الاختلافات في المتون
في هذا الفصل عند الدراسة وجدت أن الاختلاف نادر؛ لأنه أمكن الجمع بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف في بعض الألفاظ وبالتالي لا أحتاج إلى ذكر خلاصة لكل مفردة منه.
١ - قال الإمام مسلم: "وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها، بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحا - لكان رأيا متينا، ومذهبا صحيحا؛ إذ الإعراض عن القول المطروح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر ألا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد - أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة - إن شاء الله -" (١).
ــ
قال القاضي عياض: "في صدر مسلم، عند ذكر الأخبار الضعيفة، قوله: "ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أحرى على الإثام"، كذا عند العذري بالحاء والراء في الكلمة الأولى، وبالثاء في الثانية، وعند ابن ماهان:"الأيام " بالياء أخت الواو، وكلاهما وهم لا معنى له يصح هنا، وصوابه ما عند الفارسي: "أجدى على الأنام" بالجيم والدال في الأولى، وبالنون في الثانية: أي أنفع لهم بدليل قوله بعد: "وأحمد للعاقبة" (٢).
وافقت رواية الفارسي رواية ابن سفيان وخالفهما ابن ماهان والعذري وجعل القاضي قولها وهمًا؛ لأن المعنى لا ينطبق، قال الرافعي:"أَجْدَى عَلَيْكَ الشَّيْءُ كَفَاكَ" (٣)، والأنامُ: "ما ظهر على الأرض من جميع الخَلْق" (٤).
الخلاصة: فيكون الوهم من ابن ماهان، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح مسلم: المقدمة ١/ ١٢.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٩.
(٣) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير١/ ٩٣.
(٤) لسان العرب ١٢/ ٣٧، مادة أنم.
[ ٢٢٩ ]
٢ - كتاب الإيمان
باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾
حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر ح، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، وهذا حديثه، حدثنا أبي، حدثنا كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقتُ أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والأخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي - ﷺ - فاسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - ﷺ -، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا﴾. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: ﴿أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره﴾. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ﴿ما المسؤول عنها بأعلم من السائل﴾. قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: ﴿أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة
[ ٢٣٠ ]
رعاء الشاء يتطاولون في البنيان﴾. قال: ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: ﴿يا عمر أتدري من السائل﴾؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ﴿فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم﴾ ١/ ٣٦.
ــ
قال الإمام المازري: "قوله: ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وفي رواية أخرى: ويتفقرون العلم ويزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفُ.
ثم قال: تقفرت الشيء إذا قفوته. قال أبو عبيد: يقال: قفوته، إذا اتبعت أثره، واقتفرت الأثر تبعته، قال ابن السكيت: يقال: قفر أثره، واقتفر أثره" (١).
ونسب القاضي عياض الخلاف إلى ابن ماهان فقال: "قوله في حديث القدر: "قبلنا قوم يتفقرون العلم" بتقديم الفاء، ولغيره: "يتقفرون" بتقديم القاف، وهذا أشهر، وهو الذي شرح الشارحون، ومعناه الطلب، يقال تقفرت العلم إذا قفوته، واقتفرت الأثر أتبعته، وقال ابن دريد (٢): قفّرت بتشديد الفاء جمعت. ورواه بعضهم يقتفرون بقاف ساكنة مقدمة على التاء، وهو بمعنى الأول. وفي كتاب أبي داود: "يتقفون" بفتح القاف وشد الفاء بغير راء بمعنى الأول. يقال: قفوته إذا اتبغته، ومنه سمى القافة، وأما بتقديم الفاء في الرواية الأولى فلم أرَ من تكلم عليه، وهو عندي أصح الروايات وأليقها بالمعنى المراد، أي أنهم يطلبون غامضة، ويستخرجون خبيئة، ويبحثون عن أسراره، ويفتحون مغلقه كما قال عمر في امرئ القيس: افتقر عن معان عُوْرٍ أصح بصر، ومنه سميت البير الفقير لاستخراج مائها، فلما كان القوم بهذه الصفة من الفهم والعلم، ثم جاءوا بتلك المقالة المنكرة، وقالوا ببدعة القدر استعظمها منهم وارتاب في قولهم ألا تراه كيف وصفهم بقراءة القرآن، وقال: وذكر من شأنهم بخلاف لو سمع هذا القول من غيرهم ممن لا يوصف بعلم، ولا يعرف به لما بالاه، ولعدها من جملة ما عهد من جهالاته، ورأيت بعضهم ذكره في تعليق له على مسلم "يتقعرون" بالقاف بعدها عين، أي
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم ١/ ٢٧٧.
(٢) جمهرة اللغة ٢/ ٧٨٦.
[ ٢٣١ ]
ــ
يطلبون قعره، وغامضة ومنه التقعير في الكلام" (١).
وقال الإمام النووي: "قوله ظهر قبلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه يطلبونه ويتتبعونه هذا هو المشهور، وقيل معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان: يتفقرون بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضا، معناه يبحثون عن غامضة، ويستخرجون خفيه " (٢).
وذكر السيوطي ما قاله القاضي عياض، وكذلك ما ذهب إليه من كونه جاءت روايات أخرى بغير ألفاظ، وذكر أيضًا رواية أبي يعلى الموصلي (٣).
فراوية المغاربة جاءت بلفظ يتفقرون، ورواية المشارقة بلفظ يتقفرون، وقد سبقنا أهل العلم بتصويب الروايتين، وان احدهما جاءت بلفظ الأصل، وهي رواية ابن سفيان، والأخرى جاءت الرواية بالمعنى، وهي رواية ابن ماهان، ويؤصل القاضي عياض رواية ابن ماهان من حيث مدلولها اللغوي.
فيأتي أصل هذا الفعل "يتقفرون" من جذر الفعل الثلاثي قفر، قال ابن منظور: "واصله من قفرت البئر إذا حفرتها لاستخراج مائها، وقفر الأثر يقفره واقتفره اقتفارًا كله اقتفاه وتتبعه، وفي الحديث انه سئل عمن يرمي الصيد فيقتفر أثره، أي يتبعه. يقال: اقتفرت الأثر وتقفرته اتبعته. [ثم قال]: وفي حديث يحيى بن يعمر: "ظهر قبلنا أناس يتقفرون العلم"، ويروى يقتفرون أي يطلبونه" (٤).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٦٢ و١٦٣.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٥٥ و١٥٦.
(٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ١/ ٨.
(٤) لسان العرب: (تأليف: ابن منظور محمد بن مكرم الإفريقي المصري ت ٧١١هـ)، دار صادر، بيروت، ط١، د. ت، ٥/ ١١٠. وينظر تاج العروس من جواهر القاموس: (تأليف: الزبيدي محمد مرتضى الحسيني)، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، د. ط، د. ت، ١/ ٣٤١٧. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: (تأليف: أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب بن شهاب الدين البغدادي٧٩٥هـ)، تحقيق: شعيب الارناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٧، ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م، ١/ ٢٤.
[ ٢٣٢ ]
ــ
ويأتي بتقديم الفاء على القاف، قال ابن منظور أيضًا: "الفقير الآبار المتجمعة الثلاث فما زاد، وقيل هي آبار تحفر، وينفذ بالحال بعضها إلى بعض وجمعه قُفُر، والبئر العتيقة فقير وجمعها فُقُر ، وفي حديث عمر - ﵁ - وذكر امرئ القيس فقال: "افتقر عن معانٍ عُورٍ أصح بصر" أي فتح معانٍ غامضة" (١).
فهما في المعنى سواء، وذكر الشراح ألفاظ متعددة كلها زيادة في التصريف منها ما قاله ابن الأثير: "وفي حديث القدر [قبلنا ناس يتفقرون العلم] هكذا جاء في رواية بتقديم الفاء على القاف، والمشهور بالعكس. قال: قال بعض المتأخرين - وهي كناية عن القاضي عياض - (٢): هي عندي اصح الروايات وأليقها بالمعنى يعني أنهم يتخذون غامضة ويفتحون مغلقه ، فلما كان القدرية بهذه الصفة من البحث، والتتبع لاستخراج المعاني الغامضة بدقائق التأويلات وصفهم بذلك" (٣).
ووقع لأبي داود (٤) الوجهين، فجاء في رواية اللؤلؤي كما في رواية المغاربة، وجاء برواية ابن العبد وابن الأعرابي (٥) كما في رواية المشارقة.
وذكر القاضي عياض ان أبي داود له رواية فيها وجه ثالث "يقتفون" بدون راء، ومعناها كما في رواية ابن العبد وابن الأعرابي.
وممن رواه بلفظ المشارقة الترمذي (٦)، وابن حبان (٧)، والبيهقي (٨).
_________________
(١) لسان العرب ٥/ ٦٠.
(٢) ينظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٦٣.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٨٩٩ و٤/ ١٣٧.
(٤) سنن أبي داود: رواية اللؤلؤي، كاتب السنة، باب في القدر، الحديث رقم ٤٦٩٥، ٢/ ٩٢٣.
(٥) المصدر نفسه: رواية العبد، الكتاب والباب أنفسهما، الحديث رقم، ٤٦٩٥، ٢/ ٦٣٥، ورواية ابن الأعرابي بالرقم نفسه.
(٦) سنن الترمذي: كتاب الإيمان عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي - ﷺ - الإيمان والإسلام، الحديث رقم ٢٦١٠، ٥/ ٦.
(٧) صحيح ابن حبان: كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان، الحديث رقم ١٦٨، ١/ ٣٨٩.
(٨) شعب الإيمان: الخامس من شعب الإيمان - وهو باب في ان القدر خيره وشره من الله - ﷿ - الحديث رقم ١٨٠، ١/ ٢٠١.
[ ٢٣٣ ]
٣ - كتاب الإيمان
باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
حدثنا أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح (وهو ابن القاسم)، عن إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: ﴿إنك تقدم على قوم أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله - ﷿ -، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم﴾ ١/ ٥٠.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي حديث معاذ ﴿أنك تقدم على قوم﴾ كذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان: "تقوم"، وهي تغيير ووهم، وإن صح فمعناه تليهم وتقوم على أمورهم، وهو كان الوالي، ولكن اللفظ الأول هو المعروف" (١).
فرواية المغاربة: ﴿انك تقوم﴾ ورواية المشارقة: "انك تقدم"، فالتغيير في عين فعل "الدال" في تقدم إلى "واو" في تقوم، والمعنى صحيح.
قال الباحث: فقوله - ﷺ - ﴿انك تقدم﴾: فتقدم من الفعل الثلاثي قَدِمَ ومصدره قَدْمًا وقُدومًا (٢) بمعنى الرجوع، قال ابن منظور: "القدوم الرجوع من السفر قدمَ من سفره قدومًا، يقال: قدم فلان من سفره يقدم قدومًا. وقدم فلان على الأمر إذا أقدم عليه. منه قول الأعشى:
فكم ما ترين امرءًا راشدًا تبين ثم انتهى إذ قدم " (٣).
وتقوم من الفعل الثلاثي المجرد قام وهو لازم والمزيد أقام وهو متعدي، ومصدره قوامًا وقُوميَّة. قال ابن منظور: "فلان ذو قومية على ما له وأمره وتقول: هذا الأمر لا قومية له أي لا قوام له، والقائم بالدين المستمسك به الثابت عليه، قال الفراء:
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٧٤.
(٢) القاموس المحيط: (تأليف الفيروزآبادي محمد بن يعقوب بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم ت ٧٢٩هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، د. ط، د. ت، ٣/ ٢٧٠.
(٣) لسان العرب ١٢/ ٤٦٥.
[ ٢٣٤ ]
ــ
أمةٌ قائمة متمسكة بدينها، وقوله - ﷿ -: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي مواظبًا ملازمًا ومنه قيل في الكلام للخليفة هو القائم بالأمر" (١).
وقال ابن القطاع: "أقام الأمر جاء به معطي حقوقه" (٢).
ويأتيان بالمعنى نفسه، وجمع بينهما ابن منظور فقال: "وقدم فلان إلى أمر كذا وكذا أي قصد له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: ٢٣]، قال الزجاج والفراء: معنى قدمنا وقصدنا كما تقول: كان فلان يفعل كذا تريد قصد إلى كذا، ولا تريد قام من القيام على الرجلين" (٣).
فيصح المعنى إنك سترأس قومًا، وهذا يستقيم مع ما بعده في الحديث ﴿فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم، وتوق كرائم أموالهم﴾. فهذه الرواية بالمعنى، وإلا فلم يروها احد في كتب الحديث سوى ابن ماهان. ولهذا لما كان المعنى واحد كان الأولى التوفيق بين الروايتين لا تخطئة احدهما.
وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية المشارقة: البخاري (٤)، وابن حبان (٥)،
_________________
(١) لسان العرب ١٢/ ٤٩٦.
(٢) كتاب الأفعال: (تأليف: ابن القطاع أبو القاسم علي بن جعفر بن علي بن محمد السعدي ت ٥١٥هـ)، عالم الكتب، بيروت، ط١، ١٩٨٣، ٣/ ٥٥.
(٣) مصدر سابق ١٢/ ٤٦٥.
(٤) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، الحديث رقم ١٣٨٩، ٢/ ٥٢٩، وكتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎، الحديث رقم ٦٩٣٧، ٦/ ٢٦٨٥.
(٥) صحيح ابن حبان: كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان، الحديث رقم ١٥٦، ١/ ٣٧٠، وكتاب الصلاة، باب الوتر، الحديث رقم ٢٤١٩، ٦/ ١٧٦.
[ ٢٣٥ ]
ــ
والطبراني (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو نعيم (٤)، وأبو عوانة (٥)، وابن منده (٦)، والخطيب البغدادي (٧).
_________________
(١) المعجم الكبير، باب العين، من اسمه عبد الله، أحاديث عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ، الحديث رقم ١٢٢٠٧، ١١/ ٤٢٦، والمعجم الأوسط: باب من اسمه إبراهيم، الحديث رقم ٢٧٨٩، ٣/ ١٥٨.
(٢) سنن الدارقطني: كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة، وبيان قسمتها، الحديث رقم ٥، ٢/ ١٣٦.
(٣) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الزكاة، باب لا يؤخذ كرائم أموال الناس، الحديث رقم ٧٠٩٥، ٤/ ١٠١، وكتاب قسم الصدقات، باب ما فرض الله ﵎ على أهل دينه من المسلمين في أموالهم لغيرهم من أهل دينه المسلمين والمحتاجين إليه، الحديث رقم ١٢٨٩١، ٧/ ٢.
(٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أول الكتاب، ١/ ٢٣.
(٥) مستخرج أبي عوانة: (تأليف: الاسفرائيني أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد ت ٣٠٦هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، دار المعرفة - بيروت، ط١، ١٩٩٨م، كتاب الزكاة، باب بيان فرض الزكاة وان الإمام إذا بعث المتولي إلى بلدة أخرى من الأغنياء أمر بردها على فقرائهم ، الحديث رقم ٢١١٦، ٥/ ٤٥٨.
(٦) كتاب الإيمان: (تأليف: ابن منده محمد بن إسحاق بن يحيى ت ٣٩٥هـ)، برواية ولده أبي عمر عبد الوهاب بن منده إجازة، ورواية أبي الفضل البطارقاني سماعًا، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الجامعة الإسلامية، المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة، ط١، ١٤٠١هـ، باب ذكر ما يدل على ان الإيمان بالله علم ومعرفة، وإقرار، الحديث رقم ١١٦، ١/ ٢٥٢، وباب ذكر أول ما يدعى إليه العبد وهو التوحيد والمعرفة، ثم الصلوات، الحديث رقم ٢١٣ و٢١٤، ٢/ ٣٧٩ و٣٨٠.
(٧) الفقيه والمتفقه: (تأليف: الخطيب البغدادي أبو بكر احمد بن علي بن ثابت بن احمد بن مهدي ت ٤٦٣هـ)، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ١٤١٧هـ، باب من المجمل والمبين، حديث رقم ٣٠٤، ١/ ٣٤٦، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (تأليف: الخطيب البغدادي أبو بكر احمد بن علي بن ثابت)، ذكر ما يستحب في الإملاء روايته لكافة الناس ، الحديث رقم ١٣٢٩، ٤/ ٣٣.
[ ٢٣٦ ]
٤ - كتاب الطهارة
باب خصال الفطرة
حدثنا سهل بن عثمان حدثنا يزيد بن زريع عن عمر بن محمد حدثنا نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى﴾.
حدثني أبو بكر بن إسحاق أخبرنا ابن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس﴾ ١/ ٢٢٢*.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله أعفوا اللحى وأمر بإعفاء اللحى فسرناه أي وفروها وكثروها وفي حديث سهل بن عثمان عند مسلم أوفوا اللحى أي دعوها وافية وعنده في حديث أبي هريرة ارخوا اللحى بالخاء وهو أقرب من هذا وفي رواية ابن ماهان أرجوا بالجيم وهو بعيد" (١).
وقال أيضًا (٢): وذكر مسلم في حديث أبي هريرة "أرخوا اللحى كذا عند أكثر شيوخنا، ولابن ماهان: "أرجوا" بالجيم، قيل: معناه: أخروا، وأصله أرجؤوا، فسهلت الهمزة بالحذف، وكان معناه: اتركوا فيها فعلكم بالشوارب، وكله من معنى ما تقدم، وفي البخاري "وفروا اللحى".
وقال السيوطي: "أرخوا اللحى بقطع الهمزة وبالخاء المعجمة في رواية الأكثر أي اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير، ولابن ماهان وبالجيم بمعناه من الإرجاء وهو التأخير وأصله أرجئوا بالهمزة فحذف تخفيفا أي أخروها واتركوها" (٣).
فرواية المغاربة وقعت بالجيم، ورواية المشارقة بالخاء، وهما معجمتان، وهاتان الروايتان هما بالمعنى، وحديث الأصل أعفوا اللحى، وهو ما وقع في
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٠٦.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٦٣.
(٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٢/ ٣٨.
[ ٢٣٧ ]
ــ
صحيح البخاري (١) أيضًا.
فالرواية بالجيم "ارجوا" مأخوذة من الأرجاء أي التأخير، قال ابن منظور: "ارجأ الأمر آخره، وتَرْك الهمزة لغة، ابن السكيت: ارجات الأمر وارجيته إذا أخرته، وقرئ ارجه وأرجئه، وقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، وأرجأ رسول الله - ﷺ - أمْرَنا أي آخره، والأرجاء التأخير مهموز" (٢).
فقول القاضي عياض في رواية ابن ماهان: "ارجوا بالجيم وهو بعيد"، ليس كذلك فقد صوب السيوطي المعنى فقال: وبالجيم بمعناه من الأرجاء وهو التأخير واصله "ارجئوا" بالهمزة، فحذف تخفيفًا أي أخروها واتركوها.
والرواية التي جاءت بالخاء: "ارخوا" فهي من أرخى، قال ابن منظور: "أرخى الفرسُ إذا طول ذيله، أرخى الرباط، أي جعله سهلًا مسترسلًا. والمعنى يكون في الحديث هو: أطيلوا لحاكم، واجعلوها سهلة مسترسلة" (٣).
وممن رواه كما وقع لمسلم من رواية المشارقة البيهقي (٤)، وعلى هذا أمكن الجمع بين الروايتين على إمكان توافق المعاني، والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، الحديث رقم ٥٥٥٣، ٥/ ٢٢٠٩.
(٢) لسان العرب ١/ ٨٣، وينظر القاموس المحيط ١/ ١٢٤، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٢٣، وغيرها.
(٣) المصدر نفسه ١٤/ ٣١٤ مادة أرخى.
(٤) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الطهارة، باب السنة في الأخذ من الأظفار، والشارب وما ذكر معهما، وان لا وضوء في الشيء من ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، الحديث رقم ٦٧٣، ١/ ١٥٠.
[ ٢٣٨ ]
٥ - كتاب الحيض
باب حكم ضفائر المغتسلة
وحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر جميعا، عن ابن علية قال يحيى: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ١/ ٢٦٠.
ــ
قال القاضي عياض: "قوله في غسل المرأة: "ثلاث إفراغات" كذا لهم، وعند ابن ماهان: "اغرافات"، وهو وهم" (١).
فرواية المغاربة اغرافات بإبدال محل العين بالفاء، ورواية المشارقة افراغات، وقول القاضي عن اغرافات بتقديم الغين: "وهم "؛ لأنه غير مستعمل، فان كان مهموز غرفات فهو غير معروف، وان كان بغير الهمز فهو جمع غرفة، فغرفات بضم الغين جمع غُرْفة، فهو الماء المغروف، وبالفتح المرَّة من الغَرْف، قاله ابن منظور (٢)، وقال أبو منصور الهروي: "الغرفة ان يغرف الماء بكفه مجموعة الأصابع مرة واحدة هذا بفتح الغين، وأما الغُرفة بالضم فالماء المحمول بالكف" (٣). ولعله أراد الإناء الذي يحمل به الغَرْفة قال ابن قتيبة الدينوري: "الغُرْفة والغَرْفة، وبلغني عن يونس انه قال: غَرَفت غَرْفة بالفتح إذا أردت المرة الواحدة وفي الإناء غُرْفة" (٤).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٣٣.
(٢) لسان العرب ٩/ ٢٦٣.
(٣) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، (تأليف: الهروي أبو منصور محمد بن احمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري ت٣٠٧هـ)، تحقيق: محمد جبر الألفي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، ط١، ١٣٩٩هـ، ١/ ٤١.
(٤) غريب الحديث: (تأليف: الدينوري أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ت٤٨٨هـ)، تحقيق: د. عبد الله الجبوري، مطبعة العاني - بغداد، ط١، ١٣٩٧هـ، ١/ ٤١٣.
[ ٢٣٩ ]
ــ
اما الافراغة: فهي المرة الواحدة من الإفراغ، قال الزبيدي: "فَرَغَ عليه الماء: صَبّه، عن ثعلب وانشد:
فرغنا الهوى في القلب ثم سقينه صُبابات ماء الحزن بالأعين النجلُ
والافراغة المرة الواحدة من الافراغ، ومنه الحديث (١): ﴿كان يفرغ على راسه ثلاث افراغات﴾ " (٢).
وبين ابن الاثير في الحديث الذي ذكره صاحب تاج العروس: "افراغات جمع افراغة، وهي المرة الواحدة من الافراغ، يقال: افرغت الاناء افراغًا، وفرّغته تفريغًا إذا قلبت ما فيه" (٣).
من خلال عرض معاني هذه الألفاظ يظهر ان من روى بالمعنى اغرافات أراد بدء الغرف، ومن روى بلفظ افراغات - وهو الأصل - أراد الانتهاء من تفريغ الغرف، ولهذا نبتعد عن القول بالوهم، ونقترب من القول بالرواية بالمعنى.
وممن رواه كما في رواية المشارقة ابن ماجه (٤)، والإمام احمد (٥)، وابن خزيمة (٦)، والبيهقي (٧)، وابن راهويه (٨).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند جابر بن عبد الله - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ١٤٢٢٤، ٣/ ٢٩٨.
(٢) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٥٦٨٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٨٣٥.
(٤) سنن ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في غسل النساء من الجنابة، الحديث رقم ٦٠٤، ١/ ١٩٨.
(٥) مسند الإمام احمد بن حنبل: باقي مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة – ﵂ -، الحديث رقم ٢٤٢٠٦، ٦/ ٤٣.
(٦) صحيح ابن خزيمة: كتاب الوضوء، باب الرخصة في ترك المرأة نقض ضفائر رئسها من الجنابة، الحديث رقم ٢٤٧، ١/ ١٢٣.
(٧) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الطهارة، باب ترك المرأة نقض قرونها إذا علمت وصول الماء إلى أصول شعرها، الحديث رقم ٨٢٤، ١/ ١٨١.
(٨) مسند إسحاق بن راهويه: مسند إسحاق بن راهويه: (تأليف: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي)، تحقيق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، ط١، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م، بقية أحاديث مشيخة عن عائشة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ -، الحديث رقم ١٧٧٣، ٣/ ١٠٢٤، والحديث رقم ١٧٩٨، ٣/ ١٠٣٩.
[ ٢٤٠ ]
٦ - كتاب الصلاة
باب التشهد في الصلاة
حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وأبو كامل الجحدري، ومحمد بن عبد الملك الأموي (واللفظ لأبي كامل) قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقرأت الصلاة بالبر والزكاة؟ قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال: ﴿إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم﴾ فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿فتلك بتلك، وإذا قال سمع الله لمن حمد، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه - ﷺ -: سمع الله لمن حمده، إذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم﴾، فقال رسول الله - ﷺ - ﴿فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله﴾ ١/ ٣٠٣.
_________________
(١) قال القاضي عياض: "قوله: لقد خشيت أن تبعكني بها بفتح التاء والكاف كذا لهم، أي تستقبلني بما أكره وتبكتني، وبالبكع التبكيت في الوجه، وفي رواية ابن ماهان: تنكتني بنون قبل الكاف وتاء بعدها، وهو وهم، ولعله مصحف من تبكتني بباء بواحدة مفتوحة قبل الكاف، أي تستقبلني بما أكره، وتوبخني بمعنى تبعكني،
[ ٢٤١ ]
ــ
ورواه بعض رواة مسلم تبعكني بتقديم العين، وكله خطأ إلا ما قدمناه" (١).
وقال أيضًا: "قال ابن الأعرابي: البكع: التبكيت في الوجه، وهكذا روينا هذا الحرف عن جمهور شيوخنا، وكذا كان في كتبهم، وعند ابن ماهان:"تنكتني"، بنون أُولى وبعد الكاف المضمومة تاء باثنتين فوقها مضمومة بعدها نون ثانية قال بعضهم: لعله تبكتني بها بالباء بمعنى الأول" (٢).
فرواية المغاربة تنكتني وجعلها القاضي عياض وهم، تصحيف بجعل الباء بواحدة تحتية إلى فوقية (بنون) من تبكتني أي تستقبلني بما اكره، وهو المعنى نفسه الذي ورد عند المشارقة بلفظ تبعكني.
فالبعك والبكت بمعنى واحد: قال ابن منظور: "بَعَّكه، وبَعَكه بَكْعًَا استقبله بما يكره وبَكَّته، وفي حديث أبي موسى قال له رجل: ما قلت هذه الكلمة، ولقد خشيت ان تبكعني بها البكع والتبكيت ان تستقبل الرجل بما يكره، ومنه حديث أبي بكرة ومعاوية - ﵄ - فبعكه بها فَزَخَّ في اقفائنا" (٣).
ويأتي معنى التبكيت أيضًا بالتفريع بالعذل والتوبيخ، والغلية بالحجة والالزام بالسكوت قال الزبيدي: "بَكّته تبكيتًا: إذا قَرَّعَهُ بالعذل تقريعًا، وفي الحديث: ﴿انه اتي بشارب فقال بَكَّتوه﴾، التبكيت التقريع والتوبيخ يقال له: يا فاسق اما استحيت؟ اما اتقيت الله؟ قال الهروي: ويكون باليد والعصا ونحوها: التبكيت والبكت: الغلبة بالحجة يقال: بَكَته وبَكَّته حتى أسكته، وفي الأساس: ألزمه بالسكت لعجزه عن الجواب عنه" (٤).
فكل هذه المعاني هي قريبة من موضوعنا. اما النكت: ان تنكت بقضيب في
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٨٨.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٢٩٧.
(٣) لسان العرب ٨/ ١٩، وينظر القاموس المحيط ١/ ٩١٠، وغيرها.
(٤) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٠٥٥.
[ ٢٤٢ ]
ــ
الأرض فتؤثر فيها بطرفه (١). وقال ابن منظور: "والنَكْتَةُ كالنقطة، وفي حديث الجمعة (فإذا فيها نكته سوداء) (٢)، أي اثر قليل كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوها، والنَكته: جمعها نكت وهو البرش، والبُرْشُ الجمع والبَرَش في شعر الفرس: نكتٌ صغار تخالف سائر لونه" (٣).
فلعل الرواية التي جاءت عند ابن ماهان أراد بها مجازًا، أي تنكت بي فتؤثر كما يؤثر من ينكت في الأرض بقضيب ونحوها، أو انه أراد به ان تجعلني بين الحاضرين كالنقطة التي في المرآة أو السيف أو الثوب، وغيرها، وهو قريب من النقطة (البرش) في الفرس. والله اعلم.
وبهذا المعنى نبتعد عن القول بالوهم والتصحيف، وتكون الرواية صحيحة المعنى، إلا أني لم أجد من يرويها بهذا اللفظ.
وممن رواه كما رواه مسلم في طريق المشارقة: الإمام احمد (٤)، الطيالسي (٥).
_________________
(١) كتاب العين ٥/ ٣٣٩.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٢٣٦.
(٣) لسان العرب ٢/ ١٠٠، و٦/ ٢٦٤ بتصرف.
(٤) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند الكوفيين، حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، الحديث رقم ١٩٦٨٠، ٤/ ٤٠٩.
(٥) مسند أبي داود الطيالسي: سعيد بن جبير وغيره عن أبي موسى - ﵁ -، الحديث رقم ٥١٧، ١/ ٧٠.
[ ٢٤٣ ]
٧ - كتاب الصلاة
باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مروان بن محمد الدمشقي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله - - ﷺ - - إذا رفع رأسه من الركوع قال: (ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) ١/ ٣٤٧.
ــ
قال القاضي عياض: "قوله:"أهل الثناء والمجد"، و"مجدني عبدي"، و"يمجدونك": أي يثنون عليك ويعظمونك، والمجيد من أسماء الله، قيل: العظيم، وقيل: الكريم، وقيل: المقتدر على الفضل والأنعام، وأصل المجد السعة" (١).
قال الإمام النووي: "قوله: (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أما قوله أهل: فمنصوب على النداء هذا هو المشهور، وجوز بعضهم رفعه على تقدير أنت أهل الثناء، والمختار النصب، والثناء: الوصف الجميل والمدح، والمجد: العظمة ونهاية الشرف، هذا هو المشهور في الرواية في مسلم وغيره، قال القاضي عياض: ووقع في رواية بن ماهان: أهل الثناء والحمد، وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول" (٢).
وقال الإمام السيوطي:" أهل الثناء بالنصب على النداء، وجوز بعضهم رفعه على تقدير أنت أهل الثناء، والثناء: الوصف بالجميل والمدح، والمجد: العظمة ونهاية الشرف، ولابن ماهان أهل الثناء والمدح" (٣).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٧٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٩٤.
(٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٢/ ١٧٣.
[ ٢٤٤ ]
ــ
فالمَجْدُ: "نيل الشَّرف، وقد مَجَدَ الرجل، ومَجُدَ: لغتان، والمَجْدُ: كرم فعاله، والله ﵎ هو المجيد، تمجَّدَ بفعاله، ومجَّدَهُ خلقه لعظمته، وقال - ﷿ -: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج] " (١).
وقال ابن منظور: "والمجيدُ: فعيل منه للمبالغة، وقيل: هو الكريم المفضال وقيل: إِذا قارَن شَرَفُ الذاتِ حُسْنَ الفِعال سمي مَجْدًا، وفعِيلٌ أَبلغ من فاعِل، فكأَنه يَجْمع معنى الجليل والوهَّابِ والكريم والمجيدُ من صفاتِ الله - - ﷿ - ـ، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج]، وفي أسماء الله تعالى الماجدُ، والمَجْد في كلام العرب الشرف الواسع التهذيب. الله تعالى هو المجِيدُ تَمَجَّد بِفعاله، ومَجَّده خلقه لعظمته، وفي حديث قراءة الفاتحة: "مَجَّدَني عَبْدي أَي شرَّفني وعَظَّمني"، وكان سعد ابن عبادة يقول: اللهمَّ هَبْ لي حَمْدًا ومَجْدًا لا مَجْد إِلا بِفعال ولا فِعال إِلا بمال، اللهم لا يُصْلِحُني ولا أَصْلُحُ إِلا عليه" (٢).
وقال ابن دريد: "والمجد لله ﵎: الثناء الجميل. يقال: سبَّح اللهَ - ﷿ - - ومجَّده، أي ذكرَ الآءه. وقد سمّت العرب مَجْدًا وماجِدًا ومُجَيْدًا" (٣).
وقال الفيروز آبادي: "والمَجيدُ الرَّفيعُ العالِي، والكَرِيمُ، والشَّريفُ الفِعالِ" (٤).
وأما الحمدُ: "نقيض الذَّمِّ، يقال: حمدته على فعله، ومنه المحمدةُ، وقال الله - ﷿ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] " (٥).
وقال الخليل: "يقال: بلوته فأحمدته أي وجدته حميدا محمود الفعال، وحمدته على ذلك، ومنه المحمدة، وحماداك أن تفعل كذا، أي: حمدك، وحماداك أن تنجو
_________________
(١) تهذيب اللغة ٣/ ٤٨٤.
(٢) لسان العرب ٣/ ٣٩٥.
(٣) جمهرة اللغة ١/ ٢١٩.
(٤) القاموس المحيط ١/ ٣٢٠، وينظر المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٢٧٦.
(٥) تهذيب اللغة ٢/ ٧٧، مادة حمد.
[ ٢٤٥ ]
ــ
من فلان رأسا برأس، والتحميد: كثرة حمد الله بحسن المحامد، وأحمد الرجل: أي: فعل فعلا يحمد عليه، قال الأعشى (١):
وأحمدت إذ نجيت بالأمس صرمة لها غددات واللواحق تلحق
والحمد: الثناء" (٢).
وقال ابن سيده: "وقد حَمِدَه حَمْدًا ومحْمَدًا ومحْمَدَةً ومَحْمِدًا ومَحْمِدَةٌ، نادر، فهو محمودٌ وحَمِيدٌ والتَّحميدُ: حمدُكَ الله مرة بعد مرة. وإنه لَحَمَّادٌ لله ومحَمَّدٌ، هذا الاسم منه كأنه حُمِدَ مرة بعد أخرى" (٣).
وقال الزمخشري: أحمد الله تعالى بجميع محامده. قال النابغة:
وألقيت في العبسيّ فضلًا ونعمةً ومحمدةً من باقيات المحامد (٤)
وأحمد إليك الله. وأحمدت فلانًا: وجدته محمودًا. وأحمد الرجل: جاء بما يحمد عليه، ضد أذم. والله محمود وحميد. ورجل حمدة: كثير الحمد. وحمدت الله ومجدته. وهو أهل التحميد والتحاميد. وتحمد فلان: تكلف الحمد. تقول: وجدته متحمدًا متشكرًا (٥).
أما المدح: [فهو] نقيض الهجاء، وحُسنُ الثَّناء. مَدَحَه يمْدَحُه مَدْحا ومِدَحُةً، هذا قول بعضهم، والصحيح أن المدحَ المصدر، والمِدْحَةُ الاسم. ومَدَحَه وامتدَحَه وتَمَدَّحَه، كمدَحَه (٦)، ويقال: فلان يَتَمدح إذا كان يُقّرظُ نفسه ويُثني عليها (٧).
وقال الجوهري: "المَدْحُ: الثناء الحسن. وقد مَدَحَهُ وامتدَحه بمعنًى. وكذلك
_________________
(١) المعاني الكبير: (تأليف: الدينوري ابن قتيبة)، حيدر آباد الدكن ١٩٤٩هـ، ١/ ٢٩١.
(٢) كتاب العين ٣/ ١٨٨. وينظر المحيط في اللغة ١/ ٢١٣.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٦و٧.
(٤) ديوان النابغة الذبياني ١/ ٢٩، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال: (تأليف: أبو عبيد القاسم بن سلام البكري ت٢٢٢هـ)، تحقيق: إحسان عباس، مؤسسة الرسالة بيروت - لبنان، ط ١، ١٩٧١، ١/ ٢٨٧
(٥) أساس البلاغة ١/ ٩٧.
(٦) المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٧.
(٧) تهذيب اللغة ٢/ ٧٧.
[ ٢٤٦ ]
ــ
المِدْحَةُ، والمَديحُ، والأمْدوحَةُ. وأنشد أبو عمرو لأبي ذؤيب:
لو كان مِدْحَةُ حَيٍّ مُنْشِرًا أحدًا أحْيا أباكُنَّ يا ليلى الأماديحُ " (١).
وممن روى الحديث كما رواه مسلم - عند المشارقة - أبي داود (٢)، والنسائي (٣)، والدارمي (٤)، والإمام أحمد (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨).
الخلاصة: كل ما ورد من هذه اللفاظ فهي صحيحية؛ لأن الثناء على الله تعالى لا ينحصر بلفظ واحد أو اثنين ، والأصح ما ورد من طريق المشارقة لما تؤيدهم كثرة الرواية عند كافة المحدثين.
_________________
(١) الصحاح في اللغة ٢/ ١٦٢. وبيت الشعر في شرح ديوان الحماسة ١/ ٧٣.
(٢) سنن أبي داود: ككتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الصركوع، الحديث رقم ٨٤٧، ١/ ٢٥٨.
(٣) سنن النسائي (المجتبى): كتاب الصلاة، باب ما يقول في قيامه ذلك، الحديث رقم ١٠٨٦، ١/ ١٩٨.
(٤) كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد رفع الرأس من الركوع، الحديث رقم ١٣١٣، ١/ ٨٧. مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري ﵁، الحديث رقم ١١٨٤٥، و١١٨٤٦، ٣/ ٨٧، وينظر الحديث رقم ١٨٥٤٤، ٤، ٢٨٥.
(٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري ﵁، الحديث رقم ١١٨٤٥، و١١٨٤٦، ٣/ ٨٧، وينظر الحديث رقم ١٨٥٤٤، ٤، ٢٨٥.
