فصل الاختلاف والوهم من هذه المادة، فذكر الاختلاف في قوله: (فقعد على جبا الركية) ثم الاختلاف في كلمة: (جيبه) في باب جيب القميص، في حديث المتصدق والبخيل: (هكذا بأصبعيه في جيبه) هل هي جيبه أو جبته؟
ثم الاختلاف في كلمة (أجبرهم) في قوله: في قريش (أني أردت أن أجبرهم) هل هي أجبرهم أو أجيزهم .. وهكذا يسرد المفردات التي وقع فيها خلاف بين الرُّواة مبينًا وجه الصواب، وحاكيا كل ما جاء فيها كما وقعت له الرِّواية.
ثم بعد ذلك ينتقل إلى حرف الجيم مع الثاء، فيسرد مفرداته ثم الجيم مع الحاء .. إلى آخر الحروف بترتيب المغاربة، وهو في كل ذلك يعقد فصلا للمختلف فيه من قبل الرُّواة عقب كل مادة كما سبق، وكل ذلك يعتبر في القسم الأول من هذا الحرف.
والقسم الثاني: خصصه لأسماء المواضع، فذكر في هذا الحرف: (الجمرة) و(الجعرانة) و(جرباء) و(الجحفة) .. الخ.
ثم ينتقل إلى القسم الثالث: وقد خصصه لمشكل الأسماء والكنى من هذا الحرف، ثم يذكر عقبه فصلا للمختلف فيه من قبل الرُّواة.
ثم القسم الرابع: وقد خصصه لمشكل الأنساب، ويتبعه بفصل
_________________
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
الاختلاف والوهم منه وهكذا ثم ينتقل إلى الحرف الذي يليه وهو الحاء بجميع أقسامه مثل تقسيم حرف الجيم.
ويلخص القاضي عِياض عمله في الكتاب فيقول (١):
فتولينا إتقان ضبطها، بحيث لا يلحقها تصحيف يظلمها، ولا يبقى بها إهمال يبهمها، فإن كان الحرف مما اختلفت فيه الروايات نبهنا على ذلك، وأشرنا إلى الأرجح والصواب هنالك، بحكم ما يوجد في حديث آخر رافع للاختلاف، مزيح للإشكال، مريح من حيرة الإبهام والإهمال، أو يكون هو المعروف في كلام العرب، أو الأشهر أو الأليق بمساق الكلام والأظهر، أو نص من سبقنا من جهابذة العلماء وقدوة الأئمة على المخطئ والمصحف فيه، أو أدركناه بتحقيق النظر، وكثرة البحث على ما نتلقاه من مناهجهم، ونقتفيه.
وترجمنا فصلا في كل حرف، على ما وقع فيها من أسماء أماكن من الأرض، وبلاد يشكل تقييدها، ويقل متقن أساميها ومجيدها، ويقع فيها لكثير من الروايات تصحيف يسمج، ونبهنا معها على شرح أشباهها من ذلك الشرج (٢)، ثم نعطف على ما وقع في المتون في ذلك الحرف بما وقع في الإسناد من النص على مشكل الأسماء والألقاب، ومبهم الكنى والأنساب، وربما وقع منه من جرى ذكره في المتن، فأضفناه إلى شكله من ذلك الفن ثم قال:
وذكرنا في آخر كل فصل من فصول كل حرف ما جاء فيه من
_________________
(١) ص: ٢٨ - ٢٩
(٢) الشَّرْجُ: الضرب، يقال: هما شَرْج واحد أي ضرب واحد. ينظر «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٤٩، «لسان العرب» ٤/ ٢٢٢٧ مادة: شرج.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
تصحيف، ونبهنا فيه على الصواب والوجه المعروف. اهـ.
