إن الصلة بين نسخ البخاري، وبين رواياته صلة وثيقة، والذي يبدو لنا أن البخاري رحمه الله تعالى كانت له نسخه ترك فيها بعض البياضات، ولعل مرد ذلك أنه كان يؤلف كتبه أكثر من مرة، وهذا من عنايته ودقته في التصنيف، فإنه ما زال ينقح ويراجع ما يكتبه ويرويه حتى يطمئن قلبه إلى الوضع الأخير لكتبه ونظرًا للظروف التي ألمت به، فجعلته ينتقل في البلدان، حتى أدركته المنية، وهو بعيدٌ عن مكتبته ومصادره، لم يتسع له المجال لإتمام هذه البياضات.
لذا فإن الصلة بين نُسخة الإمام البخاري لكتابه «الجامع الصحيح»، وبين رواياته المختلفة بقيت صلة متلازمة لا يمكن الفصل بينهما.
قال المستملي: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كما عند ابن يوسف، فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيّضة كثيرة، منها: تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها: أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض (١) .
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن معقل النسفي، حدثناه خَلفُ بن محمد الخيام، قال: حدثنا إبراهيم بن معقل، عنه.
سمعنا سائر الكتاب إلا احاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفربري، حدثنيه محمد بن خالد بن الحسن، قال: حدثنا الفربري، عنه.
_________________
(١) . وانظر بقية الكلام وزيادة بعض النسخ على بعض في أثناء الحديث عن "روايات الجامع الصحيح".
[ ٢٦ ]
ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله (١) .
وقال الشيخ محمد أنور الكشميري، صاحب كتاب «فيض الباري على صحيح البخاري»، وهو يتحدث عن نُسخ «صحيح البخاري»:
ونسخه تسعة عشر: إحداها لكريمة بنت أحمد، وهي امرأة محدثة، وثلاثة من أصحاب النُسخ حنفيون: إبراهيم بن معقل النسفي، وهو تلميذ البخاري بلا واسطة، وحماد بن شاكر، والحافظ شمس الدين الصَّغانّي، أصله من خراسان. وأولاها بالاعتبار عندي نسخة الصَّغانّي، لأنه يقول: أنه نقلها من النسخة التي قُرأت على المصنف رحمه الله تعالى، لكن الحافظ - ابن حجر رحمه الله تعالى - لا يرى فيها مزية، ويعامل معها مع سائر النُّسخ، وأما الآن فينبغي أن يعتمد على نسخة القسطلاني لأنه اعتمد على نسخه الحافظ شرف الدين اليونينيِّ جهبذة زمانه، وحافظ أوانه (٢)، لأن السلطان أراد أن يعرب البخاري، وجمع له أفاضل عصره فجاء اليونيني فصحح متون الأحاديث، وابن مالك صاحب الألفية فأعربها.
قال القسطلاني: فوجدت النصف الأول من نُسخه اليونيني، فاعتمدت عليها في شرحي، ولم أجد النصف الآخر حتى وجدته أيضًا بعد ثلاثين سنة فاعتمدت عليها في النصف الآخر.
ثم أعلم أنه قد يتغير المراد باختلاف النسخ ولعلّ وجهه ان
_________________
(١) . أعلام الحديث ١/١٠٥-١٥٦.
(٢) وقد ذكر القسطلاني أنه وقف على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، ومن أجلّها الفرع الجليل الذي لعله فاق أصله وهو الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين محمد بن احمد الغزولي المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاج مالك واصل اليونيني المذكور غير مرة، إرشاد الساري ١/٤١.
[ ٢٧ ]
الناس لما أخذوا عن المصنف رحمه الله تعالى أخذوا أصل الحديث، وجعلوا الخصوصيات هدرًا، وحسبوه كالواجب المخيِّر، فرووه كيفما رأوا، والله تعالى أعلم (١) .