(٦) صحيح ابن حبان: كتاب الصلاة، ياي صفة الصلاة، الحديث رقم، ١٩٠٥، ٥/ ٢٣١، وينظر الحديث رقم ١٩٠٦، ٥/ ٢٣٢.
(٧) مسند الشاميين: سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس، الحديث رقم ٣٠٤، ١، ١٨٧، وينظر المعجم الكبير، الحديث رقم ٨٩٨٥، ٩/ ٢٠١، و١٠٣٤٨، ١٠/ ١٦٨، والمعجم الأوسط الحديث رقم ٣٢٠٨، ٣/ ٢٩٧ ..
(٨) سنن البيهقي الكبرى: جماع أبواب صفة الصلاة، باب ما يقول عند رفع الرأس من الركوع وإذا استوى قائمًا، الحديث رقم ٢٤٤٠، ٢/ ٩٤، وباب كيف القيام من الركوع، الحديث رقم ٢٤٥٨، ٢/ ٩٨. وغيرها من الطرق عن عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃.
[ ٢٤٧ ]
٨ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
باب السهو في الصلاة والسجود له
حدثنا عثمان بن أبي شيبة (واللفظ له)، حدثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم بن سويد قال: صلى بنا علقمة الظهر خمسا، فلما سلم قال القوم: يا أبا شبل قد صليت خمسا. قال: كلا، ما فعلت. قالوا: بلى. قال: وكنت في ناحية القوم، وأنا غلام، فقلت: بلى، قد صليت خمسا. قال لي: وأنت أيضا يا أعور تقول ذاك؟ قال: قلت: نعم. قال: فانفتل، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: قال: عبد الله صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسا فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال: ﴿ما شأنكم﴾؟ قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: ﴿لا﴾. قالوا: فإنك قد صليت خمسا فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: ﴿إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون﴾، وزاد ابن نمير في حديثه، ﴿فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين﴾ ١/ ٤٠٠.
ــ
قال القاضي عياض: "في السهو في الصلاة فتوسوس القوم، كذا رواه ابن ماهان وكذا الكثير من شيوخنا، ورواه بعضهم توشوش بالمعجمة، وكذا قيدناه على أبي بحر وغيره، وكذا تقيد عند الخشنى والهوزني وهما بمعنى، والشين هنا أشهر وأليق، والوشوشة بالمعجمة همس القوم بعضهم لبعض بكلام خفي مع حركة واضطراب والوسوسة بالمهملة الكلام الخفي أيضا والحركة الخفية، قال الخليل: الوشوشة كلام في اختلاط " (١).
ففي راوية ابن ماهان توسوس بالسين المهملة، وابن سفيان بالمعجمة وكلاهما بالمعنى نفسه واراد بها راويها ان يظهر وجود الصوت من كلام غير مفهوم، لذا قال: ما شأنكم
فالوسوسة: الكلام الخفي في اختلاط (٢)، ومنه حديث عثمان (٣) [لما قبض
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٩٦.
(٢) لسان العرب ٦/ ٢٥٤، تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٤١٨٢.
(٣) مسند أبي يعلى: مسند أبي بكر الصديق - ﵁ -، الحديث رقم ٩، ١/ ٢٠، وشعب الإيمان، الأول من شعب الإيمان وهو باب في الإيمان بالله - ﷿ -، الحديث رقم ٩٢، ١/ ١٠٧.
[ ٢٤٨ ]
ــ
رسول الله - ﷺ - وسوس ناس]، وكنت فيمن وسوس يريد انه اختلط كلامه ودهش بموته، ووسوس الرجل: إذا تكلم بلام خفي يكرره (١).
والوشوشة: كلام في اختلاط، قال ابن منظور (٢): "الوشوشة كلام في اختلاط "، وفي حديث سجود السهو (٣) "فلما انفتل توشوش القوم" الوشوشة كلام مختلط حتى لا يكاد يفهم ورواه بعضهم بالسين، وفي القاموس المحيط (٤): وتوشوشوا تحركوا وهمس بعضهم إلى بعض.
وقال ابن الأثير: "في حديث سجود السهو: [فلما انفتل توشوش القوم] الوشوشة كلام مختلط خفي لا يكاد يفهم، ورواه بعضهم بالسين المهملة. ويريد به الكلام الخفي والوسوسة: الحركة الخفية وكلام في اختلاط" (٥).
وكلا اللفظتين أفادت معنى واحد وبهذا نبتعد عن التخطئة.
وممن رواه كما رواه مسلم في رواية ابن ماهان ابن خزيمة (٦). ورواه أبو داود (٧) كما رواه مسلم في رواية ابن سفيان، وكذلك البيهقي (٨).
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب ٢/ ٣٥٢ بتصرف.
(٢) لسان العرب ٦/ ٣٧٢.
(٣) وهو الحديث الذي نحن بصدده.
(٤) القاموس المحيط ١/ ٦٨٧.
(٥) غريب الحديث والأثر٥/ ٤١٧.
(٦) صحيح ابن خزيمة: كتاب الصلاة، باب السلام بعد سجدتي السهو إذا سجدها المصلي بعد السلام، الحديث رقم ١٠٦١، ٢/ ١٣٣.
(٧) سنن أبي داود: باب إذا صلى خمسًا، الحديث رقم ١٠٢٢، ١/ ٣٣٤.
(٨) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الصلاة، باب من سها فصلى خمسًا، الحديث رقم ٣٦٥٧، ٢/ ٣٤٢.
[ ٢٤٩ ]
باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضاؤها
٩ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها
وحدثني أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، حدثنا سلم بن زرير العطاردي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين قال: كنت مع نبي الله - ﷺ - في مسير له فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس قال: فكان أول من استيقظ منا أبو بكر، وكنا لا نوقظ نبي الله - ﷺ - من منامه إذا نام حتى يستيقظ، ثم استيقظ عمر فقام عند نبي الله - ﷺ - فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله - ﷺ - فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: ﴿ارتحلوا﴾، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا، فلما انصرف قال له رسول الله - ﷺ -: ﴿يا فلان ما منعك أن تصلي معنا﴾؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة، فأمره رسول الله - ﷺ -، فتيمم بالصعيد، فصلى، ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء، وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها أين الماء؟ قالت: أيهاه أيهاه لا ماء لكم. قلنا: فكم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة. قلنا: انطلقي إلى رسول الله - ﷺ - قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئا حتى انطلقنا بها، فاستقبلنا بها رسول الله - ﷺ - فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا، وأخبرته أنها موتمة، لها صبيان أيتام، فأمر بروايتها، فأنيخت فمج في العزلاوين العلياوين، ثم بعث براويتها، فشربنا ونحن أربعون رجلا عطاش حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وغسلنا صاحبنا غير أنا لم نسق بعيرا، وهي تكاد تنضرج من الماء (يعني المزادتين)، ثم قال: ﴿هاتوا ما كان عندكم فجمعنا لها من كسر وتمر وصر لها صرة فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك﴾، فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر البشر أو إنه لنبي كما زعم، كان من أمره ذيت وذيت، فهدي الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا ١/ ٤٧٤.
[ ٢٥٠ ]
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله تكاد تنضرج من الماء كذا لابن سفيان وعند ابن ماهان من الملء أي الامتلاء من الماء" (١).
فالضرج: الشق، والانْضِراجُ الانشقاق (٢)، وضرجه أي شقّه، وضَرَجَ الشيءَ ضَرْجًا فانْضَرَج، وضَرَّجه شقَّه والضَّرْج الشَّقُّ (٣).
واستشهد ابن منظور بقول ذي الرّمة يصف:
نساء ضَرَجْنَ البُرُودَ عن تَرائب حُرَّةٍ: أَي شَقَقْنَ ويروى بالحاء أَي أَلقين، وقال ابن منظور أيضًا: وفي حديث المرأَة صاحبة المَزادَتَيْن تَكاد تَتَضَرَّجُ من المِلْءِ أَي تنشقُّ، وتَضَرَّج الثوبُ: انشقَّ، وقال هميان يصف أَنياب الفَحل: أَوْسَعْنَ من أَنيابه المَضارِجِ، والمَضَارِج المَشاقُّ وتَضَرَّح الثوب إِذا تَشَقَّقَ (٤).
وهذا ما اكده الزبيدي أيضًا (٥).
فرواية ابن ماهان "تنضرج من الملء" ورواية ابن سفيان "تنضرج من الماء"، فلم تبين رواية ابن ماهان من أي شيء الملء لولا سياق الحديث انهم عطشوا فملأوا اوعيتهم من الماء، ورواية ابن سفيان تنضرج من الماء، والماء لا يضرّج شيئًا لولا الامتلاء، فيصح الجمع بينهما تنضرج من ملء الماء على المعنى.
ونقل اهل اللغة وغريب الحديث رواية ابن ماهان (٦). مما يدل على وجودها واعتمادها، وروى البخاري (٧) ما يقرب من رواية ابن ماهان بلفظ "وهي تكاد تنضُّ من الملء"، ومثلما رواه مسلم عند ابن سفيان رواه البيهقي في دلائل النبوة (٨).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٧٢.
(٢) الصحاح في اللغة: الجوهري ١/ ٤٠٧.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٢٤٧، لسان العرب ٢/ ٣١٣، تاج العروس من جواهر القاموس ٢/ ٣١٣.
(٤) لسان العرب، المصدر نفسه.
(٥) تاج العروس من جواهر القاموس ٢/ ٣١٣.
(٦) النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٧٠، لسان العرب ٢/ ٣١٣.
(٧) صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث رقم ٣٣٧٨، ٣/ ١٣٠٨. =
(٨) = (٨) دلائل النبوة للبيهقي: جماع ابواب غزوة تبوك، جماع ابواب دعوات نبينا - ﷺ - المستجابة في الاطعمة، باب ما ظهر في مزادتي المرأة ببركة دعاء رسول الله - ﷺ -، الحديث رقم ٢٣٦٩.
[ ٢٥١ ]
١٠ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
باب إسلام عمرو بن عبسة
حدثني أحمد بن جعفر المعقري، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة (قال عكرمة: ولقي شداد أبا أمامة وواثلة، وصحب أنسا إلى الشام، وأثنى عليه فضلا وخيرا)، عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله - ﷺ - مستخفيا جرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: ﴿أنا نبي﴾، فقلت: وما نبي؟ قال: ﴿أرسلني الله﴾، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: ﴿أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء﴾، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: ﴿حر وعبد﴾، - قال ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به -، فقلت: إني متبعك. قال: ﴿إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت، فأتني﴾، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم على نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: ﴿نعم أنت الذي لقيتني بمكة﴾؟ قال: فقلت: بلى. فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: ﴿صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء
[ ٢٥٢ ]
فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار﴾. قال: فقلت: يا نبي الله فالوضوء؟ حدثني عنه. قال: ﴿ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق، فينتثر إلا خرت خطايا وجهه، وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه﴾، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله - ﷺ - فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله، لو لم أسمعه من رسول الله - ﷺ - إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا (حتى عد سبع مرات) ما حدثت به أبدا، ولكني سمعته أكثر من ذلك. ١/ ٥٦٩.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي باب النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، في حديث عمرو بن عبسة: صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة "حتى ترتفع"، كذا لابن ماهان عن مسلم، وللجلودي "حتى تطلع"، وعند الطبري "حين ترتفع"، والأول أصح، وقد يتخرج الروايات الأخرى على معنى الأول" (١).
ففي رواية ابن ماهان: "حتى ترتفع الشمس" وجعله القاضي اصح الراويات، وفي رواية الجلودي "حتى تطلع"، وعند ابن سفيان بالجمع بينهما حتى تطلع، حتى ترتفع، وهي تفيد الغاية.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٧٩.
[ ٢٥٣ ]
ــ
فالطلوع في اللغة: بدء العلو جاء في المعاجم: كل ما بدا لك من علو فقد طلع عليك (١)، وتأتي بمعنى الشروق قال الزبيدي: "أشرقت الشمس اشراقًا أضاءت وانبسطت على الأرض، وقيل شرقت وأشرقت كلاهما طلعت" (٢).
والارتفاع: بمعنى العلو مع الإضاءة (٣)، أي حتى بيان ضوؤها، وقد يأتي الطلوع والارتفاع والشروق بمعنى الإضاءة، قال ابن الأثير: "وفي حديث ابن عباس: نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، يقال: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت، فإن أراد في الحديث الطلوع فقد جاء في حديث آخر حتى تطلع الشمس وان أراد الإضاءة فقد جاء في حديث آخر حتى ترتفع الشمس والإضاءة مع الارتفاع" (٤).
قال ابن سلام: "والدليل على ذلك قول رسول الله - ﷺ - حين ذكر صلاة الفجر "لا صلاة حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح او رمحين، ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح، ولا صلاة حتى تزول الشمس" .. (٥).
وترجم الإمام البخاري في صحيحه عنوانًا لهذا الباب وهو باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس.
وكما وقع لمسلم من رواية ابن ماهان رواه عبد بن حميد (٦)، ولولا الإطالة لذكرت أحاديث بألفاظ متقاربة ذكر فيها رواتها "حتى ترتفع الشمس".
وكما وقع للجلودي رواه أبو داود (٧)، والإمام احمد (٨)، وابن خزيمة (٩)، =
_________________
(١) المغرب بترتيب المعرب: ٣/ ٣٧٣، وينظر المصباح المنير في غريب الشرق الكبير ٥/ ٤٢١.
(٢) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٦٣٩٨.
(٣) لسان العرب ٨/ ١٢٩.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١١٤٣.
(٥) غريب الحديث لابن سلام: ١/ ١٧٨.
(٦) المنتخب من مسند عبد بن حميد: حديث عمرو بن عبسة - - ﵁ - ـ، ٢٩٧، ١/ ١٢٢.
(٧) سنن أبي داود: كتاب الصلاة، باب باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، الحديث رقم، ١٢٧٧،١/ ٤٠٩. =
(٨) = (٨) مسند احمد بن حنبل: مسند الشاميين، حديث عمرو بن عبسة - - ﵁ - - الحديث رقم ١٧٠٥٩، ٤/ ١١.
(٩) صحيح ابن خزيمة: كتاب الوضوء، باب ذكر دليل أن النبي - - ﷺ - - قد كان يأمر بالوضوء قبل نزول سورة المائدة، الحديث رقم ٢٦٠، ١/ ١٢٨.
[ ٢٥٤ ]
باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات
١١ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها وإن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم ١/ ٤٩٧*.
ــ
= والحاكم (١)، والطبراني (٢)، وعبد بن حميد في حديث آخر (٣).
وممن رواه كما رواها مسلم في صحيحه (نسخة ابن سفيان) بتكرار "حتى تطلع"، "حتى ترتفع" البيهقي (٤)، والذي يبدو لي هي مروية على البدل.
* قال القاضي عياض: "قوله في صلاة الضحى وأني لأسبحها أي أصليها كذا رواه أكثر رواة البخاري ومسلم وعبيد الله، عن أبيه يحيى في رواية أبي عمر الحافظ، وأكثر شيوخنا في الموطأ يروونه استحبها من المحبة، وكذا رواه ابن السكن، والنسفي، وابن ماهان، ورواه بعضهم في الموطأ استحسنها" (٥).
فرواية المشارقة اسبحها ورواية المغاربة استحبها وغيرهم استحسنها فمن رواها اسبحها أي صليها والسبحة صلاة التطوع، قال ابن سيده وغيره: "وقيل
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين: كتاب الطهارة، الحديث رقم ٥٨٤،١/ ٢٦٨.
(٢) المعجم الأوسط: يحيى بن أبي كثير، الحديث رقم ٦٩٦٤، ٧/ ٩٦، ومسند الشاميين: ما انتهى إلينا من مسند محمد بن الوليد الزبيدي، يكنى أبا الهذيل، الزبيدي عن لقمان بن عامر الأوصابي، الحديث رقم ١٨٤٧، ٣/ ٨٦.
(٣) مسند عبد بن حميد: حديث عمرو بن عبسة - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ٣٠٠، ١/ ١٢٤.
(٤) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الحيض، باب ذكر الخبر الذي يجمع النهي عن الصلاة في جميع هذه الساعات، الحديث رقم ٤١٧٨، ٢/ ٤٥٤.
(٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٠٦.
[ ٢٥٥ ]
ــ
السُّبْحةُ الدعاءُ وصلاةُ التطوع وعَمَّ به بعضهمُ الصلاةَ" (١).
وخصَّ الزمخشري السبحة بصلاة النافلة وقال: "السبحة من التسبيح المكتوبة والنافلة وان التقتا في ان كل واحدة منها مسبح فيها الا ان النافلة جاءت بهذا الاسم اخص على انها شبيهة الاذكار في كونها غير واجبة" (٢).
وهذا ما ذكره أيضًا ابن الأثير (٣)، وأكده ابن منظور، والزبيدي (٤).
ومن رواها استحبها فأراد بها محبتها للصلاة قال الرافعي: "أحب الشيء بالألف فهو محب واستحبه مثله" (٥).
ولا فرق بين الاستحباب والاستحسان قال الرافعي ايضأً: "ويكون الاستحباب بمعنى الاستحسان" (٦).
ولم يقع لأحد الرواة ان روى مثل ابن ماهان غير ما ذكره القاضي عياض ولا بلفظ استحسنها (٧). وممن رواه كما وقع للمشارقة في صحيح مسلم: البخاري (٨)، أبو داود (٩)، والنسائي (١٠)، ومالك (١١)، والإمام احمد (١٢)، =
_________________
(١) المخصص ٣/ ١٦٥، ٤/ ٣٠٩، والايضاح في علوم البلاغة: جلال الدين القزويني ٣/ ١٦٥، وغيرها.
(٢) الفائق في غريب الحديث والأثر ١/ ١٩٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٨٣٣.
(٤) لسان العرب ٢/ ٤٧٠، وتاج العروس من جواهر القاموس ٢/ ٤٧٠.
(٥) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٢/ ٢٥٢.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٠٦.
(٨) صحيح البخاري: أبواب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غيره، الحديث رقم ١٠٧٦، ١/ ٣٧٩، وأبواب التطوع، باب من لم يصل الضحى: كتاب الصلاة، باب صلاة الضحى، الحديث رقم ١١٢٣، ١/ ٣٩٥.
(٩) سنن أبي داود: كتاب الصلاة، باب صلاة الضحى، الحديث رقم ١٢٩٣، ١/ ٤١٣.
(١٠) سنن النسائي الكبرى: كتاب الصلاة الأول، عدد صلاة الضحى في الحضر، الحديث رقم ٤٨٠، ١/ ١٨٠.
(١١) موطأ الإمام مالك برواية يحيى الليثي: كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة الضحى، الحديث رقم ٣٥٧، ١/ ١٥٢.
(١٢) مسند الإمام احمد بن حنبل: ما في مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة - ﵂ -، الحديث رقم ٢٤٦٠٣، ٦/ ٨٦، والحديث رقم ٢٥٤٨٣، ٦/ ١٧٧، والحديث رقم ٢٥٤٩، = = ٦/ ١٧٨، والحديث رقم ٢٥٨٠٠، ٦/ ٢٠٩، والحديث رقم ٢٥٨٤٨، ٦/ ٢١٥، والحديث رقم ٢٦٠٥٣، ٦/ ٢٣٨.
[ ٢٥٦ ]
باب الأمر بتعاهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا
١٢ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها
وحدثنا زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير)، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسى استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها﴾ ١/ ٥٤٤*.
ــ
= وابن الجعد (١)، وإسحاق بن راهويه (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، والطبراني (٤)، والبيهقي (٥).
* قال القاضي عياض: "وقوله في القرآن:" لهو أشد تفصيا من النعم بعقلها"، كذا للجلودي في حديث زهير، ولابن ماهان فيه من عقلها قالوا: وهو الصواب، وكلاهما صواب، روي بعقلها ومن عقلها بمعنى، كما قيل في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، أي منها، وقيل "يشربون" هنا بمعنى يروون، وقد جاء في رواية أخرى في عقلها، وهو راجع إلى معنى من" (٦).
وقال أيضًا: "وقوله: من النعم بعُقُلها، كذا رواية الجلودي في حديث زهير،
_________________
(١) مسند ابن الجعد: مسند الزهري، الحديث رقم ٢٧٨١، ١/ ٤٠٨.
(٢) مسند إسحاق بن راهويه: ما يروى عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة عن النبي - ﷺ -، الحديث رقم ٨٢٠، ٢/ ٢٩٩، والحديث رقم ٨٧٠، ٢/ ٣٤٢.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الصلوات، من كان لا يصلي الضحى، الحديث رقم ٧٧٨٠، ٢/ ١٧٢.
(٤) مسند الشاميين: ما انتهى إلينا من مسند عبد الرحمن بن نمر اليحصبي الدمشقي، الحديث رقم ٢٩٠٠، ٤/ ١٢٤، وشيب عن الزهري عن عروة بن الزبير، الحديث رقم ٣٠٩٣، ٤/ ١٩٧.
(٥) سنن البيهقي الكبرى: كتاب مواقيت الصلاة: باب ذكر الحديث الذي روي في ترك الرسول - ﷺ - صلاة الضحى وان المراد به انه كان لا يداوم عليها، الحديث رقم ٤٦٩٠، ٣/ ٤٩، والحديث رقم ٤٦٩٢، ٣/ ٥٠.
(٦) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٧٢.
[ ٢٥٧ ]
ــ
وعند ابن ماهان: من عقلها، وصوب بعضهم هذه الرواية، وكلاهما صواب، وقد جاءت الراويتان في غير حديث زهير والباء تأتي بمعنى "من"، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٨]، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] أي منها، وقيل يشربون هنا بمعنى يُروَون، فتكون الباء على بابها، وفي رواية أخرى: "في عقلها" وهي راجعة إلى معنى من أيضًا وبمعنى الباء" (١).
فرواية ابن ماهان "فيه من عقلها"، ورواية ابن سفيان "من النعم بعقلها" فالاختلاف بين الروايتين زائل من حيث المعنى؛ لان "مِنْ" تأتي بمعنى الباء، قال ابن أم قاسم المرادي: "الحادي عشر: (أي النوع الحادي عشر من أنواع من) موافقة الباء، نحو "ينظرون من طرف خفي". قال الأخفش: قال يونس: أي بطرف خفي. كما تقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف، وهذا قول كوفي" (٢).
وتأتي "الباء" بمعنى من، قال ذلك ابن عباس - ﵁ - تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، فالمعنى من نعمة الله. وذكر الرافعي هذا القول (٣).
واستشهد ابن سيده (٤) بقول أبي ذؤيب:
شربنَ بماء البحر ثم تصعدت متى لُجَجٍ خُضرٍ لَهُنَّ نئيجُ (٥)
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ١٥٥.
(٢) الجني الداني في حروف المعاني ١/ ٥٣.
(٣) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ١/ ٣٣٦ و٣٣٧، بتصرف.
(٤) المخصص ٣/ ٣٢٨.
(٥) أدب الكاتب: (تأليف: الدينوري أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة السعادة - مصر، ط٤، ١٩٦٣م، ١/ ٤٠٨، وخزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: (تأليف: البغدادي عبد القادر بن عمر)، تحقيق: محمد نبيل طريفي واميل بديع اليعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٩٩٨م،٧/ ٨٩.
[ ٢٥٨ ]
ــ
أي من ماء البحر، ومثله قول عنترة:
شربتْ بماء الدحر ضنين فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم (١)
وممن رواه كما رواه ابن ماهان، - ولكن بلفظ من صدور الرجال من عقلها وليس في صدور الرجال - الإمام احمد (٢)، والدارمي (٣) - لكن بلفظ فانه أسرع تفصيًا وليس اشد تفصيًا -، وابن أبي شيبة (٤)، وأبو عوانة (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨)، والحاكم (٩)، وأبو نعيم الاصبهاني (١٠).
وممن رواه كرواية ابن سفيان الفريابي (١١).
_________________
(١) الأغاني: (تأليف: أبو الفرج الأصبهاني علي بن الحسين بن محمد ت٣٥٦هـ)، تحقيق: علي مهنا وسمير جابر، دار الفكر للطباعة والنشر، لبنان، ٨/ ٢٢٣.
(٢) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله ابن مسعود - ﵁ -، الحديث رقم ٣٩٦٠، ١/ ٤١٧، والحديث رقم ٤٠٢٠، ١/ ٤٢٣، والحديث رقم ٤٤١٦، ١/ ٤٦٣.
(٣) سنن الدارمي: كتاب الرقاق، باب في تعاهد القرآن، الحديث رقم ٢٧٤٥، ٢/ ٣٩٨، وكتاب فضائل القرآن، باب في تعاهد القرآن، الحديث رقم ٣٣٤٧، ٢/ ٥٣١.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الصلوات، ما أمر به من تعاهد القرآن، الحديث رقم ٨٥٦٨، ٢/ ٢٤١.
(٥) مستخرج أبي عوانة: مبتدأ فضائل القرآن، باب ذكر الخبر الموجب لاستذكار القرآن ودراسته، الحديث رقم ٣٨١٢،٢/ ٤٥٦، والحديث ٣٨٢٠ ٢/ ٤٥٨، وله أيضاُ "له أشد تفصيًا من قلوب الرجال " الحديث رقم ٣٩٨٣،/٢ ٤٩٨.
(٦) صحيح ابن حبان: كتاب الرقائق، باب قراءة القرآن، الحديث رقم ٧٦٢، ٣/ ٣٨، والحديث رقم ٧٦٣، ٣/ ٤١.
(٧) المعجم الكبير: باب العين، عبد الله بن مسعود الهذلي يكنى أبا عبد الرحمن حليف بني زهرة بدري وكان ممن هاجر إلى ارض الحبشة الهجرة الأولى، الحديث رقم ٨٦٨٨، ٩/ ١٣٩، والحديث رقم ١٠٢٣١، ١٠/ ١٨٩، والحديث رقم ١٠٤٤٩، ١٠/ ١٩٨.
(٨) سنن البيهقي الكبرى: باب المعاهدة على قراءة القرآن، الحديث رقم ٣٨٥٨، ٢/ ٣٩٥، والحديث رقم ٣٨٥٩، ٢/ ٣٩٥.
(٩) المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص: كتاب فضائل القرآن، أخبار في فضائل القرآن جملة، الحديث رقم ٢٠٣٢، ٧٣٦، والحديث بلفظ ك "من صدور الرجال من الإبل من عقلها"، وتعقب الذهبي الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(١٠) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: زر بن حبيش، الحديث غير مرقم، ٤/ ١٨٨، والحديث لفظه كما ورد عند الحاكم.
(١١) كتاب فضائل القرآن للفريابي: باب ما جاء في تعاهد القرآن عن النبي - ﷺ - الحديث رقم ١٤٤.
[ ٢٥٩ ]
١٣ - كتاب الزكاة
باب ذكر الخوارج وصفاتهم
حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي - - ﵁ - ـ، وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله - - ﷺ - ـ، فقسمها رسول الله - - ﷺ - - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العاشمري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش، فقالوا أتعطي صناديد نجد وتدعنا؟ فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: ﴿إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم﴾، فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتقِّ الله يا محمد! قال: فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: ﴿فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني﴾؟. قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله - - ﷺ - ـ: ﴿إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ ٢/ ٧٤١.
ــ
قال القاضي عياض: "قوله: "بعث بذهيبة في تربتها "، كذا الرواية عن مسلم عند أكثر شيوخنا" (١).
قال الإمام النووي: "قَوْله: (بَعَثَ عَلِيٌّ - - ﵁ - - وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا)، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا بِفَتْحِ الذَّال، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع رُوَاة مُسْلِم عَنْ الْجُلُودِيّ، قَالَ: وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان (بِذُهَيْبَةٍ) عَلَى التَّصْغِير" (٢).
وفي الحديث الذي بعده (بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا)، أي أنها مدبوغ بالقَرَظِ وهو
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٧١.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٠، وينظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار١/ ٢٧١، حيث وجدت النص كما ذكرته.
[ ٢٦٠ ]
ــ
الصمغ، ولم تميز (١).
قال ابن الأثير ونقل عنه ابن منظور: "لم تُحَصَّل من ترابها أَي لم تُخَلَّص والذهب يُذَكَّر ويؤَنث" (٢).
ولما كانت الرواية في باب ذكر الخوارج وصفاتهم، أراد من روى الحرف بالتصغير أن يبيِّن صغر القطعة التي بعث بها علي بن أبي طالب - - ﵁ - ـ، وقسمها رسول الله - - ﷺ - - على المؤلفة قلوبهم (٣)، فأراد أن يبين مدى حال الخوارج في خروجهم على الأمر. فتكون الروايتان صحيحتين، والله أعلم.
وممن روى الحديث كما رواه مسلم عند المشارقة: الإمام أحمد (٤)، وروى أبي يعلى (٥) الحديث بلفظ مقارب منه.
_________________
(١) ينظرإكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٦٢١، وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢١.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٩٨٢، ولسان العرب ١١/ ١٥٣.
(٣) ينظر مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري - ﵁ -، الحديث رقم ١١٢٨٥، ٣/ ٣١.
(٤) هذا الحديث خرجه الإمام احمد، وهو الحديث الذي رواه مسلم بعد الحديث الذي نحن بصدده، ينظر مسند أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ١١٠٢١، ٣/ ٤.
(٥) مسند أبي يعلى: مسند أبي سعيد الخدري، الحديث رقم ١١٦٣، ٢/ ٣٩٠.
[ ٢٦١ ]
١٤ - كتاب الصيام
باب النهي عن الوصال في الصوم
حدثني زهير بن حرب، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما حس النبي - ﷺ - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم ذاك الذي حملني على الذي صنعت قال: فأخذ يواصل رسول الله - ﷺ -، وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون فقال النبي - ﷺ -: ﴿ما بال رجال يواصلون إنكم لستم مثلي، أما والله لو تماد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم﴾.
حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا خالد (يعني ابن الحارث)، حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - قال: واصل رسول الله - ﷺ - في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال: ﴿لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم إنكم لستم مثلي، (أو قال) إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني﴾ ٢/ ٧٧٥.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي حديث عاصم بن مالك في الوصال واصل رسول الله - ﷺ - في أول شهر رمضان كذا في جميع النسخ وصوابه في آخر شهر رمضان، كما قال في حديث زهير: بعده ولقوله في الحديث الآخر: لو تمادى بي الشهر لواصلت، وعلى الصواب سمعناه من ابن أبي جعفر، عن بعض شيوخه أحسبه من رواية ابن ماهان أو لعله أصلح" (١).
وقال في موضع آخر: "واصل رسول الله في أول شهر رمضان كذا في جميع النسخ ويحل الرواة عن مسلم، وكان عند ابن أبي جعفر من رواية الهوزني في آخر الشهر، وهو الصواب، والذي في غيره من روايات هذا الحديث، ويدل عليه قوله:
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٥٥.
[ ٢٦٢ ]
ــ
لو تمادى بي الشهر لواصلت" (١).
فقول القاضي عياض في حديث عاصم بن مالك خطأ، وإنما هو عاصم بن النضر.
قال الباحث: وقوله: أول الشهر، وآخر الشهر، فما يؤيد القاضي في قوله آخر الشهر رواية البخاري (٢)، واحمد بن حنبل (٣)، وأبي يعلى الموصلي (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، وعبد بن حميد (٦)، والبيهقي (٧)، وهي كرواية أبي جعفر، عن الهوزني، عن ابن ماهان.
لكن لم تكن الراوية بلفظ أول الشهر شاذة؛ لان الجمع بينهما، وارد فالوصال إن كان في أول الشهر أو آخره فلا فرق، ولاسيما جاءت رويات أخرى على إطلاق شهر رمضان دون تحديد أوله أو آخره، وهي رواية الإمام احمد (٨)، وأبو يعلى (٩)، وابن خزيمة (١٠)، وابن حبان (١١)، وروى عبد بن حميد (١٢) الوصال دون تحديد الشهر =
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ٢٣.
(٢) صحيح البخاري: كتاب التمني: باب ما يجوز من اللَّو، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]، الحديث رقم ٦٨١٤، ٦/ ٢٦٤٥.
(٣) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند انس بن مالك - ﵁ -، الحديث رقم ١٢٢٧٠، ٣/ ١٢٤، والحديث رقم ١٣٠٣٥، ٣/ ١٩٣، والحديث رقم ١٣٠٩٢، ٣/ ٢٠٠.
(٤) مسند أبي يعلى: بقية مسند انس، ثابت البناني عن انس، الحديث رقم ٣٥٠١، ٦/ ٢٢١.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الصيام، ما قالوا في الوصال في الصيام من نهى عنه، الحديث رقم ٩٥٨٥، ٢/ ٣٣٠.
(٦) المنتخب من مسند عبد بن حميد: مسند انس بن مالك، الحديث رقم ١٢٦٦، ١/ ٣٧٧.
(٧) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، الحديث رقم ٨١٦٠، ٤/ ٢٨٢.
(٨) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة مسند انس بن مالك، الحديث رقم ١٣٦٨١، ٣/ ٢٥٣.
(٩) مسند أبي يعلى: بقية مسند انس، ثابت البناني عن انس، الحديث رقم ٣٢٨٢، ٦/ ٣٦.
(١٠) صحيح ابن خزيمة: كتاب الصيام، باب تسمية الوصال بتعمق في الدين، الحديث رقم ٢٠٧٠، ٣/ ٢٨٠.
(١١) صحيح ابن حبان: كتاب التاريخ، باب من صفته - ﷺ - وأخباره، الحديث رقم ٦٤١٤، ١٤/ ٣٢٥.
(١٢) المنتخب من مسند عبد بن حميد: مسند انس بن مالك، ١٣٥٣، ١/ ٤٠٠.
[ ٢٦٣ ]
١٥ - كتاب الحج
باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها
وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار. قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب - ﵁ - وهو في المسجد فسألته عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال كعب - ﵁ -: نزلت فيَّ، كان بي أذى من رأسي، فحُمِلْت إلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ﴿ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى. أتجدُ شاة﴾؟ فقلتُ: لا. فنزلت هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، قال: ﴿صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين﴾، قال: ﴿فنزلت في خاصة وهي لكم عامة﴾ ٢/ ٨٥٩*.
ــ
= وجعل الخطابي علة الوصال "إنما هو لحق غيره لا لعجز نفسه، وان المانع له من ان يطيقه ما كان يلزمه من حقوق النساء لان الصوم يخل بحقوقهن" (١). وانفرد مسلم بلفظ أول الشهر.
* قال القاضي عياض: "قوله في مسلم في حديث كعب بن عجرة في الفدية من رواية عبد الله بن مغفل عنه اتخذ شاة كذا لعامة الرواة، وعند ابن ماهان شيئا، وهو وهم، وباقي الحديث يدل على صحة الرواية الأولى مع اتفاق الرواة على ذلك في غيره، وغير هذا الطريق" (٢).
هذه الرواية لعبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة، وليست لعبد الله بن مغفل فهو تغيير في النقط. رواية ابن سفيان على الاستفهام اتجدُ شاة، ورواية ابن ماهان اتخذ وفي شيئًا على الأمر. فلربما أراد بها شيئًا للوقاية من هوام رأسه وليس من الفدية والله اعلم، أما الفدية فواضحة أما الصيام أو الصدقة أو النسك.
ولم يرو احد كما رواه ابن ماهان ولهذا قال القاضي - ﵀ - إنها وهم.
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي: ١/ ٥١٤.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٦١.
[ ٢٦٤ ]
ــ
وكما رواه ابن سفيان، رواه النسائي (١)، وابن ماجة (٢)، والإمام احمد (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥).
وأما قول القاضي عياض: اتخذ شاة كذا لعامة الرواة فهو تصحيف من أتجد حيث لم يرو احد اتخذ.
_________________
(١) سنن النسائي الكبرى: كتاب التفسير، سورة البقرة، الحديث رقم ١١٠٣١، ٦/ ٣٠٠.
(٢) سنن ابن ماجة: كتاب المناسك، باب فدية المحصر، الحديث رقم ٣٠٧٩، ٢/ ١٠٢٨.
(٣) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند الكوفيين، حديث كعب بن عجزة - ﵁ -، الحديث رقم ١٨١٣٤، ٤/ ٢٤٢.
(٤) صحيح ابن حبان: كتاب الحج، باب الكفارة، الحديث رقم ٣٩٨٥، ٩/ ٢٩٥، والحديث رقم ٣٩٨٧، ٩/ ٢٩٧.
(٥) المعجم الكبير: باب الكاف، كعب بن عجزة الأنصاري يكنى أبا محمد، الحديث رقم ٢٩٩، ١٩/ ١٣٩.
[ ٢٦٥ ]
١٦ - كتاب الحج
باب حجة النبي - ﷺ -
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ حَاتِمٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَاسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَاتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَيْفَ أَصْنَعُ، قَالَ: ﴿اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي﴾ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَاوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
[ ٢٦٦ ]
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ: ﴿لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً﴾، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ، فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: ﴿دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ﴾، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَوَجَدَ فَاطِمَةَ - ﵂ - مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ، فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى
[ ٢٦٧ ]
إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: ﴿إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ﴾ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ﴿اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ﴾ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَاسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي
[ ٢٦٨ ]
تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ ٢/ ٨٨٦.
ــ
وقع في هذا الحديث خلافان:
الأول:
قال القاضي عياض: "وفي حديث جابر في الحج فقام في نساحة كذا عند الفارسي وضبطه التميمي بكسر النون وفتح السين وكذا رواه أبو داوود وفسره في حديثه يعني ثوبا ملففا والذي عند ابن ماهان وغيره من رواة مسلم في ساجة وهو الصحيح وهو ثوب وقيل الطيلسان الغليظ الخشن" (١).
