٥٥٩ - وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ فِي كِتْبَةِ الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ
٥٦٠ - عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ لِقَوْلِهِ: «اكْتُبُوْا» وَكَتْبِ السَّهْمِيْ
(وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ فِي كِتْبَةِ الْحَدِيْثِ) فكرهه بعضهم لقوله ﵇: «لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن» (١) وجَوَّزَهُ بعضُهم، (وَالإِجْمَاعُ [٢٨ - ب] عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ) أي: وزال ذلك الخلاف؛ (لِقَوْلِهِ:) ﵇: (اكْتُبُوْا) لأبي شاة (٢)، (وَكَتْبِ السَّهْمِيْ) وهو عبد الله بن عمرو السهمي فإنه قال: كنت أَكْتُبُ كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وفيه أنه ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال له: «اكتب» (٣)، وفي حديث أبي هريرة: «ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثًا عنه مني إلَّا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يَكْتُب ولا أَكْتُب» (٤)، وكان النهي أولًا لخوف اختلاطه بالقرآن.
٥٦١ - وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ
٥٦٢ - وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (ج٣٠٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (ج١١٢) ومسلم (ج١٣٥٥).
(٣) أخرجه أبو داود (ج٣٦٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (ج١١٣).
[ ٢٢٤ ]
٥٦٣ - وَلْيَكُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ تَقْطِيْعِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ
(وَيَنْبَغِي) لطالب العلم (إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ، وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ) أي: أن يضبط كتابه بالنقط والشكل في الملتبس، ولا حاجة إليه مع عدم الإشكال. (وَقِيْلَ) ينبغي شَكْلُ (كُلِّهِ) قاله القاضي عياض، لا سيما (لِذِي ابْتِدَاءِ) فإنه لا يُميز ما يُشكل مما لا يُشكل.
(وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ) برسم ذلك الحرف المشكِل (وَلْيَكُ) رسمه (فِي الأَصْلِ، وَفِي الْهَامِشِ) أي: مفردًا في حاشية الكتاب قُبَالَة الحرف بإهماله أو نقطه (مَعْ تَقْطِيعِهِ الْحُرُوْفَ) أي: حروف الكلمة المشكلة التي تُكْتَبُ في هامش الكتاب، (فَهْوَ أَنْفَعْ)؛ لأنه يُظهر شكلَ الحرف بكتابته مفردًا في بعض الحروف كالنون والياء.
٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ إِلاَّ لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلاَ
٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا شَرُّ الْقِرَاءَةِ إذا مَا هَذْرَمَا
(وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ)؛ لأنه لا يَنْتَفِع به ضعيفُ النظر، وربما ضَعُفَ نظرُ كاتبِه بعدَ ذلك، (إِلاَّ لِضِيْقِ رَقٍّ) بأن ضاق الورق الذي يكتُبُ فيه، (أَوْ لِرَحَّالٍ) في طلب العلم يُريد حَمْلَ كتبه معه فتكون خفيفة الحمل، (فَلاَ) يُكره.
(وَشَرُّهُ) أي: الخط (التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ) وهو سرعة الكتابة.
(كَمَا شَرُّ الْقِرَاءَةِ إذا مَا هَذْرَمَا) الهَذْرَمَة: السُّرعة في القراءة، روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «شر الكتابة المشْق، وشر القراءة الهذْرمة، وأجود الخط أبينه».
[ ٢٢٥ ]
٥٦٦ - وَيُنْقَطُ الْمُهْمَلُ لاَ الْحَا أَسْفَلاَ أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ تَحْتُ مَثَلاَ
٥٦٧ - أَوْ فَوْقَهُ قُلاَمَةً، أَقْوَالُ وَالْبَعْضُ نَقْطَ الِسّيْنِ صَفًّا قالَوْا
٥٦٨ - وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَلِ
(وَيُنْقَطُ) الحرف (الْمُهْمَلُ لاَ الْحَا أَسْفَلاَ) بأن يَقْلِبَ النَّقْط الذي فوق المعجمات تحت ما يُشاكِلُهَا من المهملات، أما لو فعل ذلك بالحاء (١) لاشتبهت بالجيم.
(أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ) المهمَل بعينِهِ منفردًا صغيرًا (تَحْتُ مَثَلاَ) أي: تحت الحرف الذي يشار إلى إهماله، (أو) أن يُجعل (فَوْقَهُ) أي: فوق المهمل (قُلاَمَةً) أي: صورة هلال كَقُلامة الظفر مضطجعة على قفاها فهذه (أَقْوَالُ) في كيفية ضبط المهمل.
واختلفوا في كيفية نقط السين المهملة من تحت فقال بعضهم هو كصورة النقط من فوق (وَالْبَعْضُ [٢٩ - أ] نَقْطَ الِسّيْنِ صَفًّا قالَوْا).
(وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ) خطًا صغيرًا، (وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَلِ) أي: يجعل تحت المهمل مثل الهمزة.
٥٦٩ - وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا
ومَنْ سَمِعَ الكتاب من طُرُق فيبين اختلاف الروايات، ويُبين عند ذكرِ كل رواية منها اسمَ راويها، (وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ) يدُل عليه كحرف أو حرفين من اسمه (مَيَّزَا مُرَادَهُ) بتلك العلامات في أَوَّل كتابه أو آخره، (وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ
_________________
(١) في الأصل: بها. خطأ.
[ ٢٢٦ ]
يَرْمِزَا) بل يأتي باسمه كاملًا فإنه أدفع للإلباس.
٥٧٠ - وَتَنْبَغِي الدَّارَةُ فَصْلًا وَارْتَضَى إِغْفَالَهَا الْخَطِيْبُ حَتَّى يُعْرَضَا
(وَتَنْبَغِي) أن يجعل (الدَّارَةُ فَصْلًا) بين كل حديثين لِتُمَيِّزَ بينهما، (وَارْتَضَى إِغْفَالَهَا الْخَطِيْبُ) (١) أي: أن تكون الدَّارات غفلًا (حَتَّى يُعْرَضَا) فكل حديث يَفْرُغُ من عرضِهِ يَنْقُطُ في الدَّارة التي تليه نقطة، أو [يَخُطُّ] (٢) خَطًّا في وسطها.
٥٧١ - وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ
(وَكَرِهُوْا) في الخط (فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ) كعبد الله بن فلان فيكتب «عبد» في آخر السطر، ويكتب في السطر الآخر اسم «الله» وبقية النسب.
٥٧٢ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ «اللهِ» وَالتَّسْلِيْمَا مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا
٥٧٣ - وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ «أَحْمَدْ»
٥٧٤ - وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرَّوَايَهْ مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ
٥٧٥ - وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمُدِيْنِيْ بَيَّضَا لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا
٥٧٦ - وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَمًا تُكْفَى
(وَاكْتُبْ ثَنَاءَ «اللهِ» وَالتَّسْلِيْمَا) عند ذكر اسمه كـ «﷿» و«﵎» (مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا)، ولا تسأم من تَكَرُّرِ ذلك، (وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ)
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»: (١/ ٢٧٣).
(٢) زيادة ألحقتها من شرح الناظم (١/ ٤٧٢) ليست في الأصل.
[ ٢٢٧ ]
أي: أصل سماعه أو أصل الشيخ، فلا تُسْقِطْهُ بل تتلفظ به وتكتبه.
(وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ «أَحْمَدْ») هو ابن حنبل (١) فيما وُجِدَ في خطه من إغفال الصلاة والتسليم، قال الخطيب (٢): خالفه غيره من المتقدمين، (وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرَّوَايَهْ) أي: (٣) لعل سببه أنه كان يرى التقييد في ذلك بالرواية، وعَزَّ عليه اتصالها في جميع من فوقه من الرواة (مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ) قال الخطيب (٤): وبلغني أنه كان يصلي على النبي ﷺ نُطقًا لا خطًا.
وعباس (الْعَنْبَرِيْ) (٥) وعلي (ابْنُ الْمُدِيْنِيْ (٦) بَيَّضَا لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا) فقالا: ما تركنا الصلاة على رسول الله ﷺ في كل حديثٍ سمعناه، وربما عَجِلْنَا فنبيض الكتاب في كل حديث حتى نرجع إليه.
(وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا) بأن تقتصر من ذلك على حرفين ونحوه كـ «صلعم» (وَالْحَذْفَا)، واكتب (صَلاَةً أَوْ سَلاَمًا تُكْفَى) فلا تحذف واحدًا من الصلاة والتسليم وتقتصر على أحدهما.
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»: (١/ ٢٧١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أي: ملحقة في الحاشية اليسرى من الأصل.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق (١/ ٢٧٢).
(٦) المصدر السابق.
[ ٢٢٨ ]
الْمُقَابَلَةُ
٥٧٧ - ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ إِجَازَةً أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ
٥٧٨ - فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ
٥٧٩ - وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا بَعْضُهُمُ هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا
٥٨٠ - وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ فِي نُسْخَةٍ وَقالَ يَحْيَى: يَجِبُ
٥٨١ - وَجَوَّزَ الأُسْتَاذُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلٍ وَلِلْخَطِيْبِ إِنْ
٥٨٢ - بَيَّنَ وَالنَّسْخُ مِنَ اصْلٍ وَلْيُزَدْ صِحَّةُ نَقْلِ نَاسِخٍ فَالشَّيْخُ قَدْ
٥٨٣ - شَرَطَهُ ثُمَّ اعْتَبِرْ مَا ذُكِرَا فِي أَصْلِ الاصْلِ لاَتَكُنْ مُهَوِّرَا
(ثُمَّ عَلَيْهِ) أي: على الطالِب (الْعَرْضُ [٢٩ - ب] بِالأَصْلِ) أي: مقابلة كتابه بكتاب شيخه الذي يرويه عنه، (ولَوْ إِجَازَةً) أي: سماعًا أو إجازة (أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ) المقابَل به أصل شيخه، (أَوْ فَرْعٍ مُقَابَلٍ) بأصل السماع المقابَلَة المشروطة.
(وَخَيْرُ الْعَرْضِ) أن يُعارِضَ كتابه (مَعْ أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ) أي: في حال تحديثه به.
(وَقِيْلَ: بَلْ) خيره أن يُعارِض (مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا بَعْضُهُمُ هَذَا) فقال: لا تصح مقابلته مع أحد غير نفسه، ولا يقلِّد غيره، (وَفِيْهِ غُلِّطَا) قال ابن الصلاح وهذا مذهب متروك.
[ ٢٢٩ ]
(وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ) أي: حالة سماعه (فِي نُسْخَةٍ وَقالَ يَحْيَى) بن معين: (يَجِبُ) (١) والصحيح أنه لا يُشترط.
(وَجَوَّزَ الأُسْتَاذُ) أبو إسحاق الإسفراييني للراوي (أَنْ يَرْوِيَ مِنْ) كتاب (غَيْرِ مُقَابَلٍ وَلِلْخَطِيْبِ (٢) إِنْ بَيَّنَ) عند الرواية أنه لم يعارِض، (وَالنَّسْخُ مِنَ اصْلٍ) أي: وشَرَطَ أن تكون نسخته نُقِلَتْ من الأصل.
(وَلْيُزَدْ) شرطٌ ثالثٌ هو (صِحَّةُ نَقْلِ نَاسِخٍ) أي: أن يكون ناسخُها صحيحَ النقل قليلَ السقط، (فَالشَّيْخُ) ابن الصلاح (٣) (قَدْ شَرَطَهُ).
(ثُمَّ اعْتَبِرْ مَا ذُكِرَا) أنه يراعيه مِنْ كتابِه (فِي أَصْلِ الاصْلِ) أي: في كتاب شيخه بالنسبة إلى من فوقَه (لاَتَكُنْ مُهَوِّرَا) التهور الوقوع في الشيء بِقِلَّةِ مبالاة، أي: لا تقرأ سماع الشيخ عليه من أي نسخة اتفقت.
_________________
(١) «الكفاية»: (٢/ ١٠٧).
(٢) «الكفاية»: (٢/ ١٠٧).
(٣) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص١٩٣).
[ ٢٣٠ ]
تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ
٥٨٤ - وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ: وَهْوَ اللَّحَقُ حَاشِيَةً إلى الْيِمَيْنِ يُلْحَقُ
٥٨٥ - مَا لَمْ يَكُنْ آخِرَ سَطْرٍ وَلْيَكُنْ لِفَوْقُ وَالسُّطُوْرُ أَعْلى فَحَسُنْ
٥٨٦ - وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ مُنْعَطِفًا لَهُ، وَقِيْلَ: صِلْ بِخَطْ
٥٨٧ - وَبَعْدَهُ اكْتُبْ صَحَّ أَوْ زِدْ رَجَعَا أَوْ كَرِّرِ الكَلِمَةَ لَمْ تَسْقُطْ مَعَا
٥٨٨ - وَفِيْهِ لَبْسٌ وَلِغَيْرِ الأَصْلِ خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلِّ
٥٨٩ - وَلِعِيَاضٍ: لاَ تُخَرِّجْ ضَبِّبِ أَوْ صَحِّحَنْ لِخَوْفِ لَبْسٍ وَأُبِي
(وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ) من أصل الكتاب (وَهْوَ اللَّحَقُ) أي: الذي يسميه أهل الحديث والكتابة: اللَّحَق (حَاشِيَةً إلى الْيِمَيْنِ يُلْحَقُ)؛ لأنه لو كُتِبَ بين السطور لَغُلِّسِ (١) ما يُقْرَأ، وكونه إلى جهة اليمين لاحتمال أن يطرأ في بقية السطر سقط آخر فَيُخَرِّج له إلى جهة اليسار فلو خَرَّجَ في الأول إلى اليسار ثم ظَهَرَ في السطر سقطٌ آخر فإن خَرَّجَ له إلى اليسار أيضًا اشتبه موضع هذا السقط بموضع هذا السقط، وإلى اليمين تقابل طرفا التخريجتين وربما التقتا للقرب فيظن أنه ضَرب، (مَا لَمْ يَكُنْ) أي: الذي سَقَطَ (آخِرَ سَطْرٍ) فإنه لا وجه إلا أن يُخَرِّجَهُ إلى الشمال لقُرب التخريج من اللَّحَق وأَمْنِ نَقْصٍ
_________________
(١) الغَلَس: ظلمة آخر الليل، والتغليس السير من الليل بغَلَس، كما في «الصحاح» مادة (غَلَس) فكأن مَنْ يفعل ذلك يُعَمِّي الأمر على القارئ فيجعله كأنما يسير في الظلام.
[ ٢٣١ ]
يَحْدُث بعده. (وَلْيَكُنْ لِفَوْقُ) إلى أعلى الورقة من أي جهة كان؛ لأنه لو كتب إلى أسفل ثم حَدَثَ سقطٌ آخر لم يجد له موضعًا يقابله بالحاشية [٣٠ - أ] خاليًا، (وَالسُّطُوْرُ أَعْلى فَحَسُنْ) أي: والأولى أن يبتدئ السطور من أعلى إلى أسفل فإن كان في جهة اليمين انقضت الكتابة إلى جهة باطن الورقة، أو الشمال إلى طرف الورقة؛ لأنه لو كَتَبَ من أسفل ربما فرغ السطر ولم يتم الساقط فلا يجد له موضعًا إلا بانتقال إلى آخر، وإن كانت الكتابة إلى أسفل بأن يكون في السقط الثاني فينعكس فيكون انتهاء الكتابة في الجانب اليمين إلى طرف الورقة واليسار إلى باطنها.
(وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ) بأن تكتبَ خطًّا موضع النقص صاعدًا إلى تحت السطر الذي فوقه (مُنْعَطِفًا لَهُ) إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافًا يُشير إليه، (وَقِيْلَ: صِلْ بِخَطْ) أي: وقال ابن خلاد: يخرج من موضعه حتى يلحق به طرف الحرف المبتدَأ به من الكلمة الساقطة في الحاشية، (وَبَعْدَهُ) أي: بعد انتهاء كتابة الساقط (اكْتُبْ صَحَّ، أَوْ زِدْ رَجَعَا) أي: وبعضهم يَكْتُب بعد التصحيح: رَجَعَ.
(أَوْ كَرِّرِ الكَلِمَةَ لَمْ تَسْقُطْ) في الأصل بل سقط ما قبلها بأن تكتبها في الطرف الثاني (مَعَا) ليدُلَّ أن الكلام قد انتظم، (وَفِيْهِ لَبْسٌ) فإنَّ الكلمة قد تكون مكررة في الكلام.
(وَلِغَيْرِ الأَصْلِ) مما يُكْتَبُ في حاشية الكتاب من شرح، أو تنبيهٍ على غلطٍ، أو نسخةٍ، أو نحوه (خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلِّ) أي: على نفس الكلمة
[ ٢٣٢ ]
التي من أجلها كتبت الحاشية لا بين الكلمتين، (وَلِعِيَاضٍ: لاَ تُخَرِّجْ) ولكن (ضَبِّبِ أَوْ صَحِّحَنْ) أي: اجعل على الحرف كالضَّبَّة أو التصحيح ليدلَّ عليه، وسيأتي بيانهما، (لِخَوْفِ لَبْسٍ) أي: فإن التخريج يُلْبِس بأن يُحْسَبَ من الأصل، (وَأُبِي) فقال ابن الصلاح (١): التخريج من وسطها أولى وأدل.
_________________
(١) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص١٩٦).
[ ٢٣٣ ]
التَّصْحِيْحُ والتَّمْرِيْضُ، وَهو التَّضْبِيْبُ
٥٩٠ - وَكَتَبُوْا «صَحَّ» عَلى الْمُعَرَّضِ لِلشَّكِّ إِنْ نَقْلًا وَمَعْنًى ارْتُضِي
٥٩١ - وَمَرَّضُوْا فَضَبَّبُوْا «صَادًا» تُمَدّْ فَوْقَ الذَّيِ صَحَّ وُرُوْدًا وَفَسَدْ
٥٩٢ - وَضَبَّبُوْا فِي الْقَطْعِ وَالإِرْسَالِ وَبَعْضُهُمْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالي
٥٩٣ - يَكْتُبُ صَادًا عِنْدَ عَطْفِ الأَسْمَا تُوْهِمُ تَضْبِيْبًا، كَذَاكَ إِذ مَا
٥٩٤ - يَخْتَصِرُ التَّصْحِيْحَ بَعْضٌ يُوْهِمُ وَإِنَّمَا يَمِيْزُهُ مَنْ يَفْهَمُ
(وَكَتَبُوْا «صَحَّ» عَلى الْمُعَرَّضِ لِلشَّكِّ) أي: التصحيح كتابة «صَحَّ» على الحرف الذي يشار إلى صحته بعدما كان عُرْضَةً للشكِّ أو الخلاف، (إِنْ نَقْلًا وَمَعْنًى ارْتُضِي) أي: إن صَحَّ روايةً ومعنى ليُعلم أنه لم يُغفل عنه، وأنه قد ضُبِطَ وصَحَّ على هذا الوجه.