نُسخة الإمام شرف الدين اليونينيّ الحنبلي:
تعد نسخة الإمام الحافظ، محدث الشام شرف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد بن عبد الله بن عيسى اليونيني المعروف بالبعليّ، الحنبلي (ت٧٠١هـ) (٢)، من أحسن النسخ وأدقها، قال الذهبي، استنسخ «صحيح البخاري» وحرره، حدثني أنه قابله في سنة واحدة واسمعه إحدى عشرة مرة، وقد ضبط رواية الجامع الصحيح، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العزيّ خارج باب زويلة من القاهرة المعزية، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرِّ الهروي، وبأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصل مسموع عن أبي الوقت، وذلك بحضرة الإمام اللغوي النحوي جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله ابن مالك الطِّائيِّ الجيِّانيِّ الشِّافعيِّ (ت٦٧٢هـ)، صاحب الألفية في النحو (٣)، وقد حرر الإمام اليونيني نسخته أحسن تحرير، وكان ابن مالك حضر المقابلة، وكان إذا مرِّ بلفظ يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية، قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وقد طبعت هذه الطبعة في مصر.
ويلاحظ أن هذه النسخة على الرغم من جودتها، فإنها لم
_________________
(١) . ترجمته في طبقات الشافعية ٥/٢٨، فوات الوفيات ٢/٢٢٧، نفح الطيب ٧/٦٣.
(٢) . إرشاد الساري ١/٤٠، فيض الباري ١/٣٧-٣٨.
(٣) . ترجمته في: المعجم الكبير للذهبي ٢/٥٤٢، المعجم المختص ١٦٨، ذيل تاريخ الإسلام للذهبي ١٧، ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٤٥، ذيل التقييد ٢/٢١٠.
[ ٢٨ ]
تستوعب بقية الروايات الأخرى، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تُغني عن ملاحظات وتوجيهات الإمام ابن حجر في «فتح الباري»، والتي تطرقت إلى الروايات المختلفة، وأوهام الرواة (١) .
نُسخ الجامع الصحيح المطبوعة (٢):
قال الأستاذ عبد الغني عبد الخالق - رحمه الله تعالى -:
١ - طبع في ٣ أجزاء بليدن: سنة ١٨٦٢م، باعتناء المستشرق كرهل (٣)، وطبع جزء منه في بطرسبرج، سنة ١٨٧٦م.
٢ - وطبع بالهند في ٨ أجزاء: في بومباي، وفي جزأين بدلهي سنة ١٢٧٠هـ.
٣- وطبع في ٨ أجزاء (بالشكل) في الآستانة - سنة ١٣٢٥هـ - على النسخة التي اعتمدها القسطلاني.
٤- وطبع بالقاهرة في ١٠ أجزاء (بهامشه شرح العدوي)، وببولاق في ٣ أجزاء: سنة ١٢٨٠ و١٢٨٩، وفي جزأين: ١٢٨٩هـ (على ما في معجم سركيس ٥٣٥)، وفي ٣ مجلدات: ١٣١٠ (على ما في فهرس الأزهر)، وفي ٤ أجزاء بالأزهرية (حجر): ١٢٨٢، وبولاق: ١٢٨٦، ١٢٨٩ (بعض الهوامش)، وبهامشه حاشية السندي مع تقريرات القسطلاني وشيخ الإسلام: بالمليجية ١٢٨٦، والأزهرية ١٢٩٩هـ، والبهية، والخيرية، والشرقية، والتقدم العلمية ١٣٠٤، وغيرها، والميمنية ١٣٠٦، وغيرها، والعثمانية ١٣١٢ و١٣١٨،
_________________
(١) . سيأتي الحديث عنها.
(٢) . انظر: معجم المطبوعات العربية والمعربة لسركيس ١/٥٣٥-٥٣٦.
(٣) . وعن هذه الطبعة يقول فؤاد سزكين في تاريخ التراث ١/٢٢٨: أنها طبعة ليست جيدة.
[ ٢٩ ]
ومطبعة مصطفى الحلبيّ ١٣٢٧هـ، وغيرها، وفي ٨ أجزاء (مشكولة): ببولاق سنة ١٢٩٦، والأزهرية ١٢٩٩، والخيرية ١٣٢٢.
٥- وفي سنة ١٣١١هـ، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى أمره بطبع صحيح البخاري، على أن يعتمد في تصحيحه على النسخة اليونينية - المعول عليها عند المتأخرين في جميع رواياته - وعلى نُسخ أخرى: عرفت بالصحة، واشتهرت بالضبط.