وقال أيضًا: "وقوله وحضرت الصلاة فقام في ساجة ملتحفًا بها وذكر صغرها قال: ورداؤه على المشجب، والساجة: ثوب كالطيلسان وشبهه وكذا في رواية الجمهور وهو الصواب، وعند الفارسي نساجة وفي كتاب ابن عيسى نساجة وكذا رواه أبو ذر نساجة وقال: تعني ثوبًا ملففًا وكذا قال بعضهم: وهو خطأ وتصحيف" (٢).
فالساجة: مأخوذة من السيجان، ذكر ابن منظور: "الساج الطيلسان الضخم الغليظ وقيل الطيلسان المقور، وقال: قال ابن الأعرابي: السيجان الطيالسة السود واحدها ساج وفي حديث ابن عباس - ﵄ - ان النبي - ﷺ - كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر جمع ساج وهو الطيلسان
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٧.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٢٦٦.
[ ٢٦٩ ]
ــ
الاخضر، وقيل الطيلسان المقور ومنه حديثه الاخر: زرَّ ساجًا وهو محرم
فافتدى، وفي حديث أبي هريرة اصحاب الدجال عليهم السيجان، وفي رواية كلهم ذو سيف محلى وساج، وفي حديث جابر فقام في ساجة هكذا جاء في رواية والمعروف بساجة وهو ضرب من الملاحف منسوجة" (١).
ولابن منظور في موضع آخر له: "نسج الحائك الثوب ينسجه وينسجه نسجًا من ذلك لأنه ضم السّدي إلى اللحمة وهو النساج وحرفته النساجة وربما سمي الدراع نساجًا، وفي حديث جابر فقام في نساجة ملتحفًا بها هي ضرب من الملاحف منسوجة كأنها سميت بالمصدر وقالوا في الرجل المحمود هو نسيج وحده ومعناه ان الثوب إذا كان كريمًا لم ينسج على منواله غيره لدقته وإذا لم يكن كريمًا نفيسًا دقيقًا عمل على منواله سدى عدة أثواب وقال ثعلب: نسيج وحده الذي لا يعمل على مثاله مثله يضرب مثلًا لكن من بولغ في مدحه وهو كقولك فلان واحد عصره وقريع قومه فنسيج وحده أي لا نظير له في علم أو غيره واصله في الثوب لان الثوب الرفيع لا ينسج على منواله" (٢).
وهذا المعنى ذكره ابن الأثير (٣) فلم يبق داع إلى جعلها خطأ وتصحيف، وهو ما وقع لمسلم من رواية ابن سفيان، والذي جعله القاضي عياض صوابًا "ساجة" لم يروه احد بهذه الصيغة غير ابن ماهان في صحيح مسلم، إلا ان الجلّه يرووه "نساجة" بنون في أولها، وهو ما رواه أبو داود (٤) وابن ماجه (٥)،
_________________
(١) لسان العرب ٢/ ٣٠٢.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ٣٠٦، وينظر مختار الصحاح ١/ ٦٨٨، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٤٣٨، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٢/ ٦٠٢.
(٣) النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٠٥١.
(٤) سنن أبي داود: كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي - ﷺ -، الحديث رقم ١٩٠٥، ١/ ٥٨٥.
(٥) سنن ابن ماجه: كتاب المناسك، باب حجة رسول الله - ﷺ -، الحديث رقم ٣٠٧٤، ٢/ ١٠٢٢.
[ ٢٧٠ ]
ــ
وعبد الرزاق (١)، وعبد بن حميد (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، وابن حبان (٤)، والبيهقي (٥).
والثاني:
قال القاضي عياض: "قوله في حديث جابر فنحر ثلاثًا وستين بدنة كذا لابن ماهان بالنون ولغيره بيده بالياء والأول الصواب وبقية الحديث يدل عليه وان كانا صحيحي المعنى" (٦).
وقال أيضًا: "وقوله فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده كذا لهم وعند ابن ماهان بدنه فكان يده، وكل صواب لكن نحر النبي - ﷺ - بيده هو المروي، وهو أصوب هنا ان شاء الله؛ لقوله: "ثم أعطى عليًا فنحر ما نحر وكانت عدتها مائة" (٧).
وأيد الإمام النووي ما ذكره القاضي عياض وقال: قلت: "وكلاهما حري فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده" (٨).
وأيدهما الإمام السيوطي وقوع الخلاف في هذا الموضع (٩).
فالنحر: الطعن في نحر البعير (١٠)، والبدنة: "قالوا هي ناقة أو بقرة وزاد الأزهري أو بعير .. وقال بعض الأئمة البدنه: هي الإبل خاصة ويدل عليه قوله
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق: كتاب الصلاة، باب ما يكفي الرجل من الثياب، الحديث رقم ١٣٧٧، ١/ ٣٥٣.
(٢) المنتخب من مسند عبد بن حميد، مسند جابر بن عبد الله، الحديث رقم ١١٣٥، ١/ ٣٤١.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الصلوات، في إمامة الأعمى من رخص فيه، الحديث رقم ٦٠٦٣، ٢/ ٢٧. وكتاب الحج، باب من كان يأمر بتعليم المناسك، الحديث رقم ١٤٧٠٥، ٣/ ٣٣٤.
(٤) صحيح ابن حبان: كتاب الحج، باب ما جاء في حج النبي - ﷺ - واعتماره، الحديث رقم ٣٩٤٤، ٩/ ٢٥٣.
(٥) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الحج، باب ما يدل على ان النبي - ﷺ - احرم احرامًا مطلقًا ينتظر القضاء ثم أمر بافراد الحج ومعنى في الحج، الحديث رقم ٨٦٠٩، ٥/ ٦.
(٦) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٨١.
(٧) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٢٨٥.
(٨) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣١٢.
(٩) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٣/ ٣٢٦.
(١٠) المغرب بترتيب المعرب ٢/ ٢٩٢.
[ ٢٧١ ]
ــ
تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] سميت بذلك لعظم بدنها وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة وهو قوله - ﷺ -: ﴿تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة﴾ (١)، ففرق الحديث بينهما بالعطف إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة لما ساغ عطفها لان المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدل عليه قال: اشتركنا مع رسول الله - ﷺ - في الحج والعمرة سبعة منا في بدنة فقال رجل لجابر: انشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من الدن والمعنى في الحكم إذ لو كانت من جنس البدن لما جهلها أهل اللسان ولفهمت عند الإطلاق أيضًا والجمع "بدنات" مثل قصبة وقصبات" (٢).
فلما كان النحر يقع على الإبل كان المعنى واضحًا إذ لم يقل بدنة وقال: فنحر ثلاثًا وستين بيده، ومن قال: ثلاثًا وستين بدنة ميزها، ومن جمع بينهما أصاب فكان المعنى ثلاثًا وستين بدنة بيده، وهو ما وجد في نسخ إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣)، وشرح صحيح مسلم (٤).
وممن رواه كما رواه مسلم في رواية المشارقة: ابن أبي شيبة (٥)، والدارمي (٦)، وابن حبان (٧)، وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان: =
_________________
(١) سنن أبي داود: كتاب الضحايا، باب في البقر والجزور عن كم تجزي؟، الحديث رقم ٢٨٠٩، ٢/ ١٠٨، وليس فيه تجزئ البدنه، وإنما نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية البدنه عن سبعة والبقرة عن سبعة، وهو ما رواه أيضًا الترمذي في سننه: كتاب الصوم عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الاشتراك في البدنة والبقرة، الحديث رقم ٩٠٤، ٣/ ٢٤٨، وكتاب الأضاحي، باب ما جاء في الاشتراك في الأضحية، الحديث رقم ١٥٠٢، ٤/ ٨٩، وابن ماجه في سننه أيضًا: كتاب الأضاحي، باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة، الحديث رقم ٣١٣٢، ٢/ ١٠٤٧، وغيرهم.
(٢) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ١/ ٣٩.
(٣) ٤/ ٢٨٥.
(٤) ٤/ ٣١٢.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الحج، من كان يأمر بتعليم المناسك، الحديث رقم ١٤٧٠٥، ٣/ ٣٣٤.
(٦) سنن الدارمي: كتاب المناسك، باب في سنة الحاج، الحديث رقم ١٨٥٠، ٢/ ٦٧.
(٧) صحيح ابن حبان: كتاب الحج، باب ما جاء في حج النبي - ﷺ - واعتماره، الحديث رقم ٣٩٤٤، ٩/ ٢٥٣.
[ ٢٧٢ ]
١٧ - كتاب الحج
باب فضل العمرة في رمضان
وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا يزيد (يعني ابن زريع)، حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان: ﴿ما منعك أن تكوني حججت معنا﴾؟ قالت: ناضحان كانا لأبي فلان (زوجها) حج هو وابنه على أحدهما وكان الآخر يسقي غلامنا. قال: ﴿فعمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي﴾ ٢/ ٩١٧*.
ــ
= عبد بن حميد (١)، والبيهقي (٢)، وممن جمع بينهما في الرواية ابن ماجه (٣).
الخلاصة: أن إمكانية الجمع بينهما واردة حتى عند أهل الرواية كما في رواية ابن ماجه.
* قال القاضي عياض:" في حديث عمرة في رمضان قولها: ناضحان كانا لأبي (فلان)، ثم قال: والآخر يسقى عليه نخلًا لنا، كذا ذكره البخاري، وذكره مسلم نسقي عليه من رواية الهوزني في طريق ابن ماهان، عند كافة رواته يسقى غلامنا وعند السجزي يستقي عليه غلامنا، وفي كتاب القاضي التميمي يسقى غلامنا، والذي في البخاري (٤)، الصواب، وغلامنا يوشك أن يكون مغيرا من نخلٍ لنا، وقد ذكره البخاري في موضع آخر يسقي عليه أرضًا لنا، وهو حجة لما قلناه وتفسير له" (٥).
وقال أيضًا: "وقوله: هو ابنه على احدهما، وكان الآخر يستقي عليه غلامنا: كذا للشنتجالي عن السجزي، وسقط "عليه" للعذري والفارسي وعند ابن ماهان:
_________________
(١) المنتخب من مسند عبد بن حميد: من مسند جابر بن عبد الله، الحديث رقم ١١٣٥، ١/ ٣٤١.
(٢) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الحج، باب الحج، باب نحر الهدي بعد رمي الحجار، الحديث رقم ٩٣٥٨، ٥/ ١٣٣، وباب الأكل من الضحايا والهدايا التي يتطوع بها صاحبها قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨ و٣٦]، الحديث رقم ١٠٠١٥، ٥/ ٢٤٠.
(٣) سنن ابن ماجه: كتاب المناسك، باب حجة رسول الله - ﷺ -، ٢/ ١٠٢١.
(٤) صحيح البخاري: أبواب العمرة، باب عمرة في رمضان، الحديث رقم ١٦٩٠، ٢/ ٦٣١.
(٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٧.
[ ٢٧٣ ]
ــ
نسقي عليه غلامنا وارى كله تغييرًا، وان صوابه "نسقي عليه نخلًا لنا" فتصحف منه "غلامنا"، وكذا جاء في البخاري، ويدل على صحته قوله في الحديث قبله: "ننضح عليه"، وهو بمعنى: نسقي عليه وإنما يسمى من الإبل النواضح التي يستقي عليها الماء إلا انها تنضحه، أي تصبه" (١).
وذكر الإمام النووي ما ذكره القاضي عياض وعقّبَ عليه بقوله: "وَالْمُخْتَار أَنَّ الرِّوَايَة صَحِيحَة، وَتَكُون الزِّيَادَة الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي مَحْذُوفَة مُقَدَّرَة، وَهَذَا كَثِير فِي الْكَلَام. وَاَللَّه أَعْلَم" (٢).
وقال الإمام السيوطي: "ناضحان أي بعيران نستقي بهما تنضح بكسر الضاد وكان الآخر يسقي نخلا قلت: كذا في النسخة التي عندي وهي بخط الحافظ الصريفيني وذكر ما قاله القاضي عياض من تصويب رواية البخاري، وما عنده غيره تغيير وتصحيف وهي ما عند الفارسي وابن ماهان، وقال: وحكاه عنهما النووي وتبعهما القرطبي ولم يذكر واحد منهم أن اللفظة التي هي صواب وهي "نخلًا لنا" وقعت في رواية أحد لنا من رواة مسلم فإما أن يكون الصريفيني أصلحها بعلمه أو تكون وقعت له في رواية أحد فاعتمدها، ونقل تعقيب الإمام النووي على كلام القاضي عياض" (٣).
فرواية ابن ماهان نسقي عليه غلامنا دون تحديد السقيا، وهذا اللفظ حتى هذا الموضع على اطلاقه يفيد كلامًا معهودًا وهو سقي الزرع، ولعل المعروف ان المدينة كان يسقى بها الزرع على الإبل وهي النواضح ومفرده ناضح ومنه الحديث "ان ناضحًا تردى في بئر بالمدينة فذكي من قبل شاكلته .. " (٤).
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٣٣٣ و٣٣٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣٥٩.
(٣) ينظر الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٣/ ٣٤٤.
(٤) المنتقى لابن الجارود: كتاب البيوع والتجارات، باب ما جاء في الذبائح، الحديث رقم، ٨٩٥، ١/ ٢٢٥، والمعجم الكبير للطبراني: باب الراء، ما اسند رافع بن خريج، عبابة بن رفاعة بن رافع بن خريج، الحديث رقم ٤٣٨٠، ٤/ ٢٦٩.
[ ٢٧٤ ]
ــ
أو ان النخيل يسمى السقي أو السقيه، ومنه الحديث" (١) كان معاذ: بن جبل يؤم قومه فمرّ فتىً منهم بناضحه يريد سقيه .. " قال ابن الأثير وابن منظور: "السقي والسقيه النخل الذي يسقى بالسواني أي الدوالي" (٢).
وقال الزبيدي: "الناضح هو البعير أو الحمار أو الثور الذي يسقى عليه وهي ناضحة وسانية والجمع نواضح وهو مجاز" (٣).
وقال الرافعي: "استعمل الناضح في كل بعير وان لم يحمل الماء ولأنه في حديث (٤) "اطعمه ناضحك" أي بعيرك" (٥).
وقول السيوطي "لم يذكر واحد منهم ان اللفظة التي هي صواب" وهي "نخل لنا" تخص القرطبي والنووي، وإلا فالقاضي عياض ذكرها في المشارق.
الخلاصة: وبعد هذا العرض لمعنى الناضح، والسقي يتبين لنا صحة الرواية دون اللجوء إلى التقدير، وان كان تقدير المحذوف أيضًا صحيحًا فيكون: "نسقي عليه غلامنا نخلًا لنا" كما حكاه الإمام النووي. والله اعلم.
وكذلك الابتعاد عن القول بالتغيير والتصحيف.
_________________
(١) المسند للشاشي: (تأليف: أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي)، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط١، ١٤١٠هـ، ما روى معاذ بن جبل أبو عبد الرحمن الأنصاري عن رسول المراسيل عن معاذ، الحديث رقم ١٤٠٠، ٣/ ٢٩٤.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٩٦٢، ولسان العرب ١٤/ ٣٩٠ مادة سقي.
(٣) ينظر مختار الصحاح ١/ ٦٨٨، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٧٧٦.
(٤) ليس هذا لفظ الحديث وإنما اعلفه ناضحك ورقيقك وقد خرجه أبو داود في سننه: كتاب الإجازة، باب في كسب الحجام، الحديث رقم ٣٤٢٢، ٢/ ٢٨٧. والترمذي: كتاب البيوع، باب ما جاء في كسب الحجام، الحديث رقم ١٢٧٧، ٣/ ٥٧٥. والإمام احمد في مسنده: مسند المكثرين من الصحابة، مسند جابر بن عبد الله - ﵁ -، الحديث رقم ١٤٣٢٩، ٣/ ٣٠٧ و١٥١٢١، ٣/ ٣٨١، والحديث رقم ٢٣٧٤٠، ٥/ ٤٣٥، والحديث رقم ٢٣٧٤٢، ٥/ ٤٣٦، والحديث رقم ٢٣٧٤٣، ٥/ ٤٣٦، والحديث رقم ٢٣٧٤٦، ٥/ ٤٣٦، وغيرها.
(٥) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٢/ ٦١٠.
[ ٢٧٥ ]
١٨ - كتاب الحج
باب استحباب الرمل في الطواف العمرة وفي الطواف الأول من الحج
وحدثني محمد بن رافع، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن عبد الملك بن سعيد بن الأبجر، عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أراني قد رأيت رسول الله - - ﷺ - - قال: فصفه لي. قال: قلت: (رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه) قال: فقال ابن عباس: (ذاك رسول الله - ﷺ - إنهم كانوا لا يدعون عنه، ولا يكرهون) ٢/ ٩٢٢.
ــ
قال القاضي عياض: " وقوله: لا يدعون عنه ولا يكرهون، كذا للفارسي، ولغيره: يكهرون، وهو الصحيح، ومعناه ينتهرون" (١).
ثم قال: "وقوله: "كانوا لا يدعَّون عنه ولا يكهرون"، كذا عن العذري وابن ماهان، وعند الفارسي: "يكرهون"، والأول أصوب" (٢).
قال الإمام النووي: "قَوْله: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ وَلَا يُكْرَهُونَ وَأَمَّا قَوْله: يُكْرَهُونَ، فَفِي بَعْض الْأُصُول مِنْ صَحِيح مُسْلِم (يُكْرَهُونَ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِكْرَاه، وَفِي بَعْضهَا يُكْهَرُونَ بِتَقْدِيمِ الْهَاء مِنْ الْكَهْر، وَهُوَ الِانْتِهَار، قالَ الْقَاضِي: هَذَا أَصْوَب، وَقَالَ: وَهُوَ رِوَايَة الْفَارِسِيّ، وَالأَوَّل رِوَايَة اِبْن مَاهَان وَالْعَذَرِيّ " (٣).
وقال السيوطي: "لا يدعون" بضم الياء وفتح الدال وضم العين المشددة: أي يدفعون، "ولا يكهرون" بتقديم الهاء على الراء: أي ينتهرون، وفي رواية ابن ماهان والعذري:"لا يكرهون" من الإكراه (٤).
فرواية ابن ماهان "يكهرون" من الإكهار: بمعنى تعكير صفو الوجه بالعبوسة، وغيرها مما يشعر بإستقبال مكره، قال ابن منظور وتبعه الزبيدي: وكَهَرَه يَكْهَرُه كَهْرًا: زَبَرَهُ واستقبله بوجه عابسٍ، وانْتَهره تَهاونًا به والكَهْرُ:
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار١/ ٣٤٠.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٣٤٢.
(٣) شرح النووي على مسلم ٤/ ٣٧٤.
(٤) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٣/ ٣٤٨.
[ ٢٧٦ ]
ــ
الانْتِهارُ قال ابنُ دارة الثَّعْلَبيّ: فقامَ لايَحْفِلُ ثَمَّ كَهْرا ولا يُبالي لو يُلاقي عَهْرا، قال: الكَهْرُ: الانْتِهارُ، وكَهَرَه وقَهَره بمعنى، وفي قراءة عبد الله بن مسعود - - ﵁ - - (١): "فأَما اليتيم فلا تَكْهَرْ"، وزعم يعقوب أَن كافه بدل من قاف تَقْهَرْ، وفي حديث مُعَاوية بن الحَكَمِ السّلَمِيّ أَنه قال (٢): "ما رأَيت مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تعليمًا من النبي - - ﷺ - ـ، فبأَبي هو وأُمي ما كَهَرني، ولا شَتَمَني، ولا ضَرَبني"، وفي حديث المَسْعى (٣): "إنهم كانوا لا يُدَعُّون عنه، ولا يُكْهَرون" (٤)، قال ابن الأَثير: "هكذا يروى في كتب الغريب وبعض طرق مسلم قال والذي جاء في الأَكثر يُكْرَهُون بتقديم الراء من الإِكراه" (٥).
ورواية ابن سفيان يكرهون فهي من الإكراه بمعنى القباحة والقهر قال الرافعي: "كَرُهَ الأمر والمنظر (كَرَاهَةً) فهو (كَرِيهٌ) مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى و(كَرَاهِيَةً) بالتخفيف أيضا و(كَرِهْتُهُ) (أكْرَهُه) من باب تعب (كُرْها) بضم الكاف وفتحها ضد أحببته فهو مكروه و(الكَرْهُ) بالفتح المشقة وبالضم القهر وقيل بالفتح الإكراه وبالضم المشقة و(أَكْرَهْتُهُ) على الأمر (إكْرَاهًا) حملته عليه قهرا يقال فعلته (كَرْها) بالفتح أي (إكْرَاهَا) وعليه قوله تعالى (طَوْعًا أوْ كَرْها) فقابل بين الضدين" (٦).
فكلاهما يصح فهم لا يُكرهون على استقباله - - ﷺ - ـ، ولا يستقبلونه بوجه عبس، بل كانوا يفدونه بآبائهم وأماهاتهم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وانفرد الإمام مسلم بهذا الحديث، والله اعلم.
_________________
(١) ينظر أوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩]، في الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: (تأليف: الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي ت٥٣٨هـ)، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ٤/ ٧٧٣، والتفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: (تأليف: الرازي فخر الدين محمد بن عمر التميمي الشافعي ت٦٠٦هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١،١٤٢١هـ - ٢٠٠٠م،١/ ١٩٩.
(٢) الآحاد والمثاني: معاوية بن الحكم السلمي - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ١٣٩٨، ٣/ ٨٢.
(٣) وهو ما نحن بصدده.
(٤) لسان العرب ٥/ ١٥٤، وينظر تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٣٤٧٣.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر٤/ ٣٩٥.
(٦) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ٢/ ٥٣١ و٥٣٢.
[ ٢٧٧ ]
١٩ - كتاب الحج
باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به
وحدثني زهير بن حرب، حدثنا شبابة، حدثني ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: ﴿منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف﴾ حيث تقاسموا على الكفر ٢/ ٩٥٢.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله: منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفرالخيف، بالرفع خبر منزلنا، ووجدته في بعض أصول شيوخنا الخيف بالنصب، وكأنه تأول أنه مفعول بفتح ويجعل الخبر فيما بعده وهو خطأ، وليس لفتح هنا مفعول، وإنما معناه حكم وكشف وأظهر والخيف بنفسه هو الموضع الذي تقاسموا فيه على الكفر يريد في صحيفة قطيعة بني هاشم وسقطت لفظة "إذا فتح الله" عند ابن ماهان" (١).
قال ياقوت الحموي: "والخيف بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره فاء: هو ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، وقال الزهري: الخيف الوادي، وقال الحازمي: خيف بني كنانة بمعنى نزله رسول الله - ﷺ - والخيف ما كان مجنبًا عن طريق الماء يمينًا وشمالًا متسعًا" (٢). وقول القاضي عياض: خيف بني كنانة هو المحصب (٣)، هو جزء من حديث رواه الإمام احمد (٤) من طريق أسامة بن زيد.
فقول القاضي عياض: الخيفًُ بالرفع على ان جملة - إن شاء الله إذا فتح الله - اعتراضية، والجملة الاعتراضية لا محل لها من الإعراب فيكون خبره الخيفُ، وهو ما رواه ابن ماهان من غيرها فالسَقْط ليس لخفة ضبطٍ ولا لسهو منه، فيكون العامل المؤثر هو الابتداء وليس الفعل "فتح"، وعلى اعتباره عاملًا فقد اثر في
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٣
(٢) ينظر معجم البلدان ٢/ ٤١٢، واخترت معجم البلدان وسبقة غيره لأني وجدته جامعًا لأكثر من قول.
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٣٩٣، والمصدر السابق.
(٤) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند الأنصار، حديث أسامة بن زيد حب رسول الله - - ﷺ - ـ، الحديث رقم ٢١٨١٤، ٥/ ٢٠٢.
[ ٢٧٨ ]
ــ
مفعوله وهو الخيف فوجب نصبه، لكن روى الطبراني بلفظ: "منزلنا غدًا ان شاء الله بالخيف الأيمن " (١) فلم يذكر فيه "إذا فتح الله" وهو ما يؤيد رواية مسلم في نسخة ابن ماهان دون ذكر الجملة الاعتراضية والحديث الذي قبله عند مسلم يدل على ما ذهبنا إليه وهو الرواية بالمعنى وفيه "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة " دون ذكر "ان شاء الله".
فقوله: ان شاء الله هو من باب ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وأما قوله: "إذا فتح الله الخيف" فهو من باب قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]. قال الزمخشري:" وقرأ ابن عباس: ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، بمعنى فتح ونصر" (٢).
فهذه واحدة من نبوآته - ﷺ - فمرة ذكرها بالشرط وأخرى بلا شرط.
وهو ما رواه ابن ماهان منزلنا الخيف دون الشرط ورواية ابن سفيان بالشرط وهو بمعنى واحد وهو تحقق الفتح والله اعلم. وممن رواه كما رواه للمشارقة البخاري (٣)، والإمام احمد (٤).
_________________
(١) المعجم الأوسط: باب الألف، من اسمه احمد، احمد بن يحيى الحلواني، الحديث رقم ٧٧٩، ١/ ٢٣٨.
(٢) الكشاف ١/ ١٣٨٧، تفسير سورة النصر بتصرف.
(٣) صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - يوم الفتح، الحديث رقم ٤٠٣٣، ٤/ ١٦٥١.
(٤) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة - ﵁ -، الحديث رقم ٨٢٦١، ٢/ ٣٢٢.
[ ٢٧٩ ]
باب ندب من رأى إمرأة فوقعت في نفسة
٢٠ - كتاب النكاح
باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها
وحدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن أبي الزبير، قال: قال جابر: سمعت النبي - - ﷺ - - يقول: ﴿إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يرد ما في نفسه﴾ ٢/ ١٠٢٠.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله: "إذا أحدكم أعجبته المرأة، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يرد نفسه" كذا لابن ماهان، وفي حديث مسلم عن سلمة بن شبيب، وتمامه ما في نفسه كما في سائر الروايات" (١).
فما جاء في رواية ابن ماهان: "يرد نفسه" عن الزنا، وما جاء في رواية ابن سفيان: "يرد ما في نفسه" عن ما يبقى من مخلفاتها، ووسوستها، وشهوتها.
وعند أبي داود: " .. ان المرأة تقبل في صورة شيطان فمن وجد من ذلك شيئًا فليأت أهله فانه يضمر ما في نفسه" (٢)، وهذا الحديث الذي رواه أبو داود خرّجه البيهقي (٣) أيضًا وقال في آخره: "أخرجه مسلم من وجه آخر عن هشام الدستوائي وقال: فان ذلك يرد ما في نفسه"، وكذلك روى هذا الحديث عبد بن حميد (٤)، وعند الإمام احمد (٥) " يرد مما في نفسه" أي عن بعض ما في نفسه.
وأيدت رواية الطبراني (٦) رواية مسلم عند ابن سفيان، وكذلك البيهقي (٧).
الخلاصة: فيكون ما عند ابن ماهان من باب الرواية بالمعنى.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٤٠٥.
(٢) سنن أبي داود: كتاب النكاح، باب فيما يؤثر به غض البصر، الحديث رقم ٢١٥١، ١/ ٦٥٣.
(٣) سنن البيهقي الكبرى: كتاب النكاح، باب ما يفعل إذا رأى من أجنبية ما يعجبه، الحديث رقم ١٣٣٩٤، ٧/ ٩٠.
(٤) المنتخب من مسند عبد بن حميد: من مسند جابر بن عبد الله - ﵁ -، الحديث رقم ١٠٦١، ١/ ٣٢٢.
(٥) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند جابر بن عبد الله - ﵁ -، الحديث رقم ١٤٥٧٧، ٣/ ٣٣٠.
(٦) المعجم الأوسط: من اسمه المقدام، الحديث رقم ٩٠٧٣، ٩/ ٣٨.
(٧) شعب الإيمان: السابع والثلاثون من شعب الإيمان، وهو باب في تحريم الفروج وما يجب من التعفف عنها ، الحديث رقم ٥٤٣٥، ٤/ ٣٦٧.
[ ٢٨٠ ]
٢١ - كتاب الرضاع
باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي
وحدثنيه يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد قال: أصابوا سبيا يوم أوطاس لهن أزواج فتخوفوا، فأنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ٢/ ١٠٧٩.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله في سبي أوطاس: "فتحرجوا" أي خافوا الحرج والإثم، كذا لابن ماهان والسمرقندي، وللعذري والطبري: "فتخوفوا" بمعناه أيضًا، أي خافوا الحوب وهو الإثم" (١).
فعند ابن ماهان "فتحرجوا" وعند ابن سفيان "تخوفوا" ولغيرهما تحوبوا، ووافق رواة مسلم رواية ابن سفيان كما أشار إلى ذلك القاضي - ﵀ -، وكلها بمعنى واحد، وهو تجنب الوقوع في الإثم.
فالحرج: الإثم، والحارج: الآثم، والمتحرج: الكافُّ عن الإثم (٢). ويقال: فلان يتأثم ويتحرج: إذا فعل فعلًا يخرج به من الإثم والحرج (٣)، وتحرج إذا تحفظ منه (٤)، جاء في الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (٥): يقال حرج واثم: إذا فعل فعلًا يلزمه الإثم، ثم يقال: تحرج وتأثم إذا ألقى الحرج والإثم عن نفسه باجتنابه ما يأثم به. والحوب (٦): بفتح الحاء وسكون الواو: الإثم، وهي لغة أهل الحجاز، وضم أوله لغة تميم، وتحوب من الإثم إذا توقاه وألقى الحوب عن نفسه، قال الشاعر: =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٨٩.
(٢) لسان العرب ٢/ ٢٢٣.
(٣) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٢٤٢.
(٤) المصباح المنير في غريب الشرخ الكبير ١/ ٥.
(٥) ١/ ١٠٤.
(٦) لسان العرب ١/ ٣٣٧.
[ ٢٨١ ]
باب جواز وطء المسبية
٢٢ - كتاب الرضاع
باب استحباب نكاح البكر
حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا هشيم، عن سيار، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله - - ﷺ - - في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت فإذا أنا برسول الله - - ﷺ - ـ، فقال: (ما يعجلك يا جابر)؟!، قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعرس، فقال: (أبكرا تزوجتها أم ثيبا)؟، قال: قلت: بل ثيبا، قال: (هلا جارية تلاعبها وتلاعبك)؟، قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: (أمهلوا حتى ندخل ليلا - أي عشاء - كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة)، قال: وقال: (إذا قدمت فالكيس الكيس) ٢/ ١٠٨٦*.
ــ
= فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبرَكَ حَوْبَةٌ يَقُومُ بها يَومًا عَليْكَ حَسيبُ (١)
وقال آخر:
صَبْرًا بَغِيض بنَ رَيْثٍ انَّها رَحِمٌ حُبْتُمْ بها فأَناخَتْكُمْ بجَعْجَاعِ (٢)
وأما الخوف فلا أرى داع إلى إشارة في مصدر فهو ظاهر المعنى.
وانفرد الإمام مسلم بهذا الحديث بالألفاظ كلها.
* قال القاضي عياض: "قوله في حديث جابر:"فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف"، كذا هو لابن الحذاء [يعني عن ابن ماهان] في حديث مسلم، عن يحيى ابن يحيى، ولغيره أقفلنا وصوابه قفلنا" (٣).
وقال أيضًا: "قوله: "فلما أقفلنا"، كذا لابن ماهان، ولابن سفيان: "أقبلنا"،
_________________
(١) البيت للمخبل السعدي وهو في الأمالي في لغة العرب: (تأليف: القالي أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي ت٣٥٦هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨هـ ١٩٧٨م، ١/ ٢٥٤، وينظر المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ١٠٤.
(٢) أمثال العرب: (الضبي المفضل بن محمد بن يعلى بن سالم ت١٦٨هـ)، إحسان عباس، دار الرائد العربي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص١٠٢، وقد نسب المفضل الضبي البيت إلى نُهَيْكة بن الحارث الفزاري والصواب أنه للنابغة الذبياني، ديوان النابغة الذبياني ص١٠٩، رجح ذلك الدكتور محمود عيدان أحمد.
(٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٧٠.
[ ٢٨٢ ]
ــ
ووجه الكلام:"قفلنا" ثلاثي، يقال: قفل الجيش والرفقة، وأقفلهم الأمير وقفلهم أيضًا، قيل: لعله"قفلنا"، وقد يحتمل على الرواية أن يكون "أقفلنا" بفتح اللام، أي أقفلنا النبي - - ﵇ - - المذكور قبل، وأقفلنا على ما لم يسم فاعله، أو يكون: أقفل بعضنا بعضًا بأمر النبي - - ﷺ - - بذلك" (١).
قال الإمام النووي: "قَوْله: (فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلَتْ)، هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا، (أَقْبَلْنَا)، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة اِبْن سُفْيَان، عَنْ مُسْلِم، قَالَ: وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان: "أَقْفَلْنَا" بِالْفَاءِ، قَالَ: وَوَجْه الْكَلَام (قَفَلْنَا) أَيْ رَجَعْنَا وَيَصِحّ (أَقْبَلْنَا) بِفَتْحِ اللَّام أَيْ أَقْفَلْنَا النَّبِيّ - - ﷺ - - وَأَقْفَلْنَا بِضَمِّ الْهَمْزَة لِمَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِله" (٢).
فالذي نقله القاضي عن ابن ماهان بحسب الإمام النووي: "أقفلنا"، والذي ذكره عن ابن الحذاء "أقبلنا" هو أيضا عن ابن ماهان، لأن ابن الحذاء لا رواية له من طريق ابن سفيان، وهو موافق لرواية ابن سفيان.
فأقفلنا مأخوذة من القُفُول بمعنى الرجوع من السفر قال ابن منظور: "القُفُول الرُّجوع من السفر وقيل القُفُول رجوع الجُنْد بعد الغَزْوِ قَفَل القوم يَقْفُلون بالضم قُفولًا وقَفْلا وقد يقال للسَّفْر قُفُول في الذهاب والمجيء وأَكثر ما يستعمل في الرُّجوع وتكرر في الحديث وجاء في بعض رواياته: [أَقْفَل الجيشُ وقَلَّما أَقْفَلْنا] (٣).
والمعروف قَفَل وقَفَلْنا وأَقفلَنا غيرُنا وأُقْفِلْنا على ما لم يسم فاعله" (٤).
أما أقبلنا فهي مأخوذة من المقابلة قال الجوهري: "وأقْبَلَ: نقيض أدْبَرَ. يقال: أقْبَلَ مُقْبَلًا. وأقْبَلَ عليه بوجهه" (٥). وقال ابن منظور: "وَأَقْبَلْنَا: صِرْنا فيها ..
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٢٠٤.
(٢) ينظر مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند جابر بن عبد الله - ﵁ -، الحديث رقم ١٥٠٤٦، ٣/ ٣٧٢، ومعجم الكبير: من اسمه عائذ، عائذ بن عمرو المزني وهو أخ رافع بن عمرو أخبار عائذ بن عمرو، الحديث رقم ٣٣، ١٨/ ٢١.
(٣) لسان العرب ١١/ ٥٦٠. مادة قفل.
(٤) الصحاح في اللغة ٢/ ٦٠.
[ ٢٨٣ ]
ــ
وقَبَلَتِ المكانَ: استقبلتْه" (١).
وروى البيهقي الحديث بلفظ "أقبلنا (٢) وقد استُخْدِمَ لفظ"أقبلنا" عند المحدثين بمعنى الرجوع من السفر (٣)، وهنا تتبين الروايتين معناهما صحيح. وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن ماهان: البخاري (٤)، وسعيد بن منصور (٥)، والدارمي (٦)، وأبي يعلى (٧).
_________________
(١) لسان العرب ١١/ ٥٣٤.
(٢) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الصداق، باب المرأة تصلح أمرها للدخول بها، الحديث رقم ١٤٢٤٩، ٧/ ٢٥٤.
(٣) المصدر السابق: كتاب السير، باب الكافر الحربي يقتل مسلمًا ثم يسلم لم يكن عليه قود، الحديث رقم ١٧٩٦٧، ٩/ ٩٧.
(٤) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب تزويج الثيبات، الحديث رقم٤٧٩١، ٥/ ١٩٥٤، وينظر باب طلب الولد، الحديث رقم ٤٩٤٧، ٥/ ٢٠٠٨، و٤٩٤٩، ٥/ ٢٠٠٩.
(٥) سنن سعيد بن منصور: باب ما جاء في نكاح الأبكار ٥١١، ١/ ١٤٣
(٦) سنن الدارمي: كتاب النكاح، باب في تزويج الأبكار، الحديث رقم ٢٢١٦، ٢/ ١٩٧.
(٧) مسند أبي يعلى: مسند جابر، الحديث رقم ١٨٥٠، ٣/ ٣٧٧.
