بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله المنعم، مفضل النبيين، المجزل الجواد الكريم، ذي المن العظيم، الذي ابتدأنا بنعمته في الأزل مشيئةً وقدرًا قبل أن نكون خلقًا بشرًا، وقبل أن نُسوَّى أجسامًا وصورًا، ثم اصطنعنا بعد فأكرمنا بمعرفته، وأرشدنا بنور هدايته، علمنا الدين وكنا جُهّالًا، وبصَّرنا السبيل وكنّا ضُلالا، ولولا فضله علينا ورحمته إيانا ما زَكا منا من أحد ولا اهتدى بجهده إلى خير ورشد، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا* قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢] أوضح به مناهج الحق، ونَوَّر سبلَه، وطمس به أعلام الباطل، وعَوَّر طرقه، وشرع فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، ثم بشر وأنذر، ووعد وأوعد، وضرب فيه الأمثال، واقتص عن الأمم السالفة نواصي الأخبار؛ ليكون لنا فيها موعظة وبها اعتبار.
والحمد لله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وان كانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] جعله مهيمنًا على كتابه، ومبينًا له، وقاضيًا على ما أجمل منه بالتفسير، وعلى ما أبهم من ذكره بالبيان والتلخيص؛ ليرفع بذلك من قدره، ويشيد بذكره، فتكون أحكام شرائع دينه صادرة عن بيان قوله وتوقيفه، ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهُدى في متابعته، فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وأحمد الله الذي جعلنا من أمته؛ فأكرمنا بدينه وسنته، وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيمًا.
[ ١ / ٧ ]
نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها، تليدها وطريفها، السالفة منها والراهنة، الظاهرة منها والباطنة، حمدَ المعترفين بأسبابه وبآلائه، العاجزين عن مزيد فضله، ونسأله أن يصلي على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه، وأرفعَها درجةً، وأسناها ذكرًا، صلاةً تامةً زاكيةً غاديةً عليه ورائحةً، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وناصحه في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدعَ بما أُمر حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله تسليمًا (١).
أما بعد:
لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة الإسلامية المحمدية بخصائصَ كثيرةٍ ومزايا وفيرة، منها ما يتعلق بذات الشريعة المطهرة وأنواع العبادات والمعاملات والطاعات والمثوبات يسرًا وسهولة، ومنها ما يتعلق بخدمة الشريعة ونقلها وتبليغها وتدوينها وضبطها وحفظها، وفي كل ناحية من هاتين الناحيتين خصائص غير قليلة.
ومن أهم هذه الخصائص التي أكرم الله بها الأمة الإسلامية في تبليغ الشريعة من السلف إلى الخلف خصيصة الإسناد؛ حيث كان كل واحد منهم ينقل العلم لمن بعده من الخلف سندًا معزوًا إلى قائله، وذلك في كل العلوم حتى إذا منَّ الله على الأمة الإسلامية بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظة من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد؛ اعتمادًا منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين.
ومعنى الإسناد هو مصدر من قولك: أسندت الحديث إلى قائله، إذا رفعته إليه بذكر ناقله.
_________________
(١) مقتبس من مقدمة الخطابي في «أعلام الحديث».
[ ١ / ٨ ]
والإسناد هو حكاية طريق متن الحديث، والسند طريق متن الحديث، وسمي سندًا لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أخذًا من معنى السند لغة، وهو ما استندت إليه من جدار أو غيره.
وحكاية الإسناد ورواية النصوص مُسندةً خصيصةٌ عظيمةٌ، ومَيزةٌ لم تعط للأمم من قبلنا، وهو من الدين بموقع عظيم.
ولقد عقد الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه» بابًا في بيان أن الإسناد من الدين، وضمنه بعض أقوال العلماء في بيان منزلة الإسناد من الدين (١) ومنها:
ما نقله عن ابن سيرين ت (١١٠) هـ قال: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ (٢).
وقال أيضًا: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (٣).
وعن سليمان بن موسى قال: لَقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلاَنٌ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ (٤).
_________________
(١) وذكر أستاذنا الدكتور مصطفى أبو عمارة في أول كتابه «رواة الحديث وطبقاتهم» مقدمة نفيسة في بيان مكانة الإسناد من الدين، واختصاص الأمة الإسلامية به.
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١١، وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ١٩٤، والدارمي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٤٠٠ (٤٤٣)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥.
(٣) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١١، والدرامي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٣٩٦ (٤٣٠)، وعبد الله بن أحمد في «العلل» ٢/ ٥٥٩ (٤٦٤٠)، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٥١٧ (١٤٠٢).
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، والدارمي في «سننه) المقدمة، باب في الحديث عن الثقات ١/ ٣٩٥ (٤٢٨)، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ١٢.
[ ١ / ٩ ]
وعن أبى الزِّنَاد قال: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَامُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ يُقَالُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ (١).
وعن عبد الله بن المبارك (١٨١) هـ قال: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ (٢).
وفي بعض الروايات الأخرى عند غير مسلم زيادة: ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بقي (٣).
وقال أيضًا: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ. يَعْنِي الإِسْنَادَ (٤).
وقال أبو عبد الله الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» بعد ذكره لقول ابن المبارك: الإسناد من الدين - قال: فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْرًا (٥).
واعتبر الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (١٢٤) هـ الأحاديث التي ليس لها أسانيد أنها أحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة.
روى الحاكم بإسناده إلى عتبة بن أبى حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبى
_________________
(١) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٢٥٩، والخطيب في «الكفاية» ص: ٢٥٢.
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢/ ١٦، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٨/ ٢٠٤.
(٣) أخرجه الترمذي في «العلل الصغير» في سننه ١/ ٨٠٤، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٥٤.
(٤) أخرجه مسلم في المقدمة ١/ ١٢
(٥) «معرفة علوم الحديث» ص: ١١٥.
[ ١ / ١٠ ]
فروة (١) وعنده الزهري، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله، قال رسول الله، وقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبى فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة (٢).
وقال شعبة بن الحجاج (١٦٠) هـ: كل حديث ليس فيه: حدثنا أو أخبرنا، فهو خل وبقل (٣).
وقال سفيان الثوري (١٦١) هـ رحمه الله تعالى: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأَي شيء يقاتل (٤).
وقال أيضًا: الإسناد زين الحديث، فمن اعتنى به فهو السعيد (٥).
وقال الإمام الشافعي (٢٠٤) هـ رحمه الله تعالى: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى وهو لا يدري (٦).
وقال الحافظ بقية بن الوليد الحمصي (١٩٧) هـ: ذاكرت حماد بن زيد
_________________
(١) أحد الضعفاء المتروكين .. ينظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ١/ ٣٩٦ (١٢٦٠)، و«الجرح والتعديل» ٢/ ٢٧٧، و«الكامل» لابن عدي ١/ ٥٣١.
(٢) «معرفة علوم الحديث» ص: ١١٥.
(٣) أخرجه ابن الجعد في «مسنده» ص: ٢٢ (٣٠)، وابن عدي في «الكامل» ١/ ١٠٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٢٤٩. والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: ٥١٧ (٦٤٩)، والخطيب في «الكفاية» ص: ٤١٢، والسمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» ص: ٧.
(٤) أخرجه ابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢٧، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» ص: ٨٨ (٧٦)، والسمعاني في «أدب الإملاء» ص: ٨.
(٥) «أدب الإملاء» للسمعاني ص: ٦، ٨.
(٦) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ٩/ ١٢٥، والحاكم في «المدخل إلى كتاب الأكليل» ١/ ٢٨، وأورده الخليلي في «الإرشاد» ١/ ١٥٤.
[ ١ / ١١ ]
بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: إسنادًا (١).
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن المُعلِّمى رحمه الله تعالى في فاتحة كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم الرازي: الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلومات كثيرة لا سبيل له إليها إلا بالأخبار، وإذا كان يقع في الأخبار الحق والباطل، والصدق والكذب، والصواب والخطأ، فهو مضطر إلى تمييز ذلك.
وقد هيأ الله ﵎ لنا سَلَفَ صِدْق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار في تفسير كتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا - ﷺ - وآثار أصحابه، وقضايا القضاة وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها والشعر والتاريخ وغير ذلك.
والتزموا وألزموا من بعدهم سَوق تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرُّواة التي تساعد على نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقدوا أحوال الرُّواة وقضَوا على كل راو بما يستحقه، فميزوا من يحتج بخبره لو انفرد، ومن لا يحتج به إلا إذا اعتضد، ومن لا يحتج به ولكن يستشهد، ومن يعتمد عليه في حال دون أخرى، وما دون ذلك من متساهل ومغفَّل وكذاب.
وعَمَدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخَلَّصُوا لنا منها ما ضمّنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد علموا - بسعة علمهم ودقة فهمهم - ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها وبينوا خللها، وضمّنوها كتب العلل.
وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره، للدلالة على كذب راويه أو وهنه، ومن تسامح من
_________________
(١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ١٦٢ (٢٠٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ١٢٧، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٠/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٢ ]
متأخريهم فروى كل ما سمع فقد بيّن ذلك، وَوَكل الناسَ إلى النقد الذي قد مُهدت قواعده، ونصبت معالمه، فبحق قال المستشرق المحقق مرجليوث: ليفخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.
ولم تقتصر عناية العلماء بالإسناد في الأحاديث المروية عن رسول الله - ﷺ - فقط، بل امتدت لتشمل كلام الصحابة رضوان الله عليهم وكلام التابعين، ومن تصفح مقدمة الإمام مسلم وغيرها من كتب الحديث المسندة يجد الكثير من أقوال الصحابة، وآثار التابعين مسندة شأنها شأن الحديث المروي عن الرسول - ﷺ -.
بل امتد الأمر إلى نقل كلام تابعي التابعين بالإسناد، كما نقل مسلم في مقدمة «صحيحه» عن عبد الله بن المبارك المروزي - وهو من تابعي التابعين - قوله مسندًا: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
فهذه الأقوال المنقولة عن كل واحد من الصحابة ومن بعدهم كثير منها منقول بالسند، كما نقل حديث رسول الله - ﷺ -، فالحديث نقل بالسند؛ لأنه أصل من أصول الدين، وكذلك نقل كلام الصحابة ﵃ بالسند؛ لأنه فهم للدين، وعمل به، وتفسير له من أقرب الناس إلى رسول الله - ﷺ -، وأعلمهم بكلامه وهديه.
وكذلك نقل كلام التابعين وتابعي التابعين نقلًا بالسند؛ لأنهم أعرف الناس بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فكل منقول متوقف قبوله أو ردُّه من حيث النقل على السند ونقد المتن، فإن صح السند ولم تظهر علة في متنه تقدح فيه ثبت نقل الخبر، وإن لم يصح انتفى ثبوته، وبهذا المعيار يحاكم كل ما ينقل.
فلذا وجدنا عند العلماء المتقدمين هذا السند يمتد ويتسع، ويتصل بكل علم نقل إليهم، فما نقل من تفسير لآيات القرآن كان بسند، وما نقل من
[ ١ / ١٣ ]
حديث نبوي كان بسند، وما نقل من تفسير للحديث كان بسند أيضًا؛ وما نقل من أدب أو شعر أو نثر أو فقه أو تاريخ أو لغة كان بسند أيضًا، بل أشد من هذا ما نقل من المسليات أو المضحكات كأخبار الحمقى والمغفلين أو أخبار الأذكياء والنابهين نقل بسند أيضًا.
هكذا انكب السلف الصالح من صحابة وتابعين ومن بعدهم على السنة النبوية وما يتعلق بها من علوم، فانتشر الرُّواة والمحدثون في أروقة المدارس وعَرصات المساجد، وأخذوا يبحثون في أسانيد الأحاديث النبوية ومتونها، فنشأ علم مصطلح الحديث، وطبقات الرجال، والجرح والتعديل، والتراجم؛ توخيًا للدقة، وحرصًا على سلامة السنة من أي تحريف.
ولقد مرَّ التوثيق والتثبت في المرويات بمرحلتين متميزتين في نقل السنة والعناية بها وهما:
١ - مرحلة ما قبل تدوين المصنفات وجمع الأحاديث في دواوينها المعروفة المشهورة.
٢ - مرحلة ما بعد تدوين المصنفات.
ففي المرحلة الأولى: كانت العنايةُ منصبةً على نقلة الآثار، والبحث عن أحوالهم، والتفتيش في مروياتهم، بعد جمعها ومعارضتها، ومن يتحمل عنه، ومن لا يكتب عنه.