فطبع في بولاق (١٣١١-١٣١٢هـ) بالشكل الكامل، وبهامشه تقييدات بفروق تلك النسخ، وقد قام بتصحيحها الشيخ علي المكاوي مع كبار مصححي المطبعة الأميرية، وبعد الفراغ من طبعها، صدر أمر بعرضها على الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر، للنظر في صحتها، والتثبت من سلامتها، فجمع ١٦ أو ١٨ من العلماء المحققين، فقرءوها في عدة مجالس، وقيدوا - في جدول منظم - ما عثروا عليه: من التصحيف والغلط، وطبع هذا الجدول وأُلحق بالنسخ (١) .
غير أنه قد فاتتهم أشياء. عَثَرَ عليها من بعد الشيخ محمد المكاوي في قراءات خاصة به مستقلة، فقيدها وبين أغاليط كلّ جزء على حدة، ثم هذّب بنفسه مستدركه ونقحه، وطبعت منه نسخ زهاء نسخ الكتاب المطبوعة.
ولم نقف على المطبوع من هذا المستدرك، بل وقفنا على صورة شمسية أخذت عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، برقم: ١٥٣٢ حديث، وتحت عنوان «جدول الخطأ والصواب»، فوجدناه مشتملًا على ٢٨٩ مأخذًا، أكثرها مكرر، ومعظمها - إن لم يكن كلها - راجع إلى اختلافات في الشكل أو في الرسم الذي توبع فيه
_________________
(١) . الطبعة السلطانية ١/٣-٧.
[ ٣٠ ]
أعاد طباعة النسخة «السلطانية» الشيخ أحمد شاكر -
رسم المصحف، أو في تسهيل بعض الهمزات أو قطعها ووصلها، أو في بعض أسماء اختلف في ضبطها أو صرفها، أو في بعض أرقام صفحات المطبوعة: - مما لا يخلو كتاب أصلًا منه، وعلى كلّ فهو مفيد في الجملة.
وقد صدرت أجزاء الطبعة المذكورة، بالنص التالي: «قد وجدنا في النسخ الصحيحة المعتمدة - التي صححنا عليها هذا المطبوع - رموزًا لأسماء الرواة، منها (٥) لأبي ذرِّ، و(ص) للأصيلي، و(س) أو (ش) لابن عساكر، و(ط) لأبي الوقت، و(هـ) للكشميهنيّ، و(حـ) للحمويّ، و(سـ) للمستمليّ، و(ك) لكريمة، و(حهـ) لاجتماع الحموي والكشميهني، و(حسـ) للحموي والمستملي الخ (١) .
وقد أعاد طباعة النسخة «السلطانية» الشيخ أحمد شاكر - ﵀ - (٢)، وكتب مقدمة عرَّف بها بالنسخة اليونينية، وبما فيها من مزايا وعرَّف بالحافظ «اليونيني» الذي اشتهرت النسخة بنسبتها إليه.
ويتحدث الشيخ أحمد شاكر عن ملاحظاته على النسخة السلطانية فيقول: ثم بعد ذلك بسنين في صفر سنة ١٣١٦هـ وقع لي النصف الثاني من نسخة من فروع «اليونينية» في مجلد واحد متوسط الحجم، وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته سنة ١٢١٥هـ كتبه السيد الحاج محمد الملقب بالصابر العنتابي، ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلًا أمينًا متقنًا متحريًا، لم يدع شيئًا - فيما يبدو لي - مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية،
_________________
(١) . ينظر بالتفصيل مقدمة الأستاذ الفاضل عبد الغني عبد الخالق رحمه الله تعالى لـ «صحيح أبي عبد الله البخاري» (١/١٣٣-١٣٤) طبع مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ومكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
(٢) . وقد طبعت بمطبعة "عالم الكتب" بيروت.
[ ٣١ ]
الطبعة التي كتب مقدمتها العلمية الشيخ عبد الغني
وقد أظهر لي هذا المجلد على أن النسخة السلطانية لم يثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش «اليونينية»، بل تركوا أكثرها، ولم يذكروا إلا أقلها، بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرها القسطلاني في شرحه (١) .
قلت: ولم يذكر الشيخ أحمد شاكر - ﵀ - أنه استفاد من هذه «النسخة» في طبعته!