الباعث على تأليفه:
يذكر القاضي عِياض الباعث على تأليف هذا الكتاب مبينًا قصور الدراسات التي سبقته وأن كتابه هذا أراد به أن يستكمل الخلل السابق فيقول (١): ولم يؤلف في هذا الشأن كتاب مفرد، تقلد عهدة ما ذكرناه على أحد هذه الكتب أو غيرها، إلا ما صنعه الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في «تصحيف المحدثين» وأكثره مما ليس في هذه الكتب، وما صنعه الإمام أبو سليمان الخطابي في جزء لطيف، وإلا نكتًا مفترقة وقعت أثناء شروحها لغير واحد، لو جمعت لم تشف غليلًا، ولم تبلغ من البغية إلا قليلًا، وإلا ما جمع الشيخ الحافظ أبو علي الحسن بن محمد الغساني شيخنا ﵀ في كتابه المسمى: بـ «تقييد المهمل»، فإنه تقصى فيه أكثر ما اشتمل عليه الصحيحان، وقيده أحسن تقييد، وبينه غاية البيان، وجوده نهاية التجويد، لكن اقتصر على ما يتعلق بالأسماء والكنى والأنساب وألقاب الرجال، دون ما في المتون من تغيير وتصحيف وإشكال، وإن كان قد شذ عليه من الكتابين أسماء واستدركت عليه فيما ذكر أشياء، فالإحاطة بيد من يعلم ما في الأرض والسماء. اهـ.
_________________
(١) ١/ ٢٧ - ٢٨.
[ ٢ / ٨٨١ ]
الروايات التي اعتمد عليها:
ساق القاضي عِياض في أول الكتاب أسانيده للكتب الثلاثة، فذكر أسانيد الصحيح بعد ذكر أسانيده إلى الموطأ قائلا (١):
وأما الكتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من آثار رسول الله - ﷺ - للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، البُخارِيّ المولد والمنشأ والدار، الجعفي النسب بالولاء، فقد وصل إلينا من رِواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، وأكثر الروايات من طريقه، ومن رِواية إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ عن البُخارِيّ، ولم يصل إلينا من غير هذين الطريقين عنه، ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما، على كثرة رواة البُخارِيّ عنه لكتابه.
فقد روينا عن أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ أنه قال: عن أبي عبد الله الفَرَبْريّ أنه كان يقول: روى الصحيح عن أبي عبد الله تسعون ألف رجل ما بقي منهم غيري.
فأما رِواية الفَرَبْريّ فرويناها من طرق كثيرة:
منها: طريق الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ.
وطريق أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي.
وطريق أبي الحسن علي بن خلف القابسي.
وطريق كريمة بنت محمد المَرْوَزيّة.
وطريق أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي.
وطريق أبي علي إسماعيل بن محمد الكُشّانيّ.
وأبي علي محمد بن عمر بن شبوية.
وأحمد بن صالح الهمداني.
وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني.
_________________
(١) ١/ ٣٦ - ٣٩
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وأبي الفيض أحمد بن محمد المَرْوَزيّ، وغيرهم
فأما رِواية أبي ذر: فإني سمعتها، بقراءة غيري بجامع مدينة مرسية، لجميع الصحيح بها، على القاضي الشهيد أبي علي الحسين بن محمد الصَّدفي، وحَدَّثَنا بها عن القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، عن أبي ذر عبد بن أحمد الهَرَويّ، عن شيوخه الثلاثة: أبي محمد بن حموية السَّرْخَسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتَمْلِيّ، وأبي الهيثم محمد بن المكي الكُشْمِيهَني، كلهم عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ.
وأخبرني به الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون بمدينة أشبيلية، عن أبي ذر الهَرَويّ إجازة.
وأما رِواية الأصيلي: فإني قرأت بها جميع الكتاب على الفقيه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بمدينة قرطبة، وحدثني به، عن أبيه، عن أحمد بن ثابت الواسطي وغيره، عن الأصيلي، عن أبي زيد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ وأبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجُرْجانيّ كلاهما، عن الفَرَبْريّ، قال لي أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها الفقيه أبو عبد الله بن نبأت عن الأصيلي.
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وكتب إلي بها إجازة بخط يده الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجَيّانيّ، وحدثني بها مشافهة الكاتب أبو جعفر أحمد بن طريف حدثاني به جميعا عن القاضي سراج بن محمد بن سراج عن الأصيلي.