[ ٢٨٤ ]
باب في الإيلاء وإعتزال النساء
٢٣ - كتاب الطلاق
باب في الإيلاء، واعتزال النساء، وتخييرهن، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ (٤)﴾ [التحريم: ٤]
حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك أبي زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله - ﷺ - نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله - ﷺ - نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة فقُلتُ: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ - فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعيبتك قال: فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله - ﷺ -؟ والله لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله - ﷺ -، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله - ﷺ -؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله - ﷺ - قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله - ﷺ - وينحدر، فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -، فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، ثم قلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ -، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله - ﷺ - فإني أظن أن رسول الله - ﷺ - ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله - ﷺ - بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن ارقه، فدخلت على رسول الله - ﷺ - وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله - ﷺ - فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق قال: فابتدرت عيناي قال: ﴿ما يبكيك؟ يا ابن الخطاب﴾ قلت: يا نبي الله وما لي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى،
[ ٢٨٥ ]
وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله - ﷺ - وصفوته، وهذه خزانتك فقال: ﴿يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا﴾؟ قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت، وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ (٥)﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤] وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: ﴿لا﴾. قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد، والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون طلق رسول الله - ﷺ - نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: ﴿نعم إن شئت﴾، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر، فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا، ثم نزل نبي الله - ﷺ - ونزلت، فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله - ﷺ - كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت: يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين قال: ﴿إن الشهر يكون تسعا وعشرين﴾ فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله - ﷺ - نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله - ﷿ - آية التخيير ٢/ ١١٠٥.
_________________
(١) الحديث فيه خلافان: الأول: "فعليك بعيبتك" تريد ابنته، قيل: العيبة الابنة قال الإمام المازري: "أي بخاصتك وموضع سرك، ومنه قوله - - ﷺ - ـ: "الأنصار كرشي وعيبتي" قال ابن
[ ٢٨٦ ]
ــ
الأنباري: يعني "كرشي أصحابي وجماعتي الذين اعتمد عليهم، وأصل الكرش في اللغة: الجماعة"، وجعل الأنصار عيبته: خصوصيته إياهم؛ لأنه يطلعهم على أسراره، قال غيره: فمعنى "عيبتي" خاصتي وموضع سري، قال أهل اللغة: والعيبة في كلام العرب معناها: ما يجعل فيه الرجل أفضل ثيابه، وحر متاعه وأنفسه عنده" (١).
قال القاضي عياض: " كذا رواية العذري والفارسي وكافة الرواة، وهو الصواب على ما تقدم، ورواه بعضهم عن السجزي: بغيبتك وليس بشيء، وعند ابن ماهان: بنفسك" (٢).
والعيبة موضع سر الرجل قال ابن سلام: "عيبة الرجل موضع سره والذين يأتمنهم على أمره، ومنه الحديث: كانت خزاعة عيبة النبي مؤمنهم وكافرهم. وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية.
[وقال أيضًا]: ولا أرى عيبة الثياب إلا مأخوذة من هذا لأنه إنما يضع الرجل فيها خير ثيابه وخير متاعه وأنفسه عنده. ومنه حديث عمر - - ﵁ - - حين دخل على عائشة فقال: أقد تبلغ من شأنك أن تؤذي النبي؟ فقالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب! عليك بِعَيْبَتِكَ فأتى حفصة - - ﵁ - ـ" (٣).
وقال ابن الأثير عن قوله - - ﷺ - ـ[الأنْصَار كَرِشي وعَيْبَتي] (٤): أي خاصَّتي ومَوضعُ سِرَّي. والعرب تَكْنِي عن القُلوب والصُّدور بالعِياب لأنها مُسْتَوْدَع السَّرائر كما أن العِيَابَ مُسْتَوْدعُ الثَّياب. والعَيْبة معروفة ومنه حديث عائشة [في إيلاء النبيِّ - ﷺ - على نِسائه قالت لعُمَر لمّا لامَها: مالي ولَكَ يا ابن الخطَّاب عليك بعَيْبَتك] أي
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٢٠٠، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٥/ ٣٥.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) ينظرغريب الحديث: (تأليف: أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي)، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ١٣٩٦هـ، ١/ ١٣٨.
(٤) صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: (اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)، الحديث رقم ٣٥٩٠، ١٣٨٣.
[ ٢٨٧ ]
ــ
اشْتَغِل بأهْلِك ودَعْني (١).
أما النفس فيراد بها الثوب وهو أحد أوجه معانيه، ويقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر]، أي قصر، فإن تقصيرها طهر، وقيل:"نفسك فطهر" وقال ابنُ قتيبةَ في مشكلِ القرآن: أَي نَفْسَكَ فَطَهِّرْهَا منَ الذُّنُوبِ، والعَرَبُ تَكْنِي بالثِّيَابِ عن النفْس لاشتمالها عليها، قالت لَيْلَى وذَكَرَت إبلا:
رَمَوْهَا بِأَثْوَاب خِفَافِ فَلاَ تَرَى لها شبهًا إلا النعام المنفرا (٢)
وقال:
فَسُلِّي ثِيَابِ عَنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ (٣).
فيكون المعنى عليك بخاصة من تكون له سترأ كالثوب، وهذه الرواية على المعنى، والله أعلم.
وممن رواه كما وقع لمسلم من رواية ابن سفيان أبو يعلى (٤) والبزار (٥).
الثاني: قال القاضي عياض: "قوله: في حديث تخيير النبي - ﵇ - نساءه فجلست فإذا رسول الله عليه إزاره، كذا لابن ماهان، وكذا سمعناه على أبي بحر، وسمعناه من القاضي أبي علي، والخشني: فأدنى عليه إزاره، وهي رواية الجلودي، والأول الصواب بدليل مقصد الحديث، وأن عمر إنما أراد أن يصف الهيئة التي وجده عليها" (٦).
فإذا عليه أزاره هي رواية ابن ماهان، وفأدنى عليه أزاره هي رواية
_________________
(١) ينظرالنهاية في غريب الحديث والأثر٣/ ٦١٧.
(٢) ديوان ليلى الأخيلية ص٢٩، وينظر المعاني الكبير لابن قتيبة الدينوري ص١١٥، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري ص١٠٧، وغيرهما.
(٣) ينظر لسان العرب ١/ ٢٤٣. تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٣٣٠. والبيت لامرئ القيس ومطلعه:" وتكُ قد ساءتكِ مني خَليقَةٌ " ديوان امرؤ القيس ص٢.
(٤) مسند أبي يعلى: مسند عمر بن الخطاب - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ١٦٤، ١/ ١٤٩.
(٥) مسند البزار: مسند عمر بن الخطاب، ومما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمر، الحديث رقم ١٩٥، ١/ ١٤٩.
(٦) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٦.
[ ٢٨٨ ]
ــ
الجلودي، وهي موافقة لرواية ابن سفيان. إذا هذه هي إذا الفجائية، وتختص بالأسماء، وهنا اسمها محذوف، والتقدير فإذا رسول الله - ﷺ - أزاره. أي تفاجأ عمر لهيئته التي كان عليها، ويدل على ذلك جوابه بعد بكائه: "ومالي لا ابكي؟ وهذا الحصير قد اثر في جنبك ".
وأما فأدنى عليه أزاره، فهو مأخوذ من الدنو أي القرب يقال: "أدنيت الستر أرضيته" (١) أي جعل أزاره اقرب إلى الأرض.
فيكون كلا الروايتين صواب، الأولى تفاجأ من وصفه - ﷺ - والأخرى، اخبر عن حاله في إسدال أزاره، والله اعلم.
ولا تعارض بين الروايتين لان الإسدال بعد المفاجأة: وهذا ما رواه أبو عوانة في مستخرجه (٢).
وممن رواه كرواية ابن ماهان، أبو يعلى (٣)، والبيهقي (٤)، وكلهم رووا هذا الحديث بسند واحد. ووقع لأبي يعلى خطأ في مسنده فقال عثمان بن يونس، والصواب عمر بن يونس.
_________________
(١) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ١/ ٢٠١.
(٢) مستخرج أبي عوانة: مبتدأ كتاب الطلاق، باب الخبر المبين ان الرجل إذا قال لامرأته: اختاري، الحديث رقم ٣٧٠٣، /
(٣) مسند أبي يعلى: مسند عمر بن الخطاب - ﵁ - الحديث رقم ١٦٤، ١/ ١٤٩.
(٤) سنن البيهقي الكبرى: كتاب النكاح، باب ما أمره الله تعالى به من اختيار الآخرة على الأولى، ولا يمد عينيه إلى زهرة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]، الحديث رقم ١٣٠٨٤، ٧/ ٤٦. شعب الإيمان: الرابع عشر من شعب الإيمان وهو باب في حب النبي - ﷺ -، فصل في زهد النبي - ﷺ - وصبره على شدائد الدنيا ، الحديث رقم ١٤٤٩، ٢/ ١٦٦.
[ ٢٨٩ ]
٢٤ - كتاب اللعان
وحدثنا أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، وابن بشار (واللفظ للمسمعي وابن المثنى) قالوا: حدثنا معاذ (وهو ابن هشام) قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير قال: لم يفرق المصعب بين المتلاعنين قال سعيد: فذكر ذلك لعبد الله بن عمر فقال: فرق نبي الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان ٢/ ١١٣٠.
ــ
قال القاضي عياض (١): "قوله: فرق المصعب بين المتلاعنين كذا لابن ماهان، ولغيره: لم يفرق المصعب، وضبطه بعضهم: لِمَ فرق المصعب؟، والأشبه أن الصحيح رواية من روى لم يفرق بدليل آخر الحديث".
والخلاف في وقوع التفريق بين المتلاعنين هو سبب هذا الخلاف في الرواية، جاء في رواية أبو مصعب الزهري ان السنة هي التفريق بالتلاعن لما نقل قول مالك: قال ابن شهاب: "فكانت تلك سُنَّة المتلاعنين" (٢).
ما يجعل رواية ابن ماهان مخالفة لغيرها من الروايات، ولهذا خطّأها القاضي عياض.
وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (٣): "قد أورد مسلم من وجه آخر - عن حديث: "قلت لابن عمر رجل قذف امرأته أي ما الحكم فيه - عن سعيد بن جبير فزاد في أوله قال: "لم يفرق المصعب" يعني بن الزبير "بين المتلاعنين" أي حيث كان أميرًا على العراق، قال سعيد: فذكرت ذلك لابن عمر، ومن وجه آخر عن سعيد سئلت عن المتلاعنين في امرأة مصعب بن الزبير، فما دريت ما أقول فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة الحديث، وفيه قلت: يا أبا عبد الرحمن: المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان وعرف من قوله بمكة أن في الرواية التي قبلها حذفًا تقديره فسافرت إلى مكة فذكرت ذلك =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٥٥.
(٢) الموطأ رواية أبو مصعب الزهري، تحقيق: د. بشار عواد محمد ومحمد خليل، مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٩٩٨م، ١/ ٦٢٣.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/ ٤٥٦ بتصرف.
[ ٢٩٠ ]
٢٥ - كتاب البيوع
باب كراء الأرض بالطعام
حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو مسهر، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني أبو عمرو الأوزاعي، عن أبي النجاشي مولى رافع بن خديج، عن رافع أن ظهير بن رافع (وهو عمه)، قال: أتاني ظهير فقال: لقد نهى رسول الله - - ﷺ - - عن أمر كان بنا رافقا فقلت وما ذاك؟ ما قال رسول الله - - ﷺ - - فهو حق، قال: سألني كيف تصنعون بمحاقلكم؟ فقلت: نؤاجرها يا رسول الله على الربيع، أو الأوسق من التمر، أو الشعير قال: (فلا تفعلوا ازْرًعُوها أو أزْرِعُوها أو أَمسِكُوها) ٣/ ١١٨١*.
ــ
= لابن عمر (١)، وقال أيضًا: وقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: كنا بالكوفة نختلف في الملاعنة يقول بعضنا يفرق بينهما ويقول بعضنا لا يفرق ويؤخذ من ان الخلاف في ذلك كان قديمًا " (٢).
وأيدت رواية النسائي (٣) رواية ابن سفيان، وكذلك البيهقي (٤).
* قال القاضي عياض: "وفي كراء المزارع في حديث إسحاق نواجرها على الربيع كذا للعذري والسجزي بفتح الراء أي الجداول على ما فسرناه قبل وكما جاء في غيره من الأحاديث أي على ما ينبت على شط هذه الجداول فهو لرب الأرض يختص به وما عداه للزارع وهو غرر فلذلك نهى عنه وعند السمرقندي على الربع أي الجزء مما يخرج من الأرض وهو غرر أيضا وقد تكون الروايتان صحيحتان قد قالوا للربع ربيع كما قالوا للنصف نصيف" (٥).
قال الإمام النووي: "قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث: (نُؤَاجِرهَا يَا رَسُول اللَّه عَلَى الرَّبِيع
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) مصنف عبد الرزاق: كتاب الطلاق، باب التفريق بين المتلاعنين ولمن الصداق، الحديث رقم ١٢٤٥٤، ٧/ ١١٨.
(٣) المجتبى من السنن: كتاب الطلاق، باب التفريق بين المتلاعنين، الحديث رقم ٣٤٧٤، ٦/ ١٧٦، والسنن الكبرى: الكتاب والباب أنفسهما، الحديث رقم ٥٦٦٨، ٣/ ٣٧٥.
(٤) سنن البيهقي الكبرى: كتاب اللعان، باب سنة اللعان، ونفي الولد، وإلحاقه بالأم وغير ذلك، الحديث رقم ١٥١٠٤، ٧/ ٤٠٢.
(٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٨١.
[ ٢٩١ ]
ــ
أَوْ الْأَوْسُق) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ (الرَّبِيع) وَهِيَ السَّاقِيَّة وَالنَّهْر الصَّغِير، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة اِبْن مَاهَان (الرُّبْع) بِضَمِّ الرَّاء وَبِحَذْفِ الْيَاء وَهُوَ أَيْضًا صَحِيح" (١).
فقول القاضي في المشارق: "وعند السمرقندي على الربع" هو أحد رواة المشارقة من طريق ابن سفيان، فقد أيدت روايته رواية ابن ماهان، وهذا يدل على أن لا فرق بين الروايتين؛ لأن الرواية الأولى على التصغير والأخرى على التكبير.
ويرى الخليل بن أحمد الفراهيدي: ان أحد معاني الربيع: الربع فقال: "ربما سُمِّي النهرُ الصغير رَبيعًا في بعض اللغات، ومنها قيل الرَّبيع في معنى الرُّبع .. " (٢) وهذا يؤيد رواية ابن ماهان أيضًا.
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن ماهان: البخاري (٣)، وابن ماجة (٤)، وابن أبي عاصم (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، والبيهقي (٨).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم ٥/ ٣٩٠.
(٢) كتاب العين ١/ ٦٩.
(٣) صحيح البخاري: كتاب المزارعة، باب ما كان أصحاب النبي - - ﷺ - - يواسي بعضهم بعضًا في المزارعة والثمرة، الحديث رقم، ٢٢١٤، ٢/ ٨٢٤.
(٤) سنن ابن ماجه: كتاب الرهون، باب الرخصة في كراء الأرض البيضاء بالذهب والفضة، الحديث رقم ٢٤٥٩، ٢/ ٨٢١.
(٥) الآحاد والمثاني: ظهير بن رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الخزرج عقبي بدري، الحديث رقم ١٩٩٦، ٤/ ٥٢. صحيح ابن حبان: كتاب المزارعة، الحديث رقم ٥١٩١، ١١/ ٥٩٦.
(٦) صحيح ابن حبان: كتاب المزارعة، الحديث رقم ٥١٩١، ١١/ ٥٩٦.
(٧) المعجم الكبير: باب الراء، رافع بن خديج بن رافع يكنى أبا عبد الله، من أخباره، الحديث رقم ٤٤٢٣، ٤/ ٢٨٠، وينظر باب الظاء، ظهير بن رافع النصاري عقبي الحديث رقم ٨٢٦٧، ٨/ ٣٣٩.
(٨) سنن البيهقي الكبرى: كتاب المزارعة، باب بيان المنهي عنه وأنه مقصور على كراء الأرض ببعض ما يخرج منها دون غيره مما يجوز أن يكون عوضًا في البيوع ١١٤٩٦، ٦/ ١٣١.
[ ٢٩٢ ]
٢٦ - كتاب الأيمان
باب من أعتق شركا له في عبد
وحدثناه عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة بهذا الإسناد قال: "من أعتق شقيصًا من مملوك فهو حر في ماله" ٣/ ١٢٨٥.
ــ
قال الإمام المازري: "الشقص: النصيب ومثله الشقيص، وكذلك قوله: "من اعتق شركًا له في عبد" الشرك: النصيب، ومثله الشقيص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي من نصيب، ويكون الشرك في غير هذا الشريك، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٩٠]، ويكون الشرك أيضًا الاشتراك يقال: شركته في الأمر أشركه شركًا، ومنه حديث معاذ "أجاز بين أهل اليمن الشرك"، وأراد الإشراك في الأرض" (١).
ونسب القاضي عياض الخلاف في هذا الموضع إلى ابن ماهان فقال (٢): "قوله: "من أعتق شقصًا له من عبد"، كذا رواية ابن ماهان في حديث ابن معاذ ولغيره شقيصا في كتاب مسلم ورواية الكافة في البخاري".
فالشِقْص والشِقيص بمعنى واحد هو النصيب أو الشرك أو الحظ أو الطائفة من الشيء أو القطعة من الأرض قال ابن منظور: "الشقص والشقيص الطائفة من الشيء أو القطعة من الأرض تقول: أعطاه شقصًا من ماله، وقيل هو قليل من كثير وقيل هو الحظ، ولك شقص هذا وشقيصه كما تقول نصفه ونصيفه، والجمع من كل ذلك اشقاص وشقاص وفي الحديث ان رجلًا من هُذيل اعتق شقصًا من مملوك فأجاز رسول الله - ﷺ - وقال ليس لله شريك، قال شحر: قال خالد: النصيب والشرك والشقص واحد، قال شحر: والشقيص مثله وهو في العين المشتركة من كل شيء. قال الأزهري: وإذا فرز جاز ان يسمى شِقصًا، ومنه تشقيص الجزرة وهو
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم ٢/ ٣٦٩.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٥٧.
[ ٢٩٣ ]
ــ
تعضيتها وتفصيل أعضائها وتعديل سهامها بين الشركاء" (١).
فتكون الروايتان صحيحتان، بل اللفظتان مستعملتان في حديث النبي - ﷺ - بكثرة لذات المعنى. وبعض هذه الروايات هي في: البخاري (٢)، أبي داود (٣)، الترمذي (٤)، النسائي (٥)، والموطأ (٦)، وغيرهم.
أما بخصوص الشقيص فهي في: البخاري (٧)، وأبي داود (٨)، والترمذي (٩)، والنسائي (١٠).
_________________
(١) لسان العرب ٧/ ٤٨.
(٢) صحيح البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، الحديث رقم ٢٣٥٩، ٢/ ٨٨٢، وباب الشركة في الرقيق، الحديث رقم ٢٣٧، ٢/ ٨٨٥.
(٣) سنن أبي داود: كتاب العتق، باب فيمن اعتق نصيبًا له من مملوك، الحديث رقم ٣٩٣٣، ٢/ ٤١٦، وباب من اعتق نصيبًا له من مملوك بينه وبين آخر، الحديث رقم ٣٩٣٤، ٢/ ٤١٧. وباب من ذكر السعاية في هذا الحديث، الحديث رقم ٣٩٣٨، ٢/ ٤١٧.
(٤) سنن الترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق احدهما نصيبه، الحديث رقم ١٣٤٦، ٣/ ٦٢٩، والحديث رقم ١٣٤٧، ٣/ ٦٣٠.
(٥) سنن النسائي الكبرى: كتاب ما قذفه البحر، فضل العتق، الحديث رقم ٤٩٣٨، ٣/ ١٨٠، وباب ذكر العبد يكون بين اثنين فيعتق احدهما نصيبه واختلاف ألفاظ الناقلين لخبر عبد الله بن عمر في ذلك، الحديث رقم ٤٩٥٥، والحديث رقم ٤٩٥٦، ٣/ ١٨٢، وباب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين خبر أبي هريرة في ذلك والاختلاف على قتادة، الحديث رقم ٤٩٦٣، والحديث رقم ٤٩٦٤، والحديث رقم ٤٩٦٥، ٣/ ١٨٥.
(٦) موطأ الإمام مالك رواية يحيى الليثي: كتاب العتق والولاء، باب من اعتق شركًا له في مملوك، الحديث رقم ١٤٦٢، ٢/ ٧٧٢.
(٧) صحيح البخاري: كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، الحديث رقم ٢٣٦٠، ٢/ ٨٨٢، وكتاب العتق، باب إذا اعتق نصيبًا في عبد، وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة، الحديث رقم ٢٣٩٠، ٢/ ٨٩٣.
(٨) سنن أبي داود: كتاب العتق، باب من ذكر الغاية في هذا الحديث، الحديث رقم ٣٩٣٧، والحديث رقم ٣٩٣٨، ٢/ ٤١٧.
(٩) سنن الترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق احدهما نصيبه، الحديث رقم ١٣٤٨، ٣/ ٦٣٠.
(١٠) سنن النسائي الكبرى: كتاب ما قذفه البحر، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين خبر أبي هريرة في ذلك والاختلاف على قتادة، الحديث رقم ٤٩٦٨، ٣/ ١٨٦. وباب ذكر العبد يكون للرجل فيعتق بعضًا، الحديث رقم ٤٩٧٠، و٤٩٧١، و٤٩٧٢، ٣/ ١٨٦.
[ ٢٩٤ ]
٢٧ - كتاب المساقاة
باب فضل الغرس والزرع
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث ح، وحدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث، عن ابن الزبير، عن جابر: أن النبي - ﷺ - دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها فقال لها النبي - ﷺ -: ﴿من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر﴾؟ فقالت: بل مسلم. فقال: ﴿لا يغرس مسلما غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة﴾ ٣/ ١١٨٨.
ــ
قال القاضي عياض: "وجاء الخلاف في كتاب مسلم في باب أجر من غرس غرسًا من وراية الليث أن رسول الله - ﷺ - دخل على أم بِشر بكسر الباء وشين معجمة كذا عند ابن ماهان، وعند الجلودي أم مبشر. وفي كتاب العذري على أم معبد أو مبشر، وكذا وقع في ديوان الليث، وقال أبو عمر أم مبشر بنت البراء بن معرور ويقال لها أم بشر أيضًا وهي زوج زيد بن حارثة وقد ذكره مسلم من رواية الأعمش فقال: عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة وذكر الحديث عن أنس وفيه أم مبشر وذكره من رواية عمرو بن دينار عن جابر وفيه أم معبد" (١).
وهذه الصحابية - ﵂ - هي زوجة الصحابي زيد بن حارثة - ﵁ -، وابنة الصحابي البراء بن معرور - ﵄ - (٢).
وأم مبشر التي نحن بصدد ذكرها - البنت وليست الأم - تعرف بثلاث كنى أم مبشر وأم بشير وأم بشر، قال الليث بن سعد: أم مبشر الأنصارية وفي بعض الحديث أم بشير وهي واحدة وكانت امرأة زيد بن حارثة أسلمت وبايعت رسول الله - ﷺ - وروت عنه وروى عنها جابر بن عبد الله وهو حديثنا الآن عند مسلم.
وقال الحافظ بن حجر: "وعن حفصة بنت عمر على خلاف في ذلك وعنها جابر بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري ومجاهد
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٠٩.
(٢) رجال مسلم ٢/ ٤٢٠.
[ ٢٩٥ ]
ــ
بن جبر يقال مرسل. قلت: زعم الدمياطي أن اسمها جهينة بنت صيفي بن صخر، وإنها زوجة البراء بن معرور أم ولديه بشر ومبشر قال: وخلف عليه بعده زيد بن حارثة، كذا قال، وقد ذكر أبو جعفر الطبري وأبو علي بن السكن أن اسم أم بشر بن البراء خليدة بنت قيس بن ثابت بن مالك الأشجعية وقال ابن عبد البر: "أم بشر بنت البراء بن معرور ويقال لها أم مبشر اسمها خليدة" (١)، كذا قال: وكأنه أراد أن يكتب أم بشر بن البراء ولعله من طغيان القلم وقد اعترض عليه ابن فتحون، وذكر خليفة بن خياط أن للبراء بن معرور بنتا تسمى أم قيس. فالله تعالى أعلم" (٢).
والذي ذكره ابن عبد البر يكون لها كنية ثالثة وهو ما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان.
وذكر الحافظ ابن حجر انها روت حديث: "لا يدخل النار - ان شاء الله - من أصحاب الشجرة" (٣).
وممن سماها أم مبشر وروى الحديث بهذا اللفظ: أبو داود (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦).
وممن سماها أم بشر وروى الحديث بهذا اللفظ: ابن ماجه (٧)، الطبراني (٨).
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) تهذيب التهذيب ١٢/ ٥٠٥.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) سنن أبي داود: كتاب الديات، باب فيمن سقا رجلا سما أو اطعمه فمات، ايقاد منه؟، الحديث رقم ٤٥١٣، ٢/ ٥٨٢ والحديث رقم ٤٥١٤، ٢/ ٥٨٣.
(٥) سنن الترمذي: كتاب الأحكام، باب ما جاء في فضل الغرس، رقم الحديث ١٣٨٢، ٣/ ٦٦٦، وكتاب الفتن، باب كيف يكون في الفتنة، رقم الحديث ٢١٧٧، ٤/ ٤٧٣.
(٦) سنن ابن ماجة: كتاب الزهد، باب ذكر البعث، رقم الحديث ٤٢٨١، ٢/ ١٤٣١.
(٧) سنن ابن ماجة: كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر، رقم الحديث ١٤٤٩، ١/ ٤٦٦.
(٨) المعجم الكبير: العشرة المبشرة بالجنة، باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري، رقم الحديث ١٢٢، ١٩/ ٦٤، وباب ما يعرف من النساء بالكنى أم بشر بنت البراء بن معرور، ٢٥/ ١٠٤.
[ ٢٩٦ ]
باب من اعترف على نفسه بالزنا
٢٨ - كتاب الحدود
باب من اعترف على نفسه بالزنى
حدثني محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رجلا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي، فرده النبي - ﷺ - مرارا قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد قال: فرجع إلى النبي - ﷺ - فأمرنا أن نرجمه قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت قال: ثم قام رسول الله - ﷺ - خطيبا من العشي فقال: ﴿أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس على أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به﴾ قال: فاستغفر له ولا سبه ٣/ ١٣٢٠.
ــ
قال القاضي عياض: "في حديث ماعز، فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت. كذا لكافتهم عن مسلم، ولابن ماهان: سكن بالنون، وهما بمعنى، وقد فسرناه في حديث قتل أبي عامر الأشعري: "فلما رآني رسول الله - ﷺ - ساكنا " كذا لأكثر شيوخنا بالنون، ورواه بعضهم: "ساكتًا" بالتاء، وعند ابن الحذاء: "شاحبًا"، وقد يتوجه هنا الشحوب، وهو تغيير اللون من مرض أو جزع" (١).
فرواية ابن ماهان: "حتى سكن" بالنون تعني سكن بعد الموت. يقال: ذبحتُ الشيء حتى سكن اضطرابه، وسُمّيتْ السكينُ سكّينًا؛ لأنها تُسكَّن الذبيحة أي تُسَكنها بالموت، وكل شيء مات فقد سَكَنَ. قال ذلك ابن منظور في لسان العرب نقلًا عن الأزهري (٢).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢١٦.
(٢) ينظر لسان العرب ١٣/ ٢١١، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٨٠٦٩.
[ ٢٩٧ ]
ــ
وقال ابن الأثير ووافقه ابن منظور: "وفي حديث عمر، قال له رجل: [شنقتها بجبوبة حتى سكن نسيسها] أي ماتت، والنسيس: بقية النفس" (١).
ورواية الكافة: "حتى سكت" بالتاء. جاء في لسان العرب (٢): فالسكت، والسكوت: خلاف النطق، وقد سكت يسكت سكتًا، وسكاتًا، وسكوتًا، واسكت: فهو الصمت، وفي حديث ماعز: "فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت" أي مات (٣).
وقال الخطابي: "وقوله: حتى سكت، يريد سكوت الموت" (٤).
وممن روى الحديث بلفظ "سكن" كما وقع لمسلم عند ابن ماهان: النسائي (٥).
وممن رواه بلفظ "حتى سكت" كما وقع لمسلم عن الكافة: أبو يعلى (٦)، والبيهقي (٧).
الخلاصة: كلاهما جائز وإن كان لفظ ابن ماهان هو الأقرب لعدم اللبس؛ لأن السكون عند الرجم يمكن أن يحمل على انقطاع الصراخ والبكاء مع بقاء الحياة والحركة ولفظة ابن ماهان تدل على تحقق الموت بالسكون عن الحركة (٨).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ١١٣، ولسان العرب ٦/ ٢٣٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٣.
(٣) المصدران أنفسهما ٢/ ٤٣، ١١٠٨.
(٤) غريب الحديث للخطابي ١/ ٣٦٥.
(٥) سنن النسائي الكبرى: كتاب الرجم، كيف يفعل بالرجل وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، الحديث رقم ٧١٩٨، ٤/ ٢٨٨.
(٦) مسند أبي يعلى: من مسند أبي سعيد الخدري، الحديث رقم ١٢١٥، ٢/ ٤٢٠.
(٧) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الحدود، باب من قال: لا بقيام عليه الحد حتى يعترف بأربع مرات، الحديث رقم ١٦٧٧٤، ٨/ ٢٢٧.
(٨) أملى عليَّ ذلك الدكتور محمود عيدان أحمد جزاه الله خيرًا، والله أعلم.
[ ٢٩٨ ]
٢٩ - كتاب اللقطة
باب الضيافة ونحوها
حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: ﴿يقيم عنده ولا شيء يقريه به﴾ ٣/ ١٣٥٢.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله في باب الضيافة: "حتى لا يجد ما يقريه به" كذا هو المعروف من القرى، وعند رواة ابن ماهان: "يقوته به" من القوت" (١).
فالقرى: الإحسان إلى الضيف، قراه يقريه قِرىً: أضافه (٢). فيكون التقدير لا يجد ما يضيفه به.
أما القوت: "فهو ما يمسك به الرمق من الرزق، قال ابن سيده: القوتُ، والقيتُ، والقيتة، والقائت: المُسكة من الرزق، وفي الصحاح: هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام. يقال: ما عنده قوت ليلة، وقيت ليلة، وقيتة ليلة، فلما كسرت القاف صارت الواو ياءً، وهي البُلْغة، وما عليه قوت ولا قوات، والقوت: مصدر قات يقوت قوْتًا وقياتةً" (٣).
وقال ابن الأثير: "ومنه الحديث: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا"، أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم" (٤).
وقال الصاحب بن عباد (٥): والمقيت: الموقوف على الشيء المقتدر، وفي أسماء الله الحسنى: المقيت: هو الحفيظ، وقيل المقتدر، وقيل الذي يعطي أقوات =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ١٨٢.
(٢) المحيط في اللغة١/ ٤٩٥.
(٣) لسان العرب ٢/ ٧٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٩٥.
(٥) المحيط في اللغة ١/ ٤٩٤.
[ ٢٩٩ ]
٣٠ - كتاب اللقطة
باب استحباب المؤاساة بفضول المال
حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ - إذ جاء رجل على راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له﴾ قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل ٣/ ١٣٥٤*.
ــ
= الخلائق، وهو من اقاته يقيته: إذا أعطاه قوته، وهي لغة في قاته يقوته (١).
فلعل الراوي نقل الحديث بالمعنى، وكأنه أراد ان يقول: فلا يقدر على شيء يقيته: أي يضيفه إلى درجة ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام.
وأيدت رواية البيهقي (٢) ما رواه مسلم عند المشارقة.
* قال القاضي عياض: وفي حديث الصدقة، وإخراج فضل الماء (٣) إذ جاء رجل على راحلته، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال - ﷺ -: ﴿من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ﴾ الحديث، كذا رويناه من طريق السجزي، والسمرقندي، وسقط "بصره" للباقين، وعند العذري، وابن ماهان: "يضرب" بالضاد والباء، وضبطناه عن بعضهم بضم الياء على ما لم يسم فاعله، وبعضهم بفتحها وهو أولى، وأشبه بالقصة وباقي الحديث. وقد روى أبو داود وغيره هذا الحديث، وقال: "فجعل يصرفها يمينا وشمالا" يعني الراحلة،
وهو بمعنى يضرب: أي يسير بها سيرا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٩٥.
(٢) شعب الإيمان: الثامن والستون من شعب الإيمان وهو باب في اكرام الضيف، الحديث رقم ٩٥٨٦، ٧/ ٩٠.
(٣) فضل الماء هكذا وجدته في مشارق الأنوار (النسخة الحجرية)، والصواب "فضل المال"؛ لان ترجمته عند مسلم هو: باب استحباب المؤاساة بفضول المال، أي الزائد منه، والله اعلم.
[ ٣٠٠ ]
ــ
[النساء: ١٠١] .. (١).
وذكر الإمام النووي الخلاف - في هذا الموضع - دون نسبته لأحد (٢).
فرواية ابن ماهان: "يضرب بصره"، فالضرب على عدة معانٍ اختار القاضي - ﵀ - منها الضرب في الأرض: أي يطلب الرزق، ويظهر ان قول الراوي: "يضرب بصره يمينًا وشمالًاَ"، أراد به الإسراع في تحريك عينيه يمينًا وشمالًا. يقال: جاءنا راكب يضرب، ويُذبّب: أي يسرع (٣).
وهذا المعنى ينطبق مع حال الرجل في الرواية الأخرى: "يصرف بصره"، وهو ما رواه مسلم عند ابن سفيان، وهو مأخوذ من الصرف بمعنى التقلب. جاء في تهذيب اللغة: والصرف: التقلب والحيلة (٤).
أي يقلب بصره يمينًا وشمالًا، وهما بالمعنى نفسه والله اعلم.
وأما ما ذكره القاضي عياض عن رواية أبي داود، ومن وافقها (٥) فلا يتعارض، فلو جمعنا هذه الروايات لرأينا أن حال الراكب يقلب بصره يمينًا وشمالًا؛ ليجد ما يطلبه من الرزق له ولناقته، ثم إذا وجد شيئًا يسيّر ناقته تجاه ما وجد يمينًا وشمالًا.
وانفرد الإمام مسلم بهذا الحديث باللفظين في الروايتين. والله اعلم.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٤٣.
(٢) ينظر شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ١٦٦.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/ ١٥٣، مادة ضرب.
(٤) ٤/ ١٩٧ مادة صرف.
(٥) سنن أبي داود: كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، الحديث رقم ١٦٦٣، ١/ ٥٢٢، وسنن البيهقي الكبرى: كتاب الضحايا، باب صاحب المال لا يمنع المضطر فضلًا ان كان عنده، الحديث رقم ١٩٤٥٠، ١٠/ ٣، وشعب الإيمان: باب الثاني والعشرون من شعب الإيمان - وهو باب في الزكاة التي جعلها الله تعالى جَدّه قرينة للصلاة ، الحديث رقم ٣٣٨٧، ٣/ ٢٢٤.
[ ٣٠١ ]
٣١ - كتاب الجهاد والسير
باب استحقاق القاتل سلب القتيل
حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال يا عم: هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ يا ابن أخي أخبرت أنه يسب رسول الله - ﷺ -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه، فضرباه بسيفهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبراه فقال: ﴿أيكما قتله﴾؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال: ﴿هل مسحتما سيفيكما﴾؟ قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: ﴿كلاكما قتله﴾، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح (والرجلان معاذ بن عمر بن الجموح، ومعاذ بن عفراء) ٣/ ١٣٧٣.
ــ
قال القاضي عياض: قوله: "وإذا أبو جهل يرفل في الناس" كذا لابن ماهان أي يتبختر، ولابن سفيان "يزول" أي يكثر الحركة ولا يستقر على حال والزويل، وهو هنا أشبه (١).
وقال أيضًا: وقَوْله: "فَلَمْ أَنْشَب أَنْ نَظَرْت إِلَى أَبِي جَهْل يَزُول فِي النَّاس" كذا روايتنا عن كافة شيوخنا في الكتاب، وعند بعضهم عن ابن ماهان: "يرفل"، والرواية الأولى اظهر وأوجه (٢).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٩٦.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٦/ ٦٥.
[ ٣٠٢ ]
ــ
ومعنى يزول: أي يتحرك، ويترجح ولا يستقر على حال، ولا في مكان، والزوال: الزمام والقلق، ويصححه رواية من رواه: "يرفل" ان صحت: أي بسبل ثيابه أو درعه ويجرها.
وقال الإمام النووي: "قوله: فَلَمْ أَنْشَب أَنْ نَظَرْت إِلَى أَبِي جَهْل يَزُول فِي النَّاس، معناه: لم البث، وقوله: "يزول" هو بِالزَّايِ وَالْوَاو، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا، وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِير شُيُوخهمْ، قَالَ: وَوَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ عَنْ اِبْن مَاهَانَ: "يَرْفُل"، ونقل قول القاضي عن معنى اللفظين" (١).
وذكر الإمام السيوطي معنى يزول، ويرفل دون تحديد الخلاف في الروايات، وهو مطابق لما قاله القاضي (٢).
فقول القاضي عياض في مشارق الأنوار: كذا لابن ماهان، وفي إكمال المعلم بفوائد مسلم عند بعضهم عن ابن ماهان، وهو ما ذكره الإمام النووي أيضًا، فالذي يظهر ان رواية ابن ماهان في هذا الموضع قد أثرت في الراويات بعده.
فمعنى يزول يتحرك بسرعة في مسافة صغيرة، قال الجوهري: "الزوّال: الذي يتحرك في مشيته كثيرًا، وما يقطعه من المسافة قليل" (٣).
ويقال أخذه العويل والزويل لأمرٍ ما: أي أخذه البكاء والقلق والحركة (٤).