(وَمَرَّضُوْا فَضَبَّبُوْا «صَادًا» تُمَدّْ) أي: والتمريض والتضبيب كتابة صورة (صـ) من (فَوْقَ) الحرف (الذَّيِ صَحَّ وُرُوْدًا [٣٠ - ب] وَفَسَدْ) أي: الذي صَحَّ من طريق الرواية وهو فاسد من جهة المعنى، أو اللفظ، أو الخط بأن يكون غير جائز في العربية، أو شاذًا أو مُصَحَّفًا، أو ناقصًا، أو ما أشبهه، إشارةً إلى تمريضه لِيُعْلَمَ أن الرواية هكذا ولم يَتَّجِه وَجْهُها لئلا يَظُن الراوي أنها من غلط فيصلحها.
(وَضَبَّبُوْا فِي الْقَطْعِ وَالإِرْسَالِ) أي: ومن مواضع التضبيب أن يقع في
[ ٢٣٤ ]
الإسناد إرسالٌ أو انقطاعٌ فمن عادتهم تضبيب موضعها.
(وَبَعْضُهُمْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالي يَكْتُبُ صَادًا) في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعة معطوفة أسماؤهم بعضها على بعض (عِنْدَ عَطْفِ الأَسْمَا تُوْهِمُ تَضْبِيْبًا) عند مَنْ لا خِبرة له، وليست بِضَبَّة وكأنها علامةُ وَصْلٍ فيما بينهما أُثْبِتَت تأكيدًا للعطف.
(كَذَاكَ إِذ مَا يَخْتَصِرُ التَّصْحِيْحَ بَعْضٌ يُوْهِمُ) فإن صورتها تشبه صورة التضبيب (وَإِنَّمَا يَمِيْزُهُ مَنْ يَفْهَمُ).
[ ٢٣٥ ]
الكَشْطُ والْمَحْوُ والضَّرْبُ
٥٩٥ - وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ كَشْطًا َوَمَحْوًا وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ
٥٩٦ - وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطًّا أَوْ لاَ مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ «لاَ» ثُمَّ إلى
٥٩٧ - أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا
٥٩٨ - سَطْرًا إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ
٥٩٩ - فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا
٦٠٠ - أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ أَوْ يُوْصَفُ اوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ
(وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ) مما ليس منه (يُبْعَدُ) فإنه يُنْفَى عنه (كَشْطًا َوَمَحْوًا) إذا كانت الكتابة في شيء صقيل، (وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ)؛ لأنه إذا بُشِرَ ربما يَصح في رواية أخرى فيحتاج إلى إلحاقه بعد بَشْرِهِ.
(وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطًّا) أي: وكيفية الضرب أن تَخُطَّ من فوق المضروب عليه خطًّا مختلطًا به من غير أن يطمسه، (أَوْ لاَ) أي: وقيل لا يُخلط الضرب بأوائل الكلمات بل يكون فوقها منفصلا عنها، (مَعْ عَطْفِهِ) أي: ويعطف طَرَفيَ الخط على أول المنْبَطِل (١) وآخره.
(أَوْ كَتْبَ «لاَ» ثُمَّ إلى) أي: وقيل يُكتب في أول الزائد «لا» وفي آخره «إلى».
_________________
(١) في المطبوع من «شرح الناظم»: (١/ ٤٩١): المبطل. ولعل ما في الأصل أولى.
[ ٢٣٦ ]
(أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ) أي: وقيل: يُحَوَّق في أوَّل الكلام الزائد بنصف داره، وعلى آخره بنصف داره.
(وَإِلاَّ صِفْرَا فِي كُلِّ جَانِبٍ) أي: وقيل يُكتب في أول الزيادة دايرة صغيرة وكذا في آخرها وسموها صفرًا لخلو ما بينهما عن صحة.
(وَعَلِّمْ سَطْرَا سَطْرًا إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ) أي: وإذا كثرت سطور الزائد فعلى الأقوال الأخيرة اجعل علامة الإبطال في أول كل سطر وآخره للبيان إن شئت، (أَوْلا) تُكَرِّر بل اكتَفِ بها في أوَّل الزائد وآخره وإن كثُرت هذا إذا كان الزائد غير مكرر، (وَإِنْ حَرْفٌ [٣١ - أ] أتَى تَكْرِيْرَهْ فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ) فيما إذا كانت الكلمتان في أوَّل السطر واضرِبْ على الثاني، أو كانت إحداهما في آخر السطر والأخرى في أول الذي يليه فاضرِب (١) على الأولى، (ثُمَّ مَا اخِرُ سَطْرٍ) فيما إذا كانت الكلمتان معًا في آخر السطر فاضرِب (٢) على الأولى صَوْنًا لأوائل السطور وأواخرها، ومراعاة أوَّل السطر أوْلىَ.
(ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا) أي: الكلمة المتقدمة فيما إذا كانت في وَسَط السطر؛ لأن الأول كُتِبَ على الصواب فالخطأ أولى بالإبطال (أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ) أي: والقول الثاني: أولاهما بالإبقاء أجودهما صورة وأدلهما على قراءتِهِ.
وهذا (مَا لَمْ يُضِفِ أَوْ يُوْصَفُ اوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ) أي: إذا تساوت الكلمات في المنازل، أما مثل المضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف، وشبه ذلك فلا يفصل في الخَط، ويَضْرِب على المتكرر أوَّلًا أو آخرًا لأنه مضطرٌّ إليه للفهم، ومراعاة المعنى أولى.
_________________
(١) في الأصل: واضرب. وما أثبتناه أولى للسياق.
(٢) في الأصل: «واضرب، وما أثبتناه من «شرح الناظم» (١/ ٤٩٣) وهو أولى.
[ ٢٣٧ ]
العَمَلُ في اخْتِلاَفِ الرُّوَايَاتِ
٦٠١ - وَلْيَبْنِ أَوَّلًا عَلَى رِوَايَهْ كِتَابَهُ، وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ
٦٠٢ - بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا أَوْ رَمْزًَا اوْ يَكْتُبُهَا مُعْتَنِيَا
٦٠٣ - بِحُمْرَةٍ، وَحَيْثُ زَادَ الأَصْلُ حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ وَيَجْلُو
(وَلْيَبْنِ أَوَّلًا عَلَى رِوَايَهْ كِتَابَهُ) أي: إذا كان الكتاب مَرْوِيًّا بروايتين أو أكثر ويقع الاختلاف في بعضها فمن أراد أن يجمع بين روايتين فأكثر في نسخة يبني الكتاب أولًا على واحدة، (وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا أَوْ رَمْزًَا) أي: ويُلْحِق الرواية الأخرى في الحاشية أو غيرها، مع كتابة اسم راويها معها، أو الإشارة إليه بالرَّمز إن كانت زيادة، وإن كان الاختلاف بالنقص أَعْلَمَ على الزائد أنه ليس في رواية فلان باسمه أو الرمز إليه، (اوْ يَكْتُبُهَا مُعْتَنِيَا) أي: وإن شاء كتب زيادة الرواية الأخرى (بِحُمْرَةٍ، وَحَيْثُ زَادَ الأَصْلُ حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ) أي: حَوَّقَ على الزائد بالحُمْرة، (وَيَجْلُو) أي: يُوَضِّح مراده بالرَّمز أو بالحمرة في أوَّل الكتاب أو آخره؛ إذ قد يقع في يد غيره فيقع في حِيرة.
[ ٢٣٨ ]
الإِشَارَةُ بالرَّمْزِ
٦٠٤ - وَاخْتَصَرُوْا فِي كَتْبِهِمْ «حَدَّثَنَا» عَلَى «ثَنَا» أَوْ «نَا» وَقِيْلَ: «دَثَنَا»
٦٠٥ - وَاخْتَصَرُوْا «أَخْبَرَنَا» عَلَى «أَنَا» أَوْ «أَرَنَا» وَالْبَيْهَقِيُّ «أَبَنَا»
(وَاخْتَصَرُوْا) أي: أهل الحديث (فِي كَتْبِهِمْ) أي: في الخط دون النطق، («حَدَّثَنَا» عَلَى) صورة (ثَنَا) وهو المشهور عندهم، (أَوْ) على الضمير فقط فقالوا (نَا وَقِيْلَ) على حذف الحاء فقط فكتبوا (دَثَنَا) [٣١ - ب].
(وَاخْتَصَرُوْا «أَخْبَرَنَا» عَلَى «أَنَا») وهو المشهور، (أَوْ) على («أَرَنَا») عند بعضهم، (وَالْبَيْهَقِيُّ) يختصرها على («أَبَنَا») (١) في طائفة من المحدَّثين.
٦٠٦ - قُلْتُ: وَرَمْزُ «قالَ» إِسْنَادًَا يَرِدْ «قَافًَا» وَقالَ الشَّيْخُ: حَذْفُهَا عُهِدْ
٦٠٧ - خَطًَّا وَلاَبُدَّ مِنَ النُّطْقِ كَذَا قِيْلَ لَهُ: وَيَنْبَغِي النُّطْقُ بِذَا
قال المصنف ﵀ (قُلْتُ: وَرَمْزُ «قالَ» إِسْنَادًَا) أي: في أثناء الإسناد (يَرِدْ «قَافًَا») فبعضهم يجمعها مع أداة التحديث فيكتب «قثنا»، وبعضهم يفردها فيكتب «ق ثنا» وهذا متروك.
(وَقالَ الشَّيْخُ:) ابن الصلاح (٢) (حَذْفُهَا) أي: «قال» (عُهِدْ خَطًَّا، وَلاَبُدَّ مِنَ النُّطْقِ)
_________________
(١) وقد أكثر من استخدامها في كتبه، انظر على سبيل المثال: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٦، ٤٢٥) و«شعب الإيمان»: (ح٧٣٧٨).
(٢) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٢٧).
[ ٢٣٩ ]
بها حال القراءة. (كَذَا) لفظ (قِيْلَ لَهُ) فيما إذا كان في أثناء الإسناد قرئ على فلان أخبرك فلان، (وَيَنْبَغِي) للقارئ (النُّطْقُ بِذَا) فيقول فيه: قيل له أخبرك فلان.
٦٠٨ - وَكَتَبُوْا عِنْدَ انْتِقالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ «ح» وَانْطِقَنْ بِهَا وَقَدْ
٦٠٩ - رَأَى الرَّهَاوِيُّ بأَنْ لاَ تُقْرَا وَأَنَّهَا مِنْ حَائِلٍ، وَقَدْ رَأَى
٦١٠ - بَعْضُ أُوْلِي الْغَرْبِ بِأَنْ يَقُوْلاَ مَكَانَهَا: الْحَدِيْثَ قَطْ، وَقِيْلاَ
٦١١ - بَلْ حَاءُ تَحْوِيْلٍ وَقالَ قَدْ كُتِبْ مَكَانَهَا: صَحَّ فَحَا مِنْهَا انْتُخِبْ
(وَكَتَبُوْا عِنْدَ انْتِقالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ) إذا كان للحديث إسنادان فأكثر فجمعوا بين الأسانيد في متن واحد صورة («ح») مفردة مهملة بينهما. (وَانْطِقَنْ بِهَا) عند القراءة كذلك مفردة.
(وَقَدْ رَأَى) الحافظ عبد القادر بن عبد الله (الرَّهَاوِيُّ (١) بأَنْ لاَ تُقْرَا، وَأَنَّهَا مِنْ حَائِل) أي: تَحول (٢) بين الإسنادين، وأنكر كونها من قولهم: «الحديث» (٣).
(وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أُوْلِي الْغَرْبِ بِأَنْ يَقُوْلاَ مَكَانَهَا) إذا وصل إليها (الْحَدِيْثَ قَطْ، وَقِيْلاَ) قاله بعض الأصبهانيين (بَلْ) هي (حَاءُ تَحْوِيْلٍ) من إسناد إلى إسناد
_________________
(١) المتوفى سنة (٦١٢هـ). «سير أعلام النبلاء»: (٢٢/ ٧١) و«تذكرة الحفاظ»: (٤/ ١٣٨٧).
(٢) في الأصل: تحويل، خطأ، والتصحيح من «شرح الناظم»: (١/ ٤٩٧).
(٣) سمعه منه ابن الصلاح كما في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٠٤).
[ ٢٤٠ ]
آخر، وقد (قالَ) ابن الصلاح (١): (كُتِبْ) بخط أبي عثمان الصابوني وأبي مسلم الليثي وأبي سعيد الخليلي (مَكَانَهَا: صَحَّ) صريحة لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُرَكَّب الإسناد الثاني على الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا، (فَحَا مِنْهَا انْتُخِبْ) أي: فيكون الحاء رمزًا إلى «صَحَّ».
_________________
(١) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٠٣).
[ ٢٤١ ]
كِتَابَةُ التَّسْمِيْعِ
٦١٢ - وَيَكْتُبُ اسْمَ الشَّيْخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ وَالسَّامِعِيْنَ قَبْلَهَا مُكَمَّلَهْ
٦١٣ - مُؤَرِّخًَا أَوْ جَنْبَهَا بِالطُّرَّهْ أَوْ آخِرَ الْجُزْءِ وَإِلاَّ ظَهْرَهْ
٦١٤ - بِخَطِّ مَوْثُوْقٍ بِخَطٍّ عُرِفَا وَلَوْ بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ كَفَى
٦١٥ - إِنْ حَضَرَ الْكُلَّ، وَإِلاَّ اسْتَمْلَى مِنْ ثِقَةٍ، صَحَّحَ شَيْخٌ أَمْ لاَ
(وَيَكْتُبُ) الطالب (اسْمَ الشَّيْخِ) الذي سمع الكتاب منه، وكنيته، ونسبه، كحدثنا أبو فلان فلان بن فلان بن فلان الفلاني، قال: ثنا فلان، ويسوق ما سمعه من الشيخ على لفظه (بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ وَالسَّامِعِيْنَ قَبْلَهَا) أي: وإذا كتب الكتاب المسموع فيكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، (مُكَمَّلَهْ) أي: مكملة الأنساب والعدد، (مُؤَرِّخًَا) أي: ويكتب تاريخ وقت السماع، (أَوْ) إن أحب كتب ذلك (جَنْبَهَا بِالطُّرَّهْ) في أول ورقة من الكتاب، (أو) إن أحب كتبه (آخِرَ الْجُزْءِ، وَإِلاَّ ظَهْرَهْ) أي: وإن أحب في ظهر الكتاب، وحيث لا يخفى موضعه.
(بِخَطِّ) يتعلق بيكتب، أي: وينبغي أن يكون [٣٢ - أ] التسميع بخط (مَوْثُوْقٍ) به، (بِخَطٍّ عُرِفَا) أي: غير مجهول الخط.
(وَلَوْ) اقتصر على إثبات سماعه (بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ كَفَى) فَطالما فعل الثقات ذلك، (إِنْ حَضَرَ) مثبت السماع (الْكُلَّ، وَإِلاَّ اسْتَمْلَى مِنْ ثِقَةٍ) من حاضريه فيثبته معتمدًا على إخباره، (صَحَّحَ شَيْخٌ أَمْ لاَ) أي: ولا يشترط كتابة الشيخ
[ ٢٤٢ ]
المُسْمِع التصحيحَ على التسميع بعد أن يكون كاتب السماع ثقة.
٦١٦ - وَلْيُعِرِ الْمُسْمَى بِهِ إِنْ يَسْتَعِرْ وَإِنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ سُطِرْ
٦١٧ - فَقَدْ رَأَى حَفْصٌ وَإِسْماعِيْلُ كَذَا الزُّبَيْرِيْ فَرْضَهَا إِذْ سِيْلُوْا
٦١٨ - إِذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلْ كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ مَا تَحَمَّلْ
٦١٩ - وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ تَطْوِيْلًا وَأَنْ يُثْبِتَ قَبْلَ عَرْضِهِ مَا لَمْ يُبَنْ
(وَلْيُعِرِ الْمُسْمَى بِهِ) أي: من كان اسمه في طبقة السماع (إِنْ يَسْتَعِرْ) أي: إذا أراد أن يستعير الكتاب ليستنسخه أو ينقل سماعه منه استحبابًا، (وَإِنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ سُطِرْ) أي: وإن كان التسميع بخط مالك الكتاب، (فَقَدْ رَأَى حَفْصٌ) هو ابن غياث (١) من أصحاب أبي حنيفة، (وَإِسْماعِيْلُ) هو ابن إسحاق (٢) من أصحاب مالك، (كَذَا) أبو عبد الله (الزُّبَيْرِيْ) (٣) من أصحاب الشافعي، (فَرْضَهَا) أي: الإعارة (إِذْ سِيْلُوْا) عن ذلك (إِذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلْ) فيلزمه إعارته وإن كان فيه بذل ماله، (كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ مَا تَحَمَّلْ) أي: كما يلزم
_________________
(١) ابن طلق أبو عمر النخعي، المتوفى سنة (١٩٤هـ). «الطبقات السنية في تراجم الحنفية»: (١/ ٢٩٢). وانظر كلامه في «المحدث الفاصل»: (ص٥٨٩).
(٢) ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي، مولاهم البصري المالكي المتوفى سنة (٢٨٢هـ). «تاريخ بغداد»: (٦/ ٢٨٤) و«سير أعلام النبلاء»: (١٣/ ٣٣٩).
(٣) اسمه: الزبير بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي، المتوفى سنة (٣١٧هـ). «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (١/ ٧). وانظر كلامه في «المحدث الفاصل»: (ص٥٨٩).
