بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره علي الدين كله وكفى بالله شهيدًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإِحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله تعالى قد منَّ على عباده بإرسال محمد ﵊، وإنزال القرآن الكريم عليه، وإيتائه السنّة التي هي صنو القرآن الكريم من حيث حجيتها ومنزلتها في التشريع ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فالكتاب هو القرآن العظيم، والحكمة هي السنَّة النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم.
[ ٣ ]
وقد فرض الله على الناس الأخذ بما جاء به محمد ﵊ من السنَّة، وبيَّن أنها قسم من الوحي وجزء منه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]
فالسنَّة النبوية هي قسيمة القرآن تندرج معه في الوحي الإلهي، وهي تبينه وتوضحه، والأخذ بها سبب للاهتداء كما يدل لهذا قول الله ﷿ ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] فمن كان نصيبه من طاعة النبي ﵊ والأخذ بسنَّته والاستمساك بها أكمل كان حظه من الاهتداء أتمَّ، وعكسه بعكسه، فإن الإنسان يفوته من الاهتداء بقدر ما فاته من السنَّة علمًا وعملا.
ومن تمام نصح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
[ ٤ ]
لأمته وحرصه عليهم ومحبته الخير لهم أوصاهم بسنّته، وحثهم عليها، وأمرهم بالأخذ بها، كما في قوله ﵊ لأصحابه ﷺ: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تَأمَّرَ عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثَات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» . . [رواه الإمام أحمد في المسند (٤ / ١٢٦)، والترمذي في كتاب العلم (٢٦٠٠)، والدارمي في المقدمة (٩٥)] .
ومن دلائل نبوته ﵊ إخباره بما يكون من الدعوة إلى ترك سنَّته والاكتفاء بالقرآن، وتحذيره ممن يدعو إلى ذلك، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» [رواه أبو داود في كتاب السنَّة (٣٩٨٨)] .
[ ٥ ]
وقد وقع مصداق ما أخبر به ﵊ فوجد قديما وحديثًا من يدعو إلى الاقتصار على القرآن، ويقلل من شأن السنّة وأهميتها، ويطعن في نقلها وحملتها وعلمائها وأهلها.
ومن حفظ الله لدينه وفضله على عباده أن هيأ لسنَّة نبيه ﷺ من يحفظها وينقلها ويعلّمها وينافح عنها وينفي عنها الدخيل، ويدحض شبهات المبطلين ويفندها.
وهذا الكتاب إسهام كريم من العلامة الكبير الشيخ / عبد الرزّاق عفيفي في نصرة السنَّة النبويَّة، كتبه قديما في تفنيد شبهات أعدائها وخصومها، فرحمه الله رحمة واسعة ورفع درجاته وأعلى منزلته.
ويأتي نشر هذا الكتاب قيامًا من الوزارة ببعض الواجب في نصرة السنَّة والذَّب عنها والذود عن حياضها، وإسهامًا منها في دحض ما يروّجه المبطلون وتفنيد ما يزعمونه، ونصحًا للمسلمين، وامتدادًا لجهود المملكة
[ ٦ ]
العربية السعودية في نصرة الإسلام والعناية بمصدريه العظيمين القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة اللذين منهما تستمد المملكة دستورها ومنهاجها.
والله المسؤول أن ينفع بهذا الكتاب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى اَله وصحبه وسلَّم.
وكالة المطبوعات والبحث العلمي
[ ٧ ]