وكانت مرويات الرُّواة هي محور معرفة درجة هؤلاء الرُّواة من الضبط والاتقان، أو الخلل والنسيان، أو التساهل وعدم الدقة والاهتمام.
وقد واكب ذلك حصر المرويات، وأودعت في بطون الكتب مرتبة على أنواع مختلفة، فبعضها يحوي الصحيح، وبعضها يحوي الضعيف، وبعضها في معرفة أحوال الرجال، وغيرها من الموضوعات .. إلى غير ذلك.
وهذه المرحلة تكاد لا تتعدى القرن الرابع؛ حيث لم ينته هذا القرن إلا
[ ١ / ١٤ ]
وقد ظهرت معظم الكتب والمصنفات، وأصبح الاعتماد على ما فيها من كتب.
المرحلة الثانية: وهي مرحلة ضبط المصنفات بعد مرحلة التدوين، وانقطاع مرحلة الرواية، فكما أبلى المحدثون بلاء حسنًا في المرحلة الأولى، فقد هيأ الله لهذه المرحلة من العلماء من وضع القواعد والمناهج التي تروى بها الكتب.
وكان المتقدمون من علماء المسلمين لا يعطون الاهتمام التام للكتاب، إلا إذا كان راويه الثقة الضابط العدل قد قرأه على مؤلفه، أو كان لديه سند متصل بقراءة الكتاب، وتلقاه من شيوخه عن شيوخهم إلى مؤلفه.
أما الكتاب الذي يجده العالم وجادة، ولم يسمعه من مؤلفه ولا له منه إجازة، فهو عندهم من قبيل الخبر المنقطع المرسل كما قرره علماء المصطلح، وقد منع الأخذَ منه معظمُ المحدثين والفقهاء من المتكلمين، وأجازه المتأخرون بشروط ضيقة؛ لتعذر شرط الرواية في الأعصار المتأخرة، وهذا منهم فيما يوثق بنسبته إلى مؤلفه، أما ما لا يوثق بنسبته فلا اعتداد به بالاتفاق (١).
وما هذا كله إلا ليكون النقل صحيحًا والتوثيق تامًّا، ولتأخذ الكلمة العلمية ثبوتها، وصحتها، وضبطها، وتاريخها، وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة على أوثق طريق؛ ولهذا قرروا القاعدة المشهورة في أول كتب آداب البحث والمناظرة وهي:
إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل.
أو كما قال ابن تيمية في كتابه: «مقدمة في أصول التفسير» (٢): العلم إما
_________________
(١) ينظر رسالة «الإسناد من الدين» لعبد الفتاح أبو غدة ص: ٣٠ - ٣٥.
(٢) ص: ٥٥.
[ ١ / ١٥ ]
نقل مُصَدَّق، وإما استدلال مُحَقَّق.
ونحن الآن أمام كتاب هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، بذل فيه مؤلفه قصارى جهده لانتقاء مجموعة من الأحاديث التي يرى أنها عنده من أصح الصحيح؛ وفقا لقواعد العلماء وجهابذة هذا الفن، بحيث يكفي الباحث الوقوف على الحديث في هذا الكتاب في الدلالة على صحة الحديث.
وهذا الكتاب هو: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه» لمؤلفه أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجعفي، المولود يوم الجمعة، بعد الصلاة، لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري، والمتوفى ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثةَ عشرَ يومًا، تغمده الله برحمته آمين (١).
ولذا توافد عليه العلماء صغارًا وكبارًا، للسماع وتلقي «الصحيح» منه.
ومما لا شك فيه أنه لم يعرف في تاريخ العلم والحضارة عبر القرون والأجيال، وفي تاريخ التأليف والتصنيف ما عرف عن كتاب «الجامع الصحيح» لمؤلفه محمد بن إسماعيل البخاري.
ولنظرة سريعة على التراث الضخم الذي اتصل بهذا الكتاب شرحًا واختصارًا، وغير ذلك مما تناول جانبًا من جوانب هذا الكتاب، ليدل دلالة قاطعة على مدى اعتناء الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، الذي رضيته أصحَّ كتاب
_________________
(١) لم أترجم للبخاري لأن مثله لا يُجهل لأهل هذا الشأن، وليس البخاري ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتبا كثيرة وافية. ومن أوفاها وأكبرها كتاب العلامة الشيخ عبد السلام المباركفوري المتوفى (١٣٤٢) هـ: «سيرة الإمام البخاري» وطبع قديمًا في مجلد، ثم طبع سنة ١٤٢٢ هـ في مجلدين، طبعته دار عالم الفوائد بمكة المكرمةـ.
[ ١ / ١٦ ]
بعد كتاب الله تعالى، وأوثقَ مصدر للحديث النبوي، وتلقيها له بالقبول، ولا يعرف كتاب من كتب البشر تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثلما تناولوا هذا الكتاب.
وقد كان الشرح والتعليق هو المجال العلميَّ الذي تظهر فيه عناية العلماء والمؤلفين في العصور القديمة، ومقياس اهتمامهم بأثر علمي، فكان أكثر الكتب شروحًا وتعليقًا، هو أعظمَ المؤلفات تقديرًا، وأعلاها منزلة، وأكثرَها شهرة، وكان أقلُّ الكتب شروحًا وتعليقًا، أخملَها ذكرًا وأقعدَها شهرة وصيتًا، ويبقى مغمورًا لا يسترعي انتباهًا ولا يثير اهتمامًا.
فإذا أخذ هذا المقياس الذي به تعرف مكانة الكتاب في القرون الماضية، حكمنا بأن «الجامع الصحيح» للبخاري قد فاز بالقدَح المعلى في هذا الميدان، واحتل الصدارة في مكتبتنا الإسلامية.
فقد بلغ عدد شروحه والتعليقات عليه مئاتِ المؤلفات، ثم يلي هذا المقياسَ شدةُ العكوف على دراسة الكتاب، والتهافت على روايته ونقله، والتنافس في حمله ونشره، وضمه إلى الصدور، والعض عليه بالنواجذ، وتوارث الأجيال في تلقيه جيلًا بعد جيل، وكابرًا عن كابر، وطبقةً عن طبقةٍ، حتى لا تعرف فترةٌ من الزمان نسج فيها عليه العنكبوت، وساد عليه الظلام وانقطعت روايته، وتوقفت دراسته، وقد تفرد «الجامع الصحيح» بهذه الميزة بعد كتاب الله تعالى، فقد رواه وأخذه عن مؤلفه أكثر من تسعين ألفًا من الرُّواة والحفاظ، وتسلسل نقله وروايته حتى انتهى هذا الكتاب إلى مؤلفه، وبلغ حد التواتر في شهرته وصحة نقله ونسبته إلى المؤلف، لا ينكر ذلك، ولا يشكك فيه إلا من تشكك في المتواترات والحقائق العلمية التي تثبت بالضرورة، ولا يزال هذا الكتاب موضع الاهتمام والعناية، وموضع التأمل والدراسة، في الحلقات العلمية والجامعات الإسلامية وغيرها في العالم.
[ ١ / ١٧ ]
ولقد خص هذا الكتاب بالإطباق على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والتحري في نقل الصحيح الثابت، والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهدين وأمانة النقلة والرواة، وأن المؤلف قد أفرغ فيه جهده، وراعى فيه أدقَّ الشروط التي عرفت في هذا الفن، والتزم فيه التزامات لم تعرف عن مؤلِّف في هذا الميدان، ثم ساعدته في ذلك الملكة الراسخة، التي لا يُرزَقُها إلا واضعو الفنون، والصيارفة الحذاق، الذين لا يعرفهم التاريخ إلا في أزمنة طويلة، وعلى مر القرون والأعصار، فيأتون بما يرزقهم الله من ثقوب النظر، وصحة الحدس، وسرعة الخاطر، وسلامة الفكر، والذوق السليم الذي لا يخطئ، ما لا يرزقه أقرانهم ونظراؤهم - على جلالة قدرهم وغزارة علمهم - فيأتون في هذه الفنون والمقاصد من الحكم الصحيح السريع، والوصول إلى الحقيقة، والاهتداء إلى الصواب بما يشبه الإلهام، وبما يخيل إلى كثير من الناس بأنه فوق الطاقة البشرية.
ومن الظلم والجهل بالحقائق، والتسرع في الحكم، والتقليد الأعمى، أن نخضع أمثال هؤلاء لهذه القواعد المرسومة المحدودة، التي جاءت في كتب من تأخر زمانه على زمانهم، ونزلت مكانته عن مكانتهم، فيؤخذ مثلًا كتاب «تهذيب الكمال» للحافظ المزي (٧٤٢) هـ، أو مختصراته للحافظ ابن حجر (٨٥٢) هـ، أو «ميزان الاعتدال» للحافظ الذَّهَبِيّ (٧٤٨) هـ - على فضل هذه الكتب وفضل مؤلفيها على المشتغلين بعلم الحديث - فيحكم على «الجامع الصحيح» للبخاري، أو «صحيح مسلم» رحمة الله عليهما، أو «الموطأ» للإمام مالك، فيعاد الأمر ويجدد النظر في هذه الكتب التي تلقتها الأمة بالقبول، وبلغ أصحابها إلى أقصى درجات التحقيق والدقة والتحري، وتشرح تشريح الأجسام، وتسلط عليها المقاييس المحدودة التي تقبل النقاش، ويتسع فيها مجال الكلام.
[ ١ / ١٨ ]
فهذا النوع من القسوة العلمية، والجفاف الفكري سيُحدث فوضى، تتزلزل بها أركان الدين، ويتورط المسلمون في اضطراب قد أغناهم الله عنه.
وليس اتفاق الأمة وعلمائها على أصحية البخاري وفضله على سائر الكتب مجرد اتفاق ومصادفة، ولا عن تواطؤ ومؤامرة، وقد أعاذ الله هذه الأمة التي اختارها لحمل دينه، وتبليغ رسالته من أن تكون فريسة غفلة، أو أن تجتمع على الضلال، بل كان ذلك إلهامًا من الله، ومكافأة على ما قام به مؤلف الكتاب من جهاد في سبيل حفظه للأحاديث النبوية، ثم تحقيقها، وتنقيحها، ومعرفة رجالها ورواتها، وكشف أستار الكذابين والوضاعين، وتمييز الضعفاء والمجروحين، ثم في نقلها ونشرها في الآفاق، وجمعها في مجموعة مهذبة منقحة بحسب الطاقة البشرية.
ولذلك يقول الحافظ ابن دقيق العيد في مقدمة كتابه «الاقتراح في فن الاصطلاح» وهو يذكر طرق توثيق الرواة:
ومنها: تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح للراوي، محتجين به.
وهذه درجة عالية، لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأُمَّةِ أو كلها على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.
وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمنزلة إطباق الأمة، أو أكثرها على تعديل من ذكر فيهما، وقد وجد فيها هؤلاء الرجال المخرج عنهم في الصحيح من تكلَّم فيه بعضهم.
وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المَقْدِسي (١) يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح: هذا جاز القَنْطَرَةَ. يعني بذلك أنه لا يُلتفتُ إلى ما قيل
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الفقيه المالكي شرف الدين، أبو الحسن علي بن المفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني، المتوفى سنة (٦١١) هـ له ترجمة في «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٩٠.
[ ١ / ١٩ ]
فيه، وهكذا نعتقد به ونقول، ولا نخرج عنه إلاَّ ببيان شافٍ وحجَّة ظاهرة، تزيد في غلبة الظنِّ على المعنى الذي قدَّمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما (١).
ويؤيد ذلك ما قاله ابن حجر (٨٥٢) هـ رحمه الله تعالى في الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال الصحيح: وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب «الصحيح» لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في «الصحيح»، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما (٢).
وقد هجر في سبيل ذلك راحته، وحظوظ بدنه، ومطالب نفسه، ونسي لذته، وغادر وطنه، واكتفى من الدنيا ببلغة عيش، وسداد رمق، ولقي في سبيله أذىً كثيرًا ومحنة وبلاءً، فكافأه الله على كل ذلك بأن قيض له أفواجًا من العلماء والأذكياء يخدمون كتابه بصنوف من الخدمة، وأنواع من الجهد لم يخطر ببال أي جماعة قبلهم، ولم تتيسر لكتاب بعد كتاب الله، وأشعل في قلوبهم حب هذا الكتاب والسهر على خدمته، حتى لم يشعروا بلذة إلا في شرحه، ونشره، وتحمله، وروايته، ولم يجدوا راحة إلا في تحقيقه وتنقيحه، حتى تكونت هذه المكتبة الواسعة الزاخرة التي لم توجد لكتاب بشري آخر.