[ ٢٤٣ ]
متحمل الشهادة أداؤها وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي.
(وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ) إذا أعاره (تَطْوِيْلًا) بالعارية وإبطاءه عليه إلا بقدر الحاجة.
(وَ) ليحذر (أَنْ يُثْبِتَ قَبْلَ عَرْضِهِ مَا لَمْ يُبَنْ) أي: وإذا نسخ الكتاب فلا يُثبت سماعه عليه، ولا يَنقله إلا بعد العَرْض والمقابلة، وكذا إثبات سماع على كتاب إلا أن يُبين في النقل والإثبات أن النسخة غير مُقابلة (١).
_________________
(١) كتب الناسخ بجانب هذه العبارة في الحاشية اليسرى: «أي لا ينبغي إثبات السماع على كتاب إلا بعد المقابلة إلا أن يبين الخ». قلت: وهذا نص عبارة الناظم في شرحه (١/ ٥٠٢).
[ ٢٤٤ ]
صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ وَأَدَائِهِ
٦٢٠ - وَلْيَرْوِ مِنْ كِتَابِهِ وَإِْن عَرِي مِنْ حِفْظِهِ فَجَائِزٌ لِلأَكْثَرِ
٦٢١ - وَعَنْ أبي حَنِيْفَةَ الْمَنْعُ كَذَا عَنْ مَالِكٍ وَالصَّيْدَلاَنِيْ وَإِذَا
٦٢٢ - رَأَى سَمَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَنْ نُعْمَانٍ الْمَنْعُ وَقالَ ابْنُ الْحَسَنْ
٦٢٣ - مَعْ أبي يُوْسُفَ ثُمَّ الشَّافِعِيْ وَالأَكْثَرِيْنَ بِالْجَوَازِ الْوَاسِعِ
(وَلْيَرْوِ مِنْ كِتَابِهِ وَإِْن عَرِي مِنْ حِفْظِهِ فَجَائِزٌ لِلأَكْثَرِ) أي: يجوز عند الجمهور رواية من لا يحفظ حديثه من كتابه معتمدًا عليه، وتثبت الحجة به إن ضبطَ سماعه، وقابَل كتابه كما سبق، (وَ) رُوىَ (عَنْ أبي حَنِيْفَةَ الْمَنْعُ (١)، كَذَا عَنْ مَالِكٍ (٢) وَ) أبي بكر (الصَّيْدَلاَنِيْ (٣» من الشافعية فقالوا: لا حُجَّة إلا فيما رواه من حفظه.
(وَإِذَا رَأَى سَمَاعَهُ) في كتابه (وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَنْ نُعْمَانٍ الْمَنْعُ) أي: عن أبي حنيفة أنه لا يجوز له روايته، (وَقالَ) محمد (ابْنُ الْحَسَنْ مَعْ أبي يُوْسُفَ ثُمَّ الشَّافِعِيْ (٤)
_________________
(١) «الكفاية»: (٢/ ٩١).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٨٣).
(٣) هو أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي الصيدلاني الشافعي، المتوفى سنة (٤٢٧هـ). «طبقات الشافعية»: (٤/ ٣١).
(٤) في «الرسالة»: (ص٣٨٠).
[ ٢٤٥ ]
وَالأَكْثَرِيْنَ بِالْجَوَازِ الْوَاسِعِ (١» فيروي ما في كتابه وإن لم يذكر أحاديثه حديثًا حديثا فإن شك فيه لم يجز الاعتماد عليه.
٦٢٤ - وَإِنْ يَغِبْ وَغَلَبَتْ سَلاَمَتُهْ جَازَتْ لَدَى جُمْهُوْرِهِم رِوَايَتُهْ
٦٢٥ - كَذَلِكَ الضَّرِيْرُ وَالأُمِّيُّ لاَ يَحْفَظَانِ يَضْبُطُ الْمَرْضِيُّ
٦٢٦ - مَا سَمِعَا وَالْخُلْفُ فِي الضَّرِيْرِ أَقْوَى، وَأَوْلَى مِنْهُ فِي الْبَصِيْرِ
(وَإِنْ يَغِبْ) عنه الكتاب [٣٢ - ب] بإعارةٍ أو ضَيَاع، (وَغَلَبَتْ) على الظن (سَلاَمَتُهْ) من التغيير والتبديل، (جَازَتْ لَدَى جُمْهُوْرِهِم رِوَايَتُهْ) منه؛ لأن باب الرواية مبنيٌّ على غالب الظن، وذهب بعض أهل التشديد إلى أنه لا يجوز لجواز التغيير.
(كَذَلِكَ الضَّرِيْرُ وَالأُمِّيُّ) اللذان (لاَ يَحْفَظَانِ) حديثهما (يَضْبُطُ الْمَرْضِيُّ مَا سَمِعَا) أي: يجري الخلاف فيهما فإذا ضبط سماعهما (٢) ثقة، وحَفِظَا كتابيهما (٣) عن التغيير بحيث يغلب على الظن سلامته صَحَّت روايتهما، (وَالْخُلْفُ فِي الضَّرِيْرِ أَقْوَى، وَأَوْلَى مِنْهُ فِي الْبَصِيْرِ).
_________________
(١) انظر: «الكفاية»: (٢/ ٩٦ - ١٠٣).
(٢) في نشرة «دار الكتب»: (١/ ٥٠٤): سماعَ هما! وقد جاءت على الصواب في النشرة القديمة بعناية الأستاذ محمود الربيع (ص٢٥٨).
(٣) في نشرة «دار الكتب»: (١/ ٥٠٤): كتابيه ما! وقد جاءت على الصواب في النشرة القديمة بعناية الأستاذ محمود الربيع (ص٢٥٨).
[ ٢٤٦ ]
الرِّوَايَةُ مِنَ الأَصْلِ
٦٢٧ - وَلْيَرْوِ مِنْ أَصْلٍ أَوِ الْمُقَابَلِ بِهِ وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ
٦٢٨ - مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ أَوْ أُخِذَا عَنْهُ لَدَى الْجُمْهُوْرِ وَأَجَازَ ذَا
٦٢٩ - أَيُّوْبُ وَالبُرْسَانِ قَدْ أَجَازَهْ وَرَخَّصَ الشَّيْخُ مَعَ الإِجَازَهْ
٦٣٠ - وَإِنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتَابَهْ وَلَيْسَ مِنْهُ فَرَأَوْا صَوَابَهْ:
٦٣١ - الْحِفْظَ مَعْ تَيَقُّنٍ وَالأَحْسَنُ الجَمْعُ كَالْخِلاَفِ مِمَّنْ يُتْقِنُ
(وَلْيَرْوِ) الراوي إذا أراد أن يحدث ببعض مسموعاته (مِنْ أَصْلٍ) أي: أصله الذي سمع منه، (أَوِ الْمُقَابَلِ بِهِ) أي: أو من نسخةٍ مقابَلَةٍ على أصله بمقابلة ثقة.
(وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ) أي: بأن يُحَدِّثَ من أصل شيخه الذي لم يَسمع فيه هو.
(أَوْ أُخِذَا عَنْهُ) أي: أو مِن نُسخة كتبت عن شيخه تَسْكُنُ نفسه إلى صحتها، (لَدَى الْجُمْهُوْرِ) (١) يتعلق بلا يجوز.
(وَأَجَازَ ذَا أَيُّوْبُ) (٢) ومحمد ابن أبي بكر (البُرْسَانِ (٣) قَدْ أَجَازَهْ، وَرَخَّصَ الشَّيْخُ)
_________________
(١) «الكفاية»: (٢/ ١٥٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٤٧ ]
ابن الصلاح (١) فقال: اللهم إلا أن يكون (مَعَ الإِجَازَهْ) بأن كان له إجازة عن شيخه عامة لمروياته أو نحو ذلك إذ ليس فيه أكثر من رواية الزيادات بالإجازة بلفظ «أنا» أو «ثنا» والأمر في ذلك قريب.
(وَإِنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتَابَهْ) فإن كان إنما حَفِظَ من كتابه فيرجع إلى كتابه، وإن كان (لَيْسَ مِنْهُ) أي: حفظه ليس من كتابه بل من فَمِ المحدِّث، أو القراءة على المحدِّث (فَرَأَوْا صَوَابَهْ: الْحِفْظَ مَعْ تَيَقُّنٍ) أي: الاعتماد على حفظه إذا كان غير شاكٍّ فيه.
(وَالأَحْسَنُ الجَمْعُ) بينهما بأن يقول: حِفْظِي كذا، وفي كتابي كذا، (كَالْخِلاَفِ مِمَّنْ يُتْقِنُ) أي: كما إذا حفظ شيئًا وخالفه فيه بعض الحفَّاظ فإنه يَحْسُنُ فيه أن يقول: حفظي كذا، وقال فيه فلان كذا، أو نحو ذلك.
_________________
(١) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢١١).
[ ٢٤٨ ]
الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى
٦٣٢ - وَلْيَرْوِ بِالأَلْفَاظِ مَنْ لاَ يَعْلَمُ مَدْلُوْلَهَا وَغَيْرُهُ فَالْمُعْظَمُ
٦٣٣ - أَجَازَ بِالْمَعْنَى وَقِيْلَ: لاَ الْخَبَرْ وَالشَّيْخُ فِي التَّصْنِيْفِ قَطْعًَا قَدْ حَظَرْ
٦٣٤ - وَلْيَقُلِ الرَّاوِي: بِمَعْنَىً، أَوْ كَمَا قالَ وَنَحْوُهُ كَشَكٍّ أُبْهِمَا
(وَلْيَرْوِ بِالأَلْفَاظِ) لا بالمعنى دون اللفظ (مَنْ لاَ يَعْلَمُ مَدْلُوْلَهَا) ومقاصدها، وما يحيل معانيها بل يتقيد بلفظ الشيخ.
(وَغَيْرُهُ) أي: وغير من لا يعلم، وهو الذي يعلم مدلول الألفاظ، (فَالْمُعْظَمُ) من أهل الحديث والفقه والأصول (أَجَازَ) له الرواية (بِالْمَعْنَى وَقِيْلَ: لاَ الْخَبَرْ) أي: لا يجوز [٣٣ - أ] الرواية بالمعنى في الخبر وهو حديث رسول الله ﷺ، وتجوز في غيره. (وَالشَّيْخُ) ابن الصلاح (١) (فِي التَّصْنِيْفِ قَطْعًَا قَدْ حَظَرْ (٢» فقال: «ليس لأحدٍ أن يُغَيِّرَ لفظَ شيء من كتاب مصنَّف ويُثبت بدلَه فيه لفظًا آخر بمعناه».
(وَلْيَقُلِ الرَّاوِي: بِمَعْنَىً) أي: من روى بالمعنى، (أَوْ: كَمَا قالَ، وَنَحْوُهُ) أي: أو نحو هذا وما أشبه ذلك، وَرَدَ ذلك عن ابن مسعود (٣) وغيره (٤). (كَشَكٍّ أُبْهِمَا)
_________________
(١) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢١٤).
(٢) في الأصل: مطلقًا حظر. وهو مخالف لما في «الألفية».
(٣) انظر: «الكفاية»: (٢/ ٩ - ١٠).
(٤) كأنس بن مالك: «الكفاية»: (٢/ ١٥) وأبي الدرداء: «الكفاية»: (٢/ ١٣ - ١٤).
[ ٢٤٩ ]
أي: كمسألة ما إذا شكَّ القارئ أو الشيخ في لفظةٍ أو أكثر فقرأَها على الشكِّ فإنه يَحْسُنُ أن يقول: «أو كما قال»؛ لأنه يتضمن إجازة من الراوي وإذنًا في رواية صوابها عنه إذا بان.
[ ٢٥٠ ]
الاقْتِصَاْرُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيْثِ
٦٣٥ - وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ فَامْنعَ او أَجِزْ أَوْ إِنْ أُتِمَّ أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ
٦٣٦ - ذَا بِالصَّحِيْحِ إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهْ مُنْفَصِلًا عَنِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَهْ
٦٣٧ - وَمَا لِذِي تُهْمَةٍ أَنْ يَفْعَلَهْ فَإِنْ أَبَى فَجَازَ أَنْ لاَ يُكْمِلَهْ
٦٣٨ - أَمَّا إِذَا قُطِّعَ فِي الأبوابِ فَهْوَ إلى الْجَوَازِ ذُو اقْتِرَابِ
(وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ) والاقتصار على بعض اختلف العلماء في جوازه على أقوال، (فَامْنعَ) أي: فأحدُها المنع مطلقًا، (او أَجِزْ) أي: والثاني الجواز مطلقًا إذا لم يكن متعلِّقًا بالمأتيِّ به تعلُّقًا يُخِلُّ حذفُه بالمعنى، (أَوْ إِنْ أُتِمَّ) أي: والثالث: إن كان رواه على التمام مرةً أخرى هو أو غيره جاز وإلا فلا، (أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ ذَا بِالصَّحِيْحِ) أي: والرابع -وهو الصحيح-: أنه يجوز من العالم، (إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهْ مُنْفَصِلًا عَنِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَهْ) غير متعلِّقٍ به بحيث لا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه لأنه بمنزلة خبرين منفصلين.
(وَمَا لِذِي تُهْمَةٍ أَنْ يَفْعَلَهْ) لئلا يُتَّهم بأنه زاد في أول مَرَّة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسي في الثاني باقي الحديث لقلة ضبطه، فينفي هذه الظِّنَّة (١) عن نفسه.
(فَإِنْ أَبَى) أي: فإن خالف ورواه ناقصًا مرَّةً (فَجَازَ أَنْ لاَ يُكْمِلَهْ)؛ لأنه يكون
_________________
(١) هي: التُّهمة. «تاج العروس» مادة (ظنن).
[ ٢٥١ ]
عذرًا له لئلا يُتَّهم بأنه زاد في حديثه.
(أَمَّا إِذَا قُطِّعَ) الحديثُ الواحد وفُرِّقَ (فِي الأبوابِ) بحسب الاحتجاج به على مسألةٍ مسألة (فَهْوَ إلى الْجَوَازِ ذُو اقْتِرَابِ) وقد فعله البخاريُّ وغيره.
[ ٢٥٢ ]
التَّسْمِيْعُ بِقِرَاءَةِ اللَّحَّاْنِ، وَالْمُصَحِّفِ
٦٣٩ - وَلْيَحْذَرِ اللَّحَّانَ وَالْمُصَحِّفَا عَلَى حَدِيْثِهِ بِأَنْ يُحَرِّفَا
٦٤٠ - فَيَدْخُلاَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ كَذَبَا فَحَقٌّ النَّحْوُ عَلَى مَنْ طَلَبَا
٦٤١ - وَالأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لاَ الْكُتُبِ أَدْفَعُ لِلتَّصْحِيْفِ فَاسْمَعْ وَادْأَبِ
(وَلْيَحْذَر) الشيخُ (اللَّحَّانَ وَالْمُصَحِّفَا عَلَى حَدِيْثِهِ) فلا يروي حديثه بقراءة لحَّانٍ أو مصحِّفٍ (بِأَنْ يُحَرِّفَا فَيَدْخُلنَّ (١) فِي قَوْلِهِ: مَنْ كَذَبَا) أي: فيدخُل فِي قوله ﵇: «مَنْ كَذَبَ علىَّ فليتبوأ مقعده من النار»؛ لأنه لم يكن يَلْحَنُ فمهما رويتَ [٣٣ - ب] عنهُ ولحنتَ فيه كذبتَ عليه.
(فَحَقٌّ النَّحْوُ عَلَى مَنْ طَلَبَا) ليتخلَّصَ به عن شيئين: اللحن والتحريف.
(وَالأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لاَ الْكُتُبِ أَدْفَعُ لِلتَّصْحِيْفِ فَاسْمَعْ وَادْأَبِ) فَقَلَّما سَلِمَ من التصحيف مَن أخذ العلم من الصُّحُف من غير تدريب المشايخ.
_________________
(١) كذا في الأصل، والذي في طبعات الألفية ونسخها الخطية التي وقفت عليها: فيدخلا.
[ ٢٥٣ ]
إِصْلاَحُ اللَّحْنِ، وَالْخَطَأِ
٦٤٢ - وَإِنْ أَتَى فِي الأَصْلِ لَحْنٌ أَوْ خَطَا فَقِيْلَ: يُرْوَى كَيْفَ جَاءَ غَلَطَا
٦٤٣ - وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِيْنَ يُصْلَحُ وَيُقْرَأُ الصَّوَابُ وَهْوَ الأَرْجَحُ
٦٤٤ - فِي اللَّحْنِ لاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ وَصَوَّبُوْا الإِبْقَاءَ مَعْ تَضْبِيْبِهِ
٦٤٥ - وَيُذْكَرُ الصَّوَابُ جَانِبًا كَذَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوْخِ نَقْلًا أُخِذَا
٦٤٦ - وَالْبَدْءُ بِالصَّوَابِ أَوْلَى وَأَسَدْ وَأَصْلَحُ الإِصْلاَحِ مِنْ مَتْنٍ وَرَدْ
(وَإِنْ أَتَى فِي الأَصْلِ لَحْنٌ أَوْ خَطَا فَقِيْلَ) -قاله ابن سيرين وغيره (١) -: (يُرْوَى كَيْفَ جَاءَ غَلَطَا) أي: على الخطأ كما وقع، (وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِيْنَ) من المحدِّثين: (يُصْلَحُ وَيُقْرَأُ الصَّوَابُ)، وإليه ذهب الأوزاعي (٢) وابن المبارك (٣)، (وَهْوَ الأَرْجَحُ فِي اللَّحْنِ لاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ) فإنَّ إصلاحَ مثل ذلك واجب على تجويز الرواية بالمعنى، (وَصَوَّبُوْا الإِبْقَاءَ) وتقرير ما وقع في الأصل على ما هو عليه، (مَعْ تَضْبِيْبِهِ) عليه (وَيُذْكَرُ الصَّوَابُ جَانِبًا) في الحاشية، (كَذَا عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوْخِ نَقْلًا أُخِذَا) قال ابن فارس: «وهذا أحسن ما سمعت في هذا الباب».
_________________
(١) «المحدث الفاصل»: (ص٥٣٨) ط. دار الفكر.