وقال ابن منظور: "زوال الشيء عن مكانه يزول زولًا، وأزاله غيره، وزوّله فانزال. يقال: استحل هذا الشخص واستزله أي نظر هل يحول أو يزول؟ أي يفارق موضعه، والزوّال الذي يتحرك في مشيه كثيرًا، وما يقطعه من المسافة قليل" (٥).
وقال ابن الأثير: "وفي حديث قتادة [أخذه العويل والزوال] أي القلق والانزعاج بحيث لا يستقر على المكان، وهو الزوال بمعنى، وفي حديث أبي جهل [يزول في
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٢٠١.
(٢) ينظر الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٤/ ٣٥٦.
(٣) الصحاح في اللغة ١/ ٢٩٦.
(٤) تهذيب اللغة ٤/ ٣٣٧٧.
(٥) لسان العرب ١١/ ٣١٣.
[ ٣٠٣ ]
ــ
الناسٍ] أي يكثر الحركة ولا يستقر، ويروى يرفل" (١).
ويرفل: بمعنى أسبل أزاره وتبختر في مشيه، يقال: "يرفل في مشيه، عن السيرافي، وارفل ثوبه أرسله، .. ورفَّل أزاره إذا أسبله وتبختر فيه، ومنه حديث أبي جهل "يرفل في الناس" [وهي رواية ابن ماهان]، ويروى يزول بالزاي والواو، أي يكثر الحركة ولا يستقر" (٢).
وتَرْفَلَ تَرْفَلَةً: تبختر كبرًا (٣).
ورواية ابن ماهان هنا على المعنى، وإلا فلم يرو احد حديثًا كروايته، لكن هذا اللفظ مستعملًا في الحديث، ومنه ما رواه أبو نعيم الاصبهاني: عن طاوس "انه رأى فتية من قريش، وهم يرفلون في مشيتهم " (٤).
وأحاديث أخرى لم نذكرها تحاشيًا للإطالة.
وممن رواه كما رواه مسلم - وهو عند المشارقة - أبو يعلى (٥)، والبزار (٦).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٦٠٣.
(٢) لسان العرب ١١/ ٢٩١، وينظر تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٧١١٦.
(٣) القاموس المحيط ١/ ١٣٠٢.
(٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: طاوس بن كيسان، الحديث غير مرقم ٤/ ٣.
(٥) مسند أبي يعلى: مسند عبد الرحمن بن عوف، الحديث رقم ٨٦٦، ٢/ ١٧٠.
(٦) مسند البزار: مسند عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: باب ما روى سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف، الحديث رقم ١٠١٣، ٣/ ٢٢٣.
[ ٣٠٤ ]
٣٢ - كتاب الجهاد والسير
باب قول النبي - ﷺ -: ﴿لا نورث ما تركنا فهو صدقة﴾
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد (قال ابن رافع حدثنا، وقال الآخران أخبرنا عبد الرزاق)، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ -، وساق الحديث، بمعنى حديث عقيل، عن الزهري، غير أنه قال: ثم قام علي، فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر، فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت، فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الأمر المعروف ٣/ ١٣٨٠.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي خبر أبي بكر وعلي، "فكان الناس لعلي قريبا حتى راجع الأمر بالمعروف"، كذا في رواية ابن ماهان، في حديث إسحاق، والباء هنا زائدة، وبإسقاطها قيده شيخنا التميمي عن الحافظ أبي علي، وكذا جاء في غير هذه الرواية الأمر المعروف" (١).
فرواية ابن ماهان بزيادة الباء، وفي رواية ابن سفيان بحذفها، وقبلها عند ابن ماهان "حتى"، وعند ابن سفيان "حين".
وهذه الحروف لها معانٍ متقاربة. فحتى تأتي: "نيابة عن إلى، قال الفراء: تخفض لنيابتها عن إلى، وربما اظهروا إلى بعدها، قالوا: جاء الخبر حتى إلينا. وجمعوا بينهما على تقدير إلغاء احدهما، ومجرورها إما اسم صريح نحو "حتى حين"، أو مصدر مؤول من أن والفعل المضارع، نحو "حتى يقول الرسول"؛ لان التقدير: حتى أن يقول، هذا مذهب البصريين، وزاد ابن مالك، في أقسام مجرورها، ان يكون مصدرًا مؤولًا من ان وفعل ماضٍِ، نحو "حتى عفو وقالوا" (٢).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٧٣.
(٢) الجني الداني في حروف المعاني ١/ ٩٢.
[ ٣٠٥ ]
ــ
اما الباء التي في رواية ابن ماهان فهي للحال، قال ابن أم هانئ المرادي: "- من أنواع الباء -: المصاحبة، ولها علامتان:
احدهما: ان يحسن في موضعها مع.
والأخرى: أن يغني عنها مصحوبها الحال، كقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧٠]، أي: مع الحق، أو محقًا. و﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: مع سلام، أو مسلمًا عليك.
ولصلاحية وقوع الحال موقعها، سماها كثير من النحويين باء الحال، ويصح حذفها" (١).
وروى البخاري (٢) حديثًا، وهو موافق لرواية مسلم عند ابن سفيان.
وقد روى ابن حبان (٣) في صحيحه القصة، وجمع بين الروايتين.
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ٥.
(٢) صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، الحديث رقم ٣٩٩٨، ٤/ ١٥٤٩.
(٣) الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان: كتاب التاريخ، باب مرض النبي - ﷺ -، الحديث رقم ٦٦٠٧، ١٤/ ٥٧٣.
[ ٣٠٦ ]
٣٣ - كتاب الجهاد والسير
باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم
وحدثنا علي بن الحسين بن سليمان الكوفي، حدثنا عبدة، عن هشام بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: فانفجر من ليلته، فما زال يسيل حتى مات، وزاد في الحديث، قال: فذاك حين يقول الشاعر:
ألا يا سعدَ سعد بني معاذ فما فعلت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بني معاذ غداة تحملوا لهو الصبور
تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور
وقد قال الكريم أبو حباب أقيموا قينقاع ولا تسيروا
وقد كانوا ببلدتهم ثقالا كما ثقلت بميطان الصخور ٣/ ١٣٨٩.
ــ
قال القاضي عياض: "ميطان المذكور في شعر بني قريظة في مسلم كذا هو بفتح الميم وسكون الياء باثنتين تحتها وطاء مهملة وآخره نون، وكذا ضبطناه عن أكثر الرواة، وكذا صوبه الجياني، وكذا ضبطه أبو عبيد البكري، وقال: هو من بلاد بني مزينة من بلاد الحجاز إلا أنه قيده بكسر الميم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، وكان عند العذري منطار بنون أولا بعد الميم وآخره راء كذا قيدته عن بعض أصحابه، وعن غيره عنه ممطار بميمين، وكان عند ابن ماهان محيطان بحاء مهملة وكلاهما خطأ" (١).
قال الإمام النووي (٢): "قَوْله: كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُور، هُوَ اِسْم جَبَل مِنْ أَرْض أَجَازَ فِي دِيَار بَنِي مُزَيْنَةَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى الْمَشْهُور، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الْبَكْرِيّ وَجَمَاعَة: هُوَ بِكَسْرِهَا وَبَعْدهَا يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَآخِره نُون، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وذكر قول القاضي في اختلاف الرواية".
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٩٤.
(٢) ينظر شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٢١٩.
[ ٣٠٧ ]
ــ
قال السيوطي: "يميطان" بفتح الميم، وقيل بكسرها، ومثانة تحت، ونون آخره: جبل بديار بني مزينة، وروي بميطار بالراء، ولابن ماهان بحيطان بالحاء بدل الميم، وذكر التصويب قول القاضي عياض للرواية الأولى - رواية المشارقة - (١).
فرواية ابن ماهان حيطان، ورواية ابن سفيان ميطان.
أما الحيطان واحدها حائط، وهو السور جاء في لسان العرب: "والسُّورُ حائط المدينة مُذَكَّرٌ، وقول جرير يهجو ابن جُرْمُوز لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ سُورُ المَدِينَةِ، والجِبالُ الخُشَّعُ ، والجمع أَسْوارٌ وسِيرَانٌ وسُرْتُ الحائطَ سَوْرًا، وتَسَوَّرْتُه إِذا عَلَوْتَهُ، وتَسَوَّرَ الحائطَ تَسَلَّقَه، وتَسَوَّرَ الحائط هجم مثل اللص قال الله - ﷿ -: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد: ١٣] والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أَشرف الحيطان، وشبه الله تعالى الحائط الذي حجز بين أَهل النار وأَهل الجنة بأَشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء واحد" (٢).
وميطان اسم جبل وهو احد جبال المدينة، قال ياقوت الحموي: "ميطان بفتح أوله وطاء مهملة وآخره نون من جبال المدينة مقابل الشوران به بئر ماء يقال له ضفة، وليس به شيء من النبات وهو لمزينة وسليم، وقد روى أهل المغرب غير ذلك وهو خطأ. له ذكر في صحيح مسلم، وقال معن بن أوس المزني وكان قد طلق امرأته ثم ندم: كأن لم يكن يا أم حقة قبل ذا بميطان مصطاف لنا ومرابع وإذ نحن في عصر الشباب وقد عسا بنا الآن إلا أن يعوض جازع" (٣). والخلاصة: وهذا الذي يذكره ياقوت هو الفصل في بيان الرواية الأصوب، لأنه لا تناسب بين معنى حيطان وميطان. ولم أجد من شارك الإمام مسلم في رواية هذا الحديث.
_________________
(١) ينظر الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٤/ ٣٧٥.
(٢) بتصرف ٤/ ٣٨٤.
(٣) معجم البلدان: ٥/ ٢٤٣.
[ ٣٠٨ ]
٣٤ - كتاب الجهاد والسير
باب فتح مكة
حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع ثم لقيت أبا هريرة من العشي فقلت الدعوة عندي الليلة فقال سبقتني قلت نعم فدعوتهم فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال أقبل رسول الله - ﷺ - حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله - ﷺ - في كتيبة قال فنظر فرآني فقال (أبو هريرة) قلت لبيك يا رسول الله فقال: ﴿لا يأتيني إلا أنصاري﴾.
زاد غير شيبان فقال: (اهتف لي بالأنصار) قال: فأطافوا به ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال رسول الله - ﷺ - ﴿ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم﴾، ثم قال: بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: ﴿حتى توافوني بالصفا﴾ قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، ثم قال: ﴿من دخل دار أبي سفيان فهو آمن﴾ فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي قال رسول الله - ﷺ -: ﴿يا معشر الأنصار﴾ قالوا: لبيك يا رسول الله قال: ﴿قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته﴾ قالوا: قد كان ذاك. قال: ﴿كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم﴾، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله
[ ٣٠٩ ]
وبرسوله فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم﴾ قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال: وأقبل رسول الله - ﷺ - حتى أقبل الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال: وفي يد رسول الله - ﷺ - قوس وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو ٣/ ١٤٠٥.
ــ
الحديث فيه خلافان:
الأول:
قال القاضي عياض: "وفي مسلم: وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، ووقع عند بعض رواة ابن ماهان على الجيش، والصواب الحسر أي الذين لا دروع معهم، والمراد هنا الرجالة، كما جاء في غير هذا الحديث، وقد رواه ابن قتيبة على الحبَّس بواحدة مشددة وفسره بالرجالة لتحبسهم عن الركبان" (١).
فالرواية من طريق ابن ماهان "على الجيش" جاءت عامة، ومن طريق المشارقة على الحُسَّر فخص بها بعضهم، وهم من لا دروع لهم، وهم الرجالة. قال ابن منظور: "الحاسر خلاف الدّراع والحاسر الذي لا بيضة على رأسه، قال الأعشى:
وفَيْلَقٍ شهباءَ مَلمومةٍ تقذِف بالدارع والحاسر (٢)
ويروى تَعْصِفُ والجمع حُسَّرٌ ويقال للرَّجَّالَةِ في الحرب الحُسَّرُ وذلك أَنهم يَحْسُِرُون عن أَيديهم وأَرجلهم وقيل سُمُّوا حُسَّرًا؛ لأَنه لا دُرُوعَ عليهم ولا بَيْضَ، وفي حديث فتح مكة أَن أَبا عبيدة كان يوم الفتح على الحُسَّرِ هم الرَّجَّالَةُ، وقيل هم الذين لا دروع لهم ورجل حاسِرٌ لا عمامة على راسه، وامرأَة حاسِرٌ بغير هاء إِذا
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٦٧.
(٢) المعاني الكبير ص٢٢٢، محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ص ١٥٥.
[ ٣١٠ ]
ــ
حَسَرَتْ عنها ثيابها، ورجل حاسر لا درع عليه، ولا بيضة على راسه" (١).
وقال الفيروز آبادي: "الحاسر: خلاف الدارع، وخلاف المقنع أيضًا" (٢).
وقال ابن المطرز: "الحاسر: خلاف الدارع، وخلاف المقنع أيضًا" (٣).
ولم يرد احد كما جاء اللفظ من طريق المغاربة، وممن رواه كرواية مسلم عند المشارقة: الطيالسي (٤)، وابن أبي شيبة (٥)، وابن حبان (٦)، والبيهقي (٧).
والثاني:
قال القاضي عياض: "قوله: حتى توافوني بالصفا، كذا لكافة الرواة يخاطب الأنصار، وعند ابن ماهان: حتى يوافوني بالصغار، بياء الغائب يريد أهل مكة، والصواب الأول بدليل الحديث الآخر موعدكم الصفا" (٨).
فالصفا موضع معروف وهو الذي أمرهم الرسول - ﷺ - بالموافاة عنده، أما الصغار فهو بعيد؛ لان النبي - ﷺ - قال: ﴿من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن﴾.
الخلاصة: وبالتالي يظهر خطأ رواية ابن ماهان.
_________________
(١) لسان العرب ٤/ ١٨٧، وينظر تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٢٦٨٨.
(٢) القاموس المحيط ١/ ٤٨٠.
(٣) المغرب بترتيب المعرب ١/ ٢٠٢.
(٤) مسند الطيالسي: ما اسند أبو هريرة من رواية سعيد بن المسيب - ﵄ -، وعبد الله بن رباح - ﵁ -، الحديث رقم ٢٤٤٢، ١/ ٣٢٠.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب المغازي، حديث فتح مكة، الحديث رقم ٣٦٨٩٩، ٧/ ٣٩٧.
(٦) صحيح ابن حبان: كتاب السير، باب الخروج وكيفية الجهاد، الحديث رقم ٤٧٦٠، ١١/ ٧٣.
(٧) سنن البيهقي الكبرى: كتاب السير، باب فتح مكة - حرسها الله تعالى -، الحديث رقم ١٨٠٥٢، ٩/ ١١٧.
(٨) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٥١.
[ ٣١١ ]
باب غزو ذي قرد وغيرها
٣٥ - كتاب الجهاد والسير
باب غزوة ذي قرد وغيرها
حدثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، حدثنا هَاشِمُ بن الْقَاسِمِ ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ كلاهما، عن عِكْرِمَةَ بن عَمَّارٍ ح، وحدثنا عبد اللَّهِ بن عبد الرحمن الدَّارِمِيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، أخبرنا أبو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بن عبد الْمَجِيدِ، حدثنا عِكْرِمَةُ وهو بن عَمَّارٍ، حدثني إِيَاسُ بن سَلَمَةَ، حدثني أبي، قال: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مع رسول اللَّهِ - ﷺ - وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا قال: فَقَعَدَ رسول اللَّهِ - ﷺ - على جَبَا الرَّكِيَّةِ، فَإِمَّا دَعَا، وَإِمَّا بسق فيها قال: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا، قال: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ في أَصْلِ الشَّجَرَةِ.
قال: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ الناس، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حتى إذا كان في وَسَطٍ من الناس قال: ﴿بَايِعْ يا سَلَمَةُ﴾. قال: قلت: قد بَايَعْتُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ الناس قال: وَأَيْضًا. قال: وَرَآنِي رسول اللَّهِ - ﷺ - عَزِلًا، يَعْنِي ليس معه سِلَاحٌ، قال: فَأَعْطَانِي رسول اللَّهِ - ﷺ - حَجَفَةً أو دَرَقَةً، ثُمَّ بَايَعَ حتى إذا كان في آخِرِ الناس قال: ﴿ألا تُبَايِعُنِي يا سَلَمَةُ﴾ قال: قلت: قد بَايَعْتُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ الناس، وفي أَوْسَطِ الناس، قال: وَأَيْضًا. قال: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قال لي: ﴿يا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أو دَرَقَتُكَ التي أَعْطَيْتُكَ﴾، قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قال: فَضَحِكَ رسول اللَّهِ - ﷺ - وقال: ﴿إِنَّكَ كَالَّذِي قال الْأَوَّلُ: اللهم أَبْغِنِي حَبِيبًا هو أَحَبُّ إلي من نَفْسِي﴾، ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ حتى مَشَى بَعْضُنَا في بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا قال: وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ من طَعَامِهِ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ - ﷺ - قال: فلما اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا فَاضْطَجَعْتُ في أَصْلِهَا، قال: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ من الْمُشْرِكِينَ من أَهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رسول اللَّهِ - ﷺ - فَأَبْغَضْتُهُمْ فَتَحَوَّلْتُ إلى شَجَرَةٍ أُخْرَى، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ من أَسْفَلِ الْوَادِي يا لِلْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ بن زُنَيْمٍ. قال:
[ ٣١٢ ]
فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ على أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ رُقُودٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا في يَدِي، قال: ثُمَّ قلت: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَاسَهُ إلا ضَرَبْتُ الذي فيه عَيْنَاهُ قال: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ من الْعَبَلَاتِ يُقَالُ له مِكْرَزٌ يَقُودُهُ إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - على فَرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبْعِينَ من الْمُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رسول اللَّهِ - ﷺ - فقال: ﴿دَعُوهُمْ يَكُنْ لهم بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ﴾، فَعَفَا عَنْهُمْ رسول اللَّهِ - ﷺ - وَأَنْزَلَ الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (٢٤)﴾ [الفتح: ٢٤]، قال: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إلى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ بنى لَحْيَانَ جَبَلٌ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَاسْتَغْفَرَ رسول اللَّهِ - ﷺ - لِمَنْ رقى هذا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ قال سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ رسول اللَّهِ - ﷺ - بِظَهْرِهِ مع رَبَاحٍ غُلَامِ رسول اللَّهِ - ﷺ - وأنا معه، وَخَرَجْتُ معه بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مع الظَّهْرِ، فلما أَصْبَحْنَا إذا عبد الرحمن الْفَزَارِيُّ قد أَغَارَ على ظَهْرِ رسول اللَّهِ - ﷺ - فَاسْتاَقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ، قال: فقلت: يا رَبَاحُ خُذْ هذا الْفَرَسَ، فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قد أَغَارُوا على سَرْحِهِ، قال: ثُمَّ قُمْتُ على أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا يا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ في آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ:
أنا بن الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلًا منهم، فَأَصُكُّ سَهْمًا في رَحْلِهِ حتى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إلى كَتِفِهِ، قال: قلت: خُذْهَا.
وأنا بن الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قال: فَوَاللَّهِ ما زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فإذا رَجَعَ إلي فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ في أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ حتى إذا تَضَايَقَ الْجَبَلُ، فَدَخَلُوا في تَضَايُقِهِ عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ قال: فما زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حتى ما خَلَقَ الله من بَعِيرٍ من ظَهْرِ رسول اللَّهِ - ﷺ - إلا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ثُمَّ
[ ٣١٣ ]
اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حتى أَلْقَوْا أَكْثَرَ من ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ ولا يَطْرَحُونَ شيئا إلا جَعَلْتُ عليه آرَامًا من الْحِجَارَةِ يَعْرِفُهَا رسول اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ حتى أَتَوْا مُتَضَايِقًا من ثَنِيَّةٍ، فإذا هُمْ قد أَتَاهُمْ فُلَانُ بن بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ،"يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ"، وَجَلَسْتُ على رَاسِ قَرْنٍ قال الْفَزَارِيُّ: ما هذا الذي أَرَى؟ قالوا: لَقِينَا من هذا الْبَرْحَ، والله ما فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا حتى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ في أَيْدِينَا. قال: فَلْيَقُمْ إليه نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ. قال: فَصَعِدَ إلي منهم أَرْبَعَةٌ في الْجَبَلِ قال: فلما أَمْكَنُونِي من الْكَلَامِ قال: قلت: هل تَعْرِفُونِي؟ قالوا: لَا، وَمَنْ أنت؟ قال: قلت: أنا سَلَمَةُ بن الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إلا أَدْرَكْتُهُ ولا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي قال أَحَدُهُمْ: أنا أَظُنُّ. قال: فَرَجَعُوا فما بَرِحْتُ مَكَانِي حتى رأيت فَوَارِسَ رسول اللَّهِ - ﷺ - يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، قال: فإذا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ على إِثْرِهِ أبو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بن الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ قال: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ قال: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، قلت: يا أَخْرَمُ أحذرهم لَا يَقْتَطِعُوكَ حتى يَلْحَقَ رسول اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ قال يا سَلَمَةُ إن كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فلا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ قال فَخَلَّيْتُهُ فَالْتَقَى هو وَعَبْدُ الرحمن قال: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرحمن فَرَسَهُ وَطَعَنَهُ عبد الرحمن فَقَتَلَهُ وَتَحَوَّلَ على فَرَسِهِ وَلَحِقَ أبو قَتَادَةَ فَارِسُ رسول اللَّهِ - ﷺ - بِعَبْدِ الرحمن فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو على رِجْلَيَّ حتى ما أَرَى وَرَائِي من أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ولا غُبَارِهِمْ شيئا حتى يَعْدِلُوا قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى شِعْبٍ فيه مَاءٌ يُقَالُ له ذا قَرَدٍ لِيَشْرَبُوا منه وَهُمْ عِطَاشٌ قال: فَنَظَرُوا إلى أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فحليتهم عنه يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عنه فما ذَاقُوا منه قَطْرَةً قال: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ في ثَنِيَّةٍ قال: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا منهم فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ في نُغْضِ كَتِفِهِ قال: قلت: خُذْهَا.
وأنا بن الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قال: يا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ قال: قلت: نعم، يا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ قال: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ على ثَنِيَّةٍ قال: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فيها مَذْقَةٌ من لَبَنٍ وَسَطِيحَةٍ فيها مَاءٌ فَتَوَضَّاتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ
[ ٣١٤ ]
أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وهو على الْمَاءِ الذي حَلَّاتُهُمْ عنه فإذا رسول اللَّهِ - ﷺ - قد أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ من الْمُشْرِكِينَ وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ وإذا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً من الْإِبِلِ الذي اسْتَنْقَذْتُ من الْقَوْمِ وإذا هو يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - من كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ من الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فلا يَبْقَى منهم مُخْبِرٌ إلا قَتَلْتُهُ قال: فَضَحِكَ رسول اللَّهِ - ﷺ - حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ في ضَوْءِ النَّارِ فقال: ﴿يا سَلَمَةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا﴾؟، قلت: نعم، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. فقال: إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ في أَرْضِ غَطَفَانَ قال: فَجَاءَ رَجُلٌ من غَطَفَانَ فقال: نَحَرَ لهم فُلَانٌ جَزُورًا، فلما كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فلما أَصْبَحْنَا قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: ﴿كان خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أبو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ﴾ قال: ثُمَّ أَعْطَانِي رسول اللَّهِ - ﷺ - سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لي جميعا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رسول اللَّهِ - ﷺ - وَرَاءَهُ على الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إلى الْمَدِينَةِ قال: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ قال: وكان رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا قال: فَجَعَلَ يقول: ألا مُسَابِقٌ إلى الْمَدِينَةِ، هل من مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذلك قال: فلما سمعت كَلَامَهُ قلت: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا ولا تَهَابُ شَرِيفًا قال: لَا إلا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ قال: إن شِئْتَ قال: قلت: اذْهَبْ إِلَيْكَ وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ قال: فَرَبَطْتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ في إِثْرِهِ، فَرَبَطْتُ عليه شَرَفًا أو شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إني رَفَعْتُ حتى أَلْحَقَهُ، قال: فَأَصُكُّهُ بين كَتِفَيْهِ قال: قلت: قد سُبِقْتَ والله قال: أنا أَظُنُّ، قال: فَسَبَقْتُهُ إلى الْمَدِينَةِ قال: فَوَاللَّهِ ما لَبِثْنَا إلا ثَلَاثَ لَيَالٍ حتى خَرَجْنَا إلى خَيْبَرَ مع رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
تَاللَّهِ لَوْلَا الله ما اهْتَدَيْنَا ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنا
وَنَحْنُ عن فَضْلِكَ ما اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إن لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فقال رسول اللَّهِ - ﷺ -: ﴿من هذا﴾ قال: أنا عَامِرٌ. قال: ﴿غَفَرَ لك رَبُّكَ﴾ قال: وما اسْتَغْفَرَ رسول اللَّهِ - ﷺ - لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إلا اسْتُشْهِدَ، قال: فَنَادَى عُمَرُ بن
[ ٣١٥ ]
الْخَطَّابِ، وهو على جَمَلٍ له: يا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْلَا ما مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ قال: فلما قَدِمْنَا خَيْبَرَ قال: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
قال: وَبَرَزَ له عَمِّي عَامِرٌ فقال:
قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قال: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ في تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ له، فَرَجَعَ سَيْفُهُ على نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ فَكَانَتْ فيها نَفْسُهُ قال سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فإذا نَفَرٌ من أَصْحَابِ النبي - ﷺ - يَقُولُونَ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قَتَلَ نَفْسَهُ قال: فَأَتَيْتُ النبي - ﷺ - وأنا أَبْكِي فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: ﴿من قال ذلك﴾؟ قال: قلت: نَاسٌ من أَصْحَابِكَ قال: ﴿كَذَبَ من قال ذلك، بَلْ له أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ﴾، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إلى عَلِيٍّ وهو أَرْمَدُ فقال: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أو يُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ قال: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ، وهو أَرْمَدُ حتى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَسَقَ في عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فقال:
قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إذا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فقال عَلِيٌّ:
أنا الذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المنظرة
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السندرة
قال: فَضَرَبَ رَاسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كان الْفَتْحُ على يَدَيْهِ، قال إِبْرَاهِيمُ: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الصَّمَدِ بن عبد الْوَارِثِ، عن عِكْرِمَةَ بن عَمَّارٍ بهذا الحديث بِطُولِهِ ٣/ ١٤٣٣.
_________________
(١) قال القاضي عياض: "قوله في حديث ابن الأكوع "رأسونا بالصلح" كذا عند
[ ٣١٦ ]
ــ
الطبري بسين مضمومة مشددة، ولغيره بفتح السين مخففة، وعند العذري "راسلونا" بلام زائدة من المراسلة، ولبعضهم عن ابن ماهان "وسونا" بالواو، وهذه الوجوه الأول كلها صحيحة. يقال: رس الحديث يرسه إذا ابتدأه، ورسست بين القوم أصلحت بينهم، ورسًا الحديث لك رسوا ذكر لك منه طرفًا، وأما "وأسونا" فلا وجه له ها هنا" (١).
فرواية ابن ماهان "واسونا" وجعلها القاضي لا وجه له ها هنا، وروايتي ابن سفيان "راسلونا الصلح"، وهو وجه من إحدى الوجوه الصحيحة، لكن لم تكن رواية ابن ماهان لا وجه لها حقيقية. قال ابن منظور: "يروى "واسونا" بالواو أي: اتفقوا معنا عليه، والواو منه بدل من همزة الأسوة. الصحاح: الرَّس: الإصلاح بين الناس، والإفساد أيضًا، وقد رسست بينهم وهو من الاضداء" (٢).
وقال في موضع آخر: "والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق، واصلها الهمزة فقلبت واوًا تخفيفًا، وفي حديث الحديبية "ان المشركين واسونا للصلح" جاء على التخفيف" (٣).
وأما رواية ابن سفيان: فذكر القاضي انها من المراسلة. قال ابن سيده: "قال صاحب العين (٤): الإرسال: التوجيه، وقد أرسلت إليه، وهي الرسالة، والرسَالة، وقد تراسل القوم - أرسل بعضهم إلى بعض -، والرسول: الرسالة والمرسل، والجمع أرسل ورُسُل. قال ابن جني: وقول الهذلي: قد أتتها أرسُلي، أرْسُل: جمع رسول وقياسه رُسل إلا انه لما أراد بالرسل هناء النساء كسًّره تكسير" (٥).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٠٠.
(٢) لسان العرب ٦/ ٩٧.
(٣) المصدر نفسه ١٤/ ٣٤ مادة أسا.
(٤) لم أجد هذا القول في كتاب العين.
(٥) المخصص ٣/ ٦٣.
[ ٣١٧ ]
ــ
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان الإمام احمد (١).
الثاني:
قال القاضي عياض (٢): "وقوله: يكن لهم بدء العقوق وثنياه، كذا لابن ماهان، ولغيره "وثناه" بكسر الثاء مقصورا. أي: عودته ثانية وهو الصواب".
قال الإمام النووي: "قَوْله - ﷺ -: ﴿دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْء الْفُجُور وَثِنَاهُ﴾ أَمَّا الْبَدْء: فَبِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الدَّال وَبِالْهَمْزِ، أَيْ اِبْتِدَاؤُهُ، وَأَمَّا "ثِنَاهُ" فَوَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ "ثِنَاهُ" مُثَلَّثَة مَكْسُورَة، وَفِي بَعْضهَا: "ثُنْيَاهُ" بِضَمِّ الثَّاء وَبِيَاءٍ مُثَنَّاة تَحْت بَعْد النُّون، وَرَوَاهُمَا جَمِيعًا الْقَاضِي، وَذَكَرَ الثَّانِي عَنْ رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ وَالْأَوَّل عَنْ غَيْره. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَاب. أَيْ عَوْدَة ثَانِيَة" (٣).
فرواية ابن ماهان: "بدء العقوق وثنياه"، ورواية ابن سفيان "بدء الفجور وثناه" بلا ياء، فالبدء من بدأت جاء في اللغة: "وبدئ من بدأتُ والبدئ الأمر البديع، وابدأ الرجل: إذا جاء به. يقال: أمر بدئ قال عبيد بن الأبرص: فلا بدئ ولا عجيب، والبدء السيد، وقيل: الشاب المستجاد الرأي المستشار، والجمع بدوء، والبدءُ السيد الأول في السيادة، والثنيان الذي يليه في السؤدد.
قال أوس بن عفراء السعدي (٤):
ثنياننا ان أتاهم كان بدأهم وبدؤهم ان أتانا ثنيانا" (٥).
وقال الزبيدي (٦): "يقال: هذا ثاني هذا، أي: الذي شفعه .. قال الراغب: يقال ثنيت كذا ثنيًا: كنت له ثانيًا". وقال الخليل: "يقال: ما هذا الأمر منك بكرًا ولا ثنيًا،
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المدنين، حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، الحديث رقم ١٦٥٦٦، ٤/ ٤٨.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٣٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٢٦٧.
(٤) طبقات فحول الشعراء: (تأليف: الجمحي محمد بن سلام ت٢٣١هـ)، تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة، ١/ ٧٩.
(٥) لسان العرب ١/ ٢٦، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٨٣١٧.
(٦) المصدر نفسه ١/ ٨٣١٥.
[ ٣١٨ ]
ــ
أي: ما هو بأول، ولا ثانٍ" (١).
وأما "بدء الفجور وثناه"، فالبدء بان معناه سلفًا، وأما "ثناه" فمعناه: أوله وآخره، قال ذلك القاضي عياض وغيره (٢).
ولم يرو أحدكما روى مسلم عند ابن ماهان ما يدل على انها بالمعنى لاسيما أننا عرفنا معناه الثِنيا، والله اعلم.
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان: أبو عوانه (٣)، والبيهقي (٤).
الثالث:
قال القاضي عياض: "وقوله فما زلت أرديهم واعقر بهم" بفتح الهمزة "وعلوت الجبل فجعلت أرديهم" وفي رواية أخرى فيهما: أرميهم بالميم وهما بمعنى، يقال: رديت الحجر ورميته، والمرداة بكسر الميم الحجارة والأشبه في الأول: أرميهم، وكذا عند شيوخنا فيه؛ لأنه إنما أخبر عن رميه بالقوس، وفي الثاني: أرديهم؛ لأنه خبر عن رميه من أعلى الجبل، وهي أكثر روايات شيوخنا فيه على هذا الترتيب والترجيح، وقوله في هذا الحديث: "فأرادوا فرسين" بفتح الهمزة وسكون الراء ودال مهملة، كذا روايتنا عن شيوخنا وفي بعض الروايات فيه بالذال المعجمة، وكلاهما صحيح متقارب ومعناه بالمعجمة خلفوهما وتركوهما واستضعفوهما. والرذي بالمعجمة المستضعف من كل شيء، وبالمهملة أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما، وتركوهما، ومنه المتردية. وأرْدَت الخيل الفارس وهو رد، أي: أسقطته وفي بعض الروايات عن ابن ماهان "وإذا فرسان" والصواب =
_________________
(١) كتاب العين ٥/ ٣٦٤.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٣٢، شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٢٦٧، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٦٢، لسان العرب ١/ ٢٦.
(٣) مستخرج أبي عوانه: مبدأ كتاب الجهاد، باب عدد أصحاب النبي - ﷺ - يوم الحديبية، الحديث رقم ٥٤٦٨. وبلفظ آخر "دروهم يكن بدء الفجور وثناه"، في الكتاب والباب أنفسهما، الحديث رقم ٥٤٦٧.
(٤) دلائل النبوة: باب إرسال النبي - ﷺ - عثمان بن عفان - ﵁ -، الحديث رقم ١٤٧٥.
[ ٣١٩ ]
٣٦ - كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان
باب إباحة الضب
حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا أبو عقيل الدورقي، حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد: أن أعرابيا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي قال: فلم يجبه. فقلنا: عاوده، فعاوده فلم يجبه ثلاثا، ثم ناداه رسول الله - ﷺ - في الثالثة فقال: ﴿يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض فلا أدري لعل هذا منها فلست آكلها ولا أنهى عنها﴾ ٣/ ١٥٤٦*.
ــ
= الأول" (١).
فقول القاضي: الصواب الأول من حيث وصف سقوط الفارس من فرسه - هما اثنان -، أما الرواية من طريق ابن ماهان، فوصفت حصول سلمة على فرسين، من باب لقاهما فجأة ففرح بهما، ودليل ذلك انه قال: فجئت أسوقهما إلى رسول الله - ﷺ -.
ولم يرو احد الموضع هذا من الحديث كرواية مسلم عند المشارقة والمغاربة بهذين اللفظين. والله اعلم.
* قال القاضي عياض: "وقوله في مسخ الضب أي "في حائط مضبة" كذا لابن ماهان، وهو تصحيف، وصوابه ما لغيره "في غائط" أي مطمئن من الأرض أي كثير الضباب، وسيأتي في بابه" (٢).
ثم بين معنى الضب فقال: "وقوله أنا بأرض مضبة بفتح الميم والضاد وتشديد الباء أي: ذات ضباب، والضب بالفتح أيضًا: دوبية معروفة، ويقال: بأرض مضبة أيضًا بضم الميم وكسر الضاد قاله ابن دريد (٣)، والأول أكثر، قال
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٨٨.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢١٧، وينظر إكمال المعلم بفوائد مسلم ٦/ ٣٨٧.
(٣) جمهرة اللغة ١/ ١١.
[ ٣٢٠ ]
ــ
سيبويه (١)، ويكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة إذا أردت تكثير الشيء بالمكان كقوله: ارض مسبعة ومضبة وماسدة" (٢).
فالحائط: "ما أحيط به على شيء مثل النخل والكرم" (٣)، والحائط: الجدار (٤). والحائط إن لم يضف إلى شيء فدل على كونه سور، وان أضيف دل على ما أحيط به كما قال الفيروزآبادي آنفًا مثل النخل والكرم، وكما يصح إضافته إلى الزروع، فيصح أيضًا إضافته إلى الحيوان كما جاء في رواية المغاربة "حائط مضبة"، والله اعلم.
وقوله: "غائط مُضبة"، قال ابن الأثير: "هكذا جاء في الرواية بضم الميم وكسر الضاد، والمعروف بفتحها. يقال: اضبت ارض فلان إذا كثر ضبابها. هي ارض مضبة: أي ذات ضباب مثل ما سدة، ومذابة، ومربعة أي ذات اسود، وذئاب، ويرابيع، وجمع المضبة: مضاب" (٥).
وبهذا يكون المعنى متقارب بين الروايتين، ويكون التصحيف بعيدًا، ولاسيما إن رواية المغاربة عرفت عند أهل الحديث في كتبهم، وممن رواه حائط مضبة الطيالسي (٦)، والطحاوي (٧)، وأبو عوانة (٨)، والبيهقي (٩). =
_________________
(١) لم أجده عند سيبويه.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) القاموس المحيط ١/ ٢٤٩.
(٤) المصدر نفسه ١/ ٨٥٦.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ١٥٠، وينظر لسان العرب ١/ ٥٣٨، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٦٧٦.
(٦) مسند الطيالسي: ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي - ﷺ -، وما روى عنه أبو نضرة - ﵁ -، الحديث رقم ٢١٥٣، ١/ ٢٨٦.
(٧) شرح معاني الآثار للطحاوي: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ -، الحديث رقم ٢٧٧٢، ٤/ ١٩٨.
(٨) مستخرج أبي عوانة: مبتدأ كتاب الجهاد، مبتدأ كتاب الصيد - بيان الأخبار الدالة ، الحديث رقم ٦٢٠٩.