قال الجَيّانيّ: وحدثني بها أيضا أبو شاكر عبد الواحد بن موهب عنه، وعارضت كتابي بأصل الأصيلي، الذي بخطه حرفا حرفا، وكذلك عارضت مواضع إشكاله بأصل عبدوس بن محمد الذي بخطه أيضا، وروايته فيه عن المَرْوَزيّ.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وأما رِواية القابسي: فحدثني بها سماعا وقراءة وإجازة أبو محمد بن عتاب، وأبو علي الجَيّانيّ وغير واحد قالوا: نا أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، عن أبي الحسن القابسي، عن أبي زيد المَرْوَزيّ، عن الفَرَبْريّ.
وأنا بها أحمد بن محمد عن الفقيهين أبي عمران موسى بن عيسى الفاسي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي، بالإجازة عن القابسي.
ولنا فيه أيضا رِواية من طريق القاضي أبي القاسم المهلب بن أبي صفرة عنه
وأما رِواية أبي علي بن السكن: فحدثني بها أبو محمد بن عتاب، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن نبأت، عن أبي جعفر بن عون الله ومحمد بن أحمد بن مفرج، عن أبي علي بن السكن، عن الفَرَبْريّ.
قال أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها ابن نبأت المذكور
قال القاضي ﵀: حَدَّثَنا بها الشيخ أبو علي الجَيّانيّ، فيما كتب إلينا به.
وحَدَّثَنا به القاضي أبو عبد الله بن عيسى سماعا لأكثره عنه قال: حَدَّثَنا بها القاضي أبو عمر بن الحذاء، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ قالا: حَدَّثَنا أبو محمد عبد الله بن أسد، عن ابن السكن.
قال القاضي ﵀: وحَدَّثَنا به أبو محمد بن عتاب، عن أبي عمر بن الحذاء، إجازة منه له.
وأما رِواية كريمة فحدثني بها الشيخ أبو الأصبغ عيسى بن أبي البحر الزهري، والخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقري، والشيخ أحمد بن خليفة بن منصور الخزاعي إجازة، وغير واحد كلهم عن كريمة بنت محمد سماعا عن أبي الهيثم الكُشْمِيهَني، عن الفَرَبْريّ.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وأما رِواية أبي علي الكُشّانيّ فإن القاضي الحافظ أبا علي حَدَّثَنا بها عن أبي الحسن علي بن الحسين بن أيوب البزاز سماعه منه ببغداد، عن أبي عبد الله الحسين ابن محمد الخلال، عن أبي علي الكُشّانيّ، عن الفَرَبْريّ
وأما رِواية أبي إسحاق النَسَفْيّ فكتب إلي بها الشيخ الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني، وسمعت على القاضي أبي عبد الله التميمي كثيرًا مما قيد منها عنه قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي عن أبي الفضل بن أبي عمران الهَرَويّ، عن أبي صالح خلف بن محمد الخيام البُخارِيّ، عن إبراهيم بن معقل النَسَفْيّ، عن البُخارِيّ إلا أن النَسَفْيّ فاته من آخر الكتاب شيء من كتاب الأحكام، إلى باب قوله تعالى: «يريدون أن يبدلوا كلام الله» فإنه إجازة من البُخارِيّ للنسفي، ثم ما بعده لم يكن في رِواية النَسَفْيّ، إلى آخر الكتاب، وذلك نحو عشرة أوراق لم يرو منها إلا تسعة أحاديث أول الكتاب آخرها طرف من حديث الإفك.
التعليق على الروايات:
أولًا: روى الصحيح عن البُخارِيّ من روايتين رِواية الفَرَبْريّ ورِواية النَسَفْيّ.
ثانيًا: رِواية الفَرَبْريّ وقعت له من طريق سبعة رواه وهم:
١ - المُسْتَمْلِيّ.
٢ - الكُشْمِيهَني.
٣ - السَّرْخَسي.
هؤلاء الثلاثة من رِواية أبي علي الصَّدفي، عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر الهَرَويّ عنهم.