(٢) المصدر السابق (ص٥٢٤).
(٣) «جامع بيان العلم وفضله»: (١/ ١٦٤) ط. الريان.
[ ٢٥٤ ]
(وَالْبَدْءُ بِالصَّوَابِ) إذا قرأ الرَّاوي [أو القارئ] (١) عليه شيئًا من ذلك (أَوْلَى وَأَسَدْ)، ثم يقول: وقع في الرواية كذا وكذا؛ كيلا يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.
(وَأَصْلَحُ الإِصْلاَحِ) أن يكون ما يُصْلَحُ به الفاسد (مِنْ مَتْنٍ وَرَدْ) في أحاديث أُخَر فإنَّ ذاكرَه آمِنٌ من أن يكون مُتَقَوِّلًا على رسول الله ﷺ ما لم يَقُل.
٦٤٧ - وَلْيَأْتِ فِي الأَصْلِ بِمَا لاَ يَكْثُرُ كَابْنٍ وَحَرْفٍ حَيْثُ لاَ يُغَيِّرُ
٦٤٨ - وَالسَّقْطُ يُدْرَى أَنَّ مِنْ فَوْقٍ أَتَى بِهِ يُزَادُ بَعْدَ يَعْنِي مُثْبَتَا
(وَلْيَأْتِ فِي الأَصْلِ بِمَا لاَ يَكْثُرُ) أي: إذا كان الساقطُ من الأصل شيئًا يسيرًا يعلم أنه سقط في الكتابة وهو معروف (كَابْنٍ) في النسب، (وَحَرْفٍ، حَيْثُ لاَ يُغَيِّرُ) أي: لا يختلف المعنى به، من غير تنبيه على سقوطه (وَالسَّقْطُ يُدْرَى أَنَّ مِنْ فَوْقٍ أَتَى بِهِ) أي: وإذا كان الساقطُ يُعْلَمُ أنه سَقَطَ مِنْ بعض من تأخَّر من رواة الحديث، وأنَّ من فوقه من الرواة أتى به فإنه (يُزَادُ) في الأصل (بَعْدَ «يَعْنِي» مُثْبَتَا) أي: ويؤتى قبله بلفظ «يعني» كما رُوِىَ عن ابن مهدي عن المحاملي بسنده إلى عروة عن عمرة -يعني- عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يُدني إلىَّ رأسَه وأرجِّله».
قال الخطيب (٢): كان في أصل ابن مهدي عن عَمْرَة قالت: «كان» فألحقنا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح الناظم»: (١/ ٥١٥).
(٢) «الكفاية»: (٢/ ١٤٧).
[ ٢٥٥ ]
فيه ذكر عائشة إذ لم يكن منه بُدٌ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا وقلنا فيه: «يعني عن عائشة»؛ لأن ابن مهدي [٣٤ - أ] لم يَقُل لنا ذلك.
٦٤٩ - وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ
٦٥٠ - صِحَّتَهُ مِنْ بَعْضِ مَتْنٍ أَوْ سَنَدْ كَمَا إذَا ثَبَّتَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ
٦٥١ - وَحَسَّنُوا الْبَيَانَ كَالْمُسْتَشْكِلِ كَلِمَةً فِي أَصْلِهِ فَلْيَسْأَلِ
(وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في كِتَابِهِ) بتقطيعٍ أو بللٍ أو نحوه (مِنْ) كتاب (غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ صِحَّتَهُ) وَوَثِقَ بصاحبِ الكتاب بأن يكون قد أخذه عن شيخه وهو ثقة أو نحو ذلك، سواءً كان ما درس (مِنْ بَعْضِ مَتْنٍ أَوْ سَنَدْ كَمَا إذَا ثَبَّتَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ) أي: كما أن الحُكم كذلك فيما إذا شَكَّ المحدثُ في شيء فاستَثْبَتَهُ من ثقة غيره من حفظه أو كتابه.
(وَحَسَّنُوا الْبَيَانَ) أي: أن يُبين مَن ثَبَّتَهُ بأن يقول: «أنا فلان، وثَبَّتَني فلان»، (كَالْمُسْتَشْكِلِ كَلِمَةً فِي أَصْلِهِ فَلْيَسْأَلِ) أي: كما أن الحكم كذلك فيما إذا وَجَدَ في أصلِهِ كلمةً من غريب العربية أو غيرها غَيْرَ مقيَّدة وأُشْكِلَت عليه، فجائز أن يسأل عنها أهلَ العلم بها، ويرويها على ما يُخبرونه به.
[ ٢٥٦ ]
اخْتِلاَفُ أَلْفَاْظِ الشُّيُوْخِ
٦٥٢ - وَحَيْثُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ سَمِعْ مَتْنًا بِمَعْنَى لاَ بِلَفْظٍ فَقَنِعْ
٦٥٣ - بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَسَمَّى الْكُلَّ: صَحّْ عِنْدَ مُجِيْزِي النَّقْلِ مَعْنىً وَرَجَحْ
٦٥٤ - بَيَانُهُ مَعْ قالَ أَوْ مَعْ قالاَ وَمَا بِبَعْضِ ذَا وَذَا وَقالاَ:
٦٥٥ - اقْتَرَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ لَمْ يَقُلِ: صَحَّ لَهُمْ وَالْكُتْبُ إِنْ تُقَابَلِ
٦٥٦ - بِأَصْلِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِهِ فَهَلْ يُسْمِي الجَمِيْعُ مَعْ بَيَانِهِ؟ احْتَمَلْ
(وَحَيْثُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ) أي: من شيخين فأكثر، (سَمِعْ) راوي الحديث (مَتْنًا بِمَعْنَى لاَ بِلَفْظٍ) أي: بلفظٍ مختلف والمعنى واحد، (فَقَنِعْ بِلَفْظِ وَاحِدٍ) من شيوخه، (وَسَمَّى الْكُلَّ: صَحّْ عِنْدَ مُجِيْزِي النَّقْلِ مَعْنىً) أي: من يُجيز الروايةَ بالمعنى وهم الأكثرون.
(وَرَجَحْ بَيَانُهُ) أي: أن يُبين لفظَ الرواية لمن هي بقوله: «وهذا لفظ فلان» ونحوه للخروج من الخلاف، (مَعْ قالَ، أَوْ مَعْ قالاَ) أي: ثُمَّ هو مُخير بين أن يُفْرِدَ فعل القول فيخصِّصُه بمن له اللفظ فيقول: «أنا فلان وفلان -واللفظ له- قال ..» وبين أن يأتي بالفعل لهما فيقول: «قالا أنا فلان».
(وَمَا بِبَعْضِ ذَا وَذَا) أي: وما أتى به الراوي بلفظ أحد الشيخين وبعض لفظ الآخر ولم يُبَين لفظ أحدهما من الآخر (وَقالاَ: اقْتَرَبَا فِي اللَّفْظِ) أي: بل قال: «وتقاربا في اللفظ» أو: «والمعنى واحد» ونحو ذلك (أَوْ لَمْ يَقُلِ) أي:
[ ٢٥٧ ]
وكذا لو لم يقل: «وتقاربا» وما أشبهها، (صَحَّ لَهُمْ) أي: فهو جائز صحيح أيضًا عند من جَوَّزَ الرواية بالمعنى.
(وَالْكُتْبُ إِنْ تُقَابَلِ بِأَصْلِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِهِ) أي: ومتى قوبل كتاب من الكتب المصنَّفة سمعه على شيخين فأكثر بأصل أحد شيخَيْه أو شيوخه دون بقيتهم، (فَهَلْ يُسْمِي الجَمِيْعُ) أي: جميع شيوخه في روايته لذلك الكتاب (مَعْ بَيَانِهِ؟) أي: بيان أن اللفظ للشيخ الذي قابَلَهُ بأصله، (احْتَمَلْ) أن يجوز كالأول واحتمل أنْ لا؛ لعدم علمه [٣٤ - ب] بكيفية رواية الآخرين.
[ ٢٥٨ ]
الزِّيَاْدَةُ فِيْ نَسَبِ الشَّيْخِ
٦٥٧ - وَالشَّيْخُ إِنْ يَأْتِ بِبَعْضِ نَسَبْ مَنْ فَوْقَهُ فَلاَ تَزِدْ وَاجْتَنِبْ
٦٥٨ - إِلاَّ بِفَصْلٍ نَحْوُ هُوْ أَوْ يَعْنِي أَوْجِئْ بِأَنَّ وَانْسُبَنَّ الْمَعْنِي
٦٥٩ - أَمَّا إذا الشَّيْخُ أَتَمَّ النَّسَبَا فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ فَقَطْ فَذَهَبَا
٦٦٠ - الأَكْثَرُوْنَ لِجَوَازِ أَنْ يُتَمْ مَا بَعْدَهُ وَالْفَصْلُ أَوْلَى وَأَتَمْ
(وَالشَّيْخُ إِنْ يَأْتِ) في روايته للحديث (بِبَعْضِ نَسَبْ مَنْ فَوْقَهُ) أي: إذا اقتصر في نَسَبِ شيخه أو من فوقه على بعضه، (فَلاَ تَزِدْ) في النسب على ما ذكر منه الشيخ، (وَاجْتَنِبْ إِلاَّ بِفَصْلٍ) يُبَيِّن أنه من الزيادة على الشيخ، (نَحْوُ هُوْ) ابن فلان الفلاني، (أَوْ يَعْنِي) ابن فلان، (أَوْجِئْ بِأَنَّ وَانْسُبَنَّ الْمَعْنِي) فقل: «ثنا فلان أنَّ فلان بن فلان حدَّثه».
(أَمَّا إذا الشَّيْخُ أَتَمَّ النَّسَبَا فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ فَقَطْ) واقتصر في بقية الكتاب على اسم الشيخ (فَذَهَبَا الأَكْثَرُوْنَ لِجَوَازِ أَنْ يُتَمْ مَا بَعْدَهُ) أي: إلى أنه يجوز لمن سَمِعَ من الشيخ أن يفرد ما بعد الحديث الأول مع إتمام نسب شيخ شيخه فيه، (وَالْفَصْلُ) بقوله: «يعني ابن فلان» أو: «هو ابن فلان» (أَوْلَى وَأَتَمْ).
[ ٢٥٩ ]
الرِّوَاْيَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إسْنَاْدُهَا وَاحِدٌ
٦٦١ - وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ تَجْدِيْدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ
٦٦٢ - وَالأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ وَيُذْكَرُ مَا بَعْدَهُ مَعْ وَبِهِ وَالأَكْثَرُ
٦٦٣ - جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا بِالسَّنَدْ لآِخِذٍ كَذَا وَالإِفْصَاحُ أَسَدْ
٦٦٤ - وَمَنْ يُعِيْدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ آخِرِهِ احْتَاطَ وَخُلْفًَا مَا رَفَعْ
(وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ) أي: إسناد أحاديثها إسناد واحد (تَجْدِيْدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ) أي: فالأحوط أن تُجدد ذكر الإسناد عند كل حديث منها ويوجد ذلك في الأصول القديمة، (وَالأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ) أي: بالإسناد في أولها أو في أول كلِّ مجلس من سماعها، (وَيُذْكَرُ مَا بَعْدَهُ مَعْ) قوله في كل حديث بعد الحديث الأول: (وَبِهِ) أو: «بالإسناد» ونحو ذلك.
(وَالأَكْثَرُ جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضًا) مما بعد الحديث الأول (بِالسَّنَدْ) المذكور في أوله (لآِخِذٍ كَذَا) أي: لمن سمع بذكر السند في أوله وإدراج ما بعده عليه؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وذهب بعضٌ إلى المنع إلا مع بيان كيفية التحمل.
(وَالإِفْصَاحُ أَسَدْ) أي: وعلى القول بالجواز فالأحسن البيان.
(وَمَنْ يُعِيْدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ آخِرِهِ احْتَاطَ) أي: وما يفعله بعضهم من إعادة السند في آخر الكتاب والجزء فاحتياطٌ وتأكيدٌ، (وَخُلْفًَا مَا رَفَعْ) أي: ولا يرفع الخلافَ في إفرادِ كلِّ حديثٍ بالسند.
[ ٢٦٠ ]
تَقْدِيْمُ المَتْنِ عَلى السَّنَدِ
٦٦٥ - وَسَبْقُ مَتْنٍ لَوْ بِبَعْضِ سَنَدِ لاَ يَمْنَعُ الْوَصْلَ وَلاَ أَنْ يَبْتَدِي
٦٦٦ - رَاوٍ كَذَا بِسَنَدٍ فَمُتَّجِهْ وَقالَ: خُلْفُ النَّقْلِ مَعْنَى يَتَّجِهْ
٦٦٧ - في ذَا كَبَعْضِ الْمَتْنِ قَدَّمْتَ عَلَى بَعْضٍ فَفِيْهِ ذَا الْخِلاَفُ نُقِلاَ
(وَسَبْقُ مَتْنٍ لَوْ بِبَعْضِ سَنَدِ) أي: وإذا قَدَّمَ الراوي الحديثَ على السند كأن يقول: «قال ﵇ كذا، أخبرنا به فلان» ويذكر سنده، أو قَدَّمَ بعض الإسناد مع المتن على بقية السند كأن يقول: «روى فلان عن فلان عنه ﵇ كذا، أنا به فلان» ويسوق سنده إلى فلان؛ (لاَ يَمْنَعُ) ذلك (الْوَصْلَ، وَلاَ) يمنع ذلك (أَنْ يَبْتَدِي [٣٥ - أ] رَاوٍ كَذَا) أي: من تَحَمَّلَهُ مِن شيخه كذلك أن يبتدئ (بِسَنَدٍ) أي: بالإسناد جميعه أوَّلًا ثم يذكر المتن (فَمُتَّجِهْ)، جَوَّزه بعض المتقدمين.
(وَقالَ:) ابن الصلاح (١) (خُلْفُ النَّقْلِ مَعْنَى يَتَّجِهْ في ذَا كَبَعْضِ الْمَتْنِ قَدَّمْتَ عَلَى بَعْضٍ فَفِيْهِ ذَا الْخِلاَفُ نُقِلاَ) أي: ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف في تقديم بعض المتن على بعضه حُكِىَ المنع منه على القول بعدم جواز الرواية بالمعنى، والجواز على القول بجوازها.
_________________
(١) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٢٩).
[ ٢٦١ ]
إذَا قَالَ الشَّيْخُ: مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ
٦٦٨ - وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنًَا قَبْلَهُ
٦٦٩ - فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ
٦٧٠ - إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَّ بِالتَّحَفُّظِ وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ
٦٧١ - وَالْمَنْعُ فِي نَحْوِ فَقَطْ قَدْ حُكِيَا وَذَا عَلَى النَّقْلِ بَمِعْنَى بُنِيَا
٦٧٢ - وَاخْتِيْرَ أَنْ يَقُوْلَ: مِثْلَ مَتْنِ قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، وَيَبْنِى
٦٧٣ - وَقَوْلُهُ: إِذْ بَعْضُ مَتْنٍ لِمْ يُسَقْ وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ فَالْمَنْعُ أَحَقّْ
٦٧٤ - وَقِيْلَ: إِنْ يَعْرِفْ كِلاَهُمَا الْخَبَرْ يُرْجَى الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ الْمُعْتَبَرْ
٦٧٥ - وَقالَ: إِنْ يُجِزْ فَبِالإِجَازَهْ لِمَا طَوَى وَاغْتَفَرُوْا إِفْرَادَهْ
(وَقَوْلُهُ) أي: الشيخ إذا روى حديثًا بإسناد له، وذكر متن الحديث ثم أتبعه بإسناد آخر (مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ) لهذا الإسناد: (مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ، يُرِيْدُ) بقوله ذلك (مَتْنًَا قَبْلَهُ) ليحيل به على المتن الأول (فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ) لمن سمع منه ذلك (مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ) أي: حديث السند الأول؛ (بِسَنَدِ الثَّاني، وَقِيْلَ: بَلْ) يجوز (لَهْ) ذلك (إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَّ) لذلك (بِالتَّحَفُّظِ وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ) أي: يذهب إلى تمييز الألفاظ، وعد الحروف، فإن لم يعرف ذلك لم يجز.
(وَالْمَنْعُ فِي) لفظ (نَحْوِ فَقَطْ قَدْ حُكِيَا) وأنه يجوز في قوله مثله (وَذَا عَلَى النَّقْلِ بَمِعْنَى بُنِيَا) فلا يجوز على مذهب من لم يجز الرواية بالمعنى، وعلى مذهب
[ ٢٦٢ ]
من يجيز فلا فرق بين مثله ونحوه.
(وَاخْتِيْرَ أَنْ يَقُوْلَ) من رَوَى مثل هذا بعد أن يُورِد الإسناد: (مِثْلَ مَتْنِ قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، وَيَبْنِى) أي: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا، ثم يسوقه.
(وَقَوْلُهُ: إِذْ بَعْضُ مَتْنٍ لِمْ يُسَقْ) أي: وإذا أتى الراوي ببعض الحديث وحذف بقيته وأشار إليه بقوله: (وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ) أو: ذكره، أو: الحديث، أو نحوه، ولم يكن تقدم كمال الحديث. (فَالْمَنْعُ) لمن سمع ذلك أن يُتِمَّ الحديث بل يقتصر على ما سمع منه إلا مع البيان.
وهذا (أَحَقّْ) بالمنع من المسألة التي قبلها؛ لأنها ساق فيها جميع المتن قَبْل.
(وَقِيْلَ) -قاله الإسماعيلي-: (إِنْ يَعْرِفْ كِلاَهُمَا) أي: المحدث والقارئ ذلك (الْخَبَرْ يُرْجَى الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ الْمُعْتَبَرْ) بأن يقول: كما قال. وطريق إتمامه أن تقتص (١) ما ذكره الشيخ منه، ثم تقول: قالَ، وذكرَ الحديث. ثم تقول: وتمامه كذا وكذا وتسوقه.
(وَقالَ:) ابن الصلاح (٢): (إِنْ يُجِزْ) ما قال الإسماعيلي، (فَبِالإِجَازَهْ) [٣٥ - ب] أي: فالتحقيق فيه أنه بطريق الإجازة، (لِمَا طَوَى) أي: فيما لم يذكره الشيخ، (وَاغْتَفَرُوْا إِفْرَادَهْ) أي: إفراد الباقي المدرج بلفظ الإجازة لكونها إجازة قوية من جهات مع كون أوله سماعًا.