(٩) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الضحايا، باب ما جاء في الضب، الحديث رقم ١٩٢٠٧، ٩/ ٣٢٥.
[ ٣٢١ ]
باب النهي عن الإنتباذ في المزفت
٣٧ - كتاب الأشربة
باب النهي عن الانتباذ في المزفت، والدباء، والحنتم، والنقير، وبيان أنه منسوخ، وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا
حدثنا نصر بن علي الجهضمي، أخبرنا نوح بن قيس، حدثنا ابن عون، عن محمد عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال لوفد عبد القيس: ﴿أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير - والحنتم المزادة المجبوبة - ولكن اشرب في سقائك وأوكه﴾ ٣/ ١٥٧٧*.
ــ
= ولم يرو احد الحديث بلفظ غائط مضبة غير مسلم من المحدثين وهي رواية المشارقة.
* قال القاضي عياض: "وقوله: والحنتم والمزادة المجبولة، كذا لابن ماهان، ولرواة ابن سفيان: والحنتم المزادة بغير واو، وهو وهم" (١).
وقال الإمام النووي: "هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ بِبِلَادِنَا "وَالْحَنْتَم الْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمَاهِير رُوَاة صَحِيح مُسْلِم، وَمُعْظَم النُّسَخ. قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ "وَالْحَنْتَم وَالْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَالْأُولَى تَغْيِير وَوَهْم، قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، "وَعَنْ الْحَنْتَم وَعَنْ الْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة"، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ "َالْحَنْتَم وَالدُّبَّاء وَالْمَزَادَة الْمَجْبُوبَة" بِالْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمُكَرَّرَة، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ "الْمَخْنُوثَة" بِخَاءٍ مُعْجَمَة ثُمَّ نُون وَبَعْد الْوَاو ثَاء مُثَلَّثَة كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ اِخْتِنَاث الْأَسْقِيَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث آخَر، وَهَذِهِ الرِّوَايَة لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل إِنَّهَا بِالْجِيمِ" (٢).
وفي موضع آخر قال:" وفي حديث الأوعية "أنهى عن الدباء والخنتم المزاده المجبوبة" كذا لكافتهم برفع الحنتم على الابتداء، وما بعده خبره، وعند الهوزني: والمزادة بالواو، وهو الصواب، وكذا في النسائي: والحنتم وعن المزادة المجبوبة
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٣٠٠. وينظر إكمال المعلم بفوائد مسلم ٦/ ٤٥٥.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٤٩٤.
[ ٣٢٢ ]
ــ
ونحوه عند أبي داود إذ ليس الحنتم هي المزادة لا مجبوبة ولا غير مجبوبة، .. والمزادة المجبوبة: هي التي جب رأسها، أي قطع فصارت كالدن، فإذا انتبذ فيها لم يعلم غليانه، قاله: ثابت، وقال الهروي: هي التي خيط بعضها إلى بعض، وقال الخطابي: لأنها ليست لها عزال من أسفلها يتنفس منها فقد يتغير شرابها ولا يشعر بها، كذا رويناه عن كافة شيوخنا في هذه الكتب ورواه بعض الرواة في غيرها المخنوثة بالخاء المعجمة، والنون وآخره ثاء مثلثة وهاء كأنه عنده من اختناث الأسقية وليس بشيء هنا" (١).
وقال الإمام السيوطي: "والحنتم المزادة المجبوبة في نسخة والمزادة بواو العطف، قال القاضي: وهو الصواب، والأول تغيير ووهم، وفي رواية النسائي: وعن الحنتم وعن المجبوبة، وهي بالجيم والموحدة المكررة التي من أسفلها تنفس الشراب منها فيصير شرابها مسكرا ولا يدرى به، ورواه بعضهم: المخنوثة بخاء معجمة ونون وثاء مثلثة، كأنه أخذه من اختناث الأسقية، والصواب الأول" (٢).
فرواية المغاربة بواو العطف بينهما، ورواية المشارقة بلا واو العطف، وقول القاضي بغير واو، وهو وهم، وقول الإمام النووي، والصواب الأول؛ لان الحنتم شيء، والمزادة شيء آخر وليس المزادة وصف للحنتم، وهو ما بينه القاضي "إذ ليس الحنتم هي المزادة لا مجبوبة ولا غير مجبوبة".
فالمزادة: هي "التي يحمل فيها الماء، وهي ما فُئم بجلد ثالث بين الجلدين ليتسع، سميت بذلك لمكان الزيادة، وقيل هي المشعوبة من جانب واحد، فان خرجت من وجهين فهي شعيبٌ" (٣).
والجبُّ: هي "القطع، جبّه يجبه جبًا وجبابًا ومنه حديث الانتباذ في المزادة المجبوبة التي قطع رأسها وليس لها عزلاء من أسفلها يتنفس منها الشراب، وفي
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٣٩.
(٢) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٥٢ و٥٣.
(٣) لسان العرب ٣/ ١٩٨.
[ ٣٢٣ ]
ــ
حديث ابن عباس - ﵄ - نهى النبي - ﷺ - عن الجب، قيل وما الجبُّ؟ فقالت امرأة عنده: هو المزادة يخيط بعضها إلى بعض كانوا ينتبذون فيها حتى خَرِيَت أي تعوَّدت الانتباذ فيها، واشتدت عليه، ويقال لها المجبوبة أيضًا" (١).
والحنتم هي الجرار الخضر قال أبو عبيد: "وأما الحنتم فجرار خضر كانت تحمل إلينا فيها الخمر" (٢).
وأما المراد بالحديث فقال: جرار حمر، وأما في كلام العرب فهي الخضر (٣).
قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: "الحنتم: جِرَار مدْهُونة خُضْرٌ كانت تُحْمَل الخمْر فيها إلى المدينة ثم اتُّسِع فيها فقيل لِلْخَزَف كلّه حنتم واحدَتها حَنْتَمة وإنما نُهي عن الانْتِباذ فيها لأنَّها تُسْرع الشّدّةُ فيها لأجْل دَهْنها، وقيل: لأنها كانت تُعْمل من طين يُعجن بالدَّم والشَّعر فنُهِي عنها ليُمْتَنع من عَملها، والأوّل الوجه" (٤).
وقال الرافعي (٥): "والحنتم فنعل الخرف الأخضر، والمراد الجرة ويقال لكل اسود حنتم، والأخضر عند العرب اسود".
وقال الزبيدي: "واختلف في نون حنتم فقيل أصلية .. وقبل زائدة، واستند بذلك إلى قول الرافعي: الحنتم فنعل من الحتم وهو الخرف الأخضر" (٦).
ومن هذا يتبين الجرار غير الجلود، ويكون الوهم عند المشارقة على الرغم من كون الحديث تفرد به مسلم في الروايتين، والله اعلم.
وعند أبي داود تقديم وتأخير " .. والحنتم، والدباء، والمزادة المجبوبة " (٧)، فباعد بينهما. وهذا يؤكد الفرق بين المزادة والحنتم. =
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٦٦٨، لسان العرب ١/ ٢٤٩ وغيرهما.
(٢) غريب الحديث للقاسم بن سلام ٢/ ١٨١، وينظر المصدر السابق ١٢/ ١٥٩.
(٣) مصدر سابق ٢/ ١٨٢، وينظر القاموس المحيط ١/ ١٤١٩.
(٤) غريب الحديث لإبراهيم بن إسحاق الحربي ٢/ ٦٦٦ باب حنتم، وينظر غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٢٤٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٠٥٩.
(٥) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ١/ ١٢٠.
(٦) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٧٦٨٩.
(٧) سنن أبي داود: كتاب الأشربة، باب في الأوعية، الحديث رقم ٣٦٩٣، ٢/ ٣٥٦.
[ ٣٢٤ ]
باب النهي عن الإنتباذ في المزفت
٣٨ - كتاب الأشربة
باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا
حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، حدثني زاذان، قال: قلت لابن عمر: حدثني بما نهى عنه النبي - ﷺ - من الأشربة بلغتك، وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الحنتم، وهي الجرة، وعن الدباء، وهي القرعة، وعن المزفت وهو المقير، وعن النقير وهي النخلة تنسح نسحا وتنقر نقرا، وأمر أن ينتبذ في الأسقية ٣/ ١٥٨٠*.
ــ
= الخلاصة: يتبين الوهم في رواية ابن سفيان.
* قال القاضي عياض: "قوله في تفسير النقير: "هي النخلة تنسح نسحا وتنقر نقرا" بالحاء المهملة، أي ينحى قشرها عنها وتملس، ويحفر فيها للانتباذ، كذا ضبطناه عن كافة شيوخنا، وفي كثير من نسخ مسلم، عن ابن ماهان:" تنسج" بالجيم، وكذا ذكره الترمذي (١)، وهو خطأ، وتصحيف لا وجه له" (٢).
وقال الإمام النووي: "قَوْله: (وَنَهَى عَنْ النَّقِير وَهِيَ النَّخْلَة تُنْسَح نَسْحًا أَوْ تُنْقَر نَقْرًا)، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الرِّوَايَات، (وَالنَّسْح) بِسِينٍ وَحَاء مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ: تُقْشَر ثُمَّ تُنْقَر، فَتَصِير نَقِيرًا، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة فِي بَعْض النُّسَخ (تُنْسَج) بِالْجِيمِ، وذكر قَولَ الْقَاضِي وَغَيْره بأنه تصحيف ونقل إدعاء بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم، وَفِي التِّرْمِذِيّ بِالْجِيمِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مُعْظَم نُسَخ مُسْلِم بِالْحاءِ" (٣).
وقال الإمام السيوطي: "تنسح نسحا بإهمال السينين والحاء أي تنقر ثم تقشر
_________________
(١) سنن الترمذي: كتاب الأشربة، باب ما جاء في كراهية أن يُنْبَذَ في الدُّبّاء والحَنْتم والنقير، الحديث رقم ١٨٦٨، ١/ ٣٤٢، ولكني وجدته بالحاء المهملة، وهو مروي من طريق أبي داود الطيالسي، ووقع للأخير بالجيم، وسيأتي، وهو ما يؤيد إحلة القاضي عياض إلى سنن الترمذي، ولعل ما وجدته كان مصحفًا والله أعلم.
(٢) ٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٧.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ١٨.
[ ٣٢٥ ]
ــ
فتصير نقيرا وفي نسخة بالجيم" (١).
قال الليث: "النّسْحُ والنُّساحُ: ما تَحاتَّ عن التمر من قشره وفُتاتِ أَقماعه ونحو ذلك مما يبقى في أَسفل الوعاء. .. " (٢).
وقال الأَزهريّ: "ما ذكرَه اللَّيْث في النسح لم أَسمعْه لغيره قال: وأَرجو أَن يكون محفوظًا. ومما يستدرك عليه: مما نقَله شيخنا عن القاضي أَبي بكْرِ بن العربيّ في عارِضَته فإِنّه قال: نَسجْت الثَّوْبَ بالجِيم: جمَعْت خُيوطَه حتّى يتمَ ثَوبًا ونَسخْت بالحَاءِ المهملة إِذا نَحَتّ القِدْرَ حَتى يَصير وِعَاءً ضابطًا لما يُطْرَحُ فيه من طعامٍ وشرابٍ" (٣).
ونقل ابن الأثير قول الأزهري: النَّسْج: ما تَحاتَّ عن التَّمر من قِشْره وأقْماعِه مّما يَبْقَى في أسفل الوعاء (٤).
وقال ابن منظور:"ونَسَجَت الريحُ الماءَ ضَرَبَتْه فانْتَسَجت فيه طَرائِقُ قال زهير يصف واديًا (٥):
مُكَلَّلٌ بعَمِيمِ النَّبْتِ تَنْسِجُه رِيحٌ خَريقٌ لِضاحي مائِهِ حُبُك" (٦).
فيكون المعنى واحدًا والنسج أخص من النسح، وليس في الروايتين أو أحدهما خطأ، أو وهم، أو تصحيف، وتأيدت رواية مسلم عند ابن ماهان بما رواه الإمام أحمد (٧)، والطيالسي (٨)، وعبد الرزاق (٩)، والبيهقي (١٠)، وقال في آخره رواه =
_________________
(١) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٥٤.
(٢) لسان العرب ٢/ ٦١٤، وينظر القاموس المحيط ١/ ٣١٢.
(٣) تاج العروس من جواهر القاموس ١/ ١٧٧١.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ١١٠.
(٥) سمط اللآلي ص٧٤.
(٦) لسان العرب ٢/ ٣٧٦.
(٧) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة - - ﵃ - ـ، مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، الحديث رقم ٥١٩١، ٢/ ٥٦.
(٨) مسند الطيالسي: ما اسند عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، حارب بن دثار عن ابن عمر - - ﵃ - ـ، ١٩٣٩ الحديث رقم، ١/ ٢٦٢.
(٩) مصنف عبد الرزاق: كتاب الأشربة، باب الظروف والأشربة والأطعمة، الحديث رقم ١٦٩٦٣، ٩/ ٢١٠.
(١٠) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الأشربة والحد فيها، باب الأوعية، الحديث رقم، ١٧٢٥٥، ٨/ ٣٠٩.
[ ٣٢٦ ]
٣٩ - كتاب الأشربة
باب في شرب النبيذ وتخمير الإناء
حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعبد بن حميد كلهم، عن أبي عاصم قال ابن المثنى: حدثنا الضحاك، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني أبو حميد الساعدي قال: أتيت النبي - ﷺ - بقدح لبن من النقيع ليس مخمرا فقال: ﴿ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا﴾.
قال أبو حميد: إنما أمر بالأسقية أن توكأ ليلا وبالأبواب أن تغلق ليلا.
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان وأبي صالح، عن جابر قال: جاء رجل يقال له أبو حميد بقدح من لبن من النقيع فقال له رسول الله - ﷺ -: ﴿ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا﴾ ٣/ ١٥٩٣*.
ــ
= مسلم في الصحيح عن محمد بن مثنى، وبندار، عن أبي داود - يعني الطيالسي - وهذا دليل على تعدد مجالس السماع لهذا الصحيح، فما وقع عند ابن ماهان من طريق مسلم وُجِدَ عند البيهقي، والبيهقي لم يكن عنده سندًا إلى ابن ماهان.
* قال القاضي عياض: "بقيع الغرقد الذي فيه مقبرة المدينة بباء بغير خلاف وسمي بذلك لشجرات غرقد وهو العوسج كانت فيه، وكذلك بقيع بطحان جاء في الحديث هو بالباء أيضا قال الخليل (١): البقيع كل موضع من الأرض فيه شجر شتى، وأما الحمي الذي حماه النبي - ﷺ -، ثم عمر بعده وهو الذي يضاف إليه في الحديث غرز البقيع، وفي الآخر بقدح لبن من البقيع، وحمى البقيع وهو على عشرين فرسخا من المدينة، وهو صدر وادي العقيق، وهو أخصب موضع هناك، وهو ميل في الشهيد وغيره بالنون وبالنون ذكره الهروي والخطابي وغير واحد قال الخطابي (٢): وقد صحفه أصحاب الحديث فيروونه بالباء وإنما الذي بالباء بقيع المدينة بريد وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب فاختلف الرواة وأهل المعرفة
_________________
(١) كتاب العين ١/ ١٨٤.
(٢) ينظر إصلاح غلط المحدثين، تأليف: (الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم البستي)، تحقيق: د. محمد علي عبد الكريم الرديني، دار المأمون للتراث، دمشق، ط١، ١٤٠٧هـ، ١/ ١٥٥.
[ ٣٢٧ ]
ــ
في ضبطه فوقع عند أكثر رواة البخاري بالنون وكذا قيده النسفي وأبو ذر والقابسي وسمعناه في مسلم من أبي بحر بالباء وكذا روي عن ابن ماهان وسمعناه من القاضي موضع قبورها وأما أبو عبيد البكري فقال: إنما هو بالباء مثل بقيع الغرقد قال: ومتى ذكر البقيع دون إضافة فهو هذا، ووقع في كتاب الأصيلي في موضع بالنون والفاء وهو تصحيف قبيح والأشهر في هذا النون والقاف، والبقيع كل موضع يستنقع فيه الماء وبه سمي هذا" (١).
والبقيع والنقيع والنفيع أماكن معروفة، قال الحازمي (٢):
أما الأَوَّلُ: - بعد الباء قافٌ مكسور -: بقيع الغرقد بالمدينة معروفٌ وقد جاء ذكره في غير حديثٍ.
وبقيعُ الزبير بالمدينة أيضًا، فيه دُورٌ ومنار.
وأما الثَّاني: - بعد الباء المَضْمُومَة قافٌ مَفْتُوحةٌ -: مَوْضِعٌ وراء اليمامة، متاخمٌ لبلاد اليمن، له ذكر في الأشعار.
وأما الثَّالِثُ: - أوله نُوْن مَفْتُوحةٌ ثُمَّ قاف مَكْسُورَة -: حمى النقيع على عشرين ميلًا، أو نحو ذلك من المدينة، كان النَّبِي - ﷺ - حماه لخيله، وله هناك مسجد يُقَالُ له مُقمل، وهو من دِيَارِ مُزينة.
ومَوْضِعٌ آخر قُربَ المدينة يُقَالُ له نقيع الخضمات، قال الخطابي: ومن الناس من يقوله بالباء، وهو تصحيفٌ.
وأما الرَّابع: - أوله نُوْن مَضْمُومَة ثُمَّ فاء مَفْتُوحةٌ -: جبل بمَكَّة، كان الحارثُ
ابن عبيدٍ بن عمر بن مخزوم يحبس فيه سفهاء قومه. إلا ان البعض جعل البقيع والنقيع والنفيع موضعًا واحدًا، قال ياقوت: "وفي حديث "بقدح لبن من النقيع "
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١١٥.
(٢) الأماكن أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة: الحازمي حمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم ١/ ٢٩.
[ ٣٢٨ ]
ــ
كذا في كتاب عياض (١)، ومساحته ميل في بريد، وفيه شجر يستجم حتى يغيب الراكب فيه، واختلف الرواة في ضبطه، فمنهم من قيده بالنون منهم النسقي، وأبو ذر القابسي، وكذلك قيد مسلم عن الصدفي وغيره، وكذلك لابن ماهان، وكذا ذكره الهروي والخطابي.
قال الخطابي: وقد صحفه بعض أصحاب الحديث بالباء، وإنما الذي بالباء مدفن أهل المدينة، قال: ووقع في كتاب الأصيلي بالفاء مع النون، وهو تصحيف وإنما هو بالنون والقاف، قال: وقال أبو عبيد البكري: هو بالباء والقاف مثل بقيع الغرقد، وحكى السهيلي: في حديث النبي - ﷺ - انه حمى غرز النقيع، قال الخطابي: النقيع القاع، والغرز نبت شبه النمام بالنون، وفي رواية ابن إسحاق مرفوعًا إلى أبي إمامة "ان أول جمعة جمعت بالمدينة في هزم بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات هكذا هو المشهور في جميع الروايات، وقد ذكر ابن هشام بني النبيت قال السهيلي: وجدته في نسخة شيخ أبي بحر بالباء، وكذا وجدته في رواية يونس عن ابن إسحاق قال: وذكر أبو عبيد البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البقيع انه نقيع بالنون ذكر ذلك بالنون والقاف وأما النفيع بالفاء فهو اقرب إلى المدينة منه بكثير .. هكذا هذان الإمامان عن أبي عبيد البكري إلا ان يكون أبو عبيد جعل الموضع الذي حماه رسول الله - ﷺ - وهو حمى غرز البقيع بالباء فغظ، والله اعلم به على ان القاضي عياض والسهيلي لم أرهما فرقًا بينهما ولا جعلا هما موضعين وهما موضعان لا شك فيهما ان شاء الله" (٢).
وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان - ولكن بلفظ أتي وليس أتيت -
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ينظر معجم البلدان ٥/ ٣٠١ و٣٠٢.
[ ٣٢٩ ]
ــ
أبو عوانة (١)، والبيهقي (٢)، وأبو نعيم الأصبهاني (٣).
ومن خلال هذا الكلام يتبين ان رواية ابن ماهان ليس فيها تصحيف، وهي صحيحة أيضًا.
وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن سفيان البخاري (٤)، الإمام احمد (٥)، وأبو يعلى (٦)، وابن خزيمة (٧).
_________________
(١) مستخرج أبي عوانة: مبتدأ كتاب الأشربة، بيان الأخبار الموجبة تغطية الإناء وإيكاء السقاء وإطفاء المصابيح عند النوم وغلق الأبواب وإمساك الصبيان عند المساء والدليل على أن تغطية الإناء وإيكاء السقاء بالليل أوجب منه بالنهار، ٨١٤٧، ٥/ ١٤٠.
(٢) شعب الإيمان: التاسع والثلاثون من شعب الإيمان، وهو باب في المطاعم والمشارب، وما يجب التورع عنه منها ، تخمير الإناء وإيكاء السقاء، الحديث ٦٠٦٠، ٥/ ١٢٧.
(٣) معرفة الصحابة: باب الياء من باب العين، من اسمه عبد الرحمن، عبد الرحمن بن جبر الأنصاري يكنى أبا عبس ، الحديث رقم ٤٠٧٧، ١٣، ٤٩.
(٤) صحيح البخاري: كِتَاب الْأَشْرِبَةِ، بَاب شُرْبِ اللَّبَنِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل]، ٥١٧٦، ١٧/ ٣١٩.
(٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل: باقي مسند الأنصار، حديث أبي حميد الساعدي - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ٢٣٦٥٧، ٥/ ٤٢٥.
(٦) مسند أبي يعلى: مسند جابر، الحديث رقم ١٧٣٥، ٤/ ٣٤٣، والحديث رقم ١٩٥٦، ٥/ ٦٤.
(٧) صحيح ابن خزيمة: كتاب الوضوء، باب الأمر بتغطية الأواني التي يكون فيها الماء للوضوء بلفظ مجمل غير مفسر ولفظ عام مراده خاص، الحديث رقم، ١٢٩، ١/ ٦٧.
[ ٣٣٠ ]
باب إكرام الضيف وفضل إثاره
٤٠ - كتاب الأشربة
باب إكرام الضيف وفضل إيثاره
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله - ﷺ - فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي - ﷺ - فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز فقال النبي - ﷺ -: ﴿احتلبوا هذا اللبن بيننا﴾ قال: فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه ونرفع للنبي - ﷺ - نصيبه، قال: فيجيء من الليل، فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان قال: ثم يأتي المسجد، فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل قال: ندمني الشيطان فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك، فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك، وعلي شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت قال: فجاء النبي - ﷺ - فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا فرفع رأسه إلى السماء فقلت: الآن يدعو علي فأهلك فقال: ﴿اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني﴾ قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله - ﷺ - فإذا هي حافلة وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمد - ﷺ - ما كانوا يطعمون أن يحتلبوا فيه قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ﴿أشربتم شرابكم الليلة﴾؟ قال: قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي - ﷺ - قد روى وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض قال: فقال النبي - ﷺ -: ﴿إحدى سوآتك يا مقداد﴾ فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا
[ ٣٣١ ]
فقال النبي - ﷺ -: ﴿ما هذه إلا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها﴾ قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبْتَها وأصبْتُها معك من أصابها من الناس ٣/ ١٦٢٥.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله: فتعرفنا اثنا عشر رجلًا، أي صرنا عرفاء على غيرنا، أي مقدمين بدليل بقية الحديث، وذكر فيه أيضًا البخاري (١) عن بعضهم فتفرقنا من الافتراق، وقد يخرج له وجه، وكذلك رواه أكثرهم عن البخاري في كتاب الصلاة: ففرقنا اثني عشر رجلًا، وللنسفي فعرفنا، وهو أوجه وأصوب، وفي مسلم: "فعرفنا" بفتح الفاء، وعند ابن ماهان فيه تخليط، ووهم ذكرناه في آخر الكتاب في الأوهام" (٢).
وقال: "وفي حديث أضياف أبي بكر: "وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا منه اثني عشر رجلًا، مع كل رجل منهم أناس"، أي جعلنا عرفاء، كذا قيدناه عن شيوخنا، وهي رواية الجلودي، وعند الرواة عن ابن ماهان فيه تغيير وتخليط، ونص ما عندهم: "فمضى الأجل، فعرفنا الأجل، فجاء اثنا عشر رجلًا"، وكذا جاء في غير موضع من الصحيحين مع اختلاف هذا اللفظ بين عرفنا وفرقنا" (٣).
وقال الإمام النووي: "قوله: فعرفنا اثنا عشر رجلًا، مع كل رجل منهم أناس، هكذا هو في معظم النسخ "فعرفنا" بالعين وتشديد الراء، أي جعلنا عرفاء. وفي كثير من النسخ "ففرقنا" بالفاء المكررة في أوله، وبقاف في التفريق أي جعل كل رجل من الاثني عشر مع فرقة، فهما صحيحان ولم يذكر القاضي هنا غير الأول. ثم قال: وفي نادر منها - أي من النسخ - اثني عشر، وكلاهما صحيح، والأول جار على لغة من جعل المثنى بالألف في الرفع والنصب والجر، وهي لغة أربع
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب السمر مع الضيف والأهل، الحديث رقم ٥٧٧، ١/ ٢١٦.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٧٨.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ٣٢٧.
[ ٣٣٢ ]
ــ
قبائل من العرب، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] وغير ذلك" (١).
وقال الإمام السيوطي: "فعرفنا اثني عشر بالعين وتشديد الراء، أي جعلنا عرفاء، وفي نسخة بفاء في أوله مكررة وقاف بعد الراء من التفريق، أي جعل كل رجل منا مع اثني عشر فرقة" (٢).
والكلام الأصوب هو الذي ذهب إليه القاضي عياض؛ لان في رواية ابن ماهان غيرت المعنى، ورواية ابن سفيان والأكثر من الرواة إن النبي - ﷺ - عرّف اثنا عشر رجلًا، أي جعلهم عرفاء، وكل عريف اخذ ما استطاع ان يأخذ من الرجال من أهل الصفة في حين رواية ابن ماهان جعلت مجيء الاثني عشر رجلًا دون تعريفهم، والله اعلم.
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ١٢٤.
(٢) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٢/ ١٠٦.
[ ٣٣٣ ]
باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال
٤١ - كتاب اللباس والزينة
باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع
حدثنا أبو الربيع العتكي، حدثنا أبو عوانة، عن أشعث بن سليم بهذا الإسناد مثله إلا قوله: وإبرار القسم أو المقسم، فإنه لم يذكر هذا الحرف في الحديث، وجعل مكانه وإنشاد الضال ٣/ ١٦٣٥*.
ــ
* قال القاضي عياض: "في حديث أبي الربيع العتكي:" أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع"، وفيه: وإنشاد الضال، كذا لكافتهم، وعند ابن ماهان: وإنشاد الضالة، قال بعضهم: صوابه وإرشاد الضال بالراء، وكذا أصلحه القاضي الكناني، وهو أوجه، والأول يتجه أيضا ويصح لاسيما مع من رواه الضالة، لكن الرواية الأولى أعرف وأشهر في غير هذا الحديث" (١).
وقال الإمام النووي: "وفي رواية وإنشاد الضالة بدل إبراز القسم أو المقسم، [ومعناها] فهو تعريفها. ويجوز ان يكون المراد بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها بما لا يجوز التقاطها للتمليك، بل إنها تلتقط للحفظ على صاحبها (٢)، وفي الحديث: "من أذى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها" (٣).
فرواية ابن ماهان بتاء التأنيث، ورواية ابن سفيان بلا تاء للتذكير، وهي بمعنى المناداة والسؤال عنها، قال ابن منظور: "نشدت الضالة إذا ناديت، وسألت عنها، وقال ابن سيده: نشد الضالة ينشدها نشدةً ونشدانًا: طلبها وعرفها، وانشدها عرفها ويقال أيضًا: نشدتها إذا عرفتها وقيل انشد الضالة استرشد عنها فالناشد الطالب: يقال منه نشدتُ الضالة انشدها، وانشدُها نشدًا إذا طلبتها، فأنا ناشد وأنشدتها فأنا منشد إذا عرفتها" (٤).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٩، وينظر إكمال المعلم بفوائد مسلم ٦/ ٤٧٨.
(٢) المصدر نفسه ٦/ ١٦٠، باب اللقطة، حديث رقم ٣٢٥٣.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ١٣٩.
(٤) لسان العرب ٣/ ٤٢١.
[ ٣٣٤ ]
ــ
وقال إبراهيم الحربي: "يقال نشدتُ الضالة إذا سألت عنها وأنشدتها إذا عرفتها. وقال مؤرخ: النشد: المعّرف انشد ينشد إنشادًا، والناشد المعترف نشد ينشد نشدةً، ونشدانًا قال الشاعر (١):
انشدُ الناس ولا أنشدهم إنما ينشد من كل أضل
أنشدهم أدل عليهم، وقال آخر (٢):
كأنه ناشدٌ نادى لموعده عبدى مناف إذا اشتد الحيازيم" (٣)
وقال الخليل: "ورَشِدَ فلانٌ إذا أصاب وجه الأمر والطريق، والإرشاد والدلالة والهداية" (٤).
وقال ابن الأثير: "الراشد: اسم فاعل من رشد مرشد رُشْدًا ورَشِدَ يرشد رَشَدًا، وأرشَدتْه أنا. والرُّشْد: خلاف الغيِّ ومنه الحديث "وإرشاد الضال" أي هدايته الطريق وتعريفه، وقد تكرر في الحديث. فكلا المعنيين يستقيم، فابن ماهان روايته من حيث راحلته أو بهيمته، وابن سفيان من حيث من أضل الطريق، فكلاهما صحيح، والله اعلم، وانفرد مسلم باللفظين" (٥).
_________________
(١) البيت للنابغة الجعدي كما نسبه ابن قتيبة في المعاني الكبير ص٢٩٦.
(٢) البيت لابن مقبل، ديوان ابن مقبل ١٣٤ وصحح ابن المبارك في نسبته إليه في منتهى الطلب من أشعار العرب: (تأليف: ابن المبارك) نشره فؤاد سزكين طبعة مصورة، منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، ١٩٨٦م، ١/ ٢٤.
(٣) غريب الحديث للحربي ٢/ ٥٠٩.
(٤) كتاب العين ٦/ ٢٤٢.
(٥) ينظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٥٤٣، وينظر أيضًا لسان العرب ٣/ ١٧٥.
[ ٣٣٥ ]
٤٢ - كتاب الفضائل
باب إثبات حوض نبينا - - ﷺ - - وصفاته
حدثنا أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، وابن بشار (وألفاظهم متقاربة) قالوا: حدثنا معاذ (وهو ابن هشام)، حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن ثوبان: أن نبي الله - - ﷺ - - قال: ﴿إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم﴾، فسئل عن عرضه فقال: ﴿من مقامي إلى عمان﴾، وسئل عن شرابه، فقال: ﴿أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يغتُّ فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما: من ذهب، والآخر: من ورق﴾ ٤/ ١٧٩٩*.
ــ
* قال القاضي عياض: "قوله يثعب دما بعين مهملة أي يتفجر ومثله في حديث الحوض ينثعب منه ميزابان وروى يعب ويغت بالغين المعجمة والتاء وسيأتي ومثاعب المدينة بفتح الميم جمع مثعب وهي مسائل مياهها" (١).
وقال أيضًا:" وقوله: "يغت فيه ميزابان"، كذا رويناه من طريق الفارسي والسجزي، بغين معجمة وتاء باثنتين قوقها، وكذا ذكره ثابت والهروي والخطابي (٢) وأكثرهم، ومعناه "اتباع" الصب وأصله: اتباع الشرب الشرب، والقول القول، فاراد أن هذين الميزابين يصبان فيه دائمًا، واللفظ يدل على أنه دفعة بعد دفعة. وقال الهروي: معناه: يدفقان فيه الماء دفقًا شديدًا متتابعًا.
ورويناه من طريق العذري:"يعب" بعين مهملة وباء بواحدة، وكذا ذكره الحربي، وفسره بمعنى ما تقدم، أي لا ينقطع جريهما، قال: والعَبُّ الشرب بسرعة في نفس واحد.
ووقع في رواية ابن ماهان: "يثعب" بثاء مثلثة قبل العين، ومعناه يتفجر، كما قال في الحديث الآخر: "وجرحه يثعب دمًا" (٣).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٣٢ و١٣٣.
(٢) غريب الحديث للخطابي١/ ٩١. والمصدر السابق.
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٢٦٥.
[ ٣٣٦ ]
ــ
وأكد الإمام النووي ما قاله القاضي، وقال: (يَغُتُّ) بِفَتْحِ الْيَاء، وَبِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة، ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق مُشَدَّدَة، ونسب ذكر هذا القول إلى من ذكرهم القاضي من أئمة، وبين معناه عندهم.
وقال أيضًا: وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخ بِلَادنَا، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ: "يَعُبُّ" بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَة، وذكر ما حكاه القاضي عَنْ رِوَايَة الْعُذْرِيّ. قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَ الْحَرْبِيّ، وَفَسَّرَهُ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ، أَيْ لَا يَنْقَطِعُ جَرَيَانُهُمَا. قَالَ: وَالْعَبُّ: الشُّرْب بِسُرْعَةٍ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ.
وذكر َوَقَوعَ "يَثْعَب" بِمُثَلَّثَةٍ وَعَيْن مُهْمَلَة فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان، ومعناه: يَتَفَجَّرُ (١).
وبين الإمام السيوطي معاني مفردات هذا الحديث فقال: "لبعقر حوضي" بضم العين وسكون القاف: وهو موضع موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره، "أذود": أي أطرد، "ترفض عليهم": أي تسيل، "يغت بفتح أوله وضم الغين المعجمة وكسرها ثم مثناة فوق مشددة": أي يدفق دفقا شديدا متتابعًا، وروي بضم العين المهملة وباء موحدة بمعناه من العب: وهو الشرب بسرعة في نفس واحد، وروي "يثعب بمثلثة وعين مهملة": أي ينفجر، "يمدانه بفتح الياء وضم الميم": أي يزيدانه ويكثرانه (٢).
فالعَبُّ: هو التتابع والجريان بسرعة دون توقف. قال ابن دريد: "عَبَّ في الإناء: يَعُبُّ عبًّا، وهو تتابع الجَرعْ. قال الراجز:
يَكْرَع فيها ويَعُب عبّا مُجَبِّيًا في مائها مُنكبّا
أي: منَكِّسًا رأسَه رافعًا عَجُزَه" (٣)، وفي الحديث: "مصوا الماءَ مصًا، ولا
_________________
(١) ينظر شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٥.
(٢) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٣١٥.
(٣) جمهرة اللغة ١/ ١٢.
[ ٣٣٧ ]
ــ
تَعبّوه عبًّا، فإن الكُباد من العبّ" (١).
وقال الأزهري: "والعبُّ أن يشرب الماء ولا يتنفّس، وروى أبو العباس، عن عمرو، عن أبيه أنه قال: العبُّ أن يشرب الماء دغرقة بلا غَنْث، والدغرقة: أن يصبَّ الماءَ مرةً واحدة، والغَنْث: أن يقطّع الجَرْع وقال ابن الأعرابيّ: اليعبوب: كلُّ جدول ماءٍ سريع الجري، وبه شبّه الفرس اليعبوب" (٢).
والغتُّ: هو التنفس بين الشربتين قال الصاحب بن عباد: "غَتَّ الرَّجُلُ في الماء يَغُتُّ غَتًّا: وهو ما بَيْنَ النَّفَسَيْنِ من الشُّرْب والإِناءُ على فيه" (٣).
قال ابن منظور: "وروي في حديث ثوبان أَيضًا عن النبي - ﷺ - في الحَوْض: "يَغُتُّ فيه ميزابانِ مِدادُهما من الجنة"، ونسب القول عن معنى يغت إلى الأزهري قال: هكذا سمعته من محمد بن إِسحق يَغُتُّ بضم الغين قال: ومعنى يَغُتُّ: يَجْري جَرْيًا له صَوْتٌ وخَريرٌ، وقيل: يَغُطُّ، قال: ولا أَدري ممن حَفِظَ هذا التفسير قال الأَزهري: ولو كان كما قال لقيل يَغُتُّ ويَغِطُّ بكسر الغين، ومعنى يَغُتُّ يُتابعُ الدَّفْقَ في الحوض لا يَنْقَطِعُ، ماخوذ من غَتَّ الشاربُ الماءَ جَرْعًا بعد جَرْع، ونَفَسًا بعد نَفَس من غير إِبانةِ الإِناء عن فيه، قال: فقوله: (يَغُتُّ فيه مِيزابانِ)، أَي يَدْفُقانِ فيه الماءَ دَفْقًا مُتتابعًا دائمًا مِن غير أَن يَنْقَطِعَ كما يَغُتُّ الشاربُ الماءَ" (٤).
وقال ابن الأثير: "أي يدُفِقان فيه الماء دفقًا دائما متتابعان" (٥).
وفسر القاضي عياض ما في رواية ابن ماهان انثعب بمعنى: يتفجر (٦)، =
_________________
(١) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: (تأليف: الهندي علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين)، تحقيق: محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م، محظورات الشرب، الحديث برقم ٤١٠٧٥، ١٥/ ١٢٨، وهو عند البيهقي في السنن الكبرى مرسل: باب الشرب بثلاثة أنفاس الحديث رقم ١٤٤٣٦، ٧/ ٢٨٤.
(٢) تهذيب اللغة ١/ ٨٦ بتصرف.
(٣) المحيط في اللغة ١/ ٣٨٨. وينظر المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ٣٨٥. وغيرهما.
(٤) ينظر لسان العرب٢/ ٦٣.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٦٣٩.