كما وقعت له رِواية الكُشْمِيهَني من طريق كريمة المَرْوَزيّة عنه.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
٤ - أبو زيد المَرْوَزيّ من طريقين: من طريق الأصيلي، ومن طريق القابسي، كلاهما عنه.
٥ - أبو أحمد الجُرْجانيّ من طريق الأصيلي.
٦ - ابن السكن من طريق أبي محمد عبد الله بن أسد الجهني وغيره عنه.
٧ - أبو علي الكُشّانيّ من طريق أبي عبد الله الخلال عنه.
أما رِواية النَسَفْيّ فوقعت له من طريق أبي العاصي حكم بن محمد الجذامي عن أبي الفضل بن أبي عمران الهَرَويّ، عن أبي صالح خلف بن محمد الخيام البُخارِيّ عنه.
ثالثًا: كل هذه الروايات وقعت له سماعًا وبعضها وقعت له إجازة أيضًا كرِواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، ورِواية الأصيلي، ورِواية ابن السكن، ورِواية النَسَفْيّ.
قيمة الكتاب من حيث الروايات:
الكتاب يعد بحق من أهم ما ألف لبيان الاختلاف بين الروايات، والتمييز بينها مع بيان وجه الصواب فيها.
- وتبرز قيمته في نسبة اختلافات كثيرة، وخاصة إذا لاحظنا عدد الروايات التي اعتمد عليها القاضي عِياض.
- يشتمل على الاختلافات التي وقعت من قبل الرُّواة في السند والمتن، حيث لم يقتصر على ألفاظ السند فقط كما فعل أبو علي الجَيّانيّ في تقييد المهمل.
- أنه مرتب على حروف المعجم مما يسهل الوصول إلى الكلمة المراد الوصول إليها، حتى ولو كان الترتيب على طريقة المغاربة.
- أن مؤلفه لديه صناعة حديثية ودقة علمية ومنهج في الرِّواية فريد مما جعله يقارن بين هذه الروايات مُنزلًا كل رِواية منزلتها من حيث الصحة
[ ٢ / ٨٩٠ ]
وعدمها ومبينًا ما كان سببه التصحيف أو غيره.
- أنه يحكي الاختلاف في أصح ثلاثة كتب، وأكثر الكتب خدمة من العلماء المسلمين، وهي موطأ مالك والصحيحين.
- أن مؤلفه يأتي بما يعضد رِواية الحديث بالروايات الأخرى له، أو صحيح لغة العرب أو غير ذلك.
- أن صنيعه هذا يكاد يكون بطريقة الحصر، بحيث يستطيع الباحث الوقوف على جل الاختلافات في الكتب الثلاثة، مما يعطي تصورًا جزئيًا للروايات، وخاصة تلك الروايات التي لا توجد لها نصوص كاملة.
كل ذلك وغيره جعل كل الشراح أمثال ابن الملقن، وابن حجر (١) والقَسْطَلّانِيّ، وغيرهم ينقلون من أقوال القاضي في «المشارق» فيما يتعلق بهذا الباب أو غيره.
وبالجملة: الكتاب له قيمة كبيرة لمن أراد أن يحرر رِواية معينة من الروايات التي اعتمد عليها.
وأختم بهذه الكلمات التي قالها مؤلف الكتاب، وهو يبين لنا منزلة الكتاب يقول القاضي عِياض في المقدمة (٢):
رجوت ألا يبقى على طالب معرفة الأصول المذكورة إشكال، وأنه يستغني بما يجده في كتابنا هذا عن الرحلة لمتقني الرجال، بل يكتفي بالسماع على الشيوخ، إن كان من أهل السماع والرِّواية، أو يقتصر على درس أصل مشهور الصحة، أو يصحح به كتابه ويعتمد فيما أشكل عليه
_________________
(١) نقل منه ابن حجر في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال: ١/ ٤٠٨، ٤١٤، ٤١٥، ٤/ ٨٢، ٥/ ٤١، ٣٣٤، ٣٤٠، ٨/ ٣٨، ٦٤، ٩/ ١٤٥، ٢٤١، ٣٧٣، ١٠/ ٢٨١، ١١/ ٢١١، ١٢/ ٣٠٦، ١٣/ ٤١٤.
