(كتابة الحديث وضبطه)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فيستأنف درس الألفية على غير موعده المعتاد، كان المعتاد أن يكون في الدورات الصيفية، لكنه قدم استعجالًا لإنهاء الكتاب؛ لأهميته، وحاجة طلاب العلم إليه، علمًا بأن المادة متعلقة بهذا الفن، علوم الحديث، انتهت يعني تقريبًا، ولم يبق إلا مُلح هذا العلم، ومكملاته، أما أصوله التي يبنى عليها، والقواعد التي يعتمد عليها في هذا العلم فالغالب أنه انتهى، يعني ما بقي إلا كما يعبر عنه أهل العلم بالملح المكملة، وإلا فأصول الرواية انتهت، يعني ما يحصل به التصحيح والتضعيف فرغنا منه، وبقي الآن ما يتعلق بالتدوين، والضبط، وغيره مما يشرح -إن شاء الله- في هذه الفترة، ولعلنا نحتاج إلى فترة أخرى مماثلة لنستطيع بذلك إكمال الكتاب.
سم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين يا ذا الجلال والإكرام.
قال الحافظ العراقي -﵀- تعالى: كتابة الحديث وضبطِه.
وضبطُه.
أحسن الله إليك.
كتابة الحديث وضبطُه:
واختلف الصحاب.
[ ٢٧ / ١ ]
يعني هذا بالنسبة للعطف على المتضايفين يورث مثل هذا، العطف على المتضايفين يورث مثل هذا الخطأ الذي وقع فيه الشيخ؛ لأن الواو كما تعلمون عاطفة، والمعطوف هل هو تابع للمضاف فيرفع، أو تابع للمضاف إليه فيجر؟ وليست هناك قاعدة مطردة في مثل هذا، وإنما المعنى والسياق هو الذي يحدد، ومثله جميع التوابع، فإذا قلت: مررت بغلام زيد الفاضل، هذا إشكال، الفاضل نعت للمضاف وإلا المضاف إليه؟ لأيهما؟ فلا يستطيع أحد أن يجزم، لا سيما وأنه موافق للجزأين في الإعراب، فزيد مجرور بالحرف، لكن السياق هو الذي يحدد، فإذا كان الحديث عن زيد فالوصف له، وإن كان الحديث والسياق لغلامه فالتابع له، وهنا كتابة الحديث إذا قلنا وضبطِه، العطف على نية تكرار العامل، يعني لا بد أن يكون المعنى كتابة الحديث وكتابة ضبطه، وإذا قلنا: كتابة الحديث وضبطُه فالمقصود كتابة الحديث وضبط الحديث، نعم.
واختلف الصحاب والأتباع في كتبة الحديث والإجماع
على الجواز بعدَهم بالجزم لقوله: اكتبوا وكتب السهمي
وينبغي إعجام ما يستعجم وشكل ما يشكل لا ما يفهم
وقيل: كله لذي ابتداء وأكدوا ملتبس الأسماء
وليك في الأصل وفي الهامش مع تقطعيه الحروف فهو أنفع
ويكره الخط الدقيق إلا لضيق رق أو لرحَّال فلا
وشره التعليق والمشق كما شر القراءة إذا ما هذرما
وينقط المهمل لا الحا أسفلا أو كتب ذاك الحرف تحت مثلا
أو فوقه قلامة أقوال والبعض نقط السين صفًا قالوا
وبعضهم يخط فوق المهمل وبعضهم كالهمز تحت يجعل
وإن أتى برمز راو ميزا مراده واختير أن لا يرمزا
وتنبغي الدارة فصلًا وارتضى إغفالها الخطيب حتى يعرضا
وكرهوا فصل مضاف اسم الله منه بسطر إن يناف ما تلاه
واكتب ثناء الله والتسليما مع الصلاة للنبي تعظيما
وإن يكن أسقط في الأصل وقد خولف في سقط الصلاة أحمد
وعله قيد بالرواية مع نقطه كما رووا حكاية
والعنبري وابن المديني بيضا لها لإعجال وعادا عوضا
واجتنب الرمز لها والحذفا منها صلاة أو سلامًا تكفى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
[ ٢٧ / ٢ ]
أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- الناظم الحافظ العراقي: "كتابة الحديث وضبطه" يعني تدوين الحديث.