_________________
(١) في مطبوعة «شرح ألفية العراقي»: (٢/ ١٢): يقتصر. خطأ، يأباه تركيب العبارة حيث لم تتعدَّ بِعَلَى.
(٢) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٣٣).
[ ٢٦٣ ]
إِبْدَاْلُ الرَّسُوْلِ بِالنَّبِيِّ، وَعَكْسُهُ
٦٧٦ - وَإِنْ رَسُوْلٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلاَ فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلاَ
٦٧٧ - وَقَدْ رَجَا جَوَازَهُ ابْنُ حَنْبَلِ والنووي صَوَّبَهُ وَهْوَ جَلِيْ
(وَإِنْ رَسُوْلٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلاَ) كأن يكون في الرواية: عن رسول الله ﷺ فيقول: عن النبي، (فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ)؛ لأن شرط الرواية بالمعنى أن لا يختلف وهنا يختلف. (كَعَكْسٍ فُعِلاَ) وهو إبدال النبي بالرسول.
(وَقَدْ رَجَا جَوَازَهُ ابْنُ حَنْبَلِ) لما سأله ابنه صالح: يكون في الحديث: «رسول الله» فَيُجْعَل: «النبي»؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
(والنووي صَوَّبَهُ) فقال (١): الصواب -والله أعلم-، جوازه. (وَهْوَ جَلِيْ) فإنه -وإن اختلف معناهما- فلا يختلف في نسبة ذلك القول لقائله بأي وَصْفٍ وصفه إذا كان يُعَرِّفُ به.
_________________
(١) في «التقريب»: (١/ ٥٦٠) مع «التدريب».
[ ٢٦٤ ]
السَّمَاْعُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الوَهْنِ، أَوْ عَنْ رَجُلَيْنِ
٦٧٨ - ثُمَّ عَلَى السَّامِعِ بِالْمُذَاكَرَهْ بَيَانُهُ كَنَوْعِ وَهْنٍ خَامَرَهْ
٦٧٩ - وَالْمَتْنُ عَنْ شَخْصَيْنِ وَاحِدٌ جُرِحْ لاَ يَحْسُنُ الْحَذْفُ لَهُ لَكِنْ يَصِحْ
٦٨٠ - وَمُسْلِمٌ عَنْهُ كَنَى فَلَمْ يُوَفْ وَالْحَذْفُ حَيْثُ وُثِقَا فَهْوَ أَخَفْ
٦٨١ - وَإِنْ يَكُنْ عَنْ كُلِّ رَاوٍ قِطْعَهْ أَجِزْ بِلاَ مَيْزٍ بِخَلْطِ جَمْعَهْ
٦٨٢ - مَعَ الْبَيَانِ كَحَدِيْثِ الإِْفْكِ وَجَرْحُ بَعْضٍ مُقْتَضٍ لِلتَّرْكِ
٦٨٣ - وَحَذْفَ وَاحِدٍ مِنَ الإِسْنَادِ فِي الصُّوْرَتَيْنِ امْنَعْ لِلاِزْدِيَادِ
(ثُمَّ عَلَى السَّامِعِ) مِنْ الشيخ مِنْ حِفْظِهِ (بِالْمُذَاكَرَهْ بَيَانُهُ) بقوله: ثنا مذاكرة، أو في المذاكرة، ونحوه، للتساهل فيها والحفظ خَوَّان. كنوع (وَهْنٍ خَامَرَهْ) أي: كما إذا كان في سماعه نوع من الوهن، كأن يسمع من غير أصل، أو كان هو أو شيخه يَتَحَدَّثُ أو يَنْسَخُ أو يَنْعَسُ وقت القراءة، وسماعه بقراءة مُصَحِّفٍ، أو لَحَّان، أو كتابة التسميع بِخَطِّ من فيه نظر، فإن عليه بيانه لأن تركه نوع تدليس.
(وَالْمَتْنُ) إذا كان (عَنْ شَخْصَيْنِ وَاحِدٌ) منهما (جُرِحْ لاَ يَحْسُنُ الْحَذْفُ لَهُ) أي: للمجروح والاقتصار على الآخر؛ لجواز أن يكون فيه شيءٌ عن المجروح لم يذكره الآخر، وحُمِلَ لفظُ أحدهما على الآخر.
(لَكِنْ يَصِحْ) لأن امتناع ذلك ليس امتناع تحريم؛ لأن ما ذُكِرَ من الاحتمال
[ ٢٦٥ ]
نادر.
(وَمُسْلِمٌ عَنْهُ كَنَى) أي: عن المجروح بقوله: وآخر. (فَلَمْ يُوَفْ) أي: وهذا القول لا فائدة فيه.
(وَالْحَذْفُ حَيْثُ وُثِقَا) أي: إذا كان الحديث عن ثقتين. (فَهْوَ أَخَفْ) لكن ينبغي أن لا يُسقط أحدَهما لِتَطَرُّقِ الاحتمال المذكور.
(وَإِنْ يَكُنْ عَنْ كُلِّ رَاوٍ قِطْعَهْ) أي: وإذا لم يكن سَمِعَ جميع الحديث من شيخ واحد، بل سَمِعَ قطعةً منه من شيخ، وقطعة من آخر، فما زاد (أَجِزْ بِلاَ مَيْزٍ بِخَلْطِ جَمْعَهْ) أي: فإنه يجوز له أن يخلط الحديث [٣٦ - أ] ويرويه عنهما أو عنهم جميعًا (مَعَ الْبَيَانِ) أنَّ عن كل شيخ بعض الحديث من غير تمييز لما سمعه من كلِّ [شيخ] (١) من الآخر.
(كَحَدِيْثِ الإِْفْكِ) في «الصحيح» (٢) من رواية الزهري حيث قال: حدثني عروة، وسعيد ابن المسيب، وعلقمة، وعبيد الله، عن عائشة قال: وكلٌّ قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أَوْعَى الحديث بعضهم من بعض، فذكر الحديث. (وَجَرْحُ بَعْضٍ) في مثل هذه الصورة (مُقْتَضٍ لِلتَّرْكِ) فَيُطْرَح جميع الحديث؛ لأنه ما من قطعة منه إلا وجائز أن تكون عن ذلك المجروح.
(وَحَذْفَ وَاحِدٍ مِنَ الإِسْنَادِ) فيما نحن فيه (فِي الصُّوْرَتَيْنِ)، صورة ما إذا كان
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من مطبوعة «شرح ألفية العراقي» ليست في الأصل.
(٢) البخاري (رقم ٢٦٦١) وقد كرره.
[ ٢٦٦ ]
الراويان، أو الرواة كلهم ثقات، وصورة ما إذا كان فيهم ضعيف. (امْنَعْ لِلاِزْدِيَادِ) أي: لأنك إذا حذفت واحد من الإسناد وأتيت بجميع الحديث فقد زدت على بقية الرواة ما ليس من حديثهم، وإن حذفت بعض الحديث لم يُعْلَم أن ما حذفته هو رواية مَنْ حَذَفْتَ اسمَه.
[ ٢٦٧ ]
آدَاْبُ الْمُحَدِّثِ
٦٨٤ - وَصَحِّحِ النِّيَّةَ فيِ التَّحْدِيْثِ وَاحْرِصْ عَلَى نَشْرِكَ لِلْحَدِيْثِ
٦٨٥ - ثُمَّ تَوَضَّأْ وَاغْتَسِلْ وَاسْتَعْمِلِ طِيْبًا وَتَسْرِيْحًا وَزَبْرَ الْمُعْتَلِي
٦٨٦ - صَوْتًا عَلى الْحَدِيْثِ وَاجْلِسْ بِأَدَبْ وَهَيْبَةٍ بِصَدْرِ مَجْلِسٍ وَهَبْ
٦٨٧ - لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبُ فَعُمْ وَلاَ تُحَدِّثْ عَجِلًا أَوْ إِنْ تَقُمْ
٦٨٨ - أَوْ فِي الطَّرِيْقِ ثُمَّ حَيْثُ احْتِيْجَ لَكْ فِي شَيْءٍ ارْوِهِ وَابْنُ خَلاَّدٍ سَلَكْ
٦٨٩ - بِأَنَّهُ يَحْسُنُ لِلْخَمْسِيْنَا عَامًا وَلاَ بَأْسَ لأَِرْبَعِيْنَا
٦٩٠ - وَرُدَّ. والشَّيْخُ بِغَيْرِ الْبَارِعِ خَصَّصَ لاَكَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيْ
(وَصَحِّحِ النِّيَّةَ فيِ التَّحْدِيْثِ) إذا تصديت لإسماع الحديث أو الإفادة فيه وأخلصها فإنما الأعمال بالنيات.
(وَاحْرِصْ عَلَى نَشْرِكَ لِلْحَدِيْثِ) فقد أمر ﵇ بالتبليغ عنه.
(ثُمَّ تَوَضَّأْ وَاغْتَسِلْ وَاسْتَعْمِلِ طِيْبًا وَتَسْرِيْحًا وَزَبْرَ الْمُعْتَلِي صَوْتًا عَلى الْحَدِيْثِ) لقوله تعالى؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ؟ [الحجرات:٢] فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته.
(وَاجْلِسْ بِأَدَبْ وَهَيْبَةٍ بِصَدْرِ مَجْلِسٍ) فقد رُوِيَ عن مالك (١) ﵁ أنه
_________________
(١) «المحدث الفاصل»: (ص٥٨٤).
[ ٢٦٨ ]
إذا كان (١) أراد أن يُحَدِّثَ توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسَرَّحَ لحيته، وتمكَّن من جلوسه بوقار وهيبة، وقال: أُحِبُّ أن أُعَظِّمَ حديثه ﷺ.
(وَهَبْ لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبُ فَعُمْ) أي: فلا تمتنع من تحديثه بل عُمَّ كُلَّ طالب علم؛ لقول معمر (٢): إن الرجل ليطلب العلم لغير الله تعالى فَيَأبَى عليه العلم حتى يكون لله ﷿.
(وَلاَ تُحَدِّثْ عَجِلًا) لقول مالك (٣): أُحِبُّ أن أَتَفَهَّمَ ما أُحدث به عن رسول الله ﷺ.
(أَوْ إِنْ تَقُمْ، أَوْ فِي الطَّرِيْقِ) فقد روي عنه أنه كان يكره أن [٣٦ - ب] يُحَدِّثَ في الطريق وهو قائم.
(ثُمَّ حَيْثُ احْتِيْجَ لَكْ فِي شَيْءٍ ارْوِهِ) هذا بيان للوقت الذي يَحْسُنُ فيه التصدي للإسماع والتحديث، فإن كان قد احتيج إلى ما عنده؛ عن الخطيب (٤): يجب عليه أن يُحدث لأن نشره عند الحاجة لازم. وعن ابن الصلاح (٥): يُستحب. (وَابْنُ خَلاَّدٍ سَلَكْ) في كتاب «المحدث الفاصل» (٦) (بِأَنَّهُ
_________________
(١) كذا وقد ضبب عليها الناسخ، وصوابها: «كان إذا».
(٢) انظر: «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٣٣٩ - ٣٤١)، و«جامع بيان العلم وفضله»: (٢/ ٢٢ - ٢٣).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٤٠٨).
(٤) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٣٢٣).
(٥) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٣٦).
(٦) (ص٣٥٢).
[ ٢٦٩ ]
يَحْسُنُ لِلْخَمْسِيْنَا عَامًا) أي: الحد الذي إذا بلغه الناقل حَسُنَ به أن يُحدث هو أن يستوفي الخمسين؛ لأن فيها مجتمع الأَشُد.
(وَلاَ بَأْسَ) بأن يحدث (لأَِرْبَعِيْنَا)؛ لأنها منتهى الكمال.
(وَرُدَّ) فقال القاضي عياض (١): كم من السلف المتقدمين ومَنْ بعدهم مِنْ المحدثين لم يستوف هذا العمر ومات قبله، وقد نشر من الحديث مالا يحصى.
(والشَّيْخُ) ابن الصلاح (٢) (بِغَيْرِ الْبَارِعِ خَصَّصَ)، فقال: ما ذكره ابن خلاد محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداءً من نفسه من غير براعة في العلم تَعَجَّلَتْ له قبل السن الذي ذكره، فهذا ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده.
(لاَكَمَالِكٍ) فإنه جلس وهو ابن نَيِّفٍ وعشرين سنة.
(وَالشَّافِعِيْ) فإنه أُخِذَ عنه العلم في سن الحداثة، وكذا جماعة، فالظاهر أن ذلك لبراعةٍ منهم في العلم تقدَّمت ظَهَرَ لهم معها الاحتياجُ إليهم فحدثوا قبل ذلك.
٦٩١ - وَيَنْبَغِي الإِْمْسَاكُ إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ وَبالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلاَّدٍ جَزَمْ
٦٩٢ - فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ لَمْ يُبَلْ كَأَنَسِ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ
٦٩٣ - وَالْبَغَوِيُّ وَالْهُجَيْمِيْ وَفِئَهْ كَالطَّبَرِيِ حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِائَهْ
_________________
(١) «الإلماع»: (ص٢٠٠ - ٢٠٢).
(٢) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٣٧).
[ ٢٧٠ ]
(وَيَنْبَغِي الإِْمْسَاكُ) عن التحديث (إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ)؛ فإنه يُخَافُ عليه أن يُخَلِّطَ ويروي ما ليس من حديثه.
(وَبالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلاَّدٍ جَزَمْ) (١) فقال: إذا تناهى العمر بالمحدث فَأَعْجَبُ إلىَّ أن يُمْسِكَ في الثمانين؛ فإنه حد الَهَرم. (فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ)، ورأيه مجتمعًا، يَعْرِفُ حديثه، ويقوم به، وتَحَرَّى أن يُحدث احتسابًا، (لَمْ يُبَلْ كَأَنَسِ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ) كسعد بن سهل، وشُريح، ومجاهد، وغيرهم، فإنهم حَدَّثوا بعد مجاوزة الثمانين.
(وَ) أبو القاسم عبد الله (الْبَغَوِيُّ، و) أبو إسحاق إبراهيم (َالْهُجَيْمِيْ، وَفِئَهْ كَالطَّبَرِيِ) وأبو طاهر السِّلَفي، وغيرهم، (حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِائَهْ) ولم يَتَغَيَّرْ أحد منهم.
٦٩٤ - وَينْبغي إمْسَاكُ الاعْمَى إنْ يَخَفْ وَأَِنَّ مَنْ سِيْلَ بِجُزْءٍ قَدْ عَرَفْ
٦٩٥ - رُجْحَانَ رَاوٍ فِيْهِ دَلَّ فَهْوَ حَقّْ وَتَرْكُ تَحْدِيْثٍ بِحَضْرَةِ الأَحَقّْ
٦٩٦ - وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
(وَينْبغي إمْسَاكُ الاعْمَى إنْ يَخَفْ) أن يُدْخَلَ عليه ما ليس من حديثه. (وَ) ينبغي (أَنَّ مَنْ سِيْلَ بِجُزْءٍ) أن يُقْرَأ عليه (قَدْ عَرَفْ) في بلدته أو غيرها (رُجْحَانَ رَاوٍ) غيره (فِيْهِ) بكونه أعلى [٣٧ - أ] إسنادًا منه، أو سماع غيره متصلًا بالسماع وفي طريقه هو إجازة، أو غير ذلك من الترجيحات، (دَلَّ) السائل على مَنْ هو أحق بذلك منه (فَهْوَ حَقّْ) لأنه من النصيحة في
_________________
(١) في «المحدث الفاصل»: (ص٢٣٧).
[ ٢٧١ ]
العلم.
(وَ) ينبغي (تَرْكُ تَحْدِيْثٍ بِحَضْرَةِ الأَحَقّْ) كان النخعي إذا اجتمع مع الشعبي لم يتكلم بشيء.
(وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ) قال ابن معين (١): الذي يحدث ببلدةٍ فيها أولى منه بالتحديث أحمق.
٦٩٧ - وَلاَ تَقُمْ لأَحَدٍ وَأَقْبِلِ عَلَيْهِمُ وَلِلْحَدِيْثِ رَتِّلِ
٦٩٨ - وَاحْمَدْ وَصَلِّ مَعْ سَلاَمٍ وَدُعَا فِي بَدْءِ مَجْلِسٍ وَخَتْمِهِ مَعَا
(وَلاَ تَقُمْ لأَحَدٍ) في حال التحديث سواءً كنت شيخًا أو قارئًا. قال أبو زيد المروزي: تكتب عليه خطيئة.
(وَأَقْبِلِ) عليهم. قال حبيب بن أبي ثابت (٢): من السُّنة إذا حَدَّث القوم أن يُقبل (عَلَيْهِمُ) جميعًا.
(وَلِلْحَدِيْثِ رَتِّلِ) ففي «الصحيحين» (٣) من حديث عائشة قالت: «إن النبي ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم».
(وَاحْمَدْ) الله (وَصَلِّ) على النبي ﷺ، (مَعْ سَلاَمٍ) عليه، (وَدُعَا) يليق بالحال (فِي بَدْءِ مَجْلِسٍ، وَخَتْمِهِ مَعَا).
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٣١٩).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٣٠٥).
(٣) البخاري (رقم ٣٥٦٧) معلقًا خلافًا لما يوهمه إطلاق المصنف، ومسلم (رقم ٢٤٩٣).
[ ٢٧٢ ]
٦٩٩ - وَاعْقِدْ لِلاِمْلاَ مَجْلِسًا فَذَاكَ مِنْ أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالاَخْذِ ثُمَّ إِنْ
٧٠٠ - تَكْثُرْ جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا مُحَصِّلًا ذَا يَقْظَةٍ مُسْتَوِيَا
٧٠١ - بِعَالٍ اوْ فَقَائِمًا يَتْبَعُ ما يَسْمَعُهُ مُبَلِّغًا أَوْ مُفْهِمَا
(وَاعْقِدْ) إذا كنت محدثًا عارفًا (لِلاِمْلاَ) أي: لإملاء الحديث (مَجْلِسًا فَذَاكَ مِنْ أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالاَخْذِ).