(٢) ١/ ٣١ - ٣٢.
[ ٢ / ٨٩١ ]
على ما هنا، إن كان من طالبي التفقه والدراية.
فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي، كما يحتاج إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به المبتدئ كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب التفقه والاجتهاد، كما لا يستغنى عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته، كما يعتمد عليه المناظر في محاضرته.
وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة والدراية قدره، ويوفيه أهل الإنصاف والديانة حقه، فإني نخلت فيه معلومي، وبثته مكتومي، ورصعته بجواهر محفوظي ومفهومي، وأودعته مصونات الصنادق والصدور، وسمحت فيه بمضنونات المشائخ والصدور، مما لا يبيحون خفى ذكره لكل ناعق، ولا يبوحون بسره في متداولات المهارق، ولا يقلدون خطير دره إلا لبات أهل الحقائق، ولا يرفعون منها راية إلا لمن يتلقاها باليمين، ولا يودعون منها آية إلا عند ثقة أمين.
وقد ألفته بحكم الاضطرار والاختيار، وصنفته منتقى النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرا تحار فيه العقول والأفكار، وقربته تقريبا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته بمشارق الأنوار على صحاح الآثار.
طبعات الكتاب
وقفت للكتاب على طبعتين:
الأولى: طبعة سنة ١٣٣٣ من الهجرة النبوية، طبع ونشر المكتبة العتيقة بتونس، ودار التراث بالقاهرة، وهي في مجلدين من القطع الكبير.
والطبعة الثانية: سنة ١٤٠٢ هـ طبعتها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، بدولة المغرب بأمر من الملك الحسن الثاني.
وهي في مجلدين من القطع الصغير، بتحقيق البلعمشي أحمد يكن.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
كتاب «مَطالِعُ الْأَنْوارِ عَلَى صِحاحِ الْآثارِ» لابن قُرْقُول ٥٠٥ - ٥٦٩ هـ
المؤلف (١):
هو الإمام العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد، الْحَمْزِي (٢) الوهراني، المعروف بِابْنِ قُرْقُول (٣).
ولد بِالْمَرِيَّةِ (٤) إحدى مدائن الأندلس في صفر سنة خمس وخمسمائة.
أما شيوخه ﵀ فأئمة يحتذى، ومن أشهرهم:
١ - محمد بن خلف بن موسى، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي، المتكلم، نزيل قرطبة (٥).
٢ - محمد بن حكيم بن محمد بن أحمد بن الحزامي من أهل
_________________
(١) ينظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ٥٢٠)، «تاريخ الإسلام» (٣٩/ ٣٣١ - ٣٣٣)، و«المعين في طبقات المحدثين» ص: ٢٤٨، و«التكملة لكتاب الصلة» (١/ ١٣٠)، و«وفيات الأعيان» (١/ ٦٢)، و«شذرات الذهب» (٤/ ٢٣١)، و«الوافي بالوفيات» (١/ ١٧١)، و«الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» (٢/ ٢٠٩)، و«هدية العارفين» (١/ ٩).
(٢) نسبة حَمْزَة بفتح الحاء المهملة، وبعد الميم الساكنة زاي معجمة، وحمزة هي بليدة بإفريقية ما بين بجاية وقلعة بني حماد.
(٣) بضم القافين وسكون الراء المهملة بينهما وبعد الواو لام ..
(٤) «الْمَرِيَّة» بفتح الميم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء وهي مدينة كبيرة بالأندلس على شاطئ البحر من مراسي المراكب. ينظر «معجم البلدان» ٥/ ١١٩، «وفيات الأعيان» (١/ ٦٢).
(٥) ينظر: «تاريخ الإسلام» (٣٦/ ٤٥١)، و«الديباج المذهب» (١/ ٣١٣).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
سرقسطة (٥٣٨) هـ (١).
٣ - إبراهيم بن أبي الفتح بن عبيدالله بن خفاجة الهواري الشاعر من أهل جزيرة شقر يكنى أبا إسحاق (٢).