العرب كما قال النبي -﵊-: «أمة أمية، لا نكتب، ولا نحسب»، "أمة أمية"، والنبي -﵊- أمي، لا يقرأ، ولا يكتب، لا يقرأ المكتوب، لكن معولهم على الحفظ، وهذا هو الأصل في الرواية، كما تقدم في الطريق الأول من طرق التحمل، الذي هو السماع من لفظ الشيخ، هذا هو الأصل، ودرج على ذلك العرب في جاهليتهم، وفي أول الإسلام، وتميزوا بالحفظ، فكانوا يحفظون الكلام الطويل الذي يشتمل على غريب الألفاظ من مرة، أو مرتين، أو ثلاث بالكثير، كثير منهم يحفظ من مرة، وحفظ ابن عباس قصيدة عمر بن أبي ربيعة خمسة وسبعين بيت من مرة، والعرب كان اعتمادهم على الحفظ، وهكذا، من يعتمد على شيء يضبطه، ويتقنه، وكان الناس إلى وقت قريب معولهم على الحفظ، كثير من العامة يضبط أموره، ويتذكرها في أمور تجارته، وزراعته، وغيرهما من الأعمال دون كتابه، ولا يفوته شيء، ولا يفوتهم شيء، والذي يعتمد على الحفظ تجد حتى من العامة يحفظ الأرقام، ويحفظ الأسماء، ويحفظ ما يتعلق بأمور دنياه، لكن لما اعتمد الناس على الكتابة ضعف الحفظ، ومن أجل ذلك جاء النهي عن الكتابة في أول الأمر، كما في حديث أبي سعيد عند مسلم، وغيره، من قوله -﵊-: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا غير القرآن فليمحه» كل هذا محافظة على هذه الغريزة، غريزة الحفظ، والصفة الثابتة التي تسمى ملكة، أن يفرق بين الصفات والملكات، بأن الملكة هي الصفة الثابتة الراسخة، هذه ملكة، ملكة الحفظ، والناس متفاوتون فيها، تجد زيدًا أحفظ من عمرو، والعكس أحيانًا.
[ ٢٧ / ٣ ]
الناس يتفاوتون في هذه الحافظة، والإنسان في مراحل عمره تتفاوت عنده هذه الحافظة، قد تزداد، وقد تنقص؛ لأنها ملكة أصلها غريزي ثابت، وتقبل التنمية، والزيادة بالمعاناة، فقد يكون الإنسان في أول أمره ضعيف في الملكة الغريزية الأصلية، ثم يعاني الحفظ، ويكثر منه فتزاد عنده، وتنشط عنده هذه الملكة، كما أن الصفات كذلك، العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، وغيرها، يعني منها ما هو غريزي، ومنها ما هو مكتسب، تنمو هذه الملكة بالتنمية، والمعاناة، وقد تضعف بالإهمال، تضعف بالإهمال، وهذا واقع، في مراحل العمر لا شك أن الصغر مع فراغ البال عن المشاغل في الغالب أقوى في الحفظ، ولذا يقولون: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر في الغالب؛ لأن الفهم وهو مرحلة تلي هذه المرحلة يعين على الحفظ، فالمرحلة الأولى اللي هي مرحلة الصبا والطفولة ينبغي أن تستغل بالحفظ، ولو لم يفهم، يفهم فيما بعد، وهذا مر بنا، ومر بغيرنا، يعني في المرحلة الابتدائية حفظنا أشياء ما ندري ويش معناها؟ لكن عرفناها فيما بعد، وكذلك في المرحلة المتوسطة، كنا ندرس المتون كالألغاز، ومع ذلك في النهاية صارت موجودة، وفهمناها فيما بعد، هذا لا يضر، يعني الدعوات التي تدعو إلى أن الطفل لا يعلم إلا ما يفهم، هذه ليست بصحيحة، هذا تضييع لعمره من غير فائدة؛ لأن الفهم عنده ضعيف، فانتظار الفهم بالحفظ هذا تضييع للوقت، ونسمع الآن، ورأينا فلتات يعني يأتي صبي في الخامسة في السادسة يحفظ، يعني صبية في الرابعة سمعنا منها سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي، حفظ، لا تقرأ، ولا تكتب، ما تعرف الحروف، لكن لقنت فتلقنت، فمثل هذا السن ينبغي أن يستغل بالحفظ، إذا تقدمت به السن لا شك أن الفهم يقوى عنده، فإذا قلَّت مشاغله، واستغل الحفظ مع الفهم اجتمع عنده أركان التحصيل، مع النية الصالحة، ثم بعد ذلك تأتي العوارض، والعوائق، يتزوج، تناط به أعمال، ويكلف من قبل أهله، ومجتمعه بتكاليف لا شك أنها تعوقه، تضعف عنده الحفظ لوجود المعارض، أولًا: العلم وجد قلبًا خاويًا، فتمكن، لكنه الآن وجد محلًا مشغولًا بأمور أخرى، وحينئذٍ يضعف، يضعف في هذا السن لوجود المعارض، وأما الضعف الملاحظ فيكون في المراحل الأخيرة
[ ٢٧ / ٤ ]
من العمر، إذا بدأت القوى كلها تضعف.
الماوردي يرى أن الحفظ لا يزيد ولا ينقص، الشخص حافظته واحدة سواءً كان صبيًا، أو شابًا، أو كهلًا، أو شيخًا، ما ..، على وتيرة واحدة، وهذا الكلام الواقع يردُّه، أشار إلى هذا في أدب الدنيا والدين، لكن الواقع يرده، هو يقول: إن الضعف ليس بسبب ضعف الحافظة، وإنما هو لوجود المعارض، نعم وجود المعارض مؤثر، والحافظة كغيرها، الحافظة كغيرها، السمع يضعف، البصر يضعف، القوى كلها تضعف، العقل يضعف، يعني إذا تعدى مرحلة الكهولة إلى الشيخوخة، وبدأ يرد إلى أرذل العمر إلى أن يفقد كل شيء، لا، الماوردي يقول: لا، هو على وتيرة واحدة إلى آخر عمره، إلا من أصيب بآفة أذهبت عقله، هذا ليس الحديث عنه، وهذا لا يمكن أن يخالف فيه لا ماوردي، ولا غيره.