(ثُمَّ إِنْ تَكْثُرْ جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا). رُوِيَ أنه ﵇ خطب الناس بِمِنَى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عنه (١). (مُحَصِّلًا ذَا يَقْظَةٍ) لا كمستملي يزيد بن هارون حيث سُئِلَ عن حديث فقال (٢): ثنا به عِدَّة. فصاح المستملي: عِدَّةُ ابن مَن؟ فقال له: ابن فَقَدْتُك (٣).
(مُسْتَوِيَا بِعَالٍ) أي: وَلْيَكُن المستملي على موضع مرتفع مِنْ كرسي أو نحوه. (اوْ فَقَائِمًا) على قدميه، ليكون أبلغ للسامعين.
(يَتْبَعُ ما يَسْمَعُهُ) أي: وعليه أن يتبع لفظ المملي فيؤديه على وجهه من غير تغيير (مُبَلِّغًا أَوْ مُفْهِمَا) أي: وفائدته إبلاغ من لم يبلغه لفظ المملي، وإفهام من بلغه على بُعْدٍ ولم يتفهمه.
٧٠٢ - واسْتَحْسَنُوْا الْبَدْءَ بِقَارئ تَلاَ وَبَعْدَهُ اسْتَنْصَتَ ثُمَّ بَسْمَلاَ
_________________
(١) «سنن أبي داود» رقم (١٩٦٥) و«السنن الكبرى» للنسائي رقم (٤٠٩٤).
(٢) أي: يزيد.
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٦٧).
[ ٢٧٣ ]
٧٠٣ - فَالْحَمْدُ فَالصَّلاَةُ ثُمَّ أَقْبَلْ يَقُوْلُ: مَنْ أَوْمَا ذَكَرْتَ وَابَتهَلْ
٧٠٤ - لَهُ وَصَلَّى وَتَرَضَّى رَافِعًا وَالشَّيْخُ تَرْجَمَ الشُّيُوْخَ وَدَعَا
(واسْتَحْسَنُوْا الْبَدْءَ) في مجلس الإملاء (بِقَارئ تَلاَ) شيئًا من القرآن كان الصحابة إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.
(وَبَعْدَهُ) أي: بعد قراءة القارئ، (اسْتَنْصَتَ) المستملي أهلَ المجلس إن احتيج؛ لقوله ﵇ في حجة الوداع [٣٧ - ب]: «اسْتَنْصِت الناس» (١).
(ثُمَّ بَسْمَلاَ) أي: المستملي، (فَالْحَمْدُ، فَالصَّلاَةُ) أي: وحمد الله تعالى، وصَلَّى على النبي ﷺ.
(ثُمَّ أَقْبَلْ) أي: على الشيخ المحدِّث (يَقُوْلُ) له: (مَنْ) ذكرتَ؟ أي: مِنْ الشيوخ، (أَوْمَا ذَكَرْتَ) أي: من الأحاديث.
(وَابَتهَلْ لَهُ) بقوله: رحمك الله، أو غفر الله لك، أو نحوه. قال ابن أكثم: ما سُرِرْتُ بمثل قول المستملي: مَنْ ذكرتَ رحمك الله.
(وَصَلَّى) المستملي إذا انتهى في الإسناد إلى ذكر النبي ﷺ. (وَتَرَضَّى) إذا انتهى إلى ذكر بعض الصحابة. (رَافِعًا) صوته بذلك، وكذا على الأئمة.
(وَالشَّيْخُ) المملي (تَرْجَمَ الشُّيُوْخَ) الذين يحدِّثُ عنهم بذكر أنسابهم وبعض مناقبهم، (وَدَعَا) لهم بالمغفرة والرحمة.
_________________
(١) البخاري رقم (١٢١) ومسلم رقم (٦٥).
[ ٢٧٤ ]
٧٠٥ - وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
٧٠٦ - لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ
(وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ) أي: الاقتصار على ذِكْرِ لَقَبِ مَنْ غَلَبَ لقبه في الرواية، (كَغُنْدَرٍ) محمد بن جعفر، (أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ). كالأعمش، (أَوْ نَسَبْ لأُمِّهِ) كابن أم مكتوم، (فَجَائِزٌ، مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ). رُوِيَ عن يحيى بن معين أنه كأن يقول: ثنا إسماعيل بن علية. فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قُلْ إسماعيل بن إبراهيم؛ فإنه بلغني أنه كان يكره أن يُنْسَبَ إلى أمه. فقال: قد قبلنا منك يا مُعَلِّمَ الخير.
٧٠٧ - وَارْوِ فِي الاِمْلاَ عَنْ شُيُوْخِ قَدِّمِ أَوْلاَهُمُ وَانْتَقِهِ وَأَفْهِمِ
٧٠٨ - مَا فِيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ وَلاَ تَزِدْ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ فَوْقَ مَتْنٍ وَاعْتَمِدْ
٧٠٩ - عَالِيَ إِسْنَادٍ قَصِيْرَ مَتْنِ وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ خَوْفَ الْفَتْنِ
(وَارْوِ فِي الاِمْلاَ عَنْ شُيُوْخِ) ولا تقتصر على الرواية عن شيخ من شيوخك. (قَدِّمِ أَوْلاَهُمُ) في علو الإسناد أو من وجه آخر.
(وَانْتَقِهِ) أي: وانتقِ ما تمليه وتحرَّى المستفاد منه.
(وَأَفْهِمِ مَا فِيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ) فإن كان فيه كلام غريب فَسِّرْه، أو معنى غامض بَيِّنْه، وأَظْهِرْه، أو غير ذلك فَنَبِّه عليه.
(وَلاَ تَزِدْ) في إملائك (عَنْ كُلِّ شَيْخٍ فَوْقَ مَتْنٍ) واحدٍ؛ فإنه أَعَمُّ للفائدة، وأكثر للمنفعة.
(وَاعْتَمِدْ عَالِيَ إِسْنَادٍ قَصِيْرَ مَتْنِ، وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ) كأحاديث الصفات، (خَوْفَ
[ ٢٧٥ ]
الْفَتْنِ)، قال ابن مسعود (١): إن الرجل لَيُحَدِّثُ بالحديث فيسمعه من لم يَبْلُغْ عقلُه فَهْمَ ذلك الحديث فيكون علىه فتنة.
٧١٠ - وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ فِي الأَوَاخِرِ بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ
٧١١ - وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ مُتْقِنُ مَجَالِسَ الإِمْلاَءِ فَهْوَ حَسَنُ
٧١٢ - وَلَيْسَ بِالإِْمْلاءِ حِيْنَ يَكْمُلُ غِنًى عَنِ الْعَرْضِ لِزَيْغٍ يَحْصُلُ
(وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ) أي: إنشاد الشعر بأسانيده، (فِي الأَوَاخِرِ بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ). كان الزهري يقول لأصحابه (٢): هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم، فإن الأُذُن مَجَّة والقلبُ حَمِضٌ (٣).
(وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ) الذين ليسوا من أهل المعرفة بالحديث وعلله وغير ذلك، (مُتْقِنُ) من حُفَّاظ وقته (مَجَالِسَ الإِمْلاَءِ) أي: [٣٨ - أ] يستعين به في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قَبْلَ يوم مجلسه، (فَهْوَ حَسَنُ) فعله جماعة منهم أبو عمرو الهاشمي.
(وَلَيْسَ بِالإِْمْلاءِ حِيْنَ يَكْمُلُ غِنًى عَنِ الْعَرْضِ) أي: وإذا نجز الإملاء فلا غِنىً عن مقابلته وإتقانه وإصلاح ما فسد منه؛ (لِزَيْغٍ يَحْصُلُ) أي: لاحتمال زَيْغِ القلم وطُغيانه. قال زيد بن ثابت: كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ فإذا فرغت قال: اقرأْهُ فإن كان فيه سقطٌ أقامه.
_________________
(١) رواه مسلم في مقدمة «صحيحه»: (١/ ١١).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ١٣٠).
(٣) أي إن للقلب شهوة في استماع العلم والأُذن لا تعي ما تسمع ولكنها تُلقيه نسيانًا. «تاج العروس»: (٦/ ١٩٩).
[ ٢٧٦ ]
آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيْثِ
٧١٣ - وَأَخْلِصِ الّنِيَّةَ فِي طَلَبِكَا وَجِدَّ وَابْدَأْ بِعَوَاِلي مِصْرِكَا
٧١٤ - وَمَا يُهِمُّ ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلاَ لِغَيْرِهِ وَلاَ تَسَاهَلْ حَمْلاَ
(وَأَخْلِصِ الّنِيَّةَ فِي طَلَبِكَا) قال ﵇ (١): «من تَعَلَّمَ علمًا مما يُبتغي به وجهُ الله ﷿، لا يتعلمُهُ إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة».
(وَجِدَّ) في طلبك. قال ابن أبي كثير (٢): لا يُنال العلم براحة الجسد. (وَابْدَأْ بِعَوَاِلي مِصْرِكَا) قال الحافظ التميمي (٣): ينبغي لطالب الحديث أن يبدأ بِكَتْبِ حديث بلده، ومَعْرِفَةِ أهلِهِ منهم، وتفهمِهِ وضبطِهِ.
(وَمَا يُهِمُّ) قال أبو عبيدة (٤): من شغل نفسه بغير المهم أَضَرَّ بالمهم.
(ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلاَ لِغَيْرِهِ) من البلدان؛ لِتُحَصِّلَ علوَّ الإسناد، وقدمَ السماع، ولقاءَ الحفاظ، والمذاكرةَ لهم. قال ابن معين (٥): أربعة لا تؤنس منهم
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٣٦٦٤) و«سنن ابن ماجه»: (٢٥٢).
(٢) ساقه مسلم في «صحيحه» عقب (رقم ١٧٥).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٢٢٤).
(٤) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ١٦٠).
(٥) «الرحلة في طلب الحديث»: (ص٤٧) و«الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٢٢٥).
[ ٢٧٧ ]
رُشدًا: رجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث
(وَلاَ تَسَاهَلْ حَمْلاَ) أي: ولا يَحْمِلْنَّكَ الحرصُ والشَّرَهُ على التساهل في السماع والتَّحَمُّل والإخلال بما عليك في ذلك.
٧١٥ - وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَثَاقَلِ
٧١٦ - عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجُرُ وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ
٧١٧ - أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ
٧١٨ - مَا تَسْتَفيْدُ عَالِيًا وَنَاِزلاَ لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتًا عَاطلاَ
٧١٩ - وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
٧٢٠ - فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ
٧٢١ - وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ
٧٢٢ - أَوْ قَصُرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعَدْ
٧٢٣ - وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ إِمَّا خَطَّا أَوْ هَمْزَتَيْنِ أَوْ بِصَادٍ أَوْ طَا
(وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ) من الحديث (فِي الْفَضَائِلِ) أي: فضائل الأعمال. رُوِيَ أن رجلًا قال: يا رسول الله ما ينفي [عني] (١) حجة الجهل؟ قال: «العلم». قال: فماينفي عني حجة العلم؟ قال: «العمل» (٢).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح ألفية العراقي»: (٢/ ٤٢).
(٢) «مسند أحمد»: (٢/ ٨٣و ١٣٠و ١٤٧و ١٥٤).
[ ٢٧٨ ]
(وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ) قال مغيرة (١): كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير.
(وَلاَ تَثَاقَلِ عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجُرُ)؛ فإن الإضجار يُغَيِّر الأفهام، ويُفْسِدُ الأخلاق.
(وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ) قال مجاهد (٢): لا يَنَال العلمَ مُسْتَحٍ ولا متكبر.
(وَاجْتَنِبِ كَتْمَ السَّمَاعِ) إن ظفرت بشيخ، أو سماعٍ لشيخ، لتنفرد به عن أضرابك؛ (فَهْوَ لُؤْمٌ) من فاعله. روى الخطيب (٣) بإسناده إلى ابن عباس رفعه قال: «إخواني تناصحوا [٣٨ - ب] في العلم، ولا يَكْتُمُ بعضُكم بعضًا؛ فإن خيانةَ الرجل في علمه أشد من خيانته في ماله».
(وَاكْتُبِ مَا تَسْتَفيْدُ عَالِيًا وَنَاِزلاَ) أي: سواء وَقَعَتْ لك الفائدةُ بعلوٍّ أو نزول. قال وكيع (٤): لا يكون عالمًا حتى يأخذ عمن هو فوقَهُ، وعمن هو دونَهُ، وعمن هو مثلُهُ.
(لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتًا عَاطلاَ) أي: ولا تكن همتك تكثير الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصِيْتِهَا.
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ١٨٣).
(٢) «صحيح البخاري» عقب (رقم١٢٩).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ١٤٥).
(٤) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٢١٦).
[ ٢٧٩ ]
(وَمَنْ يَقُلْ) -وهو أبو حاتم الرازي (١) -: (إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ، ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ فَلَيْسَ مِنْ ذَا) بل يحتمل: استيعاب الكتاب المسموع، وترك انتخابه، أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حالة الرواية.
(وَالْكتَابَ تَمِّمِ سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ)؛ لأنك ربما احتجت بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبته منه.
(وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ) إما لعُسْرِ الشيخ، أو لكون الشيخ أو الطالب واردًا غَيْرَ مقيمٍ، ونحو ذلك، (لِعَارِفٍ) بجودة الانتخاب (أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ) فيكتب عن الشيخ مالا يجده عند غيره، ويتجنب المعاد من رواياته.
(أَوْ قَصُرَ) الطالب عن معرفة الانتخاب وجودته (اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ) على انتقاء ما لَهُ غَرَضٌ في سماعه وكتبه. (فَقَدْ كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعَدْ) فكان من المعروفين بحسن الانتقاء: أبو زرعة الرازي وجماعة.
(وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ) أي: وَجَرَت عادة الحفاظ أن يُعَلِّمُوا في أصل الشيخ على ما انتخبوه، (إِمَّا خَطَّا) أي: بخطٍّ عريضٍ بالحُمْرة في الحاشية اليسرى، عَلَّمَ به الدارقطني، وعَلَّم اللالكائي على أَوَّلِ إسناد الحديث بخطٍّ صغيرٍ بالحُمرة، وعليه عمل المتأخرين. (أَوْ هَمْزَتَيْنِ) بحبر في الحاشية اليمنى. عَلَّمَ بهما أبو الفضل الفَلَكي. (أَوْ بِصَادٍ) ممدودة بِحِبْرٍ في الحاشية اليمنى. عَلَّم بها أبو الحسن النُّعَيْمِي. (أَوْ طَا) ممدودة كذلك عَلَّم بها أبو محمد الخلَّال. وفائدته لأجل المعارضة، أو ليُمسك الشيخُ أصلَه، أو لاحتمال
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٢٢٠).
[ ٢٨٠ ]
ذهاب الفرع.
٧٢٤ - وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْن فَهْم نَفَعَا
٧٢٥ - وَاقْرَأْ كِتَابًا فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ كَابْنِ الصَّلاَحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ
(وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا) أي: على سماع الحديث (وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْن فَهْم نَفَعَا) أي: ولا على كتبه دون معرفته وفهمه، قال أبو عاصم النبيل (١): الرياسة في الحديث بلا دراية رياسة نَذِلَة.
(وَاقْرَأْ كِتَابًا فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ) حفظًا وتَفَهُّمًا لتعرف [٣٩ - أ] مصطلح أهله، (كَابْنِ الصَّلاَحِ) أي: ككتابه، (أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ) وهو هذه الأرجوزة.
٧٢٦
وَبِالصَّحِيْحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ
وَالْبَيْهَقِيْ ضَبْطًَا وَفَهْمًَا ثُمَّ ثَنْ
٧٢٧ - بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ
٧٢٨ - وَعِلَلٍ، وَخَيْرُهَا لأَِحْمَدَا وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيْخُ غَدَا
٧٢٩ - مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيِّ
٧٣٠ - وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ وَالأَكْمَلُ الإِْكْمَالُ لِلأَمِيْرِ
(وَبِالصَّحِيْحَيْنِ) للبخاري ومسلم (ابْدَأَنْ) سماعًا، (ثُمَّ السُّنَنْ) لأبي داود، والنسائي، والترمذي، وكتاب ابن خزيمة، (وَ) سنن (الْبَيْهَقِيْ ضَبْطًَا) لمشكلها، (وَفَهْمًَا) لخفيِّ معانيها.
(ثُمَّ ثَنْ بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ) أي: بما تَمَسُّ حاجةُ صاحبِ الحديث إليه (مِنْ
_________________
(١) «المحدث الفاصل»: (ص٢٥٣) و«الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ١٨١).
[ ٢٨١ ]
مُسْنَدِ) كمسند (أَحْمَدَ)، وابن راهويه، (وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ) أي: ومن الجوامع المصنفة في الأحكام كموطأ مالك.
(وَعِلَلٍ) أي: ثم الكتب المتعلقة بعلل الحديث، (وَخَيْرُهَا لأَِحْمَدَا وَالدَّارَقُطْنِي).
(وَالتَّوَارِيْخُ) أي: ثم تواريخ المحدثين (غَدَا مِنْ خَيْرِهَا) التاريخ (الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ) أي: للبخاري. (وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيِّ) هو ابن أبي حاتم.
(وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ) أي: ثم كتب الضبط لمشكل الأسماء. (وَالأَكْمَلُ) منها: (الإِْكْمَالُ لِلأَمِيْرِ) أي: كتاب «الإكمال» لأبي نصر بن ماكولا.
٧٣١ - وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرِ بِهِ وَالاتْقَانَ اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
٧٣٢ - إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ في التَّصْنِيْفِ
٧٣٣ - طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا أَوْ مُسْنَدًَا تُفْرِدُهُ صِحَابَا
٧٣٤ - وَجَمْعُهُ مُعَلَّلًا كَمَا فَعَلْ يَعْقُوْبُ أَعْلَى رُتْبَةً وَمَاكَمَلْ
(وَاحْفَظْهُ) أي: الحديث (بِالتَّدْرِيْجِ) قليلًا قليلًا، في (١) الحديث «خذوا من الأعمال ما تطيقون» (٢).