(٦) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٣٢ و١٣٣.
[ ٣٣٨ ]
٤٣ - كتاب الفضائل
باب عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي
وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: كان النبي - ﷺ - إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أتلي عنه رفع رأسه ٤/ ١٨١٧*.
ــ
= وفي اللغة: "انثعب الماء والدم ونحوهما ثعبا: فجره، فسال، وفي الحديث: "يجيء الشهيد يوم القيامة وجرحه يثعب دما" (١)، انثعب الماء والدم ونحوهما: انفجر، وفي حديث سعد (فقطعت نساه فانثعبت جدية الدم)، والمطر: اندفع، والماء: جرى" (٢).
وروى الإمام أحمد الحديث بلفظ يغت وباقي ألفاظه متقاربة من لفظ ما عند مسلم من جهة المشارقة (٣).
* قال القاضي عياض: "وقوله في صفة نزول الوحي: "فلما أتلي عنه" بضم الهمزة، وتاء باثنتين فوقها ساكنة، ولام مكسورة. مثل أعطي، كذا قيده شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عيسى الجياني، وعند الفارسي مثله، إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخنا الأسدي: أثِل بكسر الثاء المثلثة مثل ضرب. وكان عند شيخنا القاضي الحافظ أبي علي أجلي بالجيم مثل أعطي أيضًا، وعند ابن ماهان: "انجلى" بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان لهما وجه أي انكشف عنه وذهب وفرج عنه، يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته عنه: أي فرجته
_________________
(١) لفظ الحديث: "لا يكلم أحد في سبيسل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب اللون لون دم والريح ريح مسك "، رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، الحديث رقم ١٨٧٦، ٣/ ١٤٩٥.
(٢) المعجم الوسيط: (تأليف: إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار)، تحقيق: مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، ١/ ٩٥.
(٣) مسند الإمام أحمد: باقي مسند الأنصار: حديث أبي أمامة الباهلى الصدى بن عجلان بن عمرو بن وهب الباهلى عن النبي - - ﷺ - ـ، الحديث رقم ٢٢٤٦٢، وينظر الحديث رقم٢٢٤٨٣، ٥/ ٢٨٠.
[ ٣٣٩ ]
ــ
فتفرج، وأجلوا عن قتيل: أي أفرجوا عنه وتركوه، وقال بعضهم: لعله اؤتلي: أي قصر عنه، وأمسك من قولهم لم يأل يفعل كذا: أي لم يقصر، وقال بعضهم: لعله ألعى عنه تصحف منه انجلى أو أجلى، وكذا رواه ابن أبي خيثمة أي نحي عنه، كما قال أبو جهل: أعلى عني أي تنح" (١).
وقال الإمام النووي: "قَوْله: أُتْلِيَ عَنْهُ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا: "أُتْلِيَ" بِهَمْزَةٍ، وَمُثَنَّاة فَوْقُ سَاكِنَة، وَلَام وَيَاء، وَمَعْنَاهُ اِرْتَفَعَ عَنْهُ الْوَحْي، هَكَذَا فَسَّرَهُ صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ "أُجْلِيَ" بِالْجِيمِ، وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان: اِنْجَلَى، وَمَعْنَاهُمَا أُزِيلَ عَنْهُ، وَزَالَ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: اِنْجَلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (٢).
وأيد الإمام السيوطي ما قاله الإمام النووي دون نسبة الخلاف إلى رواية (٣).
فرواية ابن ماهان: "انجلى"، ورواية ابن سفيان "اتلي" قال صاحب مرقاة المفاتيح: "اتلي (٤) أي سري عنه وكشف كأنه ضمن الإتلاء، وهو الإحالة معنى الكشف بقرينة عن والمعنى ارتفع الوحي على الرواية الأولى، أو الكرب على الرواية الثانية.
وقال الطيبي: ضمن أتلي معنى أقلع فعدى بعن وينصره رواية شرح السنة، فلما أقلع عنه.
وقال التوربشتي: قوله "فلما أتلي عليه" كذا هو في المصابيح وأرى صوابه "فلما تلي عليه" من التلاوة، وإن كان "أتلي عليه" محققًا فمعناه أحيل يقال: أتليته أحيلته أي أحيل عليه البلاغ، وذلك أن الملك إذا قضى إليه ما نزل به فقد أحال عليه البلاغ". =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٧، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٣٠١.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٤٨.
(٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٣٢٩.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (تأليف: علي بن سلطان محمد القارئ)، تحقيق: جمال عتياني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط١، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م، ١٠/ ٥١٩.
[ ٣٤٠ ]
٤٤ - كتاب الفضائل
باب كم أقام النبي - ﷺ - بمكة والمدينة
وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قلت لعروة: كم لبث النبي - ﷺ - بمكة؟ قال: عشرا. قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة قال: فغفره وقال: إنما أخذه من قول الشاعر ٤/ ١٨٢٥*.
ــ
= ومعنى انجلى: "أزيل وزال عنه" (١).
فتكون الروايتان بمعنى فراغ الوحي، والله اعلم.
وانفرد الإمام مسلم بهذا الحديث، فلم يروه غيره باللفظين، ورواية انجلى عند ابن ماهان أيدتها رواية البخاري (٢) من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه قصة، وفيها: " فقال: يا أبا القاسم: ما الروح؟ فسكت، فقلت: انه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه".
* قال القاضي عياض: "وفي مقامه - ﷺ - بمكة، قلت: فإن ابن عباس قال: بضع عشرة سنة، قال - يعني عروة -: فصغره كذا بتشديد الغين المعجمة عند بعض الرواة (٣) وعند السمرقندي فغفره بغين معجمة وفاء مشددة، وللعذري فغفروه مثله لكن بزيادة الواو، كل له معنى صحيح إن شاء الله تعالى، أما الأول: فكأنه استصغر سن ابن عباس عن ضبط ذلك، أي كأنه قال: كان صغيرا ولم يدرك الأمر، ولا شاهده، إذ مولده قبل الهجرة بيسير على خلاف في ذلك، وقوله: فغفره: أي قال له: يغفر الله لك كأنه وهمه فيما قاله، وكذلك بزيادة الواو كأن الحاضرين قالوا ذلك له، ويدل على ما تأولناه قوله بأثر هذا إنما أخذه من قول الشاعر يريد أنه لم يدرك ذلك ولا شاهده، وإنما قلد فيه الشاعر يريد قول صرمة بن
_________________
(١) المصدر نفسه١٠/ ٥١٩.
(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم / باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، الحديث رقم ١٢٥، ١/ ٥٨.
(٣) أراد بها ابن ماهان.
[ ٣٤١ ]
ــ
أنس: ثوى في قريش بضع عشرة حجة" (١).
وقال في موضع آخر: "وفي لبث النبي - ﷺ - بمكة: وإن ابن عباس قال: ثلاثة عشرة سنة فغفره، كذا للسمرقندي والسجزي معناه قال: غفر الله له، ولابن ماهان: "فَصَغَّرَهُ" أي وصفه بالصغر وعدم الضبط إذ ذاك" (٢).
وقال الإمام النووي: "هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا: "فَغَفَّرَهُ" بَالِغَيْنِ وَالْفَاء، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُلُودِيّ، وَمَعْنَاهُ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّه لَهُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة يَقُولُونَهَا غَالِبًا لِمَنْ غَلِطَ فِي شَيْء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَخْطَأَ غَفَرَ اللَّه لَهُ، وذكر الإمام النووي ما قَاله الْقَاضِي عياض لما وقع في رواية ابن ماهان، وقال: أَيْ اِسْتَصْغَرَهُ مَعْرِفَته هَذَا، وَإِدْرَاكه ذَلِكَ، وَضَبْطه، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ فِيهِ إِلَى قَوْل الشَّاعِر، وَلَيْسَ لَهُ عِلْم بِذَلِكَ، وَيُرَجِّحُ الْقَاضِي هَذَا الْقَوْل، وذكر اسم الشاعر. وشعره:
ثَوَى فِي قُرَيْش بِضْع عَشْرَة حُجَّة يَذْكُرُ لَوْ يَلْقَى خَلِيلًا مُوَاتِيا (٣)
وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْبَيْت فِي بَعْض نُسَخ صَحِيح مُسْلِم، وَلَيْسَ هُوَ فِي عَامَّتهَا" (٤).
فالصِغَر: هو سن الصبية، قال الأزهري (٥) يقال: هو صغر ولد أبيه أي أصغرهم، وهو كبرة ولد أبيه أي أكبرهم، وكذلك فلان صغرة القوم وكبرتهم، أي أصغرهم وأكبرهم. ويقول الصبي من صبيان العرب - إذا انهى عن اللعب -: اني من الصغرة، أي من الصغار.
قال ابن منظور: "المرْء بِأَصْغَرَيْهِ، وأَصْغَراه قلْبُه ولسانه. وأَصْغَرَه غيره، وصَغَّره تَصْغِيرًا، وتَصْغِيرُ الصَّغِير: صُغَيِّير الأُولى على القياس، والأُخرى على
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٤٨ و٥٩.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ١٣٨.
(٣) المعارف: (تأليف: ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشة، دار المعارف، القاهرة، ص١٤، و(الحماسة المغربية) مختصر كتاب صفوة الأدب ونخبة ديوان العرب: (تأليف: الجراوي أبو العباس أحمد بن عبد السلام التادلي ت٦٠٩هـ)، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط١، ١٩٩١م.
(٤) ينظر شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٦٨.
(٥) تهذيب اللغة ٣/ ٥٠.
[ ٣٤٢ ]
ــ
غير قياس حكاها سيبويه، واسْتَصْغَره عَدَّه صَغِيرًا، وصَغَّرَه وأَصْغَرَه: جعلَه صَغِيرًا" (١).
وقال الزبيدي: "وفي حديث عمرو بن دينار قال: قلت لعروة كم لبث رسول الله - ﷺ - بمكة؟ قال: عشرًا، قلت: فابن عباس يقول: بضع عشرة سنة، قال عروة: فصغره: أي استصغر سنة عن ضبط ذلك، وفي رواية فغفره، أي قال: غفر الله له" (٢). وقال ابن الأثير: "إن النبي - ﷺ - أقام بمكة بضْعَ عشرةَ سنةً قال عُروة: فصَغَّره أي استصْغَر سنَّه عن ضبط ذلك، وفي رواية: فغَفَّره: أي قال: غَفَر الله له وقد تكرر في الحديث (٣).
وأيد هذا القول ابن منظور فقال: "وفي رواية فغفره، أي قال: غفر الله له" (٤).
ومعنى الغفر: "التغطية والستر، غفر الله ذنوبه أي سترها، والغَفْر وقد غفر يغفر ستره، وكل شيء سترته فقد غفرته، ومنه قيل للذي يكون تحت بيضه الحديد على الرأس مِغْفَر، وتقول العرب: اصبغ ثوبك بالسواد فهو اغفر لوسخه أي احمل له وأغطى له، ومنه غفر الله ذنوبه أي سترها" (٥).
وكأن الرواية تصح بقوله: غفر الله له كان صغيرًا.
وانفرد مسلم بهذا الحديث.
_________________
(١) لسان العرب ٤/ ٤٥٨.
(٢) تاج العروس من جواهر القاموس ٤/ ٤٥٨.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٦٣.
(٤) تاج العروس ٤/ ٤٥٨ و٥/ ٢٥.
(٥) المصدر نفسه/٤٥٨ و٥/ ٢٥.
[ ٣٤٣ ]
٤٥ - كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -
باب من فضائل أبي ذر - ﵁ -
حدثنا هداب بن خالد الأزدي، حدثنا سليمان بن المغيرة، أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فنزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له فقلت أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لك فيما بعد فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.
قال: وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس.
فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر قال: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي فقال الصابئ: فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أسمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتين منهم تدعوان إسافا
[ ٣٤٤ ]
ونائلة قال: فأتتا علي في طوافهما فقلت أنكحا أحدهما الأخرى قال: فما تناهتا عن قولهما قال: فأتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لا أكني فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا قال: فاستقبلهما رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وهما هابطان قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها قال: ما قال: لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم وجاء رسول الله - ﷺ - حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته (قال أبو ذر): فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال: ﴿وعليك ورحمة الله﴾، ثم قال: من أنت؟ قال: قلت: من غفار قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته فقلت: في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقد عني صاحبه وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، ثم قال: ﴿متى كنت ههنا﴾؟ قال: قلت: قد كنت ههنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم قال: ﴿فمن كان يطعمك﴾؟ قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبدي سخفة جوع قال: ﴿إنها مباركة إنها طعام طعم﴾.
فقال: أبو بكر يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة فانطلق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله - ﷺ - فقال: ﴿إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم﴾، فأتيت أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وكان سيدهم وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله إخوتنا نسلم على الذين أسلموا عليه فأسلموا فقال رسول الله - ﷺ -: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله﴾ ٤/ ١٩١٩.
[ ٣٤٥ ]
ــ
الحديث فيه خلافان:
الأول:
قال القاضي عياض: "في إسلام أبي ذر "ألقيت كأني جفاء" كذا في رواية بعضهم عن ابن ماهان بالجيم مضمومة، وهو وهم عندهم، والذي للجماعة: "كأني خفاء" بخاء مكسورة معجمة ممدود، قيل وهو الصواب، ومعناه كأني ثوب مطروح والخفاء الغطاء ما كان، وقال ابن الأنباري: الخفاء كساء يغطي به الرطب وأما الجفاء بالجيم، فهو ما ألقاه السيل من غثائه مما احتمله" (١).
قال الإمام النووي: "قَوْله: "حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِر اللَّيْل أَلْقَيْت كَأَنّيَ خِفَاء" هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَتَخْفِيف الْفَاء وَبِالْمَدِّ، وَهُوَ الْكِسَاء، وَجَمْعه أَخْفِيَة، كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْن مَاهَان (جُفَاء) بِجِيمِ مَضْمُومَة، وَهُوَ غُثَاءُ السَّيْل، وَالصَّوَاب الْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل" (٢).
وقال الإمام السيوطي: "كأني خفاء، بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الفاء، والمد وهو الكساء، وروي بجيم مضمومة، وهو غثاء السيل" (٣).
وقد رجعت إلى معاني "جفا" فما وجدت معنى ينطبق من معانيها مع خفاء وبالتالي القول قول القاضي بالخطأ في رواية ابن ماهان.
وبالخاء "كأني خفاء" وهي رواية أهل المشرق، فهو مأخوذ من الكساء الذي يخفى به الشيء، قال الزمخشري: "هو الكساء الذي وطب اللبن، من خفي، قال ذو الرمة: عليه زَادٌ وأَهْدَام وأخْفية كأن هي التامة المستغنية عن الخبر" (٤).
وقال جلال الدين القزويني: "والخِفَاء الكِساءُ يُلْقَى على الوَطْب وقيل هو الغِطَاء من كِساءٍ أو ثَوْب أو غير ذلك وجمعُه أخْفِيَة وإنما سمى خِفَاءً لأنه يُخْفىِ ما تحتَه قال
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٦٠.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٢٣٦.
(٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٤٣٨.
(٤) الفائق في غريب الحديث والأثر ١/ ١٢٥.
[ ٣٤٦ ]
ــ
الفارسي ولذلك الأَجْفُن أخْفِيَةً لأنها أوْعِيَة للنوم وأنشد:
لقد عَلِم الأيقاظُ أخْفِيَة الكَرَى تَزَجُّجَها من حالِكٍ واكْتحِالَها" (١).
وقال ابن الأثير: "الخفاء: الكِساء وكل شيء غَطَّيت به شيئًا فهو خِفاء" (٢).
وهذا المعنى يدل على انه يلقي نفسه كما يلقى الغطاء إذا نزل على شيء، فهو ينزل نزلة واحدة.
وممن رواه كما رواه المشرقيون ابن أبي عاصم (٣)، في الآحاد والمثاني (٤)، والبيهقي (٥).
وروى الطبراني (٦) بمعناه، وكذلك الحاكم (٧)، وأبو نعيم (٨).
الثاني:
قال القاضي عياض (٩): "وقوله في إسلام أبي ذر: "فتضعفت رجلا منهم" أي استضعفته، أي لم أخشه، قاله ابن قتيبة (١٠)، وقال بعضهم: تخيرت ضعيفا منهم،
_________________
(١) الإيضاح في علوم البلاغة ٤/ ١٠١.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ١٣٢.
(٣) هو احمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني من أهل البصرة .. من أهل السنة والحديث والنسك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صحب النُّساك منهم أبو قراب، وسافر معه، وكان مذهبه القول الظاهر، وكان ثقة نبيلًا معمرًا، ينظر سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤٣٠.
(٤) الآحاد والمثاني: ومن بني غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، أبو ذر - ﵁ -، اسم أبي ذر جندب بن جنادة ، الحديث رقم ٩٠٣، ٣/ ١٢٨.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي: باب ذكر إسلام أبي ذر الغفاري - ﵁ - ، الحديث رقم ٥١٣، ٢/ ٨٤.
(٦) المعجم الكبير للطبراني: باب من اسمه أنيس، أنيس بن جُنادة الغفاري، اخو أبي ذر - ﵁ -، الحديث رقم ٧٧٢، ١/ ٣٢٥، وما بعدها، والمعجم الأوسط: باب الألف، من اسمه احمد، احمد بن إبراهيم ، الحديث رقم ١/ ٦٣، وباب من اسمه إبراهيم، الحديث رقم ٢٨٧١، ٦/ ٣٢٧.
(٧) المستدرك على الصحيحين: كتاب معرفة الصحابة - ﵃ - ، ذكر مناقب أبي ذر الغفاري - ﵁ -، الحديث رقم ٥٤١٦، ١٢/ ٣١٩.
(٨) معرفة الصحابة: باب بالجيم: من اسمه جندب، الحديث رقم ١٤٥٣، ٥/ ٥، والحديث رقم ١٤٨، ٥/ ٣٣.
(٩) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٦١.
(١٠) غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ١٨٧.
[ ٣٤٧ ]
ــ
وعند ابن ماهان: تضيفت، وهو وهم، ورواه البزار تصفحت (١).
وقال أيضًا: "وقوله: فأتيت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الذي تدعونه الصابىء؟ "، كذا رواية الجلودي، وعند ابن ماهان: "تضيفت" بالياء، ولا معنى لها في هذا الحديث، ورواه البزار في مسنده "تصفحت"، والرواية الأولى أوجه، وهي الرواية التي ذكرها الشارحون" (٢).
وقال الإمام النووي: "قوله: أتيت مكة فتضعفت رجلا منهم". يعني نظرت إلى أضعفهم، فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا، وفي رواية بن ماهان: "فتضيفت بالياء" وأنكرها القاضي وغيره، قالوا: لا وجه له هنا" (٣).
ونقل الإمام السيوطي قول الإمام النووي (٤).
فرواية ابن ماهان: تضيفت: أي ملت بمعنى ملت إليه اسأله، قال الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاستربادي النحوي ت ٦٨٦هـ: "تضيفت الشمس: مالت إلى الغروب، ضيف الشيء: أماله" (٥)، ثم قال: "وقال الزمخشري في مناهيهه على المفصل: هي من ضاف يضيف، إذا مال والتجأ، وأضافه ألجأه" (٦).
ورواية ابن سفيان "تضعفت"، أي اخترت رجلًا ضعيفًا، أي استضعفته، قال الزمخشري: "تضعفته: بمعنى استضعفته كتعجلته وتقصيته وتثبته بمعنى
_________________
(١) مسند البزار: ابن عون عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر، الحديث رقم ٣٩٤٨، ٩/ ٣٦٧.
(٢) ٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٥٠٦.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٢٣٦.
(٤) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٤٣٨.
(٥) شرح الرضي على الكافية ١/ ٢٢٥.
(٦) شرح شافيه ابن الحاجب، (تأليف: الاستربادي رضي الدين محمد بن الحسن النحوي ت٦٨٦هـ)، مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام ١٠٩٣ من الهجرة، حققهما وضبط غريبهما، وشرح بهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن محمد الزفزاف، محمد يحيى عبد الحميد المدرس، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م، ٤/ ٣٨٤.
[ ٣٤٨ ]
ــ
استفعلته" (١).
فتكون الروايتان متقاربة المعنى، في رواية ابن ماهان: ملت إلى الرجل اسأله، ورواية ابن سفيان: اخترت رجلًا ضعيفًا اسأله حتى أأمن جانبه وغائلته، وكلاهما يصح والله اعلم.
وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: ابن أبي شيبة (٢)، وابن أبي عاصم (٣)، وابن حبان (٤).
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: الإمام احمد في مسنده (٥).
_________________
(١) الفائق في غريب الحديث ٢/ ٩٩، وينظر غريب الحديث لابن قتيبة الدينوري ٢/ ١٨٧، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ١٨٨، وتاج العروس من جواهر القاموس ١/ ٥٩٧٥.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب المغازي، إسلام أبي ذر، الحديث رقم ٣٦٥٩٨، ٧/ ٣٣٨.
(٣) الآحاد والمثاني: ومن بني غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن مناف بن كنانة، الحديث رقم ٩٨٩، ٢/ ٢٣٢.
(٤) صحيح ابن حبان: كتاب أخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم - ﵃ - ذكر البيان بأن أبا ذر كان من المهاجرين الأولين، الحديث رقم ٧١٣٣، ١٦/ ٧٧.
(٥) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند الأنصار، هذا حديث أبي ذر الغفاري - ﵁ -، ١٧٤٥.
[ ٣٤٩ ]
٤٦ - كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -
باب فضائل حسان بن ثابت - ﵁ -
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال أهجو قريشا فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي﴾، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.
قالت عائشة: فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان ﴿إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله﴾ وقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ﴿هجاهم حسان فشفى واشتفى﴾، قال حسان (١):
هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمدا برا تقيا رسول الله شيمته الوفاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ثكلت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداء يبارين الأعنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يوم يعز الله فيه من يشاء وقال الله قد أرسلت عبدا يقول الحق ليس به خفاء
_________________
(١) ديوان حسان بن ثابت - - ﵁ - - ص٢.
[ ٣٥٠ ]
وقال الله قد يسرت جندا هم الأنصار عرضتها اللقاء ٤/ ١٩٣٥.
لنا في كل يوم من معد سباب أو قتال أو هجاء فمن يهجو رسول الله منك ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء
ــ
الحديث فيه خلافان
الأول:
قال القاضي عياض: "يبارين الأعنة يعني الخيل، هي رواية كافة رواة صحيح مسلم، ومعناه يضاهينها في الجيد لقوة نفوسها وتفسره الرواية الأخرى ينازعن وهي رواية ابن ماهان أو في علك حدائدها ومباراة قوة رؤوسها وصلابة أضراسها لذلك، وقد يكون مباراتها لها مضاهاتها في اللين والانعطاف" (١).
فيبارين مأخوذة من يبري: إذا عارضه، وصنع مثل ما صنع جاء في اللغة: "بَرَى له يَبْرِي بَرْيًا إِذا عارضه، وصَنع مثل ما صنع ومثله انْبَرَى له، وهما يتباريان إِذا صنع كل واحد مثل ما صنع صاحبه، وفي الحديث: "نهى عن طعام المُتَبارِيَيْنِ أَن يؤكل" هما المتعارضان بفعلهما ليُعَجِّزَ أَحدُهما الآخَر بصنيعه وإِنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء ومنه شعر حسان:
يُبارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِداتٍ على أَكْتافِها الأَسَلُ الظِّماءُ
المُباراة: المُجاراة والمسابقة أَي يُعارِضْنَها في الجَذْب لقوة نفوسها وقوة رؤوسها وعَلْكِ حَدائدها، ويجوز أَن يريد مُشابَهَتَها لها في اللِّين وسُرعة الانقياد" (٢).
وينازعن: يجاذبن جاء في شرح شافيه ابن الحاجب: "جئن ينازعن أي يجاذبن" (٣) فكلاهما بمعنى.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٨٧، وينظر إكمال المعلم بفوائد مسلم ٧/ ٥٣٠.
(٢) ينظر النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣١٣، لسان العرب ١٤/ ٦٩، تاج العروس ١٤/ ٦٩.
(٣) شرح شافيه ابن الحاجب ٤/ ٢٥٠.
[ ٣٥١ ]
ــ
الثاني:
قال القاضي عياض: "قوله في شعر حسان: على أكتافها الأسل الظماء، كذا رواية الكافة، وهي الرماح ومعنى الظماء: أي لدنة رقيقة كما قالوا: فيها ذوابل أي أنها للدونتها كالشيء الذابل اللين، ورواه بعضهم عن ابن ماهان: الأسد الظماء: معناها الرجال المشبهون بالأسد العاطشة إلى دمائهم، وقد يتأول مثل هذا في الرماح أيضا، وقد جاء في أشعار العرب كثيرًا" (١).
وقال الإمام النووي: "قوْله: عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَل الظِّمَاء أَمَّا أَكْتَافهَا فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقُ. وَالْأَسَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا لَام. هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَالْأَسَل الرِّمَاح، وَالظِّمَاء الرِّقَاق، فَكَأَنَّهَا لِقِلَّةِ مَائِهَا عِطَاش. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالظِّمَاءِ الْعِطَاش لِدِمَاءِ الْأَعْدَاء وَفِي بَعْض الرِّوَايَات "الْأُسْد الظِّمَاء" بِالدَّالِ أَيْ الرِّجَال الْمُشْبِهُونَ لِلْأُسْدِ الْعِطَاش إِلَى دِمَائِكُمْ" (٢).
فالقول: "الأسل الرماح، والظماء الرقاق: هو صفة الموصوف، وهو تشبيه قال الزمخشري: "عنده غربال من الأسل، وهو نبات رقيق الأغصان تتخذ من الغرابيل بالعراق، والواحدة أسلة، وقيل للرماح الأسل على التشبيه واسلت السلاح حددته وجعلته كالأسل، قال مزاحم العقيلي (٣):
يباري سديساها إذا ما تلمجت شبًا مثل إبزيم السلام المؤسل" (٤)
وقال الصاحب بن عباد: "الأسلُ: نبات له أغصان كثيرة رقاق لا ورق له، الواحدة أسلة وسُمِّيَ القنا أسلا تشبيهًا بطوله واستوائه، وكل ارقَّ من الحديد
كالأسنان والسيف: اسلٌ، ومنه قول علي بن أبي طالب - ﵇ -: "لا تود إلا بالأسلِ" (٥).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٤٩.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٢٥٩.
(٣) منتهى الطلب من أشعار العرب ١/ ٣٠٥.
(٤) أساس البلاغة ١/ ٧/ مادة أسل. =
(٥) = (٥) المحيط في اللغة ٢/ ٢٧٦.
[ ٣٥٢ ]
ــ
على ان أبا عبيد القاسم بن سلامجعل المعنى حقيقة ويشبه به غيره فقال: "في حديث عمر - ﵁ -: هاجروا ولا تهجروا واتقوا الأرنب ان يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل فهذا يرد قول من يقول: ان الأسل الرماح خاصة ألا تراه [قد] جعل النبل من الرماح، وقد وجدنا الأسل في غير الرماح إلا ان أكثر ذلك وأفشاه في الرماح، وبعضهم يقول في هذا النبات الذي قال الله تعالى فيه لأيوب - ﵇ -: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، إنما قيل له الأسل؛ لأنه شبه بالرماح" (١).
وأيد الزمخشري هذا القول: "الرماح والنبل بدل من الأسل، وتفسير له، قالوا: وهذا دليل على ان الأسل لا ينطلق على الرماح خاصة، ولقائل يقول: الرماح وحدها بدل، والنبل عطف على الأسل" (٢).
وأما الرواية عن ابن ماهان: "الأسد الظماء"، فالأسد حيوان معروف، والتشبيه به يدل على شجاعة المشبّه فيه، وقوله الظماء هنا ليس المعنى الأول الذي هو الرقاق، وإنما من الظماء أي العطش.
قال ابن منظور: "الظمأ العطش، وقيل هو أخفه وأيسره، وقال الزجاج: هو أشده والظمآن العطشان، وقد ظمئ فلان يظمأ ظمأً، وظماءً وظماءة: إذا اشتد عطشه، ويقال: ظمئتُ اظمأ ظمأً، فأنا ظامٍ، وقوم ظماء. وفي التنزيل ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهو ظمئ وظمآن، والأنثى ظمأى، وقوم ظماء: أي عطاش، قال الكميت: =
_________________
(١) غريب الحديث للقاسم بن سلام ٣/ ٣١١، وينظر المخصص ١/ ٤٨٠.
(٢) الفائق في غريب الحديث ١/ ٤٠٥.
[ ٣٥٣ ]
٤٧ - كتاب البر والصلة والآداب
باب النهي عن الشحناء والتهاجر
حدثنيه زهير بن حرب، حدثنا جرير ح، وحدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن عبدة الضبي، عن عبد العزيز الدراوردي كلاهما، عن سهيل، عن أبيه بإسناد مالك نحو حديثه، غير أن في حديث الدراوردي "إلا المتهاجرين" من رواية ابن عبدة، وقال قتيبة: "إلا المهتجرين" ٤/ ١٩٨٧*.
ــ
= إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من قلبي ظماء وأليتُ" (١).
وكلا المعنيين صحيح الأول الرماح المدببة المربعة النفاذ في الجسم، والثاني الرجال كالأسد المتعطشة: وهذان المعنيان يلتقيان في كون النتيجة واحدة، وهو الانقضاض على العدو وإراقة دمه.
وممن رواه كما وقع لمسلم من طريق المشارقة: الطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو نعيم الأصبهاني (٤).
* قال القاضي عياض: "وقوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ولا تهاجروا، من الهجران، وهو إظهار العداوة وقطع الكلام والسلام عنه، كذا لأكثرهم: بفتح التاء، وكذا لابن ماهان في كتاب مسلم، في حديث الداروردي، وكان عند أكثر الرواة فيه: "تهتجروا" من المهاجرة أيضا ومن الهجر، وكذا في رواية قتيبة عنده إلا المهتجرين، كذا لكافتهم، وعند ابن ماهان المتهجرين، وكذا رواه الترمذي وفسره المتصارمين وهو بمعنى ما ذكرناه، وفي غير حديث قتيبة إلا
_________________
(١) لسان العرب ١/ ١١٦، والبيت في الحماسة البصرية: (تأليف: صدر الدين علي بن الحسن البصري ت بعد ٦٤٧هـ)، تحقيق: مختار الدين أحمد، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م، ١/ ٥٢، خزانة الأدب ٢/ ٥٨.
(٢) المعجم الكبير: من اسمه الحارث، حريث بن زيد بن ثعلبة الأنصاري - حسان بن ثابت الأنصاري، الحديث رقم ٣٥٨٢، ٤/ ٣٨.
(٣) سنن البيهقي الكبرى: كتاب الشهادات، باب شهادة الشعراء، الحديث رقم ٢٠٨٩٥، ١٠/ ٢٣٨، ودلائل النبوة: باب نزول النبي - ﷺ - بمر الظهران، الحديث غير مرقم ٥/ ٥٠.
(٤) معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني: باب الحاء، باب من اسمه حصين - حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد، الحديث رقم ٢٠٢٥، ٦/ ٣٣٧.
[ ٣٥٤ ]
ــ
المتهاجرين على ما تقدم" (١).
فالهجر (٢): ضد الوصل، والهِجْر والهجر (٣): ترك ما يلزمك تعاهده، ومنه قوله عز اسمه: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، وهجره وهاجره واهتجره (٤)
قال السائب اخو الزبير:
يا قوم جدّوا في قتال القوم واهتجروا النوم فما من نوم
وقال الجوهري: "والتهاجر التقاطع، والهجر أيضًا الهذيان، وقد هجر المريض يهجر هجرًا، فهو هاجر والكلام مهجور قال أبو عبيد: يروى عن إبراهيم ما يثبت هذا القول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، قال: قالوا فيه غير الحق، الم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق، والهُجرٌ بالضم: الاسم من الاهجار، وهو الإفحاش في المنطق والخنا.
قال الشماخ:
كما جدة الأعراف قال ابن ضَرَّه عليها كلامًا جاز فيه واهجروا (٥)
وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي ورماه بها جرات ومُهْجرات أي بفضائح" (٦).
الهجر: "خلاف الوصل يقال: هجر أخاه إذا حرمه وقطع كلامه هجرًا وهجرانًا فهو هاجر والهُجْرُ بالضم: الفحش اسم من اهجر في منطقة إذا =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢٦٥.
(٢) جمهرة اللغة ١/ ٢٣١.
(٣) المحيط في اللغة ١/ ٢٨٣.
(٤) أساس البلاغة ١/ ٤٩٦.
(٥) فصل المقال في شرح كتاب الأمثال ١/ ٢٨، والفصول والغايات (لأبي العلاء المعري ت٤٤٩هـ)، ١/ ١٢٦.
(٦) الصحاح في اللغة ٢/ ٢٤٣.
[ ٣٥٥ ]
٤٨ - كتاب البر والصلة والآداب
باب النهي عن لعن الدواب وغيرها
حدثني سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه فكأنه أبطأ عليه فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة﴾ ٤/ ٢٠٠٦*.
ــ
= أفحش" (١).
وقال الرافعي (٢): الهُجر بالضم: الفحش وهو اسم من هجر يهجر من باب قتل وفيه لغة أخرى: اهجر في منطقة بالألف إذا أكثر منه حتى جاوز ما كان متكلم به قبل ذلك.
وقال ابن منظور (٣): الهجرُ ضد الوصل هجره يهجُرُه هجرًا وهجرانًا: حرمه، وهما يهتجران والاسم الهجرة وفي الحديث لا هجرة بعد ثلاث يريد به الهجر ضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير في حقوق العشرة والصحبة.
وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: الترمذي (٤).
* قال القاضي عياض: "وقوله: بعث إلى أم الدرداء بخادم كذا لابن ماهان وللجلودي: بأنجاد بفتح الهمزة جمع نجد وهو متاع البيت من فرش وستور ووسائد ومنه بيت منجدا مزين بها" (٥).
_________________
(١) المغرب بترتيب المعرب ٥/ ٤١٥.
(٢) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ١٠/ ٩.
(٣) لسان العرب ٥/ ٢٥٠.
(٤) سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المتهاجرين، الحديث رقم ٢٠٢٣، ٤/ ٣٧٣.
(٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٣١.
[ ٣٥٦ ]
ــ
قال الإمام النووي: "قَوْله: بَعَثَ إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْده بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ جِيم، وَهُوَ جَمْع نَجَد بِفَتْحِ النُّون وَالْجِيم، وَهُوَ مَتَاع الْبَيْت الَّذِي يُزَيِّنهُ مِنْ فُرُش وَنَمَارِق وَسُتُور، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ بِإِسْكَانِ الْجِيم. قَالَ: وَجَمْعه نُجُود حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْد فَهُمَا لُغَتَانِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان بِخَادِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَالْمَشْهُور الأول" (١).
وذكر الإمام السيوطي معنى إنجاد وهو ما أشار إليه الإمام النووي عن الجوهري وأبي عبيد، ولم يحدد الخلاف في الحديث (٢).
فمعنى أنجاد: هو متاع البيت من فرش وستور ووسائد (٣)، وهو ما أشار إليه الأئمة آنفا، وهذه رواية المشارقة.
ورواية المغاربة: بخادم أيضًا يصح، لان أم الدرداء قالت في نهاية الحديث تكلم عبد الملك: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته
وقرينة أخرى الذي يحمل الانجاد وهو الخادم ولعله هو المسمى النّجاد وهو الذي ينجد البيوت والفرش والبسط ، أو النّجُود: هو الذي يعالج النجود والنٌّجُود بالنفض والبسط والحشو والتنضيد (٤).
وانفرد مسلم بهذا الحديث.
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٤١٢.
(٢) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٥/ ٥٢٦.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٤٧، ولسان العرب ٣/ ٤١٣.
(٤) المصدر نفسه ٣/ ٤١٣.
[ ٣٥٧ ]
٤٩ - كتاب البر والصلة والآداب
باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده
حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض﴾.
حدثني عمرو الناقد، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي: يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال: وما ذاك؟ قلت: لما له من الحب في قلوب الناس فقال: بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ - ثم ذكر بمثل حديث جرير، عن سهيل ٤/ ٢٠٣٠.
ــ
قال القاضي عياض: "وفي فضل عمر بن عبد العزيز قال: "بأبيك أنت سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ - " كذا قيدنا هذه الكلمة عن كافة شيوخنا للعذري والسجزي، وكذا في كتاب ابن أبي جعفر وعند السمرقندي أي مكان أنت، وفي بعض الروايات عنهم فأنبئك أني سمعت وكذا لابن ماهان" (١).
ومعنى قولهم بأبي: أي بأبي افديه، وهذه اللفظة يراد بها تكريم الشيخ (٢).
والقول بأن في رواية ابن ماهان وغيره "فأنبئك"، أي قال أبو صالح: "فأنبئك إني سمعت أبا هريرة يحدث " الحديث. وهو موافق للحديث الذي قبله. =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٥.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٢٥.
[ ٣٥٨ ]
باب معنى كل مولود يولد على الفطرة
٥٠ - كتاب القدر
باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز (يعني الدراوردي)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: ﴿كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها﴾ ٤/ ٢٠٤٦*.
ــ
= وممن رواه كما رواه مسلم - وهو ما وقع له عند المشارقة -: الطحاوي (١)، والبيهقي (٢).