على كل حال على الإنسان أن يحرص على الحفظ، فالحفظ هو العلم في الحقيقة، يعني:
ليس العلم ما حوى القمطرُ بل العلم ما حواه الصدر
[ ٢٧ / ٥ ]
القمطر الدواليب التي تحفظ فيها الكتب، يعني الاعتماد على الكتب، هذا ليس بعلم، نعم هو علم بالقوة القريبة من الفعل لا بالفعل، بمعنى أن الإنسان لو ابتعد عن كتبه صار إذا سئل ما أجاب، وإذا أراد أن يحدث ما استطاع، إذا كان عمدته، ومعوله على الكتب، فعلى الإنسان أن يكون معوله على الحفظ، الاعتماد على الكتابة لا شك أنها أضعف الحفظ، وقلنا: إن النهي في أول الأمر بسبب هذا، وأيضًا كما قال أهل العلم: إن النهي خشية أن يلتبس الحديث بالقرآن، خشية أن تضعف الحافظة للاعتماد على الكتابة، أو خشية أن يلتبس الحديث بالقرآن، ثم بعد ذلك نسخ هذا النهي، واستقر الإجماع على جواز الكتابة، وبعد أن كان الناس معولهم على الحفظ، والحافظة عندهم تسعفهم؛ لاعتمادهم عليها، اعتمد كثير منهم على الكتابة، فالنتيجة أن الحافظة ضعفت، يعني الإنسان الذي يعتمد في حفظ الأرقام على ذاكرته يستحضر هذه الأرقام متى شاء، لكن من دون الرقم في مذكرته، لو قيل له بعد دقيقة: أعد الرقم، ما استطاع، ما يستطيع؛ لأن القصد إلى الحفظ مهم في الحفظ، القصد إليه، ولذلك تجد كثير من الناس يسمع دعاء القنوت يردد مرارًا في رمضان، وفي النهاية إذا قيل له: أعد، ما أعاد، تسمع المصلي مثلًا في صلاة الجمعة يسمع من الخطيب كلمات تكرر في كل خطبة، لكنه لم يقصد حفظها، ما قصد الحفظ، لكن لو قصد الحفظ لا شك أنه يهتم به، فيثبت عنده، وبعد ذلك استقر الإجماع على جواز الكتابة، والنتيجة ما سمعتم، يعني كان الصدر الأول يتميزون بالحفظ، وفيهم الأئمة الحفاظ الكبار، ثم بعد ذلك تتابع الناس على الكتابة، وأجمعوا عليها، فضعفت الحافظة، والكتاب أحد نوعي الضبط، وهو معتمد عند أهل العلم، والرواية منه صحيحة، لكن الإنسان الذي يعتمد على كتابه إن ابتعد عنه ما استطاع أن يستحضر، إن تلف كتابه، أو احترق اختلط، إن حرف كتابه، أو تعدى عليه أحد بتغيير، أو شيء ضعف في روايته بسبب هذا التغيير.
[ ٢٧ / ٦ ]
استمر الناس على الكتابة إلى القرن الثاني عشر، أوأواخر الحادي عشر، جاءت الطباعة، يعني في القرن الحادي عشر جاءت الطباعة، فماذا حصل؟ تخوف المشفقون من أهل العلم على العلم بسبب الطباعة، فأفتى بعض شيوخ الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية، قالوا: اطبعوا تاريخ، أدب، لغة، أما الكتب الشرعية لا تجوز طباعتها، هذا شفقة على العلم، لماذا؟ لأنه إذا كانت الكتابة، والعالم، أو طالب العلم يتولى كتابه بنفسه مضعفة للعلم، ومضعفة للحفظ، فماذا عن الطباعة ويتولاها غيرك، يعني أنت احتجت إلى كتاب، قبل الطباعة ماذا تصنع؟ إما أن تستعير الكتاب، وتديم النظر فيه، إلى أن تحفظ ما تحاج منه، أو تنسخ الكتاب تكتبه، وإذا كتبته على أن الكتابة أضعف من الحفظ الكتابة ترسخ الحفظ، يعني معين على التحصيل، نعم ليست بدرجة الحفظ لكنها دونه، وهي مع ذلك أفضل بكثير من أن تشتري الكتاب جاهزًا، آحاد الطلاب الآن يملك مكتبة كبيرة، يعني عموم طلاب العلم عندهم مكتبات، لما تيسرت الطباعة، وبذلت الكتب، تجد طالب العلم عنده عشرين دالوب، مائة دالوب فيه ألوف المجلدات، لكن لو تقول له: عدد أسماء هذه الكتب ما استطاع، فضلًا عن كونه يعرف محتوى هذه الكتب، ولو على سبيل الإجمال، يعني بعض الناس عنده حرص، إذا اشترى الكتاب تصفح الكتاب، وأخذ تصور تام عن الكتاب، هذا طيب، لكن بعض الناس يشتري تركات، ويرص بها الدواليب، وهذا آخر عهده بالكتاب، تصوروا طالب علم اشترى فتح الباري، وجلس عنده ثلاثين سنة، أربعين سنة ما فتح الكتاب، لكن لو ما وجدت الطباعة، واحتاج إلى كلام الحافظ على هذا الحديث ماذا يصنع؟ إما أن يستعير الكتاب، وينظر، ويقرأ، وإذا قرأ في شيء لا يمكث عنده؛ لأن بقاء الكتاب لا شك أنه يطيل الأمل في قراءته، الكتاب موجود، إذا ما حرص عليه الآن بكرة -إن شاء الله-، غدًا، إذا جاء الغد؛ قال: اليوم أنا مشغول بعده، لكن إذا كان الكتاب ما هو لك، مستعيره لمدة خمسة أيام، لا بد أن تنظر فيه هذه المدة، صاحب الكتاب لن يصبر أكثر من ذلك، فهذا هو السبب في ضعف التحصيل عند طلاب العلم.