وتلك سنة الله في خلقه، فلما حفظ البخاري سنة رسول الله - ﷺ -، وجاهد في سبيلها حق الجهاد، ووقف كل حياته وكل ما كان يملكه ويمتاز به
_________________
(١) «الاقتراح في فن الاصطلاح» في الباب السابع: في معرفة الثقات من الرواة ص: ٢٩ - ٣٠.
(٢) «هدي الساري» ص: ٣٨٤.
[ ١ / ٢٠ ]
له، تكفل الله بحفظ كتابه، وانتشاره، وبقائه، وازدهاره، واعتناء الأمة به اعتناءً لا مزيد عليه.
ومن جوانب العناية بهذا الكتاب روايته عن مؤلفه وإقبال آلاف العلماء من الأقطار المتباعدة لسماعه منه، ثم روايتهم له والحفاظ عليه حتى أيامنا هذه عبر حلقات من الرُّواة، بحيث لا يتطرق الشك إلى نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
ولقد كثر الرُّواة لهذا «الصحيح» في عهد مؤلفه، كثرةً لا يعلم عددها إلا الله تعالى.
وتميز من هؤلاء الرُّواة رواة انتسخوا لأنفسهم نسخًا من «الصحيح»، وأَولَوها عنايتهم من الدقه في النقل والمعارضة والسماع والضبط والتقييد؛ حتى اشتهرت بعض الروايات، وعن هذه الروايات أخذت في الطبقة التي تليهم نسخًا أخرى وهكذا.
ومع كثرة المشتغلين برواية «الجامع الصحيح» عبر العصور المختلفة، وتعرض الإنسان للنقص البشري الذي لا يصل به إلى حد الكمال، فقد تعددت الروايات؛ نظرًا لكثرة الرُّواة لهذا الكتاب، واعتراها ما جبل عليه الإنسان من النقص والتعرض للزلل، ووجود بعض الهفوات، وذلك نتيجة لأسباب كثيرة قد تعرضت لها بالتفصيل في هذه الرسالة.
لكن من تمام الحفظ لهذا الكتاب أن قيض له في كل عصر من العصور وزمن من الأزمان من يجمع شتات هذه الاختلافات، ويحررها، ويقارن بينها حتى يصل إلى وجه الصواب فيها؛ ولذا قد اشتهرت بعض النسخ في كل زمان، وشهرة هذه النسخ لجلالة قدر أصحابها، وعنايتهم بالصحيح فيها، ومدارستها، والمقارنة بينها، ووجود هذه الاختلافات، والاحتفاظ بها إلى زماننا هذا لهو من أكبر الأدلة على خدمة هذا الكتاب وصحة نصوصه
[ ١ / ٢١ ]
وتواترها إلى مؤلفه.
فكم من الكتب التي لا يعتنى بها، وإذا حاولت الوصول إلى نصها من خلال الوقوف على نسخة لها أعياك ذلك؛ وذلك لأن عوامل الزمان كفيلة بالقضاء على أهم الكنوز العلمية والمؤلفات الجامعة. وإنك لا تكاد تجد إطباق الأمة في كل مكان وفي كل زمان على قبول كتاب مثلما توفر لكتاب البخاري هذا، فما يلقى القبول في مكان؛ تجده يقل قبولًا في مكان آخر، وكذا ما تجده محل عناية العلماء في زمن من الأزمان تجد هذا الاهتمام يقل في وقت آخر، ومن تأمل النتاج العلمي على مر القرون الأربعة عشر الماضية تبين له أن شهرة كثير من الكتب وعناية العلماء بها كان محصورًا في زمان معين أو حدود مكانية معينة.
ومن تتبع عناية العلماء بـ «صحيح البخاري» تظهر له خاصية عجيبة جدًّا، وهي تطور نوع الاهتمام بالكتاب بدءًا من حياة المصنف حتى وقتنا هذا.
ففي عصر البخاري تتمثل خدمة الكتاب في المناقشات والتعقبات التي كانت تدور بين البخاري وبين شيوخه وأقرانه للوصول إلى قبول كل ما في الكتاب من مرويات، مما أفرز نوعًا من التأليف خاصًّا بهذا الكتاب في عصر المصنف أو بعده بقليل مثل: «استدراكات الدارقطني وإلزاماته» ثم الاستدراك على الصحيح الذي من شأنه إظهار شروط المصنف إبراز ملامح عمله والثمرات المترتبة عليه.
وبجانب ذلك اهتم العلماء برواية الكتاب مما نتح عنه شهرة بعض النسخ، وطواف العلماء بها شرقًا وغربًا في جميع البلاد الإسلامية، حيث لم يقتصر العلماء على رواية الكتاب جملة واحدة والتحديث به فقط، وإنما تعدى ذلك إلى اقتباس بعض الأحاديث ووضعها في مؤلفات خاصة كما فعل الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو البزار (٢٩٢) هـ في كتابه «البحر الزخار»
[ ١ / ٢٢ ]
المعروف بـ «مسند البزار» حيث روى جملة من الأحاديث عن البخاري وهي في «الصحيح».
كذلك فعل البيهقي حيث روى جملة من الأحاديث عن شيخه الحاكم أبي عبد الله بإسناده إلى البخاري، وغير ذلك من العلماء.
وظهرت أنواع كثيرة من المؤلفات تتناول جانبًا من جوانب الاستفادة من «الجامع الصحيح» وذلك بالشرح، أو الاختصار، أو كشف غريبه، أو ترجمة رجاله، أو بيان لطائفه، أو جمع أحاديثه أو أطرافه، وغير ذلك من الفنون الحديثية مما لا مجال هنا للتوسع فيه. ولا يزال حتى وقتنا هذا تجد الدراسات تتناول «الجامع الصحيح» من نواحي عدة.
وكان لجامعة الأزهر القدح المعلى في هذا الميدان وخاصة كلية أصول الدين بالقاهرة، متمثلة في قسم الحديث وعلومه، حيث أعد فيها كثير من الرسائل العلمية مما يتعلق بهذا الكتاب، فقد كانت رسالتي في الماجستير في تحقيق ودراسة جزء من كتاب «معرفة الصحابة من كتاب المستدرك على الصحيحين» وهو شديد الصلة بكتاب البخاري، وهيأ الله لي الأسباب بتمام النعمة علي بأن أسهم في خدمة هذا الكتاب الجليل.
وقد كانت فكرة تناول روايات ونسخ «الجامع الصحيح» للبخاري تراودني منذ زمن بعيد، خاصة وأن كثيرًا من الشراح وعلى رأسهم ابن حجر العسقلاني في كتابه «الفتح» دائمًا يحرص على ذكر هذه الروايات وتوجيه الاختلافات بينها.
وتجلى اهتمامي بهذا الموضوع خلال عملي بمشاركة الأستاذ خالد الرباط في الإشراف على تحقيق كتاب "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" للعلامة ابن الملقن، وذلك بمقر دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بالفيوم، بمعاونة نحو ثلاثين باحثًا، وقد طبع الكتاب بحمد الله في
وزارة الأوقاف القطرية، وطُبع طبعة ثانية في دار الفلاح.
[ ١ / ٢٣ ]
ولكن فكرة الرسالة كادت أن تزول بمجرد التفكير في خطورة هذا الأمر وجلالته، حتى شد من أزري أستاذي الأستاذ الدكتور / مصطفى محمد السيد أبو عمارة، وقد كان مشرفًا على رسالتي في التخصص «الماجستير»، وأخبرني بأن الموضوع مَحطُّ عنايته منذ زمن بعيد جدًّا، وحثني على إعداد دراسة عن هذا الموضوع، وعَرْضها عليه، وذلك بعد أن أعطاني ما تجمع لديه من دراسات ومظان لهذا الموضوع، وأحالني على كتاب «تاريخ التراث العربي» للأستاذ / فؤاد سزكين (١)،
فقد تناول في كتابه هذا جهود العلماء في تدوين السنة، وتحدث عن الإمام البخاري وكتابه «الصحيح» وأماكن وجوده
_________________
(١) فؤاد سزكين أستاذ جامعيّ تركي، وُلد بإسطنبول سنة (١٩٢٤ م)، والتحق بالجامعة عام ١٩٤٢ م. حصل على درجة «الماجستير» في قسم الشرقيات والرياضيات والدراسات الرومانية عام ١٩٤٧ م، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية والدراسات الإيرانية وفي الفلسفة عام ١٩٥٠ م. يقوم حاليًا بصفته أستاذًا لتاريخ العلوم الطبيعية بتدريس العلوم الطبيعية العربية والإسلامية في معهد تاريخ العلوم في فرانكفورت بألمانيا، وهو المعهد الوحيد في العالم الذي يُدرّس فيه تاريخ العلوم الطبيعية الإسلامية بجانب تواريخ العلوم للبيئات الأخرى. من إنتاجه العلمي بجانب مقالاته في العلوم الإسلامية: «تاريخ البلاغة العربية»؛ و«مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنَّى (تحقيق)؛ و«تاريخ التراث العربي الإسلامي» وهو مترجم إلى العربية؛ و«دراسات حول مصادر الجامع الصحيح للبخاري»؛ نال جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.
[ ١ / ٢٤ ]
في مكتبات العالم. والكتاب في أصله مكتوب بغير العربية، حيث ألفه فؤاد سزكين باللغة الألمانية، وصدرت النشرة الأولى للمجلد الأول من الكتاب مترجمًا إلى اللغة العربية سنة ١٩٧٧ م طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة د / محمود فهمي حجازي ود / فهمي أبو الفضل، ومما جاء فيما يتعلق بالحديث عن «صحيح البخاري» ما نصه:
وشهرة البخاري تقوم على كتابه «الجامع الصحيح» وقد درسنا هذا الكتاب دراسة ناقدة عميقة، اتضح لنا منها أن هذا الكتاب صادف حظًّا كبيرًا، وهناك بَوْن شاسع بين المكانة الرفيعة - التي زادت وتدعمت مع القرون التالية - والنقد اللاذع الحاد من بعض الشراح الموضوعيين، الذين وجب عليهم أن يفعلوا هذا أثناء شرحهم له في مواضع عديدة من النص.
ومما يدعو إلى العجب أن الأبحاث العلمية الحديثة التي يبدو أنها لم تعرف هذا على الإطلاق قد أخذت - دون نقد أو تمحيص - الصفات المنسوبة إلى الكتاب رغم أنها غير صحيحة (١).
ثم يقول: وبالنسبة للأسانيد فإن مصنف «الجامع الصحيح» للبخاري لا يرقى إلى الكمال، فالأسانيد ناقصة في حوالي ربع المادة، وقد أطلق على هذا الأمر ابتداء من القرن الرابع اسم: التعليق، وبهذا يفقد كتاب البخاري كثيرًا من شهرته بالجمع والشمول، أما البخاري نفسه فقد ثبت أنه ليس عالم الحديث الذي طور الإسناد إلى الكمال كما زعم كيتاني (٢)، بل هو أول من بدأ معه
_________________
(١) بنصه من «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٣، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة ١٩٧٧ م.
(٢) ليوني كيتاني Leone C.، مستشرق إيطالي مشهور، ولد في روما في ١٨٦٩ م وتخرج في جامعتها، وتعلم سبع لغات منها العربية والفارسية، تقلد سفارة بلاده في واشنطن، زار الهند وإيران ومصر وبلاد الشام، ألّف «حوليات الإسلام» في عشر مجلدات ضخمة، يعتمد عليه الكثيرمن المستشرقين في أبحاثهم حول الإسلام واهتم بالتاريخ الإسلامي عمومًا، ومات عام ١٩٣٥ م. ينظر: كتاب «المستشرقون» ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
[ ١ / ٢٥ ]
انهيار الإسناد (١).
ومن نظر في كلامه هذا تبين له بوضوح القدْح الصريح في مكانة الكتاب ومؤلفه، والرد على كلامه هذا قد قام به كثير من الباحثين الذين ألفوا في بيان شروط الصحيح.