تلاميذه:
١ - أحمد بن سلمة بن أحمد بن يوسف الأنصاري يعرف بابن الصيقل ويكنى أبا جعفر وأبا العباس (٥٩٨) هـ (٣).
٢ - أحمد بن محمد بن أحمد البكري من أهل شريش يكنى أبا العباس (٦١١) هـ (٤).
٣ - أبو بكر بن خلف الأنصاري القرطبي، القاضي أبو يحيى (٥٩٩) هـ (٥).
ثناء العلماء عليه:
قال الإمام الذَّهبي: كان رحالًا في العلم نقالًا فقيهًا نظارًا أديبًا نحويًّا عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة، وكان من أوعية العلم له كتاب «المطالع» على الصحيح غزير الفوائد.
وقال ابن خلكان: كان من الأفاضل وصحب جماعة من علماء الأندلس.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: كان ثقة مأمونًا.
_________________
(١) ينظر: «الديباج المذهب» (١/ ٣٧١٣).
(٢) ينظر: «التكملة لكتاب الصلة» (١/ ١٢٤) (٣٧٣).
(٣) ينظر: «التكملة لكتاب الصلة» (١/ ٨٢) (٢٣٨).
(٤) ينظر: «التكملة لكتاب الصلة» (١/ ٩٣) (٢٧٠).
(٥) ينظر: «الوافي بالوفيات» (١/ ٢٣٠) (٤٧١٨)، و«التكملة لكتاب الصلة» (١/ ١٨٠) (٥٩٨).
[ ٢ / ٨٩٤ ]
وقال ابن الأبار: وكان رحالًا في العلم فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، صنف وكتب الخط الأنيق، وأخذ الناس عنه.
وقال الحسيني: وكان رحالًا في طلب العلم، حريصًا على لقاء الشيوخ، فقيهًا نظارًا أديبًا حافظًا يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة، حدث وأخذ عنه الناس.
وقال ابن العماد: كان من الفضلاء الصلحاء، وكان من أئمة أهل المغرب فقيهًا مناظرًا متفننًا حافظًا للحديث بصيرًا بالرجال، صحب علماء الأندلس، وكتابه ضاهى به «مشارق الأنوار» للقاضي عياض.
وفاته:
توفي ﵀ بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال سنة تسع وستين وخمسمائة.
منهج الحافظ ابن قرقول في كتاب «المطالع»:
لقد سار على نفس طريقة القاضي عياض في كتابه «المشارق» في الترتيب والمضمون، ولذا تجد المصنف ينقل عن «المشارق» نقولات طويلة أحيانًا يشير إلى أنه نقل، وأخرى لا يشير فيها، وربما نقل منها بتصرف مع زيادات وتصويبات.
وذلك يرجع إلى أن عمل ابن قرقول في الأصل مكمل لعمل القاضي عياض، بل إنه استدرك عليه بعض الألفاظ التي كان يجب وضعها، وذكر كثير من الأوهام التي وقعت للقاضي عياض.
وقد بين المصنف منهجه في مقدمة الكتاب وهي مستوحاه من مقدمة القاضي.
قال ابن قرقول: ثم لما جمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًّا من تكاليفي وشغلي بالجلوس
[ ٢ / ٨٩٥ ]
للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم أقرب وأفهم، وأخلص من التكرار للألفاظ بحسب تكررها في هذه الأمهات وأسلم، تيسيرًا على الطالب ومعونة للمجتهد الراغب.
فإذا وقف قارئ مصنف من هذه المصنفات على غريب أو كلمة مشكلة أو تسمية مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها، إن كان صحيحًا طلبه في الصحيح، وإن كان مضاعفًا أو معتلًّا أو مهموزًا طلب كلًّا في بابه، ونسقت أبوابه على نسق حروف المعجم عندنا بالمغرب.