أما الطبعة التي كتب مقدمتها العلمية الشيخ عبد الغني ﵀ وكُتِب عليها أنها من تحقيق محمود النواوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ومحمد خفاجي وذكر أنها أحدث طبعات «الجامع الصحيح» وأحسنها تنسيقًا، فقد تحدث ﵀ عن مجمل عمل الجماعة المذكورين فيها، وبتأمل كلامه نلاحظ مواطن الخلل في هذه الطبعة، وتصرف المحققين خلاف ما يقتضيه المنهج العلمي السديد، يقول ﵀:
١ - عولوا في نشر نصها وتحقيقه على النسخة «السلطانية»، ونسخة السادة مصطفى الحلبي المأخوذة عنها، والنسخة المنيرية.
٢ - أنهم لم يلتزموا في نشر هذه النسخة موافقة صفحات «السلطانية» ولا إثبات كل الفروق المذكورة بهامشها.
٣ - وقد لاحظوا أن بعض العناوين العامة الأساسية وردت بلفظ (باب كذا ) في بعض النسخ، وفي غيرها بلفظ (كتاب كذا )، فأخذوا بالرأي الذي وافق بعض الروايات أولًا واتفق مع ترجمة «صاحب الفتح»، أو «العيني»، أو كُتب بعض الفقهاء ثانيًا.
_________________
(١) . مقدمة نسخة الشيخ أحمد شاكر ١٠.
[ ٣٢ ]
٤ - وقد وجدوا في كتاب «تفسير القرآن» من «الجامع الصحيح» أن بعض نسخ الأصل يكتفى في العنوان بذكر اسم السورة، وبعضها يضيف إليه كلمة «تفسير»، والبعض يضيف البسملة، إما قبل السورة، أو بعدها، فرأوا أن يأخذوا بالأحوط، فأثبتوا البسملة في أول كتاب «التفسير»، ثم ذكروا العناوين الأخرى بلفظ: سورة كذا، مسبوقة بالبسملة أيضا، متابعين في ذلك - غالبًا - نسخة أبي ذر الهروي، وبعض الشراح.
ووجدوا كذلك أن بعض النسخ تنفرد عن غيرها: بأن تزيد قبل الأحاديث لفظ «باب» أو «باب قوله كذا»، ثم تسرد فقرة من آية قرآنية، تتناسب مع الحديث الأتي بعد ذلك، فرأوا - أيضًا - متابعة هذه النسخ، وأثبتوا ما زادته بعد أن تثبتوا من أن صنيع الهروي موافق له.
٥ - ومما تختص به هذه الطبعة أيضًا: أن اللجنة وجدت بعض الأحاديث ترد عقب لفظة: «حدثنا» مباشرة، دون عنوان أو ترجمة، فعملت على الترجمة، ووضع العنوان لها من واقع ما كتبه أو عنونه البدر العيني، أو صاحب الفتح، أو من مفهوم تلك الأحاديث.
٦ - وقد بذلوا غاية وسعهم في القيام بذلك العمل الجليل من كل نواحيه، ومع ذلك فقد وقع في الكتاب شيء من الأخطاء، بعضها ذو بال - وهو قليل - وبعضها شكلي يمكن تصحيحه وتخريجه، وهي أخطاء لم تنفرد بها هذه النسخة، بل وقعت فيها هي وغيرها في سائر النسخ المختلفة، ولا نود في هذا المجال ذكر بعض النسخ التي لاحظنا عليها بعض النقص، وبعض الزيادات التي لا توجد في أحد الأصول أصلًا (١) .
_________________
(١) . انظر: ص ١٣٧-١٣٩ من المقدمة (باختصار) .
[ ٣٣ ]
كما وقفت على طبعة (جمعية المكنز الإسلامي) لصحيح البخاري (١):
وقد روعي في إخراجها جودة الطباعة وجمال الحرف العربي المُشكّل، وذكر في كلمة الافتتاح أن الجمعية أرادت طباعة الكتب السبعة محققة مراجعة على المخطوطات المعتمدة (٢) .