غير أن الأستاذ / فؤاد سزكين اتجه في حديثه إلى التعريض بكتاب «الصحيح» - متأثرًا في ذلك بالثقافة التي احتك بها، والوسط الذي يعيش فيه - من ناحية أخرى، وهي التشكيك في نص «الصحيح» المتداول بين أيدينا، فأخذ يشير إلى روايات «الصحيح» ونسخه التي بين أيدينا فيقول:
وهذه النصوص المتداولة لابد أنها كانت مختلطة ومعقدة للغاية، حتى إن النسخ الأولى المنسوخة عنها تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، وعندما اقتصر الاشتغال في القرن السابع الهجري على اختلافات النص في إطار الروايات التي ترجع للنص المتداول للفربري، قام علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (ت ٧٠١ هـ - ١٣٠٢ م) بإعداد النص الذي بين أيدينا، ويبدو أن الروايات الأخرى قد ضاعت - للأسف - والنصوص التي وصلت إلينا ترجع في غالبيتها إلى تحرير اليونيني، وجزء منها يرجع إلى الأعمال السابقة على اليونيني، ولكنها تعود إلى روايات استمدت من رواية الفربري، وهي تقدم في قسم منها اختلافات لا تصلح - للأسف - لحل مشكلات النص (٢).
هكذا نص الأستاذ / فؤاد سزكين في طبعة الهيئة المصرية للكتاب، حتى ذكر لي الأستاذ الدكتور / مصطفى أبو عمارة أن هناك طبعة أخرى لهذا الكتاب
_________________
(١) بنصه من «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٤.
(٢) بنصه من كتاب «تاريخ التراث العربي» ١/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ١ / ٢٦ ]
يمكن أن يكون قد استدرك فيه ما نسب إليه في هذه الطبعة، وخاصة أن الترجمة أحيانًا تكون غير معبرة عن حقيقة قصد المؤلف باللغة المترجم منها، وهذه الطبعة صدرت سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م، وأشرفت على طباعتها إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية. فرجعت إليها بعد أن منّ الله عليّ بالحصول على نسخة منها، فوجدت النص قد تغير تمامًا بالنسبة للنصين الأول والثاني اللذين سبق نقلهما، بينما لم يتغير النص الثالث الذي يتعلق بروايات «الصحيح» (١).
وتعجبت في بداية الأمر من اختلاف الطبعتين حتى وقفت على مقدمة الطبعة الثانية، وذكر فيها فؤاد سزكين ردود الأفعال عن كتابته في الطبعة الأولى مما يتعلق بالبخاري وكتابه «الصحيح» وقبوله لمراجعات بعض المختصين في ذلك من العرب، مما يعني أن ما جاء في طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب كانت عن قصد، وتعبيرًا عما يعتقده في البخاري وكتابه، وخاصة أنه يتحدث بالعربية وإن ألف بالألمانية والتركية (٢).
ولكن يبقى الإشكال مطروحًا فيما كتبه عن روايات البخاري، حيث لم يغير فيه شيئًا، ولم يكن التعرض للحديث عن روايات «الجامع الصحيح» ونسخه في هذا الموضع فقط، بل ذكر في حاشية الطبعة الثانية لكتابه «تاريخ التراث» أن له دراسة أخرى عن «صحيح البخاري» وهي منشورة باللغة التركية، وقد لخص فيها موضوعه ومنهجه في مقدمة الكتاب، وهذه المقدمة باللغة الإنجليزية تبدأ من الصفحة التاسعة إلى الصفحة السادسة عشرة، وقد أُلحقت ترجمة هذه المقدمة باللغة العربية في هامش الطبعة الثانية من «تاريخ التراث العربي».
_________________
(١) وهذه النقول في المجلد الأول من طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود من ص: ٢٢٠ - ٢٢٧.
(٢) ينظر مقدمته للطبعة الثانية ١/ ٨ - ٩.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد تناول في هذه الدراسة الحديث عن مصادر البخاري في «الصحيح» هل هي مصادر شفوية أم اعتمد على مصادر مكتوبة قبله؟ انطلاقًا من اقتباساته اللغوية الواردة في مواضع مختلفة في «الصحيح» ونقوله في كتاب التفسير عن بعض المصنفات التي ألفت في غريب القرآن أو الحديث.
وبعد أن تعرض للمصادر العامة للبخاري ثم المصادر اللغوية اتجهت دراسته إلى روايات «الصحيح» نفسها التي انتقلت إلى الأجيال التالية فيقول: إن كتاب البخاري من وجهة نظر أصحاب الروايات كان موضوع دراسة ممتعة، هناك أسباب عديدة للاعتقاد بأن بعض الصعوبات في النص المنسوب إلى رواية الفربري كانت موضع عناية، على الرغم من فروق النسخ في القراءات المختلفة.
ولابد من القول بأن هذه الرواية اختيار مرجوح في المقام الأول، وهناك أيضًا رواية النَّسفي، ونعرف امتيازها عن طريق الأقسام المختلفة التي وصلت إلينا منها في الشروح، وعلى الرغم من كل الجهود فإنه من غير الممكن أن نصل إلى نسخة من «الجامع الصحيح» تقوم على هذه الرواية، فإذا ما توصلنا إلى نسخة منها، فإنا على ثقة من أن المشكلات الموجودة في النص المتاح لـ «صحيح البخاري» أو بعضها على أقل تقدير يمكن أن تتضح (١).
قلت: إن تناول روايات «الجامع الصحيح» ونسخه، وبيان الأسباب التي أدت إلى ذلك، وصور هذه الاختلافات، وبيان النتائج التي ترتبت على هذه الاختلافات، والعوامل المساعدة في توجيه هذه الاختلافات أصبح ضرورة ملحة في أعناق المختصين بعلم الحديث النبوي الشريف في هذا العصر؛ للرد على كثير من المشكلات الملحة التي تدور بأذهان الدارسين لتاريخ «صحيح
_________________
(١) ينظر هامش ص: ٢٢١ - ٢٢٥ من ج١ من «تاريخ التراث» طـ جامعة الإمام محمد بن سعود.
[ ١ / ٢٨ ]
البخاري» والتعرض لشرح بعض نصوصه.
ولقد كان للمحدثين القدامى السبق في بيان هذه الاختلافات والتوجيه بينها، وذلك في أثناء الشروح التي ألفت لشرح «الصحيح» كما سيأتي في هذه الرسالة كما ألفت بعض المباحث والأقسام في بعض الكتب التي اهتمت بهذا الجانب أيضًا، ولكن المكتبة الحديثية المعاصرة تفتقر إلى تناول بعض هذه القضايا من منظور آخر، وهو جمع شتات ما تفرق من هذه المباحث في المؤلفات الكبيرة مع التركيز على أسباب ذلك والنتائج التي ترتبت على ذلك، وذلك في إطار دراسة هذه الظاهرة من حيث أنها مظهر من مظاهر عناية الأمة بهذا الكتاب، مع إلقاء الضوء على هذه الروايات، والتعريف بأصحابها، ووصف هذه النسخ، ومحاولة الوقوف على مظان هذه الروايات والنسخ مع التركيز على أهم هذه الروايات من أجل الوصول إلى نص «الصحيح» كما وضعه مؤلفه رحمه الله تعالى.
وتناول هذه القضايا من هذا المنطلق منزلق خطير ينبغي الإعداد له جيدًا، والتزود بالإمكانيات المادية والعقلية التي تساعد على ذلك، وهو فوق طاقة فرد أو باحث، وإنما يحتاج إلى جهة بحثية لتبني مثل هذه الأمور.
وقد يكون هذا الأمر سببًا في عدم إقبال الكثير من الدارسين أو المعنيين بدراسة الحديث إلى الكتابة في هذا الموضوع؛ لأنه يحتاج إلى خبرة معينة في تاريخ النسخ والمخطوطات، وتتبع أماكن نوادر المخطوطات في مكتبات العالم، وإجادة تقييم هذه النسخ، ومعرفة قيمتها الزمنية، كما أنه يحتاج إلى عناية تامة بـ «صحيح البخاري» وذلك من خلال الوقوف على منهج البخاري في تأليف هذا الكتاب وطريقة التحديث به.
لذا حينما وقفت على بعض ما كتب في هذا الميدان وجدتها دراساتٍ نظريةً تفتقر إلى التطبيق العملي، مما يجعل الباحث يستمد معلوماته من أقوال
[ ١ / ٢٩ ]
من سبقه، دون محاولة التعرض لإخضاع هذه النقول للمجال التطبيقي على بعض النصوص، أو تتبع وصف هذه النسخ والروايات من خلال تتبع واستقراء لعدد معين من الكتب وغير ذلك.
كل ما سبق وغيره من اهتمام العلماء قديمًا وحديثًا بهذا الموضوع جعلني أفكر في هذا الموضوع والكتابة فيه، وهذا ملخص لأهم الدوافع لاختيار هذا الموضوع:
١ - أهمية الموضوع في إضافة دراسة تتعلق بتاريخ أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
٢ - أن كل الدراسات التي كتبت تتمثل في مباحثَ صغيرةٍ تشكل بعض الجوانب فقط.
٣ - إظهار عناية الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، ويتمثل ذلك في روايته وضبط كلماته وحروفه.
٤ - بيان مناهج المحدثين، وسبقهم غيرهم في وضع الضوابط التي تكفل ضبط الكتاب حين تقييده ومراجعته ووضع ضوابط للمقابلة والتصحيح، وغير ذلك.
٥ - التعريف برواة البخاري، وتمييز كل طبقة بحيث لا تلتبس بغيرها من الطبقات.
٦ - بيان أهم الروايات في كل طبقة التي عول عليها العلماء وحرصوا على روايتها.
٧ - بيان عناية المشارقة والمغاربة وجهودهم في هذا الميدان، والوقوف على أشهر الروايات عند كل منهما.
٨ - الوقوف على الأسباب التي أدت إلى الاختلافات بين النسخ.
٩ - الوقوف على صور هذه الاختلافات وأهم النتائج التي ترتبت على
[ ١ / ٣٠ ]
ذلك.
١٠ - محاولة وضع منهج للوصول إلى نص «صحيح البخاري» تتمييز الروايات فيه ويفصل بينها.
١١ - بيان بعض الأخطاء التي وقع فيها العلماء؛ نتيجة لتجاهل هذه الفروق بين النسخ.
١٢ - التعريف بجهود شراح «الصحيح» وبيان الروايات التي اعتمدوا عليها في شروحهم.
وغير ذلك من الدوافع.
[ ١ / ٣١ ]
وعنوان هذه الرسالة هو:
(الاختلاف بين روايات «الجامع الصحيح» ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)
وقد اشتملت هذه الرسالة على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة ثم الفهارس العلمية.
المقدمة: أتكلم فيها عن منزله السنة، وعناية الأمة بها، ومنزلة السند وبيان أهميته، وبيان دوافع اختيار الموضوع، ثم الخطة العامة، وتوضيح مصطلحات العنوان، وأهم الأدوات المساعدة في ذلك، وأهم الدراسات التي تناولت هذا الموضوع من قبل.
أما التمهيد: «عناية المحدثين بضبط المرويات»
وذلك من خلال محورين:
المحور الأول: وضع المحدثين ضوابط وآدابًا لتحمل الرواية (التحمل والأداء).
المحور الثاني: وضع المحدثين ضوابط لضبط الكتاب وتقييده والحفاظ عليه.
والباب الأول: «طبقات الرُّواة عن البخاري»
ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول.
أما التمهيد أتكلم فيه عن عناية البخاري بكتابه والتحديث به.
والفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ»،
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: رواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (٢٩٥) هـ
المبحث الثاني: رواية حماد بن شاكر النَّسفي (٣١١) هـ
المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ. (٢٣١ - ٣٢٠) هـ.
المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.
[ ١ / ٣٢ ]
رواية أبي طلحة البزدوي (٣٢٩) هـ
رِواية أبي عبد الله المحاملي (٣٣٠) هـ
الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ»
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (٣٥٣) هـ
المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ
المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوي (٣٨١) هـ
المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ
المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري
٦ - رِواية أحمد بن عبد الله الفَرَبْريّ «حفيد الفَرَبْريّ» (٣٧١) هـ.
٧ - رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (٣٧٣) هـ.
٨ - رِواية ابن شبويه (٣٧٨) هـ.
٩ - رِواية النُّعَيميّ (٣٨٦) هـ.
١٠ - رِواية الإشتيخني (٣٨٨) هـ.
١١ - رِواية الكُشّانيّ (٣٩١) هـ.
١٢ - رِواية الأخسيكثي.
١٣ - رِواية محمد بن خالد الفَرَبْريّ.
الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري»
ويتكون من أربعة مباحث.
المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ.
المبحث الثاني: رِواية الأصيِلي (٣٩٢) هـ.
[ ١ / ٣٣ ]
المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (٥٥٣) هـ
المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ.