وبدأت في أول كل حرفٍ منه بالألفاظ الواقعة في متون الأحاديث، دون أسماء الرجال والبقاع، ثم إذا فرغت من جميع الحرف عطفت عليه بأسماء الرواة والبقاع، هكذا حرفًا بعد حرفٍ إلى آخر الحروف، مقيدًا كله بما يعصمه إن شاء الله من التغيير والتصحيف والتبديل والتحريف؛ ليكون عصمة لمن اعتصم به، وعتادًا لمن لجأ إليه من أصحابي الآخذين عني.
فمن فاته شيء من التقييد عني بغفلةٍ أو نسيان أو تضييع وإهمال استدركه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم قارئ هذا الكتاب أني لم أضعه لشرح اللغات وتفسير المعاني وتبيين وجوه الإعراب؛ بل لحفظ الرواية وتقييد السماع، وتمييز المشكل وتقييد المهمل، وفتح ما استغلق من تلك اللغات، وتوجيه ما اختلف فيه الروايات، وجبذ منادها إلى جهة الصواب، على قدر ما فتح لي من مبهم هذه الأبواب.
والكتاب يذكر فيه ابن قرقول اختلاف الروايات، ومصدره في هذه الروايات - في غالب ظني - الكتب والمصادر التي استقى منها مادته العلمية للكتاب، وعلى رأسها كتاب القاضي عياض، ولم يذكر روايته لهذه الكتب
[ ٢ / ٨٩٦ ]
كما فعل القاضي عياض.
وكتاب «المطالع» له أهميةٌ كبيرةٌ جدًّا عند أهل العلم خاصَّة، ويعتبر من أهم الكتب التي ألفت على «الموطأ» و«الصحيحين».
وقد اعتمد أئمة أهل العلم على كتاب «المطالع» للحافظ ابن قرقول اعتمادًا كبيرًا، ونقلوا عنه واعتبروه مصدرًا رئيسيًّا في ذلك، وقد صرَّح بذلك الكثير من الأئمة في كتبهم.
واعتمد الأئمة عليه في ضبط الروايات وأسماء الرجال والبلدان اعتمادًا كبيرًا، حتى امتلأت مصنفات أكابر علمائنا بالنقل عن هذا الكتاب، كالحافظ ابن الملقن، والحافظ ابن حجر، والإمام النووي، والإمام العيني في شروحهم.
بل واعتمد عليه أهل اللغة، كمصدرٍ أساسيٍّ في تجميع مادة كتبهم، وضبط ما يشكل من الألفاظ، ومنهم من صرَّح بذلك في مقدمة كتابه، كالإمام الزبيدي في مقدمة كتابه «تاج العروس» (١).
كما نقل من الكتاب كل من السيوطي في مصنفاته (٢). والإمام الحافظ شمس الدين الذَّهبي (٣).
وقد اعتنى بهذا الكتاب بعض أهل العلم:
_________________
(١) قَال في مقدمة كتابه بعد أن تكلم على منهج كتابه ومحتواه: مستمدًّا ذلك من الكتب التي يَسَّر الله تعالى بفضلِه وُقُوفي عليها، وحَصل الاستمدادُ عليه منها، ونقلْتُ بالمباشرة لا بالوسائط عنها. وذكر منها: «مشارق الأنوار» للقاضي عياض، و«المطالع» لتلميذه ابن قرقول.
(٢) ينظر مثلًا: «تنوير الحوالك شرح موطأ مالك» (١/ ٦٣). «شرح السيوطي لسنن النسائي» (٤/ ٢٤).
(٣) ينظر مثلًا: «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ١٢).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
- فقام بنظمه الإمام العلامة محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان بن عبد العزيز، البعلي المولد، الشافعي المذهب، الشيخ شمس الدين، المعروف بابن الموصلي (١).
- وقام بتهذيبه الإمام العلامة، محمود بن أحمد بن محمد النور، الهمذانى، الفيومي الأصل الحموي، الشافعي، المعروف بابن خطيب الدهشة (٢).
وأيضًا اختصره الإمام إبراهيم بن محمد الغساني في كتاب سماه «المختار من مطالع الأنوار».
ويوجد للكتاب عدة نسخ خطية منها:
١ - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، حفظها الله تحت رقم (٨٦ لغة تيمور).