[ ٢٧ / ٧ ]
تيسير الحصول على الكتب، تيسر الحصول على الكتب لا شك أنه صار على حساب التحصيل، استمر الناس في معاناة الكتب المطبوعة، وهم يتفاوتون، منهم الحريص، ومنهم المفرط، إلى أن جاءت هذه الآلات، هذه الآلات ..، الكتب إذا احتجت مسألة رجعت إلى الكتاب، رجعت إلى الكتاب، وتجد قبل الوقوف على هذه المسألة مسائل تستفيد منها، لكن ماذا عن هذه الآلات التي لا يعترضك أي مسألة غير المسألة التي تريدها بضغطة زر تطلع على ما تريد، ثم خلاص، تغلق الآلة، استفدت هذه المسألة، لكن الذي يحصل بمثل هذا اليسر، وهذه السهولة لا شك أنه عرضة للنسيان؛ لأن الشيء الذي يؤخذ بسرعة بسهولة يفقد بسرعة، هذه سنة إلهية لكن الشيء الذي يؤخذ بمعاناة وتعب لا شك أنه يثبت، مثال ذلك: احتجت كتابًا فذهبت إلى المكتبة وجدته في أول دالوب، وأخذته، ومشيت، بعد كم سنة يقال لك: كيف حصلت على هذا الكتاب؟ ما تدري، لكن لو أن هذا الكتاب ذهبت إلى المكتبات، ودرت مكتبات البلد كلها ما وجدته، ثم راسلت، ثم كذا، ثم وقفت عليه في غير مظنته، تجد أن هذه المعاناة ثابتة في ذهنك، يعني قد لا يحتاج إليها مثل الأمور، لكنها مثال للمسائل العلمية، المسائل العلمية إذا لم تتعب عليها فإنك تفقدها بسرعة، والذي يعول، ويعتمد على هذه الآلات لا سيما إذا لم يكن في تحصيله متانة فلا شك أنه عرضة للزوال، علمه عرضة للزوال، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
وقت الكلام، وقت الحديث لا شك أنه موجود، يعني، لا يكتبون، ولا يقرءون، وعلى رأسهم النبي -﵊-، وعلى الخلاف في المراد بمعنى الأمية، فإن كان المراد به عدم القراءة والكتابة كما هو الشائع؛ فهو وصف ارتفع في الغالب، في الغالب ارتفع، وإن كان المراد به الانتساب إلى النبي الأمي -﵊-؛ فالوصف لازم.
"واختلف الصِّحاب" بكسر الصاد "والأتباع" الصِّحاب جمع صاحب، والأتباع يعني من تبعهم، اختلف الصحابة والتابعون، والصِّحاب بكسر الصاد أفصح من فتحها، كما أنه إذا التحقت به التاء الفتح أفصح من الكسر، الصَّحابة "والأتباع في كتبة الحديث" يعني في كتابته:
. . . . . . . . . في كتبة الحديث والإجماع
[ ٢٧ / ٨ ]
على الجواز بعدهم بالجزم . . . . . . . . .