(ثُمَّ ذَاكِرِ بِهِ) قال عبد الله بن المعتز (٣): مَنْ أَكْثَرَ مذاكرة العلماء لم يَنْسَ ما
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: «ففي». كما في «شرح الألفية»: (٢/ ٥٣).
(٢) «صحيح البخاري»: (٣/ ٥٠).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ٢٧٦).
[ ٢٨٢ ]
عَلِمَ، واستفاد ما لم يَعْلَم.
(وَالاتْقَانَ اصْحَبَنْ) قال ابن مهدي (١): الحفظ الإتقان.
(وَبَادِرِ إذا تَأَهَّلْتَ) للتأليف والتخريج، واستعدَّيْت (إلى التَّأْلِيْفِ تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ) قال بعضهم: من أراد الفائدة فَلْيَكْسِرْ قَلَمَ النسْخ، وليأخذ قلم التخريج.
(وَهْوَ) أي: الحديث (في التَّصْنِيْفِ طَرِيْقَتَانِ: جَمْعُهُ أبوابَا) على أحكام الفقه وغيرها، كالكتب الستة. (أَوْ مُسْنَدًَا تُفْرِدُهُ صِحَابَا) أي: والثانية على مسانيد الصحابة، كُلّ مُسْنَدٍ على حدة. فإن شئت رَتِّبْ أسماء الصحابة على حروف المعجم، وإن شئت على القبائل، وإن شئت على قدر سوابق الصحابة في الإسلام.
(وَجَمْعُهُ) أي: الحديث (مُعَلَّلًا كَمَا فَعَلْ يَعْقُوْبُ) بن شيبة فإنه جمع مسندًا معللًا، (أَعْلَى رُتْبَةً)؛ فإن معرفة المعلل أجل أنواع الحديث.
(وَمَاكَمَلْ) مُصَنَّفُ يعقوب، وقيل: لم يَتِمّْ مسندٌ معللٌ قطُّ.
٧٣٥ - وَجَمَعُوْا أبوابًا اوْ شُيُوخًَا اوْ تَرَاجُمًَا أَوْ طُرُقًَا وَقَدْ رَأَوْا
٧٣٦ - كَراهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ كَذَاكَ الاخْرَاجُ بِلاَ تَحْرِيْرِ
(وَجَمَعُوْا) أي: وعادة أهل الحديث أن يَخُصُّوا بالجمع (أبوابًا اوْ شُيُوخًَا اوْ تَرَاجُمًَا أَوْ طُرُقًَا) كإفراد باب واحد بالتصنيف، كباب النية أفرده ابن أبي الدنيا. [٣٩ - ب]
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (٢/ ١٣).
[ ٢٨٣ ]
وجَمْع شيوخٍ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده، كجمع حديث الفضيل بن عياض للنسائي.
وجمع ما جاء بترجمة واحدة من الحديث، كمالك عن نافع عن ابن عمر.
وجمع طرق حديث واحد، كطرق حديث «قبض العلم» للطُّوسي.
(وَقَدْ رَأَوْا كَراهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ) أي: لمن هو قاصر عن جودة التأليف.
(كَذَاكَ الاخْرَاجُ) أي: إخراج التصنيف إلى الناس (بِلاَ تَحْرِيْرِ).
[ ٢٨٤ ]
الْعَالِي وَالنَّازِلُ
٧٣٧ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ النُّزُوْلَ وَهْوَ رَدّْ
٧٣٨ - وَقَسَّمُوْهُ خَمْسَةً فَالأَوَّلُ قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ وَهْوَ الأَفْضَلُ
٧٣٩ - إِنْ صَحَّ الاسْنَادُ وَقِسْمُ القُرْبِ إلى إِمَامٍ وَعُلُوٍّ نِسْبِي
٧٤٠ - بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ
(وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ) قاله الحاكم (١) وغيره. وذَكَرَ حديث أنس في مجيء الأعرابي وقوله: يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا .. (٢) الحديث. فلو كان طلبُ العلو في الإسناد غيرَ مستحبٍّ لأنكر عليه سؤاله عما أخبره رسوله عنه.
(وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ) من أهل النظر (النُّزُوْلَ) في الإسناد؛ لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله، وفي الناقل وتعديله، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابًا.
(وَهْوَ رَدّْ) لأنه كلما كَثُرَ رجال الإسناد، تَطَرَّقَ إليه احتمالُ الخلل. (وَقَسَّمُوْهُ) أي: العلو (خَمْسَةً: فَالأَوَّلُ: قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ) ﷺ من حيث العدد، (وَهْوَ الأَفْضَلُ) أي: أفضل أنواع العلو، (إِنْ صَحَّ الاسْنَادُ) أما
_________________
(١) في «معرفة علوم الحديث»: (ص١١٢).
(٢) «صحيح مسلم»: (رقم ١٢).
[ ٢٨٥ ]
إن كان قُرْبُ الإسناد مع ضَعْفِ بعض الرواة فلا التفات إلى هذا العلو.
(وَقِسْمُ القُرْبِ) أي: والقسم الثاني: القرب (إلى إِمَامٍ) من أئمة الحديث كالأعمش.
(وَعُلُوٍّ نِسْبِي بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ) أي: والثالث: العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين وبقية الكتب الستة، فليس هذا علوًا (١) مطلقًا في جميع هذا القسم، وإنما هو بالنسبة لهذه الكتب؛ (إِذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ) أي: إذ الراوي لو روى الحديث من طريق كتاب من الستة يقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها.
٧٤١ - فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ الْمُوَافَقَهْ
٧٤٢ - أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ
٧٤٣ - فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ
(فَإِنْ يَكُنْ) من روى حديثًا في أحد الكتب الستة بإسناد لنفسه من غير طريقها (فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ) أي: قد اجتمع مع أحد الستة في شيخه (مَعَ عُلُوٍّ) هذا الطريق الذي رواه منه على ما لو رواه من طريق أحد الكتب الستة (فَهُوَ الْمُوَافَقَهْ).
(أوْ) إن يكن وافقه في (شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ) أي: مع العلو أيضًا (فَالْبَدَلْ) أي: فهو البدل.
(وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًّا قَدْ حَصَلْ) بأن كان بين الراوي وبين [٤٠ - أ] الصحابي
_________________
(١) في الأصل: علو. وما أثبتناه من «شرح الألفية»: (٢/ ٦٢) وهو مقتضى اللغة.
[ ٢٨٦ ]
أو مَنْ قَبل الصحابي إلى شيخ أحد الستة كما بين أحد الستة وبين ذلك أو مَنْ قَبله، أو كان بينه وبين النبي ﷺ كما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي ﷺ من العدد، (فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ).
(وَحَيْثُ رَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ) أي: وإن يكن رَجَح أحدٌ من الأئمة الستة براوٍ واحدٍ على الراوي الذي وقع له ذلك الحديث، (فَالْمُصَاَفَحَهْ) أي: فهو المصافحة كأن الراوي لقي أحد الأئمة الستة وصافحه بذلك الحديث.
٧٤٤ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ
٧٤٥ - لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا
(ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ) أي: والقسم الرابع من أقسام العلو: تقدُّم وفاة الراوي عن شيخ على وفاة راوٍ آخر عن ذلك الشيخ.
(أَمَّا الْعُلُوُّ) بتقدم موت الشيخ (لاَ مَعَ الْتِفَاتِ لآخَرٍ) أي: لأمر آخر، أو شيخ آخر، متى يوصف بالعلو؟ (فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا) أي: قال ابن جوصا (١): إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو وقال ابن منده: إذا مَرَّ على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال.
٧٤٦ - ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ وَضِدَّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ
٧٤٧ - وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء»: (١٥/ ١٦). وابن جوصا هو: الحافظ شيخ الشام أبو العباس أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا الدمشقي، المتوفى سنة (٣٧٢هـ)، ترجمته في المصدر السابق.
[ ٢٨٧ ]
(ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ) أي: والخامس من العلو: تقدُّم السماع، فمن تقدم سماعه من شيخ كان أعلى ممن سمع من ذلك الشيخ بعده.
(وَضِدَّه النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ) فَكُلُّ قِسْمٍ من أقسام العلو الخمسة ضده قسمٌ من أقسام النزول.
(وَحَيْثُ ذُمَّ) النزول كقول ابن المديني (١): النزول شؤم. وابن معين (٢): النازل قُرْحَةٌ في الوجه. (فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ) أي: فهو محمول على ما إذا لم يكن مع النزول ما يجبره كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أفقه أو كونه متصلًا بالسماع وفي العالي إجازة أو نحوه (وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ) قال نظام المُلْك (٣): عندي أن الحديث العالي ما صَحَّ عن رسول الله ﷺ، وإن بَلَغَت رواتُهُ مائة.
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ١٢٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: «المقنع»: (٢/ ٤٢٥) ونظام الملك ترجمته في «السير»: (١٩/ ٩٤ - ٩٦).
[ ٢٨٨ ]
الغَرِيْبُ، وَالْعَزِيْزُ، وَالْمَشْهُوْرُ
٧٤٨ - وَمَا بِهِ مُطْلَقًا الرَّاوِي انْفَرَدْ فَهْوَ الْغَرِيْبُ وَابْنُ مَنْدَةَ فَحَدْ
٧٤٩ - بِالإِْنْفِرَادِ عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ فَإِنْ عَلَيْهِ يُتْبَعُ
٧٥٠ - مِنْ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ فَالْعَزِيْزُ أَوْ فَوْقُ فَمَشْهُوْرٌ وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا
٧٥١ - مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ ثُمَّ قَدْ يَغْرُبُ مُطْلَقًا أَوِ اسْنَادًا فَقَدْ
ج
(وَمَا بِهِ مُطْلَقًا الرَّاوِي انْفَرَدْ) أي: والحديث الذي ينفرد به بعض الرواة، (فَهْوَ الْغَرِيْبُ)، وكذا الذي ينفرد به بعضهم بأمرٍ لا يذكره فيه غيره، إما في متنه أو سنده.
(وَ) أبو عبد الله (ابْنُ مَنْدَةَ فَحَدْ بِالإِْنْفِرَادِ عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ) [٤٠ - ب] كحديث الزهري وشبهه ممن يُجمع حديثه إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا.
(فَإِنْ عَلَيْهِ يُتْبَعُ من وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ) أي: فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا، (فَالْعَزِيْزُ) أي: فيسمى بالعزيز.
(أَوْ فَوْقُ) بأن روى الجماعة عنهم حديثًا (فَمَشْهُوْرٌ).
(وَكُلٌّ قَدْ رَأَوْا مِنْهُ الصَّحِيْحَ وَالضَّعِيْفَ) أي: ووصفه بهذا لا ينافيه بالصحة
[ ٢٨٩ ]
والضعف (١)، فقد يكون مشهورًا صحيحًا، أو ضعيفًا، أو غريبًا، وعزيزًا كذلك.
(ثُمَّ قَدْ يَغْرُبُ) الحديث (مُطْلَقًا) أي: متنًا وإسنادًا، وهو الذي ينفرد برواية متِنِه راوٍ واحد. (أَوِ اسْنَادًا فَقَدْ) أي: لا متنًا، كالذي متنه معروفٌ مرويٌ عن جماعة من الصحابة إذا تفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر كان غريبًا من ذلك الوجه.
٧٥٢ - كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ أَيْضًا قَسَّمُوْا لِشُهْرِةٍ مُطْلَقَةٍ كَـ «الْمُسْلِمُ
٧٥٣ - مَنْ سَلِمَ الْحَدِيْثَ» وَالْمَقْصُوْرِ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهُوْرِ
٧٥٤ - «قُنُوتُهُ بَعْدَ الرُّكُوْعِ شَهْرَا» وَمِنْهُ ذُوْ تَوَاتُرٍ مُسْتَقْرَا
٧٥٥ - فِي طَبَقَاتِهِ كَمَتْنِ «مَنْ كَذَبْ» فَفَوْقَ سِتِّيْنَ رَوَوْهُ وَالْعَجَبْ
٧٥٦ - بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ لَلْعَشَرَهْ وَخُصَّ بِالأَمْرَيْنِ فِيْمَا ذَكَرَهْ
٧٥٧ - الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهِمْ، قُلْتُ: بَلَى «مَسْحُ الخِفَافِ» وَابْنُ مَنْدَةٍ إلَى
٧٥٨ - عَشْرَتِهِمْ «رَفْعَ اليَدَيْنِ» نَسَبَا وَنَيَّفُوْا عَنْ مِائَةٍ «مَنْ كَذَبَا»
(كَذَلِكَ الْمَشْهُوْرُ أَيْضًا قَسَّمُوْا) أي: كما قسموه إلى صحيح وضعيف قسموه (لِشُهْرِةٍ مُطْلَقَةٍ) بين أهل الحديث وغيرهم (كَـ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْحَدِيْثَ»)
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل والأولى: «لا ينافي الصحة والضعف» كما هي عبارة الناظم في «شرحه»: (٢/ ٧٣).
[ ٢٩٠ ]
أي: «من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» (١).
(وَالْمَقْصُوْرِ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْ مَشْهُوْرِ) أي: وإلى ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصةً (قُنُوتُهُ بَعْدَ الرُّكُوْعِ شَهْرَا) أي: كحديث أنس: «أنه ﵇ قنت شهرًا بعد الركوع يدعو على رَعْل وذكوان» (٢).
(وَمِنْهُ ذُوْ تَوَاتُرٍ) أي: وينقسم المشهور أيضًا باعتبارٍ آخر إلى ما هو متواتر، وإلى ما هو مشهور غير متواتر، فالمتواتر الذي ينقله عددٌ يحصل العلم بصدقهم، (مُسْتَقْرَا فِي طَبَقَاتِهِ) أي: ولابد من وجود ذلك في رواته من أوله إلى منتهاه، (كَمَتْنِ «مَنْ كَذَبْ) عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار»، (فَفَوْقَ سِتِّيْنَ) من الصحابة (رَوَوْهُ. وَالْعَجَبْ بِأَنَّ مِنْ رُوَاتِهِ لَلْعَشَرَهْ) أي: ومِنْ رواته: العشرة المشهود لهم بالجنة.
(وَخُصَّ) هذا الحديث (بِالأَمْرَيْنِ فِيْمَا ذَكَرَهْ الشَّيْخُ) ابن الصلاح (٣) (عَنْ بَعْضِهِمْ) وأبهمه فقال: ليس في الدنيا حديث اجتمع على روايته العشرة وغيرهم غيره، ولا يُعرف حديث رُوِىَ عن أكثر من ستين نفسًا من الصحابة إلا هذا الحديث.
قال المصنف (قُلْتُ: بَلَى مَسْحُ الخِفَافِ) أي: ما ذكره منقوضٌ بحديث
_________________
(١) البخاري رقم (١٠) ومسلم رقم (٤٠).
(٢) البخاري رقم (٢٦٤٧) ومسلم رقم (٤٨١).
(٣) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٦٩).
[ ٢٩١ ]
المسح على الخفين، فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة، ومنهم العشرة (١).
(وَابْنُ مَنْدَةٍ إلَى عَشْرَتِهِمْ رَفْعَ اليَدَيْنِ نَسَبَا) أي: عزا حديث «رفع اليدين» إلى رواية [٤١ - أ] العشرة أيضًا (٢).
(وَنَيَّفُوْا عَنْ مِائَةٍ مَنْ كَذَبَا) أي: ورووا حديث: «من كَذَبَ عليَّ متعمدًا» عن مائة ونَيِّفٍ من الصحابة (٣).
_________________
(١) انظر: «قطف الأزهار»: (ص٥٢).
(٢) انظر: «قطف الأزهار»: (ص٩٥).
(٣) انظر: «قطف الأزهار»: (ص٢٣ - ٢٤).
[ ٢٩٢ ]
غَرْيِبُ أَلْفَاْظِ الأَحَاْدِيْثِ
٧٥٩ - وَالنَّضْرُ أَوْ مَعْمَرُ خُلْفٌ أَوَّلُ مَنْ صنَّفَ الْغَرِيْبَ فِيْمَا نَقَلُوْا
٧٦٠ - ثُمَّ تَلَى أبو عُبَيْدٍ وَاقْتَفَى القُتَبِيُّ ثُمَّ حَمْدٌ صنَّفَا
٧٦١ - فَاعْنِ بِهِ وَلاَ تَخُضْ بالظَّنِّ وَلاَ تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
٧٦٢ - وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ
٧٦٣ - كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيْ، وَالْحَاكِمُ فَسَّرَهُ الْجِمَاعَ وَهْوَ وَاهِمُ
(وَالنَّضْرُ) بن شُمَيل، (أَوْ مَعْمَرُ) بن المُثَنَّى، (خُلْفٌ أَوَّلُ مَنْ صنَّفَ الْغَرِيْبَ فِيْمَا نَقَلُوْا) قال الحاكم (١): أول من صنف الغريب في الإسلام النَّضْرُ بن شُمَيْل. وقال الطبري (٢): قيل: إن أول من جمع في هذا الفن شيئًا أبو عبيدة معمر بن المثنى.
(ثُمَّ تَلَى أبو عُبَيْدٍ) القاسم بن سلَّام بعد المائتين فجمع كتابه المشهور.
(وَاقْتَفَى) عبد الله بن مسلم (القُتَبِيُّ)، وزاد على أبي عبيد.
(ثُمَّ حَمْدٌ) الخطَّابي (صنَّفَا) وزاد على القُتَبي. (فَاعْنِ بِهِ) أي: اجعله من
_________________
(١) «معرفة علوم الحديث»: (ص٢٩٥).
(٢) في كتابه «تقريب المرام في غريب القاسم بن سلام» كما في «فتح المغيث»: (٤/ ٤١٥).
[ ٢٩٣ ]
عنايتك واشتغل به، (وَلاَ تَخُضْ بالظَّنِّ). قال: أحمد بن حنبل (١) حين سُئل عن حرف: اسألوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن.