الباب الثاني: «الاختلاف بين الروايات»
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: صور هذه الاختلافات
الفصل الثاني: أسباب هذه الاختلافات ..
الفصل الثالث: نتائج هذه الاختلافات.
الفصل الرابع: وسائل التوجيه بين هذه الاختلافات.
الباب الثالث: عناية الأمة بضبط هذه الاختلافات
وفيه ثلاثة فصول.
أما الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح:
المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ
المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.
المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية» وما يتعلق بها.
والفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح
وفيه ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات التي اشتهرت عندهم من الصحيح.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي (٤٥٤ - ٥١٤) هـ:
ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.
[ ١ / ٣٤ ]
المبحث الثالث: نسخة أبي عمران موسى ابن سعادة (٥٢٢) هـ
ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.
الفصل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات.
ويتكون من تمهيد ومبحثين:
أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
- «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ.
- «إرشاد الساري» للقسطلاني (٩٢٣) هـ.
- شروح أخرى تذكر إجمالًا.
«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٤٤٩) هـ
«التلخيص» للإمام النووي (٦٧٦) هـ
«الكواكب الدراري» للكرماني (٧٨٦) هـ
«فتح الباري» لابن رجب الحنبلي (٧٩٥) هـ
«التوضيح» لابن الملقن (٨٠٤) هـ
«عمدة القاري» للعيني (٨٥٥) هـ
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.
- كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (٥٤٤) هـ.
- كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني (٤٩٨) هـ.
- كتاب «مطالع الأنوار» لابن قرقول (٥٦٩) هـ.
- أهم النتائج والتوصيات.
- الخاتمة: وهي في كيفية الوصول لنص صحيح لصحيح البخاري.
- الفهارس العلمية.
[ ١ / ٣٥ ]
١ - الاختلاف
حول ألفاظ عنوان الرسالة
قبل الخوض في مباحث هذه الموضوع يجب تحديد ألفاظ عنوانه
والعنوان الذي اخترته للتعبير عن أهداف هذا الموضوع يشتمل على عدة ألفاظ ينبغي تحديد معناها وهي: الاختلاف - الرواية - النسخة - الجامع الصحيح.
١ - الاختلاف: قال ابن فارس: الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة:
أحدها: أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه.
والثاني: خلاف قدَّام، والثالث: التغير وأما قولهم: اختلف الناس في كذا، والناس خِلْفَة أي مختلفون فمن الباب الأول، لأن كل واحد منهم يُنَحَّي قول صاحبه، ويقيم نفسه مقام الذي نحاه (١).
وقال ابن سِيده: تَخالف الأمران واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف، وقوله ﷿: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي حال اختلاف أُكُله
والخلاف: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافًا
وخالفه إلى الشيء عصاه إليه، أو قصده بعدما نهاه عنه (٢).
وقال الجرجاني: الخلاف: منازعة تجري بين المتعارضين، لتحقيق حق أو لإبطال باطل (٣).
وقال ابن منظور: يقال: القوم خِلْفةٌ: أي مختلفون، وهما خلفان: أي
_________________
(١) «مقاييس اللغة» ٢/ ٢١٣ مادة خلف.
(٢) «المحكم» ٥/ ١٢٣ مادة خلف
(٣) «التعريقات» ص: ١٠١.
[ ١ / ٣٦ ]
مختلفان (١).
واختلاف الرُّواة أن يروي أحدهم أو بعضهم غير ما يروي باقي الرُّواة.
واختلافهم هذا قد يكون عن مصدر الحديث، وهو النبي - ﷺ - فيقال: اختلف فيه الصحابة رضوان الله عليهم.
وقد يكون عن مدار الحديث بأن يكون في مَن فوق الصحابي، فيقال: اختلف فيه على فلان، أو اختلف فيه فلان وفلان عن الأعمش مثلًا.
وقد يكون الاختلاف عن المصدر ويكون هو سببَ الاختلاف، فهو يرويه مرة موصولًا مثلًا، ثم يرويه بعد ذلك مرسلة وغير ذلك.
وكما يكون الاختلاف على الراوي أو مصدر الحديث يكون الاختلاف على مصنف كتاب من الكتب الحديثية أو غيرها من الفنون، كما يكون الاختلاف عن إمام من الأئمة في الفتوى مثل الأئمة الأربعة أو غيرهم.
وقد يزاد الخلاف أكثر من ذلك فيأتي الاختلاف عن الرُّواة ثم عن الرُّواة عنهم إلى آخره.
ومما يجب ملاحظته هنا أن العلماء لم يعتبروا الاختلاف في الحديث أو الراوي قدحًا في الروايتين باطراد.
فمن الاختلاف ما لا يقدح في الصحة، ولا يؤثر في إعلال الحديث، حيث يكون الاختلاف في الألفاظ أو الأسانيد بما لا يحيل المعنى.
ومن تتبع إطلاق العلماء للفظ الاختلاف يجده يطلق أيضًا على ما ظاهره التعارض، ويزول بإمعان الفكر وإزالة الإشكال، ولذا تجد الإمام الشافعي يؤلف كتابه «اختلاف الحديث» وابن قتيبة الدينوري يؤلف كتابه «تأويل مختلف الحديث» وغيرهما من العلماء، ويذكرون جملة من الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع سلامتها في الأصل وصحتها.
_________________
(١) «لسان العرب» ٢/ ١٢٤٠ مادة: خلف.
[ ١ / ٣٧ ]
٢ - الرواية
ويتجلى ذلك الأمر حتى يعتبر المحدثون هذا النوع من التصنيف علمًا برأسه، فترى في أنواع الحديث ما يسمى بعلم مختلف الحديث.
ومباحث اختلاف الروايات سواء أكان ذلك في طرق الحديث، أم الرُّواة عن المصنف، يقابل عند الأصوليين مباحث التعارض والترجيح بين الأدلة.
وإذا كان هناك كثيرٌ من مسالك الترجيح بين الروايات أو النسخ عند المحدثين، فإن هناك كثيرًا من مسالك الجمع أو الترجيح عند الأصوليين لا يسوع إعمالها عند المحدثين، فمثلا إذا جاز إعمال النسخ الذي هو إزالة أحد الحكمين للآخر في الأدلة، فإنه لا يمكن إعماله كمسلك من مسالك إزالة الاختلاف بين الراويتين.
٢ - الرواية: قال الأزهري: روى فلان حديثًا وشعرًا يرويه روايةً، فهو راوٍ، فإذا كثرت روايته، قيل: هو راوية، الهاء للمبالغة في صفة الرواية، ويقال: روّى فلانٌ فلانًا شعرًا؛ إذا رواه له حتى حفظه للرواية عنه (١).
وقال ابن فارس: الراء والواو والياء أصل واحد، ثم يشتق منه، فالأصل ما كان خلاف العطش، ثم يصرف الكلام لحامل ما يروى منه، فالأصل رويت من الماء ريًّا.
وقال الأصمعي: رويت على أهلى أروي ريًّا، وهو راوٍ من قومٍ رواةٍ، وهم الذين يأتونهم بالماء، فالأصل هذا، ثم شبه الذي يأتي القوم بعلم أو خبر فيرويه، كأنه أتاهم يريهم من ذلك (٢).
وقال ابن منظور: رَوَّيتُه الشعر تَرْوِيةً أي حملته على روايته، وأرويته أيضًا وتقول: أَنشِد القصيدة يا هذا، ولا تقل اروها، إلا أن تأمره بروايتها، أي:
_________________
(١) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٤٩٣ مادة: روى.
(٢) «مقاييس اللغة» ٢/ ٤٥٣ مادة: الراء والواو وما يثلثهما، و«مجمل اللغة» ١/ ٤٣ مادة: روى.
[ ١ / ٣٨ ]
باستظهارها (١).
فالرواية في اللغة تشمل الشعر والحديث وغيرهما.
أما عند المحدثين: فيقال: رواية الحديث ويقصد به أداء الحديث، بعد تحمله بوجه من وجوه التحمل، وضبطه، وتحرير ألفاظه، سواء كان الحديث مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، أم موقوفًا، أم مقطوعًا.
وقد اشتهر بين العلماء تقسيم الحديث إلى قسمين:
علم الحديث رواية: وهو ما يقصد به التعريف السابق
وعلم الحديث دراية: ويقصد بالدراية الفقه ويقصد بها أيضًا: علوم الحديث التي يُميز بها بين الصحيح والسقيم وما يتبع ذلك.
وأول من أشار إلى ذلك الرامهرمزي (٣٦٠) هـ في كتابه «المحدث الفاصل» وتبعه بعد ذلك من جاء بعده من المحدثين.
وتوجد استعمالات أخرى عند المحدثين للفظة الرواية ومنها:
١ - إضافة الرواية إلى راويها من الصحابة، أو ممن تدور عليهم الأسانيد، أو ممن تدور عليهم الوجوه والطرق، أو من أصحاب الكتب، أو من الرُّواة عن أصحاب الكتب، فيقال مثلًا:
رواية أبي هريرة، ورواية المدنيين، ورواية الزهري، ورواية مالك عن الزهري، ورواية البخاري، ورواية الفربري عن البخاري إلى غير ذلك.
٢ - إضافة الرواية إلى المروي، حيث تضاف الرواية إلى أمر في المتن، كقولهم: رواية التسبيع أو رواية التثليث في حديث ولوغ الكلب في الإناء.
٣ - إضافة الرواية إلى نوعها.
حيث تضاف الرواية إلى النوع الذي تضاف إليه من أنواع الحديث، كقولهم: رواية الوصل، أو رواية الإرسال، أو رواية الوقف وغير ذلك.
_________________
(١) «اللسان» ٣/ ١٧٨٦ مادة: روى.
[ ١ / ٣٩ ]
٣ - النسخة
٤ - وقد تذكر بدون إضافة فيقال مثلًا: وفي رواية كذا وكذا.
واستعمال المحدثين لإضافة لفظ الرواية إلى شيء مما ذكر، أو بدون إضافة، يكون ذلك في مقابلة رواية بأخرى من نفس النوع المضاف إليه، دون ما ينفرد به راويه.
ولأئمة القراءات مصطلحات تشبه اصطلاحات المحدثين.
يقول العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي (١١١٧) هـ:
واعلم أن الخلاف إما أن يكون للشيخ كنافع، أو للراوي عنه كقالون، أو للراوي عن الراوي وإن سفل كأبي نشيط عن قالون، والقزاز عن أبي نشيط، أو لم يكن كذلك.
فإن كان للشيخ بكماله، أي مما اجتمعت عليه الروايات والطرق عنه فقراءة.
وإن كان للراوي عن الشيخ فرواية، وإن كان لمن بعد الرُّواة وإن سفل فطريق، وما كان على غير هذه الصفة، مما هو راجع إلى تخيير القارئ فيه فهو وجه (١).
والذي يهمنا من كل ما سبق هو إطلاق المحدثين لفظ الرواية على المروي من الكتب، وقد اشتهر هذا الإطلاق بعد القرن الثالث حيث أصبحت عناية المحدثين مركزةً على رواية المصنفات وضبطها، فأصبحت المصنفات تقوم مقام الروايات قبل التصنيف.
٣ - النسخة: النسخ في أصله اللغوي يدور في معانيه على: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو.
_________________
(١) «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» للبنا الدمياطي ص: ٢٦، نقلا عن كتاب «معرفة مدار الإسناد» لمؤلفه محمد مجير الخطيب ١/ ١٦٢ - ١٦٤.
[ ١ / ٤٠ ]
والنسخ: اكتتابك كتابًا عن كتاب، حرفًا بحرف، تقول: نسخته وانتسخته، فالأصل نسخة والمكتوب منه نسخة، لأنه قام مقامه، والكاتب ناسخ ومنتسخ (١).
وأضاف ابن منظور معنى آخر في معاني النسخ حيث يقول: (٢) نسخ الشيء ينسخه نسخًا وانتسخه، واستنسخه: اكتتبه عن معارضة ا. هـ.
ولقد ذكرت كلمة النسخة عند المحدثين القدامى وأطلقوها على مجموعة الأحاديث التي تروى بإسناد واحد، وهي عندهم مرادفة للصحيفة.
كما يقال عن صحيفة همام بن منبه، فقد أطلق عليها بعض المحدثين نسخة همام ابن منبه، وهي التي رواها عن أبي هريرة، كما قيل ذلك في الأحاديث التي رواها عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده فقالوا: نسخة عمرو بن شعيب.