وجاء في «منهج العمل في الكتاب»: أنهم أثبتوا بعض هوامش «السلطانية» في أصل هذه النسخة، لا سيما إذا وجدت في أصل نسخة الحافظ ابن حجر، وإن النسخة قد قرئت على الشيخ المحدث عبد الله بن الصديق الغماري ﵀، وعرض عليه اختلافات النسخ فاختار منها ما جعل في هذه النسخة (٣) .
قلت: ولم يذكروا مصدر الشيخ - ﵀ - في اعتماده ترجيح رواية على أخرى، وهل كان معتمدًا في ذلك على نسخة معينة، أو رواية محددة، حتى يُصار إلى ما اختاره على بينة؟!
وقد خُدم الكتاب بفهارس علمية منوعة بلغت أكثر من خمسة عَشَرَ فهرسًا.
ويبدو أن كثيرًا من الطبعات التي اتخذت من الطبعة «السلطانية» أصلًا اعتراها الخلل، خاصة إذا علمنا أن الطبعة «السلطانية» بحاجة إلى إعادة نظر.
يقول الشيخ عبد الغني عبد الخالق عن تلك الطبعات: وقد اهتمت دور النشر المختلفة بهذه النسخة يعني «السلطانية» الجيدة،
_________________
(١) . طبعت عام ١٤٢١هـ بألمانيا.
(٢) . المقدمة أ، ولكني في الواقع لم أجد ذكرًا لأي مخطوط أعتمد عليه فعليًا في التحقيق.
(٣) . المقدمة س.
[ ٣٤ ]
نسخة من «الصحيح» برواية أبي ذر الهروي
فأعادت طبع «الجامع الصحيح» على وفقها وبحسب تبويبها وتقسيمها، فطبع في الخيرية سنة ١٣٢٠هـ، والميمنية ١٣٢٣هـ، وقد ذكر في مقدمتها: أنه قد تلوفيت فيها الأخطاء الواقعة في النسخة «السلطانية»، ولكن بالتتبع والمراجعة تبين أن فيها أخطاء كثيرة (١) .
كما اطلعت على نسخة من «الصحيح» برواية أبي ذر الهروي عن مشايخه الثلاثة: السّرخسي، والمستملي، والكشميهني، مع فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀، تقديم وتحقيق وتعليق فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد (٢):
وقد ذكر المحقق أن الباعث له على إخراج هذا العمل أن الحافظ ابن حجر قد ذكر أنه سيقتصر في شرحه للجامع الصحيح على أتقن الروايات عنده، وهي رواية أبي ذر الهروي عن مشايخة الثلاثة لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها.
وقد غفل عامة من جمع متن «البخاري» مع «فتح الباري» عن شرط الحافظ ابن حجر ﵀، فقد جاءت جميع المتون التي خُطت أو طبعت مع «فتح الباري» ملفقة للرواة الآخرين.
ولذلك تجد كثيرًا ما يشرح الحافظ ابن حجر كلمات لا وجود لها في المتن، أو نجد كلمات في المتن لا وجود لها في «فتح الباري» (٣) .
_________________
(١) . انظر: ص ١٣٧ من مقدمته للصحيح.
(٢) . طبعت عام ١٤٢١هـ/٢٠٠١م على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران - أجزل الله له المثوبة.
(٣) . انظر: مقدمة ١/٦٠١.
[ ٣٥ ]
وقد اعتمد في التحقيق على نسخة مكونة من خمسة مجلدات، وقد فقد منها المجلد الثالث (١)، وقد أكمل النقص من نسخة أخرى (٢) .
ويُلاحظ على هذه الطبعة:
أولًا: لم يذكر المحقق - حفظه الله - مستنده في أن النسخة الخطية الأزهرية هي من رواية أبي ذر الهروي، خاصة وأن القسم الأول منها مفقود، وليس في صورة غلاف الجزء الخامس وكذا في الصفحة الأولى والثانية والأخيرة من الجزء أي إشارة إلى ذلك (٣) .
كما أشار المحقق إلى وجود اختلافات بين النسختين، وهذه الاختلافات دليل آخر على أن هذا الجزء يُحتاج فيه إلى التثبت (٤) .
كما يحتاج الأمر إلى مزيد من الأدلة العلمية حتى يمكن الوثوق بأن هذا الجزء هو من رواية أبي ذر حتى يمكن إضافته إلى الأجزاء الأخرى الثابت نسبتها إليه على بينة.