(وَلاَ تُقَلِّدْ) من الكتب المصنفة في الغريب (غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ) أي: إلا ما كان مصنفوها أئمةً في هذا الشأن، فَمَنْ لم يكن من أهله يتصرف فيُخطئ. (وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ) أي: الغريب (بِالْوَارِدِ) أي: بما جاء مفسَّرًا به في بعض طرق الحديث. (كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ) قال ﵇ لابن صائد: قد خبأتُ لك خبيئًا قال: فما هو؟ قال: الدُّخ (٢) فالدُّخ هنا الدخان وهو لغةٌ فيه. (كَذَاكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيْ) فإنه روى (٣) في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال له: إني قد خبأت لك خبيئة. وقال الترمذي: خبيئًا. وخبَّأ له؟يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ؟ [الدخان:١٠]،قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
(وَالْحَاكِمُ (٤) فَسَّرَهُ) أي: فَسَّرَ الدُّخ (الْجِمَاعَ) فقال: سألت الأُدَبَاء عن تفسير الدُّخ فقال: يَدُخُّها ويَزُخُّها بمعنىً واحد.
(وَهْوَ وَاهِمُ) قال ابن الصلاح (٥): لم أر في كلام أهل اللغة أن الدُّخ بالدال هو الجماع، وإنما ذكروه بالزاي فقط.
_________________
(١) «العلل ومعرفة الرجال»: (رواية المروذي): (رقم ٤١٣).
(٢) البخاري رقم (٦٦١٨) ومسلم رقم (٢٢٤٤).
(٣) رقم (٥١٩).
(٤) «معرفة علوم الحديث»: (ص٢٧٤) وانظر منه: (ص٣٠٢) حاشية (١).
(٥) ليس هذا من كلام ابن الصلاح بل من كلام الناظم في شرحه على الألفية (٢/ ٩٠)، وراجع العبارة بتمامها هناك ليظهر لك جليًا أن الأمر التبس على المصنف هنا.
[ ٢٩٤ ]
الْمُسَلْسَلُ
٧٦٤ - مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا فِيْهِ الرُّوَاةُ وَاحِدًا فَوَاحِدَا
٧٦٥ - حَالًا لَهُمْأوْ وَصْفًا اوْ وَصْفَ سَنَدْ كَقَوْلِ كُلِّهِمْ: سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ
٧٦٦ - وَقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضَعْفًا يَحْصُلُ
٧٦٧ - وَمِنْهُ ذُوْ نَقْصٍ بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ كَأوَّلِيَّةٍ وَبَعْضٌ وَصَلَهْ
(مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا فِيْهِ الرُّوَاةُ) أي: رجال إسناده (وَاحِدًا فَوَاحِدَا حَالًا لَهُمْأوْ وَصْفًا اوْ وَصْفَ سَنَدْ) أي: على حالة واحدة، أو صفة واحدة، سواءً كانت الصفة للرواة، أو للإسناد.
(كَقَوْلِ كُلِّهِمْ) أي: كل رواته: (سَمِعْتُ) فلانًا (فَاتَّحَدْ) أي: فاتحد لفظ الأداء في جميع الرواة فصار [٤١ - ب] مسلسلًا بذلك.
وكحديث تسلسل قص الأظفار بيوم الخميس، ونحو ذلك.
(وَقَسْمُهُ إلى ثَمَانٍ مُثُلُ) أي: والذي ذكره الحاكم (١) فيها إنما هو صُوَرٌ وأمثلهٌ ثمانية لا أنه منحصرٌ فيها.
(وَقَلَّمَا يَسْلَمُ) المسلسل (ضَعْفًا يَحْصُلُ) في وصف التسلسل لا في أصل المتن.
_________________
(١) «معرفة علوم الحديث»: (ص١٧٨ - ١٨٧).
[ ٢٩٥ ]
(وَمِنْهُ ذُوْ نَقْصٍ) أي: من المسلسل ما هو ناقص التسلسل، (بِقَطْعِ السِّلْسِلَهْ) في وسطه أو أوله أو آخره؛ (كَأوَّلِيَّةٍ) أي: كحديث عبد الله بن عمرو المسلسل بالأولية (١)؛ فإن التسلسل فيه بالأولية انقطع في سماع عمرو من أبي قابوس (٢)، وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو، وفي سماع عبد الله من النبي ﷺ.
(وَبَعْضٌ وَصَلَهْ) ولا يصح ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلسلًا الأيوبي في «المناهل السلسة»: (ص٦).
(٢) كذا في الأصل، والصواب أنه انقطع في سماع سفيان من عمرو وعمرو من أبي قابوس .. إلخ. «شرح الألفية»: (٢/ ٩٥).
[ ٢٩٦ ]
النَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوْخُ
٧٦٨ - وَاَلنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابقَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِلاَحِقٍ وَهْوَ قَمِنْ
٧٦٩ - أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَكَانَ الشَّافِعِي ذَا عِلْمِهِ ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ
٧٧٠ - أَوْ صَاحِبٍ أَوْ عُرِفَ التَّارِيْخُ أَوْ أُجْمِعَ تَرْكًا بَانَ نَسْخٌ وَرَأَوْا
٧٧١ - دَلاَلَةَ الإِجْمَاعِ لاَ النَّسْخَ بِهِ كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ
(وَاَلنَّسْخُ رَفْعُ الشَّارِعِ السَّابقَ مِنْ أَحْكَامِهِ بِلاَحِقٍ) من أحكامه (١). والمرادُ (٢) قطعُ تَعَلُّقِهِ بالمكلَّفين.
واحترز بـ «رفع» عن بيانِ مجمل.
و«الشارع» عن إخبار بعض من شاهَد النسخ من الصحابة.
و«السابق» عن التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء، ونحوه.
و«من أحكامه» (٣) عن رفع الإباحة الأصلية.
وبـ «لاحق» عن انتهاء الحكم بانتهاء الوقت.
_________________
(١) عَرَّف العراقي النسخ في شرحه (٢/ ٩٦) بقوله: «فهو عبارة عن: رفع الشارع حكمًا من أحكامه سابقًا، بحكم من أحكامه لاحقًا». وما يأتي من كلام متعلق بهذا الحد، فكان الأولى بالمختصِر أن يذكره.
(٢) أي: برفع الحكم.
(٣) من قوله: رفع الشارع حكمًا «من أحكامه» سابقًا
[ ٢٩٧ ]
و«من أحكامه» (١) عن رفع الحكم بموت المكلَّف، أو زوال التكليف بجنون، أو نحوه.
(وَهْوَ قَمِنْ) أي: وعلم الناسخ والمنسوخ حقيقٌ (أَنْ يُعْتَنَى بِهِ).
(وَكَانَ الشَّافِعِي ذَا عِلْمِهِ) قال أحمد (٢): ما علمنا ناسخَ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي.
(ثُمَّ بِنَصِّ الشَّارِعِ) على النسخ. (أوْ) بنصِّ (صَاحِبٍ) من الصحابة. (أَوْ عُرِفَ التَّارِيْخُ) للواقعتين. (أَوْ أُجْمِعَ تَرْكًا) على العمل بحديث (بَانَ نَسْخٌ) أي: يتبين النسخ ويعرف بهذه.
(وَرَأَوْا دَلاَلَةَ الإِجْمَاعِ) أي: ومنه ما يُعْرَفُ بالإجماع (لاَ النَّسْخَ بِهِ) أي: والإجماع لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ ولكن يدلُّ على وجود ناسِخ غيره.
(كَالْقَتْلِ فِي رَابِعَةٍ بِشُرْبِهِ) أي: كقوله ﵇: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» (٣) فإنه منسوخٌ عُرِفَ نسخُه بانعقاد الإجماع على ترك العمل به.
_________________
(١) من قوله: بحكم «من أحكامه» لاحقًا.
(٢) أخرجه الحازمي في «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار»: (ص٤).
(٣) «سنن أبي داود»: (رقم ٤٤٨٢) والترمذي: (١٤٤٤).
[ ٢٩٨ ]
التَّصْحِيْفُ
٧٧٢ - وَالْعَسْكَرِيْ وَالدَّارَقُطْنِيْ صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا
٧٧٣ - فِي الْمَتْنِ كَالصُّوْلِيِّ «سِتًّا» غَيَّرْ «شَيْئًا»، أوِ الإِسْنَادِ كَابْنِ النُّدَّرِ
٧٧٤ - صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ: «بُذَّرُ» بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ
٧٧٥ - وَأَطْلَقُوْا التَّصْحِيْفَ فِيْمَا ظَهَرَا كَقَوْلِهِ: «احْتَجَمَ» مَكَانَ «احْتَجَرا»
٧٧٦ - وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالأَحْدَبُ بِأَحْوَلٍ تَصْحِيْفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا
٧٧٧ - وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ ظَنَّ الْقَبِيْلَ بحَدِيْثِ «الْعَنَزَهْ»
٧٧٨ - وَبَعْضُهُمْ ظَنَّ سُكُوْنَ نَوْنِهْ فَقالَ: شَاَةٌ خَابَ فِي ظُنُوْنِهْ
(وَ) أبو أحمد (الْعَسْكَرِيْ، وَ) أبو الحسن (الدَّارَقُطْنِيْ، صَنَّفَا فِيْمَا لَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا).
فمنه ما هو تصحيف (فِي الْمَتْنِ) أي: متن الحديث.
(كَالصُّوْلِيِّ سِتًّاغَيَّرْ شَيْئًا) بالمعجمة والياء آخر الحروف (١) [٤٢ - أ] لما أملى في الجامع حديث أبي أيوب مرفوعًا: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال» (٢).
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٢٩٦).
(٢) مسلم رقم (١١٦٤).
[ ٢٩٩ ]
(أوْ) في (الإِسْنَادِ، كَابْنِ النُّدَّرِ) بالنون المضمومة وفتح الدال المهملة المشددة، (صَحَّفَ فِيْهِ الطَّبَرِيُّ قالاَ بُذَّرُ بالبَاءِ وَنَقْطٍ ذَالاَ)؛ لأنه قال فيمن روى عن النبي ﷺ من بني سليم: ومنهم عتبة بن البُذَّر.
(وَأَطْلَقُوْا) أي: أطلق مَنْ صَنَّفَ في التصحيفِ (التَّصْحِيْفَ فِيْمَا ظَهَرَا) أي: على ما لا تشتبه حروفه بغيره، وإنما أخطأوا فيه روايةً، (كَقَوْلِهِ: احْتَجَمَ مَكَانَ احْتَجَرا) أي: كما صَحَّفَ ابنُ لهيعة في حديث زيد بن ثابت: «أن رسول الله ﷺ احتجر في المسجد» (١) فقال: احتجم بالميم (٢).
(وَوَاصِلٌ بِعَاصِمٍ وَالأَحْدَبُ بِأَحْوَلٍ تَصْحِيْفَ سَمْعٍ لَقَّبُوا) أي: وتصحيف السمع وهو أن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه والحروف مختلفة، فيشتبه على السَّمْع؛ كحديثٍ لعاصم الأحول بجعله عن واصل الأحدب وعكسه، وكخالد بن عَلْقَمة بمالك بن عُرْفُطة.
(وَصَحَّفَ الْمَعْنَى إِمَامُ عَنَزَهْ) أي: ومثال تصحيف المعنى قول أبي موسى محمد بن المثنى العَنَزي (٣): نحن قومٌ لنا شرف نحن مِنْ عَنَزَة قد صلى النبي ﷺ إلينا. (ظَنَّ الْقَبِيْلَ بحَدِيْثِ الْعَنَزَهْ) وهو ما روي: أن
_________________
(١) البخاري رقم (٥٧٦٢) ومسلم (٧٨١).
(٢) «التمييز» لمسلم: (ص١٨٧)، وأخرجه أحمد مصحفًا كذلك في «مسنده»: (٥/ ١٨٥).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»: (١/ ٢٩٥).
[ ٣٠٠ ]
النبي ﷺ صلى إلى عَنَزَة (١) والمراد: الحربة تُنْصَبُ بين يديه.
(وَبَعْضُهُمْ) حكاه الحاكم (٢) عن أعرابي (ظَنَّ سُكُوْنَ نَوْنِهْ فَقالَ): كان ﷺ إذا صلى نُصِبَتْ بين يديه (شَاَةٌ). فصحفها عَنْزَة بإسكان النون، ثم رواه بالمعنى. (خَابَ فِي ظُنُوْنِهْ)؛ لأنه أخطأ فيه من وجهين.
_________________
(١) البخاري رقم (٤٧٧) ومسلم رقم (٥٠١).
(٢) «معرفة علوم الحديث»: (ص٤٣٩).
[ ٣٠١ ]
مُخْتَلِفُ الْحَدِيْثِ
٧٧٩ - وَالْمَتْنُ إِنْ نَافَاهُ مَتْنٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلاَ تَنَافُرُ
٧٨٠ - كَمَتْنِ «لاَ يُوْرِدُ» مَعْ «لاَ عَدْوَى» فَالنَّفْيُ لِلطَّبْعِ وَفِرَّ عَدْوَا
٧٨١ - أَوْلاَ فَإِنْ نَسْخٌ بَدَا فَاعْمَلْ بِهِ أَوْ لاَ فَرَجِّحْ وَاعْمَلَنْ بِالأَشْبَهِ
(وَالْمَتْنُ إِنْ نَافَاهُ) في الظاهر (مَتْنٌ آخَرُ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ) بينهما بوجهٍ صحيحٍ ينفي الاختلاف بينهما، (فَلاَ تَنَافُرُ) بل يَتَعيَّنُ الجمع.
(كَمَتْنِ: «لاَ يُوْرِدُ) مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» (١) (مَعْ) قوله ﵇: («لاَ عَدْوَى» (٢) فَالنَّفْيُ لِلطَّبْعِ) أي: وجه الجمع: أنَّ «لا عدوى» نفيٌ لما كان يعتقدُهُ الجاهلية والحكماء أن هذه الأمراض تعدى بطبعها، ولذا قال: فمن أعدى الأول. أي: إن الله هو الخالق لذلك بسبب وغير سبب. وقوله: «لا يورد» بيانٌ لما يخلقه الله من الأسباب عند المخالطة للمريض [٤٢ - ب] وقد يتخلف ذلك عن سببه.
(وَفِرَّ عَدْوَا) أي: مسرعًا. أي: وكذا قوله ﵇: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (٣).
_________________
(١) البخاري رقم (٥٧٧١) ومسلم رقم (٢٢٢١).
(٢) البخاري رقم (٥٧٧٣) ومسلم رقم (٢٢٢٥ - ١١٦).
(٣) هذا هو الشطر الأخير من حديث: «لا يورد ممرض على مصح ».
[ ٣٠٢ ]
(أَوْلاَ) أي: وإن لم يمكن الجمع بينهما، (فَإِنْ نَسْخٌ بَدَا) بأن عُرِفَ المتأخر منهما، (فَاعْمَلْ بِهِ) أي: بالناسخ، وهو المتأخر منهما.
(أَوْ لاَ) أي: وإن لم يدل دليل على النسخ، (فَرَجِّحْ وَاعْمَلَنْ بِالأَشْبَهِ) أي: بالأرجح منهما، كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم، كما ذُكِرَ في المطوَّلات.
[ ٣٠٣ ]
خَفِيُّ الإِرْسَالِ، وَالْمَزِيْدُ فِي الإِسْنَادِ
٧٨٢ - وَعَدَمُ السَّمَاعِ وَالِلِّقَاءِ يَبْدُو بِهِ الإِرْسَالُ ذُوْ الْخَفَاءِ
٧٨٣ - كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ فِي السَّنَدْ إِنْ كَانَ حَذْفُهُ بِعَنْ فِيْهِ وَرَدْ
٧٨٤ - وَإِنْ بِتَحْدِيْثٍ أَتَى فَالْحُكْمُ لَهْ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ قَدْ حمَلَهْ
٧٨٥ - عَنْ كُلٍّ الاَّ حَيْثُ مَا زِيْدَ وَقَعْ وَهْمًا وَفِي ذَيْنِ الْخَطِيْبُ قَدْ جَمَعْ
(وَعَدَمُ السَّمَاعِ وَالِلِّقَاءِ يَبْدُو بِهِ الإِرْسَالُ ذُوْ الْخَفَاءِ) أي: وخفي الإرسال أن يروي عن من سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عن من لقيه ولم يسمع منه، أو عَمَّنْ عاصره ولم يلقه، فَيُعْرف عدم اللقاء أو عدم السماع منه مطلقًا، أو لذلك الحديث، بنصِّ بعضِ الأئمة، أو بوجهٍ صحيح.
(كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ فِي السَّنَدْ) أي: ويُعرف إذا وَرَدَ في بعضِ طرقِ الحديثِ زيادةُ اسمِ راوٍ بينهما. والصواب التفصيل في هذا؛ فيحكم بإرساله (إِنْ كَانَ حَذْفُهُ بِعَنْ فِيْهِ وَرَدْ) أي: إن كان الإسناد الخالي عن الراوي الزائد وَرَدَ بلفظ «عن» في ذلك، وكذا ما لا يقتضي الاتصال كـ «قال» ونحوها (١). ويجعل معللًا بالإسناد الذي ذكر فيه الراوي.
(وَإِنْ بِتَحْدِيْثٍ أَتَى فَالْحُكْمُ لَهْ) أي: وإن كان بلفظ يقتضي الاتصال كحدثنا ونحوه، فالحكم للإسناد الخالي عن الراوي الزائد؛ لأن معه الزيادة وهي
_________________
(١) قوله: كـ «قال» ونحوها. ملحق في الحاشية اليمنى.
[ ٣٠٤ ]
إثبات سماعه منه، (مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ قَدْ حمَلَهْ عَنْ كُلٍّ) أي: ويجوز أن يكون سمع ذلك من رَجُلٍ عنه، ثم سمعه منه نفسه. (الاَّ حَيْثُ مَا زِيْدَ وَقَعْ وَهْمًا) أي: إلا أن توجد قرينة تدل على كون الطريق الزائد وهمًا.
(وَفِي ذَيْنِ) وهما: الإرسال الخفي، والمزيد في متصل الإسناد (الْخَطِيْبُ قَدْ جَمَعْ) أي: صَنَّفَ كتابين مشهورين (١).
_________________
(١) سَمَّى الأول: «التفصيل لمبهم المراسيل»، والثاني «تمييز المزيد في متصل الأسانيد». «شرح السيوطي»: (ص٣٤٩).
[ ٣٠٥ ]