قال الخطيب (٤٦٣) هـ في كتابه «الكفاية» وقد عقد بابًا بعنوان: باب ما جاء في تفريق النسخة المدرجة وتحديد الإسناد المذكور في أولها لمتونها قال: لأصحاب الحديث نسخ مشهورة، كل نسخة منها تشتمل على أحاديثَ كثيرةٍ، يذكر الراوي إسناد النسخة في المتن الأول منها، ثم يقول فيما بعده وبإسناده إلى آخرها.
فمنها نسخة يرويها أبو اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة.
ونسخة أخرى عند أبي اليمان، عن شعيب أيضًا عن نافع عن ابن عمر.
ونسخة عند يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء بن
_________________
(١) ينظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٥٥٨ مادة نسخ، و«مقاييس اللغة» لابن فارس ٥/ ٤٢٤، ٤٢٥ مادة: نسخ.
(٢) «اللسان» ٧/ ٤٤٠٧، مادة نسخ.
[ ١ / ٤١ ]
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ونسخة عند عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، وسوى هذا نسخ يطول ذكرها (١).
وبعد استقرار الأحاديث في بطون الكتب في القرن الثالث الهجري، أطلق العلماء اسم النسخ على روايات الكتب، فيقال مثلًا: نسخة أبي ذر الهروي، ونسخة أبي على الصدفي، ونسخة اليونيني، ونسخة ابن سعادة، وهكذا.
ومن الملاحظ أن العلماء غالبًا لا يطلقون هذا اللفظ على نسخة أو رواية إلا إذا ظهرت عناية صاحب هذه النسخة بها، وليس مجرد رواية الكتاب تطلق عليها نسخة، فكل نسخة رواية، وليس العكس فصاحب كل نسخة هو في الأصل راوٍ لها.
ولذا نجد النسخ يطلق عليها أحيانا رواية فيقال: رواية أبي ذر الهروي، ورواية ابن سعادة، ورواية اليونيني وهكذا.
_________________
(١) «الكفاية في علم الرواية» ص: ٣٢١.
[ ١ / ٤٢ ]
الاختلاف في تسمية «صحيح البخاري»
مما لا يخفى على أحد أن عناية المؤلفين واختيارهم لوضع أسماء كتبهم المعبرة عن مضمونها ومحتواها يحتل من اهتمامهم المقام الأول؛ لأن عنوان الكتاب هو الدال على ما فيه.
فبعنوان الكتاب يعرف من ينظر إليه موقع هذا الكتاب من العلم الذي ألف فيه.
ولذا كان العلماء لهم عناية شديدة بصياغة عنوان الكتاب؛ ليكون دالا بدقة واستيعاب على ما يدخل فيه وما لا يدخل، فهو في كثير من الأحوال يصاغ صياغة التعريف، فيكون جامعًا مانعا كما هو شأن التعريف إذا كان دقيقًا.
ومما يصدق عليه القول في ذلك كتاب الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى؛ حيث قد اختار لكتابه اسمًا عرف منه شرطه في كتابه ومنهجه فيه، ولذا استلزم ذلك أن يكون الاسم طويلًا، ولذا وقع الاختصار في بعض أجزائه مما يترتب عليه الإخلال بما قصده البخاري.
ولذا فمن أهم الأشياء التي ينبغي التحقق منها ونحن نتناول «صحيح البخاري» رحمه الله تعالى، بشيء من الدراسة، هو التحقيق في ألفاظ اسم «صحيح البخاري».
ولا يمنع ذلك من اختصار الاسم بما يدل على تميزه عن غيره من الكتب التي ألفت في هذا المجال فنقول مثلًا: «صحيح البخاري» أو «الجامع الصحيح»، أو غير ذلك، فقد ثبت عن البخاري نفسه اختصار اسم «الصحيح».
وإنما أعني بالتحقق في اسم الكتاب عندما يساق الاسم ويراد به اسم المصنف كما ذكره مؤلفه، وهذا عادة ما يكون في الفهارس والأثبات
[ ١ / ٤٣ ]
والمعاجم والمشيخات (١)، ويكون أيضًا في مقدمات الشروح أو المختصرات للكتاب، أو غير ذلك.
ولذلك حينما نتناول التحقيق في اسم «صحيح البخاري» ينبغي تتبع هذه الكتب، وبعد الرجوع إلى المتاح لي من هذه الكتب يمكن تصوير الاختلاف في اسم «الصحيح» في النقاط التالية.
١ - أشمل وأتم ما وقفت عليه وأرجح ما قيل هو أن اسمه: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه».
وهذا الاسم بهذه الكلمات وبهذا الترتيب ذكره جمع من العلماء منهم:
أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (٣٩٨) هـ في أوائل كتابه «رجال صحيح البخاري» (٢).
والحافظ أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي (٥٧٥) هـ في كتابه «فهرسة ما رواه عن شيوخه» (٣).
والعلامة أبو عمرو ابن الصلاح (٦٤٣) هـ في كتابه المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» (٤) وشيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي (٦٧٦) هـ في مقدمته للقطعة التي شرحها من «صحيح البخاري» المسمى بـ «التلخيص» (٥) وفي أول كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» (٦).
_________________
(١) المشيخات: هي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم أو أجازوه وإن لم يلقهم. الرسالة المسطرفة: ١/ ١٤١
(٢) ١/ ٢٤.
(٣) ص: ٩٤.
(٤) ص: ١٦٧ ط. د / عائشة
(٥) ١/ ٢١٣
(٦) ١/ ٧٣
[ ١ / ٤٤ ]
وأبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتي الأندلسي (٧٢١) هـ في كتابه «إفادة النصيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح» (١).
والعلامة سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن (٨٠٤) هـ في مقدمة شرحه لـ «صحيح البخاري» المسمى بـ «التوضيح» (٢).
والعلامة بدر الدين محمد بن محمود العيني (٨٥٥) هـ في مقدمة شرحه «عمدة القاري» (٣) والإمام جلال الدين السيوطي (٩١١) هـ في أول شرحه للصحيح المسمى بـ «التوشيح» (٤) فهذا العنوان كما سقته وبهذا الترتيب ذكره كل من تقدم وهو الأرجح عندي، والله أعلم بالصواب.
وذكره القاسم بن يوسف التجيبي السبتي (٧٣٠) هـ في «برنامجه» (٥) بتقديم كلمة (المختصر) فذكرها بعد كلمة الجامع هكذا: «الجامع المختصر المسند الصحيح ..».
٢ - لفظ: «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه».
بدون ذكر كلمة: (المختصر)، وكلمة: (حديث) بدلا من كلمة: (أمور).
وهو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ في مقدمة شرحه «فتح الباري».
ووجد هكذا مكتوبا على ظهر الورقة الأولى من نسخة أبى زيد المروزي ت (٣٧١) هـ عن الفربرى عن البخاري، وهذه النسخة تعتبر أقدم قطعة معروفة
_________________
(١) ص: ١٦.
(٢) ٢/ ٢٦.
(٣) ١/ ٥.
(٤) ١/ ٤٣.
(٥) ص: ٦٨.
[ ١ / ٤٥ ]
حتى الآن من «صحيح البخاري» حيث كتبت في حدود سنة (٣٧٠) هـ أي قبل وفاة صاحبها بسنة على الأقل، وسوف يأتي مزيد تفصيل لهذه الرواية.
وذكر الأستاذ محمد المنوني في بحث له بعنوان «صحيح البخاري في الدراسات المغربية» (١) أن في مكتبة الأحمدية بفاس نسخةً من «الصحيح» تنسب إلى رواية ابن الحطيئة عن أبى ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة، وقد كتب على أول الجزء الثاني منها ما نصه: الجزء الثاني من «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه - ﷺ - وأيامه». بمثل ما جاء عند ابن حجر في المقدمة.
وابن الحطيئة المذكور هذا اسمه: أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي الفاسى ساكن مصر والمتوفى بها في سنة (٥٦٠) هـ (٢).
وجاء أيضًا مكتوبا على ظهر نسخة أبي على الصدفي (٣).
ونسخة أبى على الصدفي هذه لها قيمة كبيرة وسيأتي الحديث عنها تفصيلًا.
ويتناول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في جزء صغير بعنوان: (تحقيق اسمي الصحيحين وجامع الترمذي) الكلام على اسم «صحيح البخاري» ويرجح القول باللفظ الأول الذي سقته سابقًا، ونقله عن بعض من ذكرتهم ممن نقل عنهم اسم «الصحيح»، ونقل عن ابن حجر ﵀ ما نقلته عنه ثم قال: فالاسم الذي أورده الحافظ ابن حجر فيه قصور شديد والدقة والتمام فيما
_________________
(١) ص: ١٤٢.
(٢) ينظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان ١/ ١٧٠ - ١٧١.
(٣) فيما ذكره الدكتور عبد الهادي التازي في مقاله المنشور في مجلة معهد المخطوطات بعنوان «صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي»، ص: ٣٦ من العدد التاسع عشر المنشور في سنة ١٩٧٣ الجزء الأول.
[ ١ / ٤٦ ]
ذكره الآخرون .. ثم قال: والظاهر أن الحافظ رحمه الله تعالى كتب هذا الاسم في حال شغل خاطر فإنه إمام ضابط حاذق دقيق جدًا اهـ (١).
قلت (الباحث): صنيع ابن حجر هذا ليس ذهولًا منه عما قيل عند غيره، وإنما قصد ما ذكر، وذلك يتبين بوضوح بعد ورود هذا الاسم على ظهر ثلاث نسخ مخطوطة، كل واحده منها تتمتع بالدرجة العالية في الصحة والإتقان.
وأما عن اختصار العنوان عند بعض العلماء فمنهم من أسقط كلمة (المسند) وكلمة (سننه) كما جاء عند الإمام القاضي أبى محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي المتوفى في حدود سنة (٥٤١) هـ وذلك في كتابه المسمى «فهرس ابن عطية» (٢) فصار هكذا «الجامع الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وأيامه» (٣).
ومن العجيب أن هذا الاسم كما وصف لم يثبت على طبعات «الصحيح» التي وقفت عليها، وحقه أن يثبت على وجه كل جزء ليدل على مضمونه بالاسم الذي سمَّى مؤلفه به هذا الكتاب.
والاسم الذي اختاره البخاري لكتابه على كل هذه الروايات فيه طول غير مألوف في أسماء الكتب، وليس من السهل أن يورده المتكلم بتمامه عندما يقصد الإشارة إلى الكتاب، ولذلك كان البخاري رحمه الله تعالى كثيرًا ما يعبر
_________________
(١) ص: ١١.
(٢) ص: ٤٥.
(٣) كما وقفت على صور أخرى للعنوان فيها اختصار كبير، ومنها ما جاء عند الحافظ أبى علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (٤٩٨) هـ وذلك في كتابه: «تقييد المهمل» ١/ ٥٩ حيث جاء بلفظ: «الجامع المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه». ومنها ما جاء عند القاضي عياض (٥٤٤) في مقدمة كتابه «مشارق الأنوار» ١/ ٩.
[ ١ / ٤٧ ]
عن الكتاب ببعض الألفاظ المختصرة التي تدل عليه، ومما ثبت في ذلك أنه سماه: «الجامع الصحيح» كما جاء ذلك في قوله: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله - ﷺ - فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع «الجامع الصحيح» (١).
وربما اقتصر في الدلالة عليه بلفظ: «الجامع» كما جاء في قول البخاري: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح، وتركت من الصحيح؛ حتى لا يطول (٢).
كما أنه قد يقتصر في الدلالة عليه بكلمة «الصحيح» ومن ذلك قول البخاري: ما كتبت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (٣).
وأبعد من ذلك كله تسمية البخاري لكتابه هذا بـ (البخاري)، حيث جعله شريكا له في التسمية والشهرة به بين الناس، كما جاء في قوله من رواية محمد بن أبي حاتم الوراق على ما جاء في بعض المصنفات: لو نُشِرَ بعض أستاذيَّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت البخاري ولا عرفوه (٤).
_________________
(١) سيأتي تخريجه في ترجمة إبراهيم بن معقل النَّسفي.
(٢) سيأتي تخريجه في ترجمة إبراهيم بن معقل النَّسفي.
(٣) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٩، ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠، النووي في «التلخيص» ١/ ٢١٦، المزي في «التهذيب» ٢٤/ ٤٤٣، الذَّهَبِيّ في «السير» ١٢/ ٤٠٢، وكذا أورده ابن حجر في «هدى الساري» ص: ٧، كلهم من طريق الفربري، عنه.
