ليس الهدف من هذه السطور محاولة صياغة ترجمة موسعه للإمام أبي عبد الله البخاري، فقد صُنفت حول هذا الإمام المصنفات المطولة منذ وقت مبكر، كما كُتب عنه العديد من الرسائل الجامعية، وإنما الغاية من هذه الترجمة إبراز المنزلة المرموقة التي كان يحتلها هذا الإمام بين الأئمة والحفاظ، كي تكون تذكرة للقارئ، ومدخلًا لبحثنا هذا.
اسمه ونسبه:
هو إمام المسلمين، وشيخ المحدثين، وأمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة (١)، وقيل: ابن الأحنف، الجُعْفِيُّ مولاهم، أبو عبد الله ابن أبي الحسن.
وكان جدّه المغيرة مجوسيًا، ثم أسلم على يدي اليمان الجعفيّ والي بخارى، فنسب إليه ولاء.
مولده ونشأته:
كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الورعين،
_________________
(١) . ينظر تقييد هذا الاسم في: الإكمال ١/٢٥٩، وقال: وهو بالبخارية، ومعناه بالعربية: الزراع. طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٢.
[ ٩ ]
سمع مالك بن أنس، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلت عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شُبهة.
قال أحمد بن حفص: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك (١) .
ولد أبو عبد الله يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري (٢)، وتوفى أبوه وهو صغير، فنشأ يتيمًا في حجر أمه.
وكان الإمام البخاري نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير، وذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل - ﵇ -، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك (٣) .
طلبه للعلم ورحلاته:
قال رحمه الله تعالى: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّابِ ولي عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكتَّاب بعد العشر، فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء - يعني أصحاب الرأي - ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي
_________________
(١) . سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩١-٣٩٢، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٣.
(٢) . مدينة في واحة كبيرة بجمهورية أزبكستان على المجرى الأسفل لنهر زرافشان، وترتفع على سطح البحر ٢٢٢.٤مترًا، وهي من أعظم مدن ما وراء النهر، بينها وبين سمرقند ثمانية أيام. انظر: بلدان الخلافة الشرقية ٥٠٣.
(٣) . تاريخ بغداد ٢/٦، طبقات الحنابلة ٢/٢١٥-٢٥٢، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣٨، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢١٦، هدي الساري ٤٧٨.
[ ١٠ ]
وتخلفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثماني عشرة جعلت أصنف فضائل الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب «التاريخ» إذ ذاك عند قبر رسول الله - ﷺ - في الليالي المقمرة، وقال: قلّ اسم في «التاريخ» إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب (١) .
سمع ببخارى قبل أن يرتحل، ثم سمع ببلخ، وبنيسابور، وبالرَّيّ، وببغداد، وبالبصرة، وبالكوفة، وبمكة، وبالمدينة، وبمصر، وبالشام، وبواسط وقال: دخلتُ بلخ، فسألوني أن أُملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثًا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم، وقال قبل موته بشهر: كتبت عن ألف وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديثٍ، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص (٢) .
وقال: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، لقيتهم كَرّات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان (٣) .
وحدَّتَ بالحجاز، والعراق وخراسان، وما وراء النهر.
أقوال العلماء وثناؤهم عليه:
قال البخاري رحمه الله تعالى: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
_________________
(١) . انظر: تاريخ بغداد ٢/٦، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣٨، سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩٤-٣٩٥.
(٢) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩٤-٣٩٥، فتح الباري ١/٤٤.
(٣) . سير أعلام النبلاء ١٢/٤٠٧.
[ ١١ ]
وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربع مائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطةٍ لا في الإسناد، ولا في المتن.
وقال رحمه الله تعالى: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند عليّ ابن المديني، وربما كنت أغْرِبُ عليه.
وقال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا.
وقال مشايخ البصرة: كان لا يتقدمه أحدٌ، وكان أهل المعرفة من البصريين يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابًا لم يخرج وجهه (١)، ولما دخل البصرة قال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء، وقال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّيَّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي بسمر قند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى.
وكان ابن صاعدٍ إذا ذكره يقول: الكبش النّطاح.
وقال محمود بن النضر الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.
_________________
(١) . تهذيب الأسماء واللغات ١/١٧٠، سير أعلام النبلاء ١٢/٤١١-٤١٥، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/٢١٧.
[ ١٢ ]
وقال عمرو بن عليّ الفلاّس: حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وقال محمد بن سلاَّم البيكَنْدِيُّ للبخاري: انظر في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليس مثله.
وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعُبَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة، وقال أيضًا: لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة، لكان آية.
وقال رجاء بن رجاء: فَضْلُ محمد بن إسماعيل على العلماء، كفضل الرجال على النساء.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّرامي: قد رأيتُ العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما رأيت منهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وقال: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبًا.
وقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: سمعت العلماء بمصر يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح، ثم قال عبد الله: وأنا أقول قولهم.
وقال موسى بن هارون الحافظ: عندي لو أن أهل الإسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمد بن إسماعيل لما قدروا عليه.
وقال أحمد بن حنبل: لم يجئنا من خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال له مسلم بن الحجاج: أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، وجاء إليه فقبله بين عينيه، وقال: دعني حتى أُقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.
[ ١٣ ]
وقال أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي: لم أرَ أعلم بالعلل والأسانيد من محمد بن إسماعيل البخاري.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري (١) .
هذا وإن ثناء الأئمة الحفاظ على الإمام البخاري يطول سرده وصنَّف الأئمة والحفاظ في سيرته ومناقبه مصنفات متنوعة، لذا اكتفيت بهذه المقتطفات من بحر فضله.
محنته ووفاته:
بعد رحلة شاقة وطويلة قضاها الإمام أبو عبد الله في الرواية والسماع، قرر أن يعود إلى بلده لتسكن نفسه، وتهدأ روحه، فلما وصل إلى بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثرت عليه الدراهم والدنانير، وبقي مدَّة يُحدِّثُهم، فبعث إليه الأمير خالد بن أحمد الذهلي والى بخاري أن أحمل إليَّ كتاب «الجامع» و«التاريخ» وغيرهما لأسمع منك، فامتنع أبو عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضره غيرهم، فامتنع عن ذلك أيضًا، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فاستعان خالد بن احمد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل العلم ببخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم أبو عبد الله فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فأما خالد فلم يأت
_________________
(١) . ينظر: تاريخ بغداد ٢/٤-٣٦، تهذيب الأسماء واللغات ١/٦٧، تهذيب الكمال ٢٤/٤٣١، ٤٤٥ وما بعدها، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٠٨، وما بعدها، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/٢١٨ وما بعدها، هدي الساري ٤٨٦ وما بعدها.
[ ١٤ ]
عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي عليه، فنوديَ عليه، وهو على أتان، وأشخص على أكاف، وحبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا ابتلي بأولاده، وأراه الله تعالى فيهم البلايا (١) .
قال البخاري: دخلت بغداد آخر ثمان مرات، كل ذلك أُجالس أحمد بن حنبل، فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله، تترك العلم، وتصير إلى خراسان؟ قال البخاري: فأنا الآن أذكر قوله (٢) .
وخرج البخارى من بخارى إلى خَرتَنْكَ، على فرسخين من سمرقند.
قال عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْنَتْكَ، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، فسمعته ليلة يدعو، وقد فرغ من صلاة الليل: اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى مات بخَرْنَتْكَ.
وقال أبو منصور غالب بن جبريل، وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله: إنه أقام عندنا أيامًا، فمرض، واشتد به المرض حتى جاء رسولٌ إلى سمرقند في إخراج محمد، فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خُفَّيهِ، وتعمَّمَ، فلما مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها، وأنا آخذ بعضده ورجل آخذ معي يقوده إلى الدَّابة ليركبها، فقال ﵀: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعواتٍ، ثم اضطجع، فقضى ﵀، فسال منه العرق شيء لا يوصف، فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه
_________________
(١) . انظر: تاريخ بغداد ٢/٣٤، تهذيب الكمال ٢٤/٤٦٤، ٤٦٥، ٤٦٦، سير أعلام النبلاء ١٢/٤٦٤، ٤٦٥، طبقات الشافعية الكبرى ٢/٢٣٣، هدي الساري ٤٩٤.
(٢) . تاريخ بغداد ٢/٢٢-٢٣، طبقات الحنابلة ٢/٢٥٧.
[ ١٥ ]
وكان فيما قال لنا وأوصى: أن كفنوني في ثلاثة أثواب ليس فيها قميصٌ ولا عمامة ففعلنا ذلك.
وقال الحسن بن الحسين البزاز البخاري: توفى البخاري ليلة السبت ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين، وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشرة يومًا (١)، ﵀ وأسكنه فسيح جناته.