ثانيًا: أن الحافظ ابن حجر يروي «نسخة أبي ذر الهروي» من طريق عبد الله بن محمد المكي، عن الطبري، عن أبي القاسم المكي، عن أبي الحسن الطرابلسي، عن أبي مكتوم عيسى ابن الحافظ أبي ذر عن أبيه (٥) .
أما النسخة المطبوعة فهي برواية أبي علي الصدفي، عن أبي
_________________
(١) . من مخطوطات مكتبة الحرم النبوي الشريف.
(٢) . من مخطوطات مكتبة الجامع الأزهر.
(٣) . انظر: المقدمة ١/٤٣-٤٦.
(٤) . انظر: مقدمة الفتح ١/٢٣-٢٥.
(٥) . انظر: الفتح ١/٧.
[ ٣٦ ]
الوليد الباجي، عن أبي ذر الهروي (١) .
والحافظ قد وقف على أكثر من رواية عن أبي ذر الهروي (٢)، وهاتان الروايتان وإن كانتا عن أبي ذر الهروي لكن يقع بينهما بعض الاختلاف، فكان الأولى بالمحقق - حفظه الله - أن يثبت نص المخطوطة في طباعته وهي راوية أبي علي الصدفي، وعدم الخلط بين الروايتين، بل إن المحقق ترك الروايتين واعتمد على ما ذكره الحافظ ابن حجر؟! وللحافظ مبرر سيأتي ذكره.
يقول المحقق: وقد يقع أن تتفق «نسخة المسجد النبوي»، و«نسخة الأزهر» على لفظ من الألفاظ، التي لا تتصل بالرواية، وإنما في العناوين كلفظ «كتاب»، أو «باب»، أو تقديم البسملة على الكتاب، أو الباب، أو تأخيرهما عنهما، ويخالف الحافظ ابن حجر ما في النسختين كما وقع في أول «التيمم» حيث جاء في النسختين: بسم الله الرحمن الرحيم: كتاب التيمم، وقد قال الحافظ في الفتح: قوله: (باب التيمم) البسملة قبله لكريمة، وبعده لأبي ذر. ا. هـ.
يقول المحقق: وهذا يدل على أن الرواية التي اعتمدها الحافظ يعني ابن حجر في (التيمم) هنا ليست رواية الصدفي، ونظرًا لاعتبارنا أن الحافظ يعتبر حكمًا عند الاختلاف فقد اخترنا أن نكتب (باب التيمم) لا (كتاب التيمم)، وإن كان متفقًا عليه في النسختين؟!
وهذا التصرف من المحقق لا يوافق المنهج العلمي الصحيح، إذ كان ينبغي له التقيد بنسخة المخطوطة رواية أبي علي الصدفي، وإثبات ما ورد فيها.
_________________
(١) . المقدمة ١/٣٠، ٣١.
(٢) . الفتح ١١/٢٥٠.
[ ٣٧ ]
ومما يؤيد أن رواية أبي ذر وقع فيها «كتاب» وليس «باب» تنصيص الحافظ القسطلاني أن رواية أبي ذر وقع فيها كذلك ويشاركه في ذلك من الرواة: أبو الوقت والأصيلي وابن عساكر (١) .
وبالرجوع إلى الطبعة السلطانية نجد أنه قد وُضعت بالهامش رموز الرواة المذكورين: (ص ٥ س ط) (٢) .
ثم إن المحقق لم ينبه القارئ إلى هذا التغيير في موضعه من الكتاب (٣) .
كما أن المحقق ترك الاعتماد على (نسخة المسجد النبوي) برواية الصدفي (٤) واعتمد على (النسخة الأزهرية) دون مبرر علمي سوى أن الحافظ ابن حجر اختار ذلك في الفتح حيث ورد في (نسخة المسجد النبوي) باب (الحياء من العلم) في سند الحديث: عن (زينب بنت أبي سلمة)، وفي الأخرى (زينب بنت أم سلمة) لأن الحافظ قال في الفتح: تقدم هذا الحديث في باب (الحياء في العلم) فنسبت هناك إلى أمها، وهنا إلى أبيها (٥) .
أما قوله: أن الحافظ ابن حجر «يعتبر حكمًا عند الاختلاف» فهذا لا يسوغ له خلط الروايات بعضها ببعض في طباعة نصوص الكتاب.