(٤) أخرجه الخطيب في «التاريخ» ٢/ ٧، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٢/ ٧٥، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٤٤٠، وكذا أورده الذَّهَبِيّ في «السير» ١٢/ ٤٠٣، والسبكي في «الطبقات» ٢/ ٢٢١، الحافظ في «الهدي» ص: ٤٨٧. قلت: ويتعلق بهذا السياق أمران: أحدهما: تصحف قوله: (أستاذي) إلى: (أستاري) في «هدي الساري»، كما تصحف إلى (إسنادي) في «تاريخ بغداد» و«الطبقات» للسبكي. الآخر: قوله: (كيف صنفت البخاري) كذا هو عند الحافظ في «الهدي» أما عند غيره فجاء مرة: (كيف صنفت التاريخ) وأخرى: (كيف صنفت كتاب التاريخ) وثالثة: (لم يفهموا كتاب التاريخ).
[ ١ / ٤٨ ]
وإذا كان الإمام البخاري قد أطال في تسمية كتابه، فقد جعل اسمه بهذا الطول غير المألوف عنوانا دقيقا شاملًا لكل مزايا الكتاب وخصائصه وموضحًا لمنهجه في تأليفه.
فهو جامع حيث لم يقتصر على أحاديث موضوع واحد، وإنما نوّع في موضوعاته وجعله شاملًا لكثير من الفروع من العلم في الأحكام والفضائل والآداب والرقائق والتفسير والأخبار .. إلخ، حتى وصلت أبوابه إلى أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة بابًا، جمع فيها قدرًا لا بأس به لتحقيق ما زاد من حديث رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه.
وهو صحيح في كل ما أورده من أحاديثه الأصول، وهي التي أخرجها في متون الأبواب موصولة السند إلى رسول الله - ﷺ -، وأفردها بطابع وصيغة محددة عنده، وهي التصريح بقوله: حدثنا، والعنعنة بشرطها الذي التزمه وتشدد فيه، فكل حديث ورد في كتابه على هذا النحو فهو صحيح عنده.
ولا يعكر على وصف الكتاب بالصحة أنه اشتمل على أحاديثَ أخرى ليست من شرطه؛ لأنه قد ميز ذلك، حيث ميز الأحاديث المسندة عن المعلقات والنقول الأخرى، وعلى اعتبار تميز المسند الصحيح، يجب أن نفسر ما رواه إبراهيم بن معقل النَّسفي من قوله: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح بأن المراد أنه لم يدخله على هذا النحو، وبهذا الطابع من وصله على الطريقة المعنية، ويؤكد صحة هذا التفسير ما رواه الإسماعيلي من قوله: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا.
وهو مسند بالنظر إلى أحاديثه الأصول أيضًا، فهو لم يورد في الكتاب
[ ١ / ٤٩ ]
شيئا من المراسيل والمنقطعات والبلاغات، اللهم إلا ما يكون في غير الأصل، كالتعليقات والتراجم وغير ذلك.
وهو مختصر؛ لأنه لم يستوعب فيه كل ما صح عنده من حديث رسول الله - ﷺ -، بل اقتصر فيه على مقدار يسير جدًا مما كان يحفظه من صحاح الحديث، فقد صرح في بعض أقواله أنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، وهو لم يقتصر على هذا القدر الموضوع في الكتاب إلا حرصًا على الاختصار لئلا يطول الكتاب كما قال البخاري رحمه الله تعالى: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول.
هذه هي الصفات الأربع التي تميز بها كتاب البخاري، وهي مستمدة كما ترى من عنوانه الذي وضعه له، مع ملاحظة أن وصف الصحة في الأحاديث التي أوردها في الكتاب هو أعلى هذه الصفات، وهي التي جعلت البخاري وكتابه يتبوآن مكانة عالية على مرِّ الزمان.
وهناك أمر آخر تجدر الإشارة إليه وهو تعبير الإمام البخاري في تسميته بقوله: أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه، فهذا التعبير جعل به البخاري ﵀ رسول الله - ﷺ - محور كتابه، حيث اشتمل على ما يتعلق بأمور رسول الله - ﷺ - وصفاته التي قد يكون منها خاصًا به - ﷺ -، ليلمح بذلك إلى أن ما يتعلق بشخص رسول الله - ﷺ - داخل في نطاق عناية المحدثين واهتمامهم بكل ما صدر عن الرسول - ﷺ - من قول أو فعل أو أقر به، أو حتى كان ذلك صفة خُلُقية، أو خَلقية فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الدراسات السابقة التي تناولت الموضوع
من الدراسات القديمة التي تناولت الاختلاف بين الروايات وتوجيهها غير الشروح لـ «صحيح البخاري» كتاب «تقييد المهمل وتمييز المشكل» للحافظ أبي علي الحسين بن محمد الغساني (٤٩٨) هـ حيث تناول في قسم من
[ ١ / ٥٠ ]
الكتاب الاختلافات الواقعة بين الرُّواة، وذلك في أسانيد «الصحيح» فقط دون متونه، حتى جاء بعده القاضي عياض (٥٤٤) هـ فألف كتابه «مشارق الأنوار» وتناول فيه الاختلافات الواقعة في الأسانيد والمتون التي وقعت من قبل الرُّواة، ووجهها ورجح بينها، ثم ابن قرقول (٥٦٩) هـ في كتابه «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» حيث استدرك على القاضي عياض بعض ما فاته، وله عليه بعض التعقبات (١).
وقد اختصر القسم الخاص بالاختلافات في الرُّواة في «صحيح البخاري» من كتاب «تقييد المهمل» الحافظ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المتوفى سنة (٩٠٩) هـ وهو بعنوان: «الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري وروايات عن إبراهيم بن معقل النَّسفي» (٢).
ومما كتب عن روايات الجامع الصحيح، مع الاهتمام باستيعابها ما كتبه العلامة محمد بن يحيى الكاندهلوي حيث كتب مقدمة للإفادات التي جمعها عن الشيخ الإمام رشيد بن أحمد الجنجوهي (١٣٢٣) هـ على «صحيح البخاري» مع زيادات من عنده حتى صار شرحا كبيرًا وسماه: «لامع الدراري على جامع البخاري» (٣)
إضافة إلى ذلك فقد وقفت على بعض الأبحاث المعاصرة التي تناولت بعض مباحث هذه الرسالة:
أولها: بحث بعنوان: (روايات ونسخ الجامع الصحيح) .. دراسة وتحليل للدكتور / محمد بن عبد الكريم بن عبيد أستاذ السنة النبوية وعلومها المشارك
_________________
(١) وسيأتي الحديث عن هذه الكتب تفصيلًا.
(٢) وهو مطبوع في مجلد نشرته دار الوطن بالرياض سنة (١٤٢٠) هـ بتحقيق صلاح فتحي هلل. وعندي مصورة من مخطوط هذا الكتاب من دار الكتب المصرية في حوالي ٥٦ لوحة.
(٣) وهو مطبوع في عشرة مجلدات نشرته المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة.
[ ١ / ٥١ ]
بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهو بحث في حدود سبعين صفحة، تناول فيه الموضوع من خلال ثلاثة أبواب: الباب الأول: تكلم فيه عن الإمام البخاري وعن «الصحيح». والباب الثاني تحدث فيه عن روايات «الجامع الصحيح» وذلك من خلال التعريف بأهم هذه الروايات باختصار شديد، ثم تحدث عن أشهر طبعات «صحيح البخاري» ونسخه المخطوطة.
والباب الثالث فهو للحديث عن الاختلافات من خلال أنواع هذه الاختلافات ثم ذكر النقول عن الإمامين أبي علي الجياني وابن حجر رحمهما الله تعالى. وهو في حقيقة الأمر وإن كان لم يتناول الموضوع بعمق، ومحاولة الاستقراء، وتتبع الروايات إلا أنه يعتبر ألقى ضوءًا على الموضوع بما لم يسبق إليه أحد من المعاصرين، فجزاه الله خيرًا.
والبحث الثاني: بحث للدكتور / نزار عبد القادر الريان - ﵀ - أستاذ الحديث المشارك بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة فلسطين، وهو بعنوان: (الإمام اليونيني وجهوده في حفظ «صحيح البخاري» وتحقيق رواياته).
وهو بحث مستلٌّ من المجلة من المجلد العاشر العدد الأول من ص: ٢٢٣ - ٢٦٠ لسنة ٢٠٠٢ (١). وهو في حدود ٣٧ صفحة، وتناول فيه الموضوع في أربعة مطالب: الأول عن الإمام اليونيني وأسرته العلمية، والمطلب الثاني عن تصنيف البخاري لكتابه «الصحيح»، والمطلب الثالث لرواة «صحيح البخاري» ونسخه التي اعتمدها اليونيني، والمطلب الرابع في نهوض اليونيني لـ «صحيح البخاري» دراسة وجمعًا للروايات، وتدريسًا ومقارنة بين الروايات.
_________________
(١) وقد حصلت على هذه المستلة من الأستاذ الدكتور / مصطفى أبو عمارة حيث كان عضوًا محكمًا لهذا البحث.
[ ١ / ٥٢ ]
وهي دراسة وإن كان صغيرة إلا أنها مركزة في بابها، غير أنها تحتاج إلى تبسيط وتدعيم بالنماذج التطبيقية، فجزاه الله خيرًا، وأدخله فسيح جناته.
البحث الثالث: بحث بعنوان: (صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين ورواياته وأصوله) تأليف الأستاذ / محمد المنوني أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب ودار الحديث الحسنية بالمغرب. وهو بحث منشور في مجلة دعوة الحق العدد الأول من السنة السابعة عشر مارس سنة ١٩٧٥ م وهو في حدود أربعين صفحة.
وقد تناول «صحيح البخاري» ورواية المغاربة له، وذلك من خلال راويين فقط هما: إبراهيم بن معقل النَّسفي، ومحمد بن يوسف الفربري ثم تطرق للرواة عنهما تفصيلًا، وأشهر الروايات عنهما، وأماكن وجود هذه النسخ، وهو بحث قيم استفدت منه كثيرًا في المبحث الخاص بعناية المغاربة بـ «صحيح البخاري».
البحث الرابع: بحث بعنوان: (صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي) تأليف الدكتور / عبد الهادي التازي، وهو منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وقد نشر في المجلد التاسع عشر الجزء الأول الصادر في ربيع الآخر سنة ١٣٩٣ هـ الموافق شهر مايو ١٩٧٣ م، وهو يشمل الصفحات من ص: ٢١ حتى ص: ٥٢ أي: حوالي ثلاثين صفحة.
وقد خصصه للحديث عن إحدى مخطوطات نسخة أبي علي الصدفي وسيأتي الحديث تفصيلًا عن هذه النسخة.
البحث الخامس: بحث بعنوان: (التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة) للشيخ عبد الحي الكتاني مخطوط، وهو مقدمة وضعها المؤلف لبيان فضل رواية ابن سعادة (٥٢٢) هـ التي رواها عن صهره وشيخه أبي علي الصدفي (٥١٤) هـ عن أبي الوليد الباجي (٤٧٤) هـ عن أبي ذر الهروي (٤٣٤) هـ عن
[ ١ / ٥٣ ]
شيوخه الثلاثة عن الفربري، كما سيأتي الحديث تفصيلًا عن هذه النسخة.
وهذه المقدمة وضعها الشيخ عبد الحي الكتاني كمقدمة للمجلد الأول الموافق للخمس الثاني من أصل «الصحيح» وقد نَشَرَ هذا الخمس بالتصوير الشمسي كمخطوط الأستاذ ليفي بروفنسال (١) مدير معهد الرباط، وذلك في باريس سنة ١٣٤٧ هـ - ١٩٢٨ م، وعندي مصورة لهذه المقدمة وهذا الخمس من نسخة ابن سعادة، وهذه المقدمة في حدود ٣٣ لوحة وهي بخط أندلسي.
كما توجد بعض المقالات التي تناولت النسخة اليونينية مثل مقالة الشيخ أحمد شاكر وهي بعنوان: (النسخة اليونينية من صحيح البخاري) وقد وضعتها دار الجيل في مقدمة الطبعة التي طبعوها من النسخة السلطانية، وسيأتي الحديث عن هذه المقالة في مبحث النسخة اليونينية.
ومنها مقدمة الدكتور / محمد زهير بن ناصر لطبعة «صحيح البخاري» لدار طوق النجاة وغير ذلك.