وهي نسخة خطية، متقنة كاملة عليها بلوغ مقابلات، وناسخها غير معروف، كتبت سنة ٨٢٢ هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٢٧٣ ورقة،
_________________
(١) ولد سنة تسع وتسعين وستمائة. سمع الحديث على شيخ الإسلام جمال الدين يوسف المزي، وعلى الشيخ شمس الدين الذَّهبي، والشيخ بدر الدين ابن مكي، وغيرهم. ومصنفه هو كتاب «لوامع الأنوار نظم مطالع الأنوار» ينظر: «الدرر الكامنة» (٥/ ٥٤٣)، و«الوافي بالوفيات» (١/ ١١٤).
(٢) سمع من جماعة، وتفقه على أهل بلده، وارتحل إلى مصر والشام فأخذ عن أئمتهما، وتقدم في الفقه وأصوله والعربية واللغة وغيرها، وولي قضاء حماة، ثم صرف ولزم منزله متصديًا للإقراء والفتاوى والتصنيف فانتفع به أهل بلده واشتهر ذكره. وصنف تصانيف كثيرة منها: «تهذيب المطالع» في ست مجلدات. ينظر: «البدر الطالع» (٢/ ٢٩٤).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٩ سطر.
٢ - النسخة الخطية المحفوظة بمعهد المخطوطات تحت رقم (٤٧٤ حديث)
وهي نسخة خطية متقنة عليها بلوغ مقابلات، والموجود منها الجزء الثاني منها، ويبدأ بحرف اللام.
وناسخها أحمد بن عمر بن رشيد الصواف.
وذلك في سنة ٦٣٣ هـ بدار الحديث الأشرفية.
بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٢٨٣ ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٤ سطر.
٣ - النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية حفظها الله تحت رقم (٤٧٤ حديث).
وهي نسخة خطية في مجلدين، كثيرة التحريف، وبها خرم في أول المجلد الثاني.
وناسخها محمد بن علي الدموسي.
وذلك في سنة ٧٧٨ هـ بخط نسخي معتاد، وعدد أوراقها: ٤٢٤ ورقة، وعدد الأسطر في كل ورقة ٢٤ سطر (١).
_________________
(١) والكتاب يعمل على إخراجه «مركز الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث» بالفيوم.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
خاتمة الباب الثالث
مما سبق يتبين أن عناية الأمة الإسلامية بضبط الاختلافات الواردة بين الروايات لصحيح البخاري، كانت عناية تامةً وتمثلت هذه العناية في أمور:
أولها: الحرص على رواية الصحيح وانتفاء أصح الروايات لتحملها، حتى اشتهر عن المشارقة بعض الروايات، وعند المغاربة روايات أخرى.
ثانيها: الحرص على الجمع بين أكثر من نسخة في كتاب واحد، مثل ما فعله أبو ذر الهروي والإمام اليونيني.
ثالثها: تقييد الاختلافات بين الروايات وتوجيهها، وأفضل من قام بذلك: أبو علي الجياني، والقاضي عياض، وابن حجر العسقلاني، وشهاب الدين القسطلاني.
كما يمكن استخلاص هذه النتائج:
١ - أن عمل اليونيني أفضل عمل حتى الآن يمثل جملة من الروايات مميزةً ومعزوةً إلى أصحابها.
٢ - أن الطبعة السلطانية التي طبعت سنة (١٤١١) هـ هي أفضل الطبعات التي تمثل عمل اليونيني، وأفضل المصورات لها مصورة دار طوق النجاة.
٣ - من أفضل الطبعات أيضًا طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المصرية، حيث تم إثبات الاختلافات بين الروايات في الهامش بعد فك الرموز الدالة عليها.
٤ - أن المغاربة كان لهم دور بارز في حفظ التراث المتعلق بالصحيح، ويتمثل ذلك في احتفاظهم بنسختين يتمتعان بدرجة عالية من الدقة.
وهما نسخة أبي علي الصدفي (٥١٤) هـ ونسخة أبي عمران ابن سعادة (٥٢٢) هـ.
[ ٢ / ٩٠٠ ]