فإن الحافظ - ﵀ - له منهج واضح، فهو شارح لكتاب
_________________
(١) . إرشاد الساري ١/٣٦٥.
(٢) . انظر ١/٧٣.
(٣) . الفتح ١/٥١٤.
(٤) . سيأتي الحديث عنها في المبحث التالي.
(٥) . مقدمة التحقيق ١/٢٤، وانظر: الفتح ١/٢٧٦.
[ ٣٨ ]
الصحيح وليس هو ضابط لنص رواية معينة، وينبغي للشارح أن يذكر جميع الروايات الثابتة، كما أنه التزم التنبيه إلى الروايات الأخرى المخالفة، قال ﵀ في المقدمة:
فليقع الشروع في الشرح والاقتصار على أتقن الروايات عندنا وهي رواية أبي ذر عن مشايخه. مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها (١) .
ومن الثابت أن هناك «عبارات» و«كلمات» سقطت من رواية أبي ذر الهروي هي ثابتة في روايات ونسخ أخرى من «الصحيح» وصفت بالصحة والإتقان كنسخة سعيد بن السكن وغيره (٢)، واعتمد عليها الحافظ ابن حجر في اختياره وترجيحه لبعض الروايات، وإن خالفت رواية أبي ذر الهروي، بل يبدو من منهج الحافظ فعليًا انه قارن بين النسخ الصحيحة المعتمدة واختار منها ما اتفقت عليه أصح النسخ معضدًا ذلك بما ورد خارج الصحيح في السنن والمسانيد، ومن يتأمل الفتح يجد هذا واضحًا في منهجه، وهو خلاف ما رسم في المقدمة من اعتماده على رواية أبي ذر الهروي.
ومن الجدير بالذكر أن المحقق ذكر المثالين السابقين لمنهجه في ضبط النص ولم يذكر المواضع الأخرى من الكتاب والتي رجح فيها خلاف ما هو ثابت في النسخة المعتمدة.
كما أنه لم يشر إلى ذلك في هامش الكتاب حتى يقف القارئ على تلك المواضع.
ثالثًا: ادعى المحقق أن مخطوطة «المسجد النبوي» هي نسخة
_________________
(١) . الفتح ١/٧.
(٢) . إفادة النصيح ٢٣، ٢٢.
[ ٣٩ ]
أبي علي الصدفي، من روايته عن أبي الوليد الباجي، عن أبي ذر الهروي (١) .
ولم يذكر دليلًا على صحة ذلك.
ويدل لعدم صحة ما ذهب إليه أمور:
١ - أن نسخة الحافظ أبي علي الصدفي سيأتي وصفها، وسيذكر هناك أنها تقع في مجلد واحد.
٢ - ورد في لوحة الغلاف العبارة الآتية:
كان على ظهر الأصل المنتسخ منه، الأصل المقابل به بخط شيخ الإسلام والحُفاظ أبي علي الصدفي ما نصه: » (٢) .
وهذه العبارة يفهم منها أن هذه النسخة قد نقلت عن أصل، هذا الأصل قوبل على نسخة الحافظ الصدفي.
إذن فنسخة «المسجد النبوي» أحد فروع نسخة الحافظ الصدفي، وليست هي أصل نسخته ﵀.
أما العبارة الأخرى التي وردت في لوحة الغلاف وهي: «وكتب حسين بن محمد الصدفي بخطه عقب شهر المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة» .
فإن من منهج نساخ مخطوطات الحديث أنهم ينقلون بأمانة علمية تامة جميع السماعات وكل ما هو مدون وثابت في الأصل المنقول منه إلى الفرع المنقول إليه، وهذه العبارة ثابتة في الأصل، لذا تم نقلها للفرع.
_________________
(١) . المقدمة ١/٨.
(٢) . المقدمة ١/٣٠.
[ ٤٠ ]
وبعد هذا العرض الموجز لأشهر النسخ المطبوعة من «صحيح البخاري» يتبين لنا مدى حاجة هذا الكتاب الماسة إلى المزيد من العناية والرعاية، وضرورة إخراج طبعة جديدة منه محققة معتمدة على أصول علمية صحيحة موثقة.