* قال القاضي عياض (٣): "وقوله: في المولود: إلا لكن الشيطان في حضنيه بكسر الحاء أي جنبيه وقيل الحضن الخاصرة ورواه ابن ماهان خصييه بالخاء المعجمة والصاد المهملة يعني العورة، وليس بشيء والصواب الأول وقد جاء في البخاري في باب بدء الخلق في جنبيه مفسرا وفي الحديث نفسه ما يدفعه قوله إلا مريم وابنها ومريم أنثى".
وذكر الإمام النووي ما وقع لمسلم في نسخة ابن ماهان "خصييه" وأيده في كونهما وهمًا (٤).
وكذلك أيد الإمام السيوطي ما ذكره القاضي عياض (٥).
فالحضن هو ناحية الإنسان قال ابن دريد: "الحِضْنانِ: ناحيتا الإنسان، والجمع أحضان. ونواحي كل شيء أحضانه. قال الشاعر:
_________________
(١) مشكل الآثار للطحاوي: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - في أسباب المحبة وأسباب البغضة في قلوب الناس، الحديث رقم ٣٧٩٠، ٩/ ٤٠٣.
(٢) الزهد الكبير: (تأليف: البيهقي أبو بكر احمد بن الحسين بن علي بن عبد الله ت ٤٥٨هـ)، تحقيق: عامر احم حيدر، مؤسسة الثقافة، بيروت، ط٢، ١٩٩٦، الحديث رقم ٨٠١، ١/ ٣٠٠.
(٣) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٠٧.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٢.
(٥) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٦/ ٢٤.
[ ٣٥٩ ]
ــ
شَكَكْتُ حِضْنيْه بمطرورةٍ مثلِ قُدامَى النَّسر لم تَنْأدِ" .. (١).
وقال الزمخشري: "إحتضن الصبيّ: أخذه في حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشح" (٢).
أما الخُصْيةُ: "واحدة الخُصى، وكذلك الخِصْيَةُ بالكسر. وقال أبو عمرو: الخُصْيَتانِ: البيضتان. والخُصْيَتانِ: الجلدتانِ اللتان فيهما البيضتان. الأموي: الخُصْيَة ُ: البيضة. والجمع خُصىً، فإذا ثنّيت قلت خُصْيانِ ولم تلحقه التاء. وخَصَيْتُ الفحل خِصاءً ممدودٌ، إذا سللتَ خُصْيَيْهِ. يقال: برئتُ إليك من الخِصاءِ. والرجل خَصيٌّ، والجمع خِصْيانٌ وخِصْيَةٌ. وموضع القطع مَخْصيٌّ" (٣).
الخلاصة: فيكون رواية ابن ماهان وهمًا، لان المعنى ينطبق على الذكور فقط والحديث يذكر فيه مريم، وهي انثى، ولذلك جعلها القاضي وهمًا.
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: الإمام احمد (٤)، والبيهقي (٥).
_________________
(١) جمهرة اللغة ١/ ٢٨٢.
(٢) أساس البلاغة ١/ ٨٩.
(٣) الصحاح في اللغة ١/ ١٧٥.
(٤) مسند الإمام أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة - - ﵁ - ـ، الحديث رقم ٨٨٠١، ٢/ ٣٦٨.
(٥) سنن البيهقي الكبرى: كتاب اللقطة، باب الولد يتبع أبويه في الكفر فإذا أسلم أحدهما تبعه الولد في الإسلام، الحديث رقم ١١٩٢٢، ٦/ ٢٠٣، شعب الإيمان: باب القول فيمن يكون مؤمنا بإيمان غيره، الحديث رقم ٨٦، ١/ ٩٧.
[ ٣٦٠ ]
٥١ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
باب الحث على ذكر الله تعالى
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْتُهُ بِذِرَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ تَلَقَّيْتُهُ بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ جِئْتُهُ أَتَيْتُهُ بِأَسْرَعَ﴾ ٤/ ٢٠٦١.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله: في باب من تقرب إلي شبرا وإذا تلقاني بباع جئته بأسرع، كذا لابن ماهان والفارسي وعند العذري أتيته بأسرع، كذا عنده قيل لعله بباع حيث أتيته بأسرع والظاهر أنها لفظة بدل من الأخرى جمعهما الخط غلطا" (١).
وقال الإمام النووي: "قوله تعالى في رواية محمد [يعني ابن رافع]: "إذا تلقاني بباع جئته أتيته، هكذا هو في أكثر النسخ بأسرع فقط، وفي بعضها أتيته وهاتان ظاهرتان، والأول صحيح أيضًا والجمع بينهما للتوكيد وهو حسن لاسيما عند اختلاف اللفظ، والله اعلم" (٢).
وأيد الإمام السيوطي ما قاله الإمام النووي (٣).
ومن معاني أتيت: المجيء برغبة، قال الراغب الأصفهاني: "الإتيان مجيء بسهولة ومنه قيل للسيل المار على وجهه أتِيٌّ وأتاويٌ" (٤).
والمجيء: "الإتيان جاء جيئًا ومجيئًا وجاء في فجئته أجيئه أي غالبني بكثرة المجيء فغلبته" (٥). وقال الفيروز آبادي: "جاءني فجئته: غالبني بكثرة المجيء
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٦٨.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ٣٦.
(٣) ينظر الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٦/ ٤٣.
(٤) المفردات في غريب القرآن: (تأليف: الراغب الأصفهاني أبي القاسم الحسين بن محمد ت ٥٠٢هـ)، ضبطه وراجعه: محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ط٢، ١٤٢٠هـ -١٩٩٩م.
(٥) لسان العرب١/ ٥١.
[ ٣٦١ ]
ــ
فغلبته" (١).
وجمع المناوي المعنيين فقال: "الإتيان مجيءٌ بسهولة فهو اخص من المجيء إذ الإتيان قد يقال باعتبار القصد، وان لم يكن من حصول والمجيء يقال: اعتبار بالحصول، والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير وفي الخير والشر والأعيان والأعراض" (٢).
وهذا الذي قاله المناوي اقرب إلى قول الإمام النووي من حيث كون التكرار توكيدًا لا بدلًا.
وممن رواه كما وقع لمسلم عند ابن ماهان الإمام أحمد (٣).
_________________
(١) القاموس المحيط ١/ ٤٦ بتصرف.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف: (تأليف: المناوي محمد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين ت١٠٣١هـ)، دار الفكر بيروت، دمشق، ط١، ١٤١٠، ١/ ٣٢.
(٣) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، الحديث رقم ٨١٧٨، ٢/ ٣١٦.
[ ٣٦٢ ]
٥٢ - كتاب التوبة
باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح مولى بني أمية، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: ثم غزا رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك، وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله - ﷿ - وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله - ﷺ - غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا
[ ٣٦٣ ]
خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوكًا فقال وهو جالس في القوم بتبوك " ﴿ما فعل كعب بن مالك﴾؟ قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه براده والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله - ﷺ -، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿كن أبا خيثمة﴾، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وصبح رسول الله - ﷺ - قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: ﴿تعال﴾، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ﴿ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك﴾؟ قال: قلت يا رسول الله: إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله - ﷺ -: ﴿أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك﴾، فقمت وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى
[ ٣٦٤ ]
رسول الله - ﷺ - بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك.
قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: فاجتنبنا الناس وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله رسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فنا شدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه "أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك قال: فقلت: حين قرأتها وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور، فسجرتها بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك قال:
[ ٣٦٥ ]
فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك قال: فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله - ﷺ - فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: ﴿لا، ولكن لا يقربنك﴾ فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال: فقال: لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله - ﷺ - في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال: فقلت: لا استأذن فيها رسول الله - ﷺ - وما يدريني ماذا يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله - ﷿ - منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله - ﷺ - الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله - ﷺ - يتلقاني الناس فوجًا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: ﴿أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك﴾ قال: فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: ﴿لا، بل من عند الله﴾ وكان رسول الله - ﷺ - إذا
[ ٣٦٦ ]
سر استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿أمسك بعض مالك فهو خير لك﴾ قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال: وقلت يا رسول الله: إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
قال: فأنزل الله - ﷿ - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] حتى بلغ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - ﷺ - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد وقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله - ﷺ - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله - ﷿ -: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾،
[ ٣٦٧ ]
ــ
وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه ٤/ ٢١٢٠.
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث كعب: ليتأهبوا أهبة عددهم، كذا لابن ماهان، ولسائر الرواة: غزوهم بالزاي وهما صحيحان" (١).
يقول ابن منظور: قال ابن الإعرابي: الغزو: السير إلى قتال العدو وانتهابه .. ورجل غاز من قوم غزي، وغزي على مثال فعيل حكاه سيبويه، وقال: قلبت فيه الواو ياء لخفة الياء وثقل الجميع، وكررت الزاي لمجاورتها الياء، والغزي اسم للجميع قال الشاعر (٢):
سريت بهم حتى تكل غزيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان" (٣).
وقال الرافعي: "غزوت العدو غزوًا، فالفاعل غازٍ والجمع غزاة، وغُزّى مثل قضاة، وركّع وجمع الغزاة غزّيٌ على فعيل مثل الحجيج، والغزوة المرة والجمع غزوات مثل شهوة وشهوات، والمغزاة كذلك، والجمع المغازي، ويتعدى بالهمزة فيقال: اغزيته إذا بعثته يغزو وإنما يكون غزو العدو في بلاده" (٤).
فيكون المعنى ليتأهبوا أهبة غزو عدوهم في عقر داره، والله اعلم.
وممن رواه كما وقع لمسلم في رواية ابن ماهان: البخاري (٥) مختصرًا.
وكرواية البخاري رواه الإمام احمد بن حنبل (٦) وابن أبي شيبه (٧)،
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٧٠.
(٢) الحلل في شرح أبيات الجمل للبطليوسي ١/ ١٣.
(٣) لسان العرب ١٥/ ١٢٣.
(٤) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٢/ ٤٤٧.
(٥) صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة، فوّرى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس، الحديث رقم ٢٧٨٨، ٣/ ١٠٧٨.
(٦) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند المكيين، مسند حديث كعب بن مالك الأنصاري - ﵁ -، الحديث رقم ١٥٨٢٠، ٣/ ٤٥٦. والحديث رقم ١٥٨٢٧، ٣/ ٤٥٦.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب المغازي، ما حفظ أبو بكر في غزوة تبوك، الحديث رقم ٣٧٠٠٥، ٧/ ٤٢٢، والحديث رقم ٣٧٠٠٧، ٧/ ٤٢٣ والرواية فيه طولها.
[ ٣٦٨ ]
ــ
والطبراني (١)، والبيهقي (٢).
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: البخاري (٣)، والإمام احمد بن حنبل (٤)، والنسائي (٥)، وعبد الرزاق (٦)، وابن حبان (٧)، والطبراني (٨).
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني: باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري عقبي يكنى أبا عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن، الحديث رقم ٦٥، ١٩/ ٥٣.
(٢) سنن البيهقي الكبرى: كتاب السير، باب من ليس للإمام ان يغزو به بحال، الحديث رقم ١٧٦٤٩، ٩/ ٣٣، وباب من أراد غزوة، فورّى بغيرها، الحديث رقم ١٨٢٣١، ٩/ ١٥٠.
(٣) صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك وقول الله - ﷿ -: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، الحديث رقم ٤١٥٦، ٤/ ١٦٠٣.
(٤) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند القبائل، حديث كعب بن مالك - ﵁ -، الحديث رقم ٢٧٢١٩، ٦/ ٣٨٧.
(٥) سنن النسائي الكبرى: كتاب السير، باب ما يفعل الإمام إذا أراد الغزو، الحديث رقم ٨٧٧٨، ٥/ ٢٣٩، والحديث رقم ٨٧٧٩، ٥/ ٢٣٩، وباب اليوم الذب يستحب السفر فيه، الحديث رقم ٧٨٧٦، ٥/ ٢٤٣. وجميعها مختصرة.
(٦) مصنف عبد الرزاق / كتاب المغازي، حديث الثلاثة الذين خلفوا، الحديث رقم ٩٧٤٤، ٥/ ٣٩٧.
(٧) صحيح ابن حبان: كتاب الزكاة، باب صداقة التطوع، الحديث رقم ٣٣٧٠، ٨/ ١٥٥.
(٨) المعجم الكبير: باب الكاف، كعب بن مالك الأنصاري عقبي يكنى أبا عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن، الحديث رقم ٩١، ١٩/ ٤٦.
[ ٣٦٩ ]
٥٣ - كتاب التوبة
باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف
حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد (قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا) عبد الرزاق، أخبرنا معمر والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع قال يونس ومعمر جميعا: عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي - ﷺ - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكلهم، حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله - ﷺ - وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل هودجي، وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فادلج فأصبح عند منزلي فرأى
[ ٣٧٠ ]
سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله - ﷺ - فيسلم، ثم يقول: ﴿كيف تيكم﴾؟ فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلا قد شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي فدخل علي رسول الله - ﷺ - فسلم، ثم قال: ﴿كيف تيكم﴾؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله - ﷺ - فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا. قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله - ﷺ - بالذي يعلم من براءة أهله
[ ٣٧١ ]
وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: ﴿أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة﴾؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت: فقال رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر: ﴿يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي﴾، فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان في الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله - ﷺ - فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله - ﷺ - حين جلس، ثم قال: ﴿أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تابَ الله عليه﴾ قالت: فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله
[ ٣٧٢ ]
- ﷺ - فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ - فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ - فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ - فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقونني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله - ﷿ - في بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
قالت فوالله ما رام رسول الله - ﷺ - مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله - ﷿ - على نبيه - ﷺ - فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت: فلما سري عن رسول الله - ﷺ - وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: ﴿أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك﴾ فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي قالت: فأنزل الله - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عشر آيات، فأنزل الله - ﷿ - هؤلاء الآيات براءتي قالت: فقال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله - ﷿ - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
[ ٣٧٣ ]
قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله، فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله - ﷺ - سأل زينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - عن أمري ما علمت؟ أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - ﷺ - فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت حجش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. وقال: في حديث يونس احتملته الحمية ٤/ ٢١٢٩.
ــ
الحديث فيه خلافان:
الأول:
قال القاضي عياض: "وفي حديث الإفك في البرية بغير شك، وفي كتاب مسلم: في التنزه من غير شك لكن في رواية ابن ماهان في التبرز وهو صحيح المعنى" (١).
فرواية ابن سفيان التنزه، "والنزه: مكانٌ نزةٌ نزيه، نَزُهَ نزاهة: إذا خرج إلى البساتين .. ونَزَهْتُ الإبلَ باعدتها عن الماء، وتنزهوا بحرمكم أي اطلبوا لها مكانًا نزيهًا أي خلاءً" (٢).
قال ابن سيده: "التنزه التباعد، والاسم النُزْهَةُ، ومكان نزه ونزيه، وقد نَزِه نزاهة، ونزاهية وارض نزهة ونزِهة بعيدة عذبة نائية عن الانداء والمياه والغمق" (٣).
وقولها "في التنزه" أي كانوا يذهبون إلى الغائط بعيدًا عن مكانهم.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٨٦.
(٢) المحيط في اللغة ١/ ٢٩٥.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم ٢/ ١٦٩.
[ ٣٧٤ ]
ــ
ورواية ابن ماهان التبرز هو ارتياد الغائط، قال الأزهري: "وكان الرجل إذا ارتاد غائطًا من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه، "وهو الحدث" (١).
فيكون المعنى صحيحًا أي إذا أرادوا الغائط ذهبوا بعيدًا، وممن رواه كما رواه مسلم عند المغاربة: البخاري (٢)، والنسائي (٣)، وابن حبان (٤)، والطبراني (٥)، والبيهقي (٦).
الثاني:
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث الإفك في كتاب الشهادات: "ولكن اجتهلته الحمية"، كذا هو هاهنا في نسخ من البخاري بالهاء والجيم، ووقع عند أكثر الرواة وفي غير هذا الموضع منه: "احتملته الحمية" بالحاء المهملة والميم، وهي روايتنا عن شيوخنا، وذكره مسلم في حديث صالح "احتملته"، وفي حديث فليح "اجتهلته"، وكذا ذكره في رواية يونس احتملته بالميم، كذا لشيوخنا، وفي بعض النسخ هنا اجتهلته، وكذلك في رواية معمر عن الزهري في الحديث الطويل اجتهلته، وعند ابن ماهان احتملته، وصوب الوقشي "اجتهلته"، وكلاهما صواب فمعنى احتملته: أي اغضبته يقال إذا غضب قال يعقوب ومعنى اجتهلته مثله، وقد قال ابن المبارك في تفسير الحديث: من استجهل مؤمنا فعليه إثمه يقول من حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه، وقد يكون من الجهل الذي هو ضد العلم أي حملته
_________________
(١) تهذيب اللغة ٣/ ٩١، وينظر لسان العرب ٧/ ٣٦٤، وغيرها.
(٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة النور، الحديث رقم ٤٤٧٣، ٤/ ١٧٧٤.
(٣) سنن النسائي الكبرى: كتاب التفسير، سورة النور، الحديث رقم ١١٣٦٠، ٦/ ٤١٥.
(٤) صحيح ابن حبان: كتاب النكاح، باب القسم، الحديث رقم ٤٢١٢، ١٠/ ١٣، وينظر الحديث رقم ٧٠٩٩، ١٦/ ١٣ منه.
(٥) المعجم الكبير: ذكر أزواج رسول الله - ﷺ - منهن عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي - ﷺ - ، الحديث رقم ١٣٣، ٢٣/ ٥٠، والحديث رقم ١٣٤، ٢٣/ ٥٠، والحديث رقم ١٣٥، ٢٣/ ٦٩، والحديث رقم ١٤٢، ٢٣/ ٨٣، والحديث رقم ١٤٣، ٢٣/ ٨٧.
(٦) دلائل النبوة: باب حديث الإفك، الحديث رقم ١٤١٣، ٤/ ١٢٤.
[ ٣٧٥ ]
ــ
على ما قاله من قول الجاهلين وصيرته مثلهم كما قيل في المثل: نزو الفرار استجهل الفرار حمله على النزو وفعل ما لا يعقل مثل فعله ومنه في الصوم "فلا يرفث ولا يجهل" أي لا يقل قول أهل الجهل من سفه الكلام ورفثه" (١).
قال الخليل: "الجهل نفيض العلم تقول: جهل فلان حقه، وجهل عليّ وجهل بهذا الأمر، والجهالة ان تفعل فعلًا بغير علم" (٢).
وقال الرازي: "وتجاهل أرى نفسه ذلك وليس به، واستجهله عدّه جاهلًا واستخفه أيضًا، والتجهيل: النسبة إلى الجهل" (٣).
وقال الصاحب بن عباد: "احتمل الرجل: غَضِبَ، واحتمل لونه وامتقَع: واحدٌ" (٤).
وجعل ابن سيده: الغضب إذا كان الفعل (احتمل) مضموم التاء.
نقلها احتملته أو اجتهلته: غضب بسرعة دون التأني (٥).
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن ماهان: البخاري (٦).
وممن رواه كما رواه مسلم عند المشارقة: أبو يعلى (٧)، والإمام احمد (٨)، وإسحاق بن راهويه (٩)، والطبراني (١٠).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٦٢ و١٦٣.
(٢) كتاب العين ٣/ ٣٩٠.
(٣) مختار الصحاح ١/ ١١٩.
(٤) المحيط في اللغة ١/ ٢٣٠.
(٥) المحكم والمحيط الأعظم.
(٦) صحيح البخاري: كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، الحديث رقم ٢٥١٨، ٢/ ٩٤٢.
(٧) مسند أبي يعلى: مسند عائشة، تابع مسند عائشة - ﵂ -، الحديث رقم ٤٩٢٧، ٨/ ٣٢٢.
(٨) مسند الإمام احمد بن حنبل: مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة - ﵂ -، الحديث رقم ٢٥٦٦٤، ٦/ ١٩٤، والحديث رقم ٢٥٦٦٥، ٦/ ١٩٧.
(٩) مسند إسحاق بن راهويه: ما يروى هن سعيد بن المسيب، عن عائشة - ﵂ -، عن النبي - ﷺ -، الحديث رقم ١١٠٤، ٣/ ٥١٦.
(١٠) المعجم الكبير: قصة الإفك وما انزل الله من براءتها، الحديث رقم ١٣٣، ٢٣/ ٥٠.
[ ٣٧٦ ]
٥٤ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب (يعني ابن عبد الرحمن القاري)، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمثله غير أنه قال: ﴿تكر في هذه مرة وفي هذه مرة﴾ ٤/ ٢١٤٦.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله في حديث المنافق "يكبن في هذه مرة وفي هذه مرة" كذا في حديث قتيبة من رواية ابن ماهان من طريق الهوزني بكاف ساكنة وباء مرفوعة وآخره نون، وعند العذري يكر آخره راء وكاف مكسورة وعند الفارسي يكير بزيادة ياء ورواه بعضهم يكون والأوجه رواية ابن ماهان أي يسير سيرًا خفيفًا لينا، قال صاحب العين: الكبن عدو لين وقد كبن يكبن كبونا ورواية العذري أيضًا صحيحة بمعناه يقال كر على الشيء وعليه عطف عليه وكر عنه والكسر في مستقبله على الأصل في المضاعف الذي لا يتعدى وأما رواية الفارسي فلها وجه أيضًا بمعناه قال صاحب الأفعال: كار الفرس إذا جرى رافعًا ذنبه" (١).
فقوله تكر في رواية ابن سفيان: أي يجري مرة هنا ومرة هنا قال ابن منظور: "الكيار رفع الفرس ذنبه في حُضْره والكِيرِّ الفرس إذا فعل ذلك .. وهما يتكايران بالياء وفي حديث المنافق يكير في هذه مرة وفي هذه مرة أي يجري يقال: كار الفرسُ يكير إذا جرى رافعًا ذنبه ويروى يكبن" (٢).
ورواية ابن ماهان: يكبن أيضًا بمعناه قال الفيروز آبادي: "كَبَنَ الفرسُ يكبنُ كَبْنًا وكبونًا: عدا في استرسال اقَصِّرَ في عدوه" (٣).
وفي تاج العروس من جواهر القاموس (٤): "كَبَنَ الفرسُ يكبن كبنًا وكبونًا عدا في استرسال اقصر في عدوه، وقال الأزهري الكبن في العدو: ان لا يجهد نفسه ويكف بعض عدوه وكبن الرجل كبونًا وكبنًا لين عدوه، وفي حديث المنافق يكبن =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٣٤.
(٢) لسان العرب ٥/ ١٥٤.
(٣) القاموس المحيط ١/ ١٥٨٣.
(٤) ١/ ٨١٤٨.
[ ٣٧٧ ]
٥٥ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
باب مثل المؤمن مثل النخلة
حدثني محمد بن عبيد الغبري، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الخليل الضبعي، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - يوما لأصحابه: ﴿أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن﴾، فجعل القوم يذكرون شجرا من شجر البوادي، قال ابن عمر: وألقي في نفسي أو روعي أنها النخلة، فجعلت أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم، فأهاب أن أتكلم، فلما سكتوا قال رسول الله - ﷺ -: ﴿هي النخلة﴾ ٤/ ٢١٦٤*.
ــ
= في هذه مرة وفي هذه مرة أي يعدو".
وذكر ابن الأثير الوجهين فقال في يكبن: "أي يعدو، ويقال: كبن يكبن كبنونًا إذا عدا عدوًا لينًا، وقال في يكير: أي يجري يقال: كار الفرس يكرُّ إذا جرى رافعًا ذنبه ويروى يكبن" (١).
الخلاصة: فما روي عند غير ابن ماهان فهو من باب جواز رواية الحديث بالمعنى.
* قال القاضي عياض: "في حديث مثل المؤمن كمثل النخلة قول ابن عمر "وأرى أسنان القوم"، كذا لابن ماهان ولغيره فإذا، والأول الصواب" (٢).
وقال أيضًا (٣): "وارى أسنان القوم فأهابه" يريد المشيخة ذوي الأسنان، أي الأعمار، كذا لابن ماهان، وعند الجلودي: "فإذا أسنان القوم" والأول أليق الكلام، فيه توفير الأكابر وإلا بتقدم الصغير بين أيديهم بالكلام كما قال - ﵇ -: "كبر كبر"، و"الكبر الكبر".
فرواية ابن ماهان أرى أسنان القوم وجعلها القاضي اصح الروايتين بمعنى أبصرهم قال الزمخشري: "رايته بمعنى أبصرته وكذلك أريت الشيء بمعنى
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٢٤٩ و٤٠٧.
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢٦.
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٨/ ٣٤٨.
[ ٣٧٨ ]
ــ
بصرته، ومنه قوله - ﷿ -: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] " (١)
ورواية المشارقة: "فإذا أسنان القوم"، فهي إذا الفجائية المختصة بالأسماء وما بعدها واجب الرفع، كقولك: خرجت فإذا زيدٌ يضرُبُه عمرو (٢).
وأراد بقوله فإذا أسنان القوم، انه تفاجأ بحضورهم فلم يتكلم فيكون سياق الجملة واضح المعنى ومسار الرواية لا اختلال فيه، لكن من رواه أرى أسنان القوم نصب أسنان على المفعولية، ومن رواه فإذا أسنانُ القوم، رفع أسنان على الابتداء والله اعلم.
الخلاصة: فهو من باب جواز الرواية بالمعنى.
وممن رواه كما في رواية ابن ماهان: ابن منده (٣)، وافرد ابن سفيان بلفظ "فإذا أسنان القوم" وهي رواية المشارقة.
_________________
(١) المفصل في صنعة الإعراب: (تأليف: الزمخشري أبي القاسم محمود بن عمر جار الله الخوارزمي ت ٥٣٨هـ)، تحقيق: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال - بيروت، ط١، ١٩٩٣، ١/ ٣٤٦.
(٢) ينظر شرح قطر الندى وبل الصدى: (تأليف: ابن هشام أبو محمد عبد الله جمال الدين الأنصاري ت٧٦١هـ)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة، ط١١، ١٣٨٣هـ، ١/ ٩٣، ١٩٦. وشرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: (تأليف: ابن هشام أبو محمد عبد الله جمال الدين الأنصاري ت٧٦١هـ)، تحقيق: عبد الغني الدقر، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، ط١، ١٩٨٤، ١/ ٥٤٨.
(٣) كتاب الإيمان، باب ذكر المثل الذي ضربه الله والنبي - ﷺ - للمؤمن، الحديث رقم ١٨٨.
[ ٣٧٩ ]
٥٦ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها﴾ ٤/ ٢١٦٢.
ــ
قال القاضي عياض: "وقوله وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل كذا لهم ولابن ماهان فيعطى بحساب" (١).
فرواية ابن ماهان عامة بمجازاته في الدنيا بكل أصناف الحياة ورواية ابن سفيان وكلا المعنيين يدلان على ان الكافر يعجل له في فعله للخير في الدنيا ولا يدخر له شيء في الآخرة.
وتفرد الإمام مسلم بهذا الحديث.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٢١٣.
[ ٣٨٠ ]
٥٧ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض
حدثنا أبو الربيع العتكي، وقتيبة بن سعيد كلاهما، عن حماد بن زيد (واللفظ لقتيبة)، حدثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاَ ويسبي بعضهم بعضا﴾ ٤/ ٢٢١٥.
ــ
قال القاضي عياض: "قوله لو اجتمع عليهم من بين أقطارها، بفتح الميم وعن ابن ماهان: مِنْ أقطارها" (١)، فرواية الأولى مروية على اللفظ، ورواية ابن ماهان مقاربة ودلت على معنى واحد وهو من يجتمع من أطراف الأرض".
ورواية ابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣) الحديث " من أقطارها أو من بين أقطارها" بدون باء في الأولى وهي على المعنى أيضًا.
ورواه الحاكم (٤) "مَنْ بأقطارها حتى يكون بعضهم "، وكذلك أبو نعيم (٥).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ٣٨٢.
(٢) صحيح ابن خزيمة: ذكر سؤال المصطفى - ﷺ - ربه جل وعلى لامته بان لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، الحديث رقم ٧٣٦١، ٣٠/ ٦.
(٣) صحيح ابن حبان: كتاب إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم - ﵃ -، ذكر سؤال المصطفى - ﷺ - ربه جل وعلا لامته بأن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم، الحديث رقم ٧٣٦١، ٣٠/ ٦.
(٤) المستدرك على الصحيحين: كتاب معرفة الصحابة - ﵃ - ..، كتاب الفتن والملاحم، الحديث رقم ٤/ ٤٩٦.
(٥) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: عبد الله بن زيد الحضرمي، الحديث غير مرقم، ٢/ ٢٨٩.
[ ٣٨١ ]
ــ
وممن رواه كما رواه مسلم عند ابن سفيان: الترمذي (١)، أبو داود (٢)، وابن ماجة (٣) لكنه بلفظ مختلف في غير هذا الموضع، وللإمام احمد (٤) تقديم وتأخير، وللطبري (٥)، والبيهقي (٦) أيضًا رواية لموضع واحد.
وجمع الروايتين ابن أبي شيبة (٧).
_________________
(١) سنن الترمذي: كتاب الفتن عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في سؤال النبي - ﷺ - ثلاثًا في أمته، الحديث رقم ٢١٠٢، ٨/ ٨٦.
(٢) سنن أبي داود: كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، الحديث رقم ٤٢٥٢.
(٣) سنن ابن ماجة: كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن، الحديث رقم ٣٩٥٢، ٢/ ١٣٠٤.
(٤) مسند الإمام احمد بن حنبل: باقي مسند الأنصار، من حديث ثوبان - ﵁ -، الحديث رقم ٢٢٤٤٨، ٥/ ٢٧٨، والحديث رقم ٢٢٥٠٥، ٥/ ٢٨٤.
(٥) المعجم الأوسط: من بقية من أول اسمه ميم من اسمه موسى، الحديث رقم ٨٣٩٧، ٨/ ٢٠٠.
(٦) سنن البيهقي الكبرى: كتاب السير، باب إظهار دين النبي - ﷺ - على الأديان، الحديث رقم ١٨٣٩٨، ٩/ ١٨١.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الفضائل، باب ما أعطى الله تعالى محمدًا - ﷺ -، الحديث رقم ٣١٦٩٤، ٦/ ٣١١.
[ ٣٨٢ ]
٥٨ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر كلاهما، عن ابن علية (واللفظ لابن حجر)، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجيري ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام قلت الروم تعني؟ قال: نعم وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة - إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها - حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله - ﷺ -: ﴿إني لأعرف أسمائهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ﴾.
قال ابن أبي شيبة في روايته، عن أسير بن جابر ٤/ ٢٢٢٣.
[ ٣٨٣ ]
ــ
قال القاضي عياض: "وفي الملاحم ويجتمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام، كذا للسجزي والسمرقندي، وعند ابن ماهان: الشام في الأول والإسلام في الآخر، وعند العذري فيهما أهل الشام والإسلام فيهما وهو أشبه" (١).
ففي رواية ابن ماهان خصصت أهل الشام من المسلمين، وهذا يجوز فيمن سكن الشام منهم ان ينسب إليهم، ومثل ذلك ترجم المحدِّثون في المسانيد وغيرها عناوين منها على سبيل المثال لا الحصر مسند الشاميين أو مسند البصريين للدلالة على وجود الحديث عند هؤلاء المحدثين ممن سكن الشام أو سكن البصرة منهم، وليس مشهورًا في مكان آخر، ورواية ابن سفيان عامة في المسلمين دون تحديد المكان أو الموضع.
وروى أبو يعلى (٢)، والحاكم (٣) الحديث " وقال: عدو يجتمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام - ونحى بيده إلى الشام - "
الخلاصة: رواية ابن ماهان خاصة ورواية ابن سفيان عامة فكلاهما تصح به الرواية.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٢١٩.
(٢) مسند أبي يعلى: مسند عبد الله بن مسعود، الحديث رقم ٥٣٨١، ٩/ ٢٥٩.
(٣) المستدرك على الصحيحين: كتاب الفتن والملاحم، الحديث رقم ٨٤٧١، ٤/ ٥٢٣.
[ ٣٨٤ ]
٥٩ - كتاب الزهد والرقائق
باب في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل
حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلا فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي فقال لي: أبي احمله، فحملته وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله - ﷺ - قال: نعم، أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحد حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي - ﷺ - في ظلها ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنم مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت؟ يا غلام فقال: لرجل من أهل المدينة قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، (قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض)، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن قال: ومعي إدواة أرتوي فيها للنبي - ﷺ - ليشرب منها ويتوضأ قال: فأتيت النبي - ﷺ - وكرهت أن أوقظه من نومه فوافقته، استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن قال: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ﴿ألم يأن للرحيل﴾؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك قال: ونحن في جلد من الأرض فقلت: يا رسول الله أتينا. فقال: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فدعا عليه رسول الله - ﷺ - فارتطمت فرسه إلى بطنها أرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجى، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا فلا يلقى أحدا إلا رده قال: ووفى لنا ٤/ ٢٣٠٨.
[ ٣٨٥ ]
ــ
قال القاضي عياض: "وفي الهجرة قوله "فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله" كذا هو الصواب، وفي رواية ابن ماهان: فصببت من اللبن على الماء فقدم وأخر، وهو وهم" (١).
وهذا الذي ذكره القاضي عياض تؤيده رواية البخاري (٢)، وابن الجعد (٣).
الخلاصة: فالوهم في رواية ابن ماهان.
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٣٧٨.
(٢) صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث رقم ٣٤١٩، ٣/ ١٣٢٣.
(٣) مسند ابن الجعد: الجزء العاشر، من حديث أبي الحسن علي بن جعد بن عبيد الجوهري، من حديث أبي خيثمة زهير بن معاوية بن جريج الجعفي، الحديث رقم ٢٥٧٤، ١/ ٣٧٦.
[ ٣٨٦ ]
٦٠ - كتاب التفسير
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب (واللفظ لأبي بكر) قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة] نعلم اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فقال عمر: فقد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والساعة، وأين رسول الله - - ﷺ - - حين نزلت، نزلت ليلة جمع، ونحن مع رسول الله - - ﷺ - - بعرفات ٤/ ٢٣١٢.
ــ
قال القاضي عياض: "في التفسير في كتاب مسلم في نزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، في حديث ابن أبي شيبة:"نزلت ليلة جمعة ونحن بعرفات"، كذا لابن ماهان، ولغيره:"ليلة جمع"، والأول أوجه؛ لموافقة سائر الأحاديث" (١).
وقال الإمام النووي: "قَوْله: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، إِنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَة جَمْع، وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ)، هَكَذَا هُوَ النُّسَخ، الرِّوَايَة: (لَيْلَة جَمْع)، وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ: (لَيْلَة جُمْعَة)، وَكِلَاهُمَا صَحِيح. فَمَنْ رَوَى (لَيْلَة جَمْع)، فَهِيَ لَيْلَة الْمُزْدَلِفَة، وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (وَنَحْنُ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْم جُمْعَة)؛ لِأَنَّ لَيْلَة جَمْع هِيَ عَشِيَّة يَوْم عَرَفَات، وَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (لَيْلَة جُمْعَة) يَوْم جُمْعَة، وَمُرَاد عُمَر - - ﵁ - - إِنَّا قَدْ اِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم جُمْعَة، وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عِيد لِأَهْلِ الْإِسْلَام" (٢).
وذكر موضع الاختلاف هذا الإمام السيوطي أيضًا (٣).
وسواء أكان يوم جمعة أو يوم جمع، فكلاهما صحيح لموافقة ذلك اليوم =
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ١/ ١٥٥.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ٣٩٤.
(٣) ٣) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ٦/ ٣٢٣.
[ ٣٨٧ ]
٦١ - كتاب التفسير
حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها فقال: لقد أنزلت آخر ما أنزل، ثم ما نسخها شئ ٤/ ٢٣١٧*.
ــ
= حجًا أكبرًا، فكان العيد عيدين عليهم، قال ابن عباس: "فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة" (١). والله أعلم.
وممن رواه - كما رواه مسلم عند ابن ماهان - الطبري (٢)، وساق عدة روايات.
* قال القاضي عياض: "وقوله في الحديث: "فرحلت إلى ابن عباس"، هذا هو الصواب بالراء والحاء المهملة، وعند ابن ماهان: "فدخلت" بالدال والخاء المعجمة" (٣).
قال الإمام النووي: - "قَوْله: (فَرَحَلْت إِلَى اِبْن عَبَّاس)، هُوَ بِالرَّاءِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات، وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ: (فَدَخَلْت) بِالدَّالِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، وَيُمْكِن تَصْحِيحه بِأَنْ يَكُون مَعْنَاهُ دَخَلْت بَعْد رِحْلَتِي إِلَيْهِ" (٤).
فرواية ابن ماهان تتكلم عن الدخول، ورواية ابن سفيان تتكلم عن الرحلة، ورواية ابن ماهان أيدتها رواية الطبراني (٥)، وأيدت رواية النسائي (٦) ما عند ابن سفيان.
فيتبين صواب كلا الروايتين، والله أعلم.
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: سورة المائدة ذكر من قال نزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع، ٢/ ٨٦.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٨/ ٥٨٤.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ٤٠٠.
(٥) المعجم الكبير: باب العين، أحاديث عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف يكنى أبا العباس ومن أخباره ووفاته ﵄، الحديث رقم ١٢٣١٥، ١٢/ ١٠.
(٦) السنن الكبرى: كتاب القسامة، تضمين المتطيب، الحديث رقم ٧٠٧٠،٤/ ٢٤٩.
[ ٣٨٨ ]