ووجدت في مجال التعريف ببعض الرُّواة كثيرًا من كتب الفهارس والبرامج ومعاجم الشيوخ والمشيخات، حيث تناولوا التعريف ببعض الرُّواة، وذكر الروايات المختلفة ورواة النسخ المشهورة عن البخاري، وبيان طرق هذه النسخ إلى مؤلفي هذه الكتب.
كما اعتنت كتب التراجم والجرح والتعديل وتواريخ الرجال وكتب الطبقات المختلفة بالحديث عن رواة البخاري.
وقد أُفرد الرُّواة بالتصنيف فقد صنف الإمام أبو بكر محمد بن عبد الغني
_________________
(١) ليفي بروفنسال Levi - Provencal ولد في الجزائر، وحصل على درجة الليسانس من كلية الآداب بالجزائر، وعمل في معهد الدراسات العليا المغربية في الرباط، وعمل أستاذًا للعربية والحضارة الإسلامية في جامعة باريس، وفي كلية الآداب بالجزائر. ودعي للعمل أستاذًا زائرًا في جامعة القاهرة ومن أبرز اهتماماته تاريخ الأندلس.
[ ١ / ٥٤ ]
البغدادي الحنبلي المعروف بابن نقطة (٦٢٩) هـ كتابه «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» وألف الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي الأندلسي (٧٢١) هـ كتاب «إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح» كتبه ابن رشيد وترجم فيه لسلسلة رواة «صحيح البخاري» منه إليه وجعل كتابه سبع حلقات أو قرائن، هي الطبقات بينه وبين البخاري، مقتصرًا في كل طبقة على واحد أو أكثر الذين بهم يتصل إسناده، ويستقيم طريق روايته، وهو طريق أبي ذر الهروي وغير ذلك.
والكتاب مطبوع طبعته الدار التونسية للنشر بتحقيق الشيخ الدكتور / محمد الحبيب ابن الخوجة.
ومن الملاحظ على كل هذه الدراسات التي كتبت باللغة العربية أنها أبحاث صغيرة، كل منها يختص بأحد مباحث هذه الرسالة.
ومما يثير العجب والدهشة أن المستشرقين مع قلة إنتاجهم الفكري بما يتعلق بالدراسات الإسلامية (١)،
إلا أن موضوع روايات صحيح البخاري كان
_________________
(١) مما تجدر الإشارة إليه أن المستشرقين كانت لهم عناية بالدراسات الشرقية عمومًا، والعربية خصوصًا، ومن مظاهر عنايتهم بالدراسات العربية والإسلامية محاولتهم اقتناء كثير من المخطوطات العربية. ولاشك أن أهم هذه المجموعات على الإطلاق - كما قَال د / أيمن فؤاد سيد - هي مجموعة المخطوطات الموجودة في مكتبات إستانبول والأناضول والتي يقدر عددها بنحو (٢٥٠) ألف مخطوط عربي، وكذلك المخطوطات العربية الموجودة في إيران. أما مجموعات المخطوطات العربية الموجودة في أوربا فأهمها المجموعات الموجودة في باريس وبرلين ولندن وليدن ومدريد وروما ودبلن وسان بطرسبرج، وتتركز أهم مجموعات المخطوطات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية في برنستون وييل، كما تشتمل مكتبات الهند والدول الإسلامية التي تكون الكومنولث الروسي على مجموعة هامة من المخطوطات العربية والإسلامية. وفي تركيا تتكون مكتبات استانبول وحدها من نحو ١٥٠ خزانة وقفية، موزعة الآن على نحو ١٦ مكتبة جمع القسم الأكبر منها مؤخرًا في المكتبة السليمانية، ولم يبق خارجها إلا المجموعات المحفوظة في متحف طوبقبوسراي، ومكتبة كوبريلي، وغير ذلك. ويوضح سبب كثرة المخطوطات في استانبول إجابة العالم التركي الراحل خوجا شرف الدين عندما سأله صديقه المستشرق الألماني هلموت ريتر عندما قَال له: كيف استطعتم أن تجمعوا كل هذه الكتب؟ أجابه بكلمة واحدة: «بالسيف» وأضاف ريتر: وفي الحقيقة فإن قسمًا كبيرًا من هذه الكنوز كان أسلابًا وغنيمةً، فقد ورث العثمانيون الدول الإسلامية السابقة عليهم، واعتبروا أنفسهم حكام العالم الإسلامي بعد انتقال الخلافة إليهم فكان من الطبيعي أن ينقلوا إلى عاصمتهم - عاصمة الخلافة - بين ما نقلوه من البلاد التي وقعت تحت سيطرتهم الإنتاج الفكري المتمثل في المخطوطات العربية. أما في أوربا فيرجع تكوين المخطوطات الشرقية عمومًا، والمخطوطات العربية خصوصًا إلى فترة الحروب الصليبية، ولكن البداية الحقيقية ترجع إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما بدأ اتصال فرنسا بالمخطوطات العربية، غير أنها لم تتعد في هذه الفترة أصابع اليدين، ثم ارتفع عدد المخطوطات في فرنسا في عام ١٦٦٨ م ليبلغ ٤٦٨ مخطوطة، ثم ارتفع في فترة حكم لويس الرابع عشر إلى أكثر من ١٨٠٠ مخطوطة، ثم ارتفع عقب الحملة الفرنسية (١٧٩٨ - ١٨٠١ م) ليصل عدد المخطوطات إلى أكثر من خمسة آلاف مخطوطة عربية وازداد شيئًا فشيئًا حتى وصل العدد في سنة ١٩٩٣ (٧٢٠٠) سبعة آلاف ومائتي مخطوطة. أما أسبانيا فتتمثل أكبر مجموعة في مكتبة دير الإسكوريال في ضواحي مدريد التي أقامها ملك أسبانيا فيليب الثاني سنة ١٥٧٦ م تخليدًا لذكرى انتصاره على الفرنسيين عام ١٥٥٧ م. ومقتنيات هذه المكتبة كثيرة جدًا، حيث جمع فيها ما تركه المسلمون في بلاد الأندلس بعد الاستيلاء عليها. كما ضم إليها في عهد الملك فيليب الثالث عام ١٦١٢ م خزانة مولاي زيدان السعدي ملك مراكش التي كان ينقلها في سفينة أثناء صراعه مع إخوته، واختطفها القراصنة الأسبان في عرض البحر، ظنًا منهم أن هذه الصناديق تحتوي على ذهب، وأهدوها إلى ملك أسبانيا، وكانت تضم نحو خمسة آلاف مخطوط عربي، باءت جميع محاولات استعادتها بالفشل، كما أن بابا الفاتيكان أمر بأن لا يخرج من هذه الخزانة أي كتاب خارج نطاق الدير. أما الألمان فقد تركزت مجموعات المخطوطات لديهم في مكتبة برلين، وهي كثيرة جدًا، حتى إن المستشرق هانس روبرت رويمر عمل إحصاء وفهرسة شاملة لجميع المخطوطات الشرقية الموجودة في ألمانيا، وذلك في سنة ١٩٥٥ م، وتبين من المسح الأولي لهذه المكتبات أن هناك ما يقرب من ١٤ ألف مخطوط شرقي غير مفهرس. أما في بريطانيا فتركز أهم المخطوطات في المكتبة البريطانية (المتحف البريطاني سابقًا) (١٠٦٠٠مخطوط) ومكتبة جامعة كمبردج (١٩١٠ مخطوط) ومكتبة البودليانا بإكسفورد (٢٣٥٠ مخطوطًا). ومن أهم المكتبات الغنية بالمخطوطات النفيسة في أوربا مكتبة شيستربتي، الموجودة الآن في دبلن بأيرلندا، وهذه المكتبة جُمعت بعناية فائقة، جمعها السير ألفريد شيستربتي أحد هواة جمع المخطوطات الشرقية في القرن العشرين الذي نجح في جمع (٣٥١٠) مخطوطة شرقية نادرة، وكانت هذه المجموعة أغلبها من مصر والشام واليمن، وكانت سنة ١٩٣٠ م في بارودا هاوس بلندن، وعُدَّت في ذلك الوقت واحدة من أشهر مجموعات المخطوطات العربية في العالم، ثم نقلت إلى دبلن بأيرلندا سنة ١٩٥٠ م، ووقف لها هناك مبنى خاصًا بها. وتحتفظ مكتبة شيستربتي أيضًا بأرشيف ضخم للمراسلات التي دارت بينه وبين تجار الكتب، الذين زودوه بهذه المخطوطات، كما تحتفظ بمعلومات عن مخطوطات أخرى، لم تصل إليه ولا يعلم مصيرها الآن. باختصار وتصرف من كتاب: «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» لمؤلفه د / أيمن فؤاد سيد من ص: ٥٠٧ - ٥٢٠.
[ ١ / ٥٥ ]
محط اهتمامهم، حيث كتب فيه غير واحد من المستشرقين، مما يدل على أن الموضوع مطروح بقوة، وذلك لأنه يتعلق بتاريخ أصح كتاب عندنا نحن المسلمين بعد كتاب الله تعالى.
ومن هذه الدراسات على سبيل المثال:
١ - كتب المستشرق يوهان فك (١) عن تاريخ رواية «صحيح البخاري».
_________________
(١) هو مستشرق ألماني له: كتاب: «تاريخ حركة الاستشراق»، ترجمة عمر لطفي العالم. دمشق، دار قتيبة، نشر سنة: ١٤١٧ - ١٩٩٦. وله كتاب «العربية» ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، طبع دار الكتاب العربي.
[ ١ / ٥٧ ]
٢ - كتب ابن أبي شنب (١) عن الرواية التي اشتهرت لـ «صحيح البخاري» في الجزائر.
٣ - كتب المستشرق منجانا (٢)، عن أقدم مخطوط يعرف حتى الآن لـ «صحيح البخاري» وهو من رواية أبي زيد المروزي (٣٧١) هـ عن الفربري والمخطوط عبارة عن قطعة من «الصحيح» تبدأ بكتاب الزكاة وتنتهي بكتاب الحج.
وكتب منجانا دراسة حول هذه الرواية باللغة الإنجليزية، ونشرت هذه الدراسة عام ١٩٣٦ م في كامبردج وساعده في بعضها المستشرق مرجليوث (٣).
٤ - كما كتب الأستاذ / فؤاد سزكين عن رواية «صحيح البخاري» في كتابه «مصادر البخاري في الصحيح»، وهو بحث نشر وكتب باللغة التركية،
_________________
(١) هو محمد بن العربي ابن أبي شنب ١٨٦٩ - ١٩٢٩ م ولد في مدينة المدية، وهي بلدة مشهورة من أعمال الجزائر، له كثير من المؤلفات والتحقيقات. تنظر ترجمته في «الأعلام» ٦/ ٢٦٦ وفي كتاب: «محمد بن أبي شنب وآثاره» للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، طبع المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر ١٩٨٣ م
(٢) أستاذ اللغة العربية في جامعة مانشستر بلندن، ويوجد فهرس لمجموعته، وتوجد المخطوطات العربية في المجلد الرابع منه. ومجموعته الآن محفوظة في مكتبة سيلي أوك - برمنجهام / بريطانيا وينظر: «مجموعات المخطوطات العربية» لسزكين ص: ٧٢، و«فهارس المخطوطات العربية» لعواد ٢/ ٢٦٧.
(٣) هو ديفيد صموئيل مرجليوث (١٨٥٨ - ١٩٤٠ م) David Samuel Margoliouth مستشرق إنجليزي شهير، أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد منذ سنة ١٨٨٩ م، له من المؤلفات العربية: آثار عربية شعرية نشر بلندن - ليبسيك ١٨٨٧ م. وعنى بنشر «معجم الادباء» لياقوت الحموي في ٧ مجلدات، وكتاب «الانساب» للسمعاني، و«رسائل أبي العلاء المعري» مع ترجمتها إلى اللغة الانكليزية ..
[ ١ / ٥٨ ]
وقد سبق نقل جزء من ملخص هذه الدراسة.
٥ - وكتب المستشرق ليفي بروفنسال (١٨٩٤ - ١٩٥٦ م) مدير معهد الرباط عن الرواية المغربية لـ «صحيح البخاري» والمعروفة بنسخة ابن سعادة (٥٢١) هـ، ونشرت هذه الدراسة باللغة الفرنسية مع مقدمة الشيخ عبد الحي الكتاني لهذه النسخة، وصور الخمس الثاني من هذه النسخة بالتصوير الشمسي وسبق الحديث عنها قريبًا.
[ ١ / ٥٩ ]