يعني استقر الإجماع على جواز الكتابة، وحديث أبي سعيد الذي ذكرناه نُسخ بقوله -﵊- عام الفتح: «اكتبوا لأبي شاه» رجل من أهل اليمن سمع الخطبة النبوية، فقال: اكتبوا لي، فقال النبي -﵊-: «اكتبوا لأبي شاه» "وكتب السهمي" عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، كان يكتب، قال أبو هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر مني حديثًا من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب، ولا أكتب"، واستأذن النبي -﵊- في الكتابة فأذن له، فهذا دليل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وبعضهم يقول: إن حديث أبي سعيد معلول، رفعه معلول، والمرجح وقفه بدليل أن البخاري لم يخرجه، ولو كان رفعه ثابتًا لخرجه! لا، هذا الكلام ليس بشيء، هذا الكلام ضعيف، حديث تخريج مسلم له يكفي، التصحيح، وليس كل الأحاديث الصحيحة خرجها البخاري، وترك من الصحاح أكثر كما قال، كتب بعض الصحابة، وكثير من التابعين، ثم جاء التدوين الرسمي الذي تبناه عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد حيث أمر ابن شهاب الزهري أن يكتب السنة؛ لئلا تضيع، وأما القرآن فقد كتب في عهد الخليفة الراشد عثمان -﵁ وأرضاه-، وأمن من التباس القرآن بغيره، فأمر عمر بن عبد العزيز ابن شهاب أن يكتب السنة، ووزعت –أيضًا- على الأقطار، مع أنها محفوظة في الصدور؛ لأن العصر الأول القرن الأول جيل حفظ.
"وكتب السهمي"
وينبغي إعجام ما يستعجم وشكْل ما يُشكِل لا ما يفهم
وقيل: كله لذي ابتداء وأكدوا ملتبس الأسماء
ينبغي إعجام ما يستعجم، الإعجام هو النقط، وكانت الحروف غير منقوطة في العصر الأول، وكيف يفرق بين الجيم، والحاء، والخاء؟ يفرق بالسياق، وإلا كانت كلها مهملة، ويقال: إن أول من نقط المصاحف الحجاج، وله عناية بالقرآن، مع ما عنده من ظلم -نسأل الله العافية-، لكن له عناية بالقرآن، ومن ذلك أمره، أو فعله، أو أمره بإعجام القرآن، نقط الحروف المعجمة.
وينبغي إعجام ما يستعجم . . . . . . . . .
[ ٢٧ / ٩ ]
الإعجام هو النقط، ولذلك يفرقون في الضبط يقولون: بالسين المهملة، أو بالشين المعجمة، فدل على أن مرادهم بالإعجام النقط.
كلام الناظم -﵀-: "ينبغي إعجام ما يستعجم" أن هناك حروف يجوز إهمالها، هل هذا مفهوم كلامه، وإلا لا؟ ينبغي إعجام ما يستعجم، المفهوم الأول: أن هناك حروف معجمة لا تعجم، إنما يعجم ما يستعجم، يعني ما يكون بالنسبة للقارئ كالكلام الأعجمي بحيث لا يفهم بغير إعجام، ظاهر، وإلا ما هو بظاهر؟ هذا فهم.
أو نقول: إن المراد بقوله:
وينبغي إعجام ما يستعجم . . . . . . . . .
أن ما يستعجم هي الحروف المعجمة، لكن إذا قلنا بهذا الفهم، ويش معنى ينبغي؟ يعني يُستحسن، لا يلزم، يعني ليس بلازم، إذا قلنا: ينبغي، فما معنى قوله: ينبغي، يستحسن إعجام ما يستعجم؟ يعني النقط ليس بلازم؟ لازم، وإلا ما هو بلازم؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
النقط؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني يجوز أن تترك الجيم بدون نقطة؟
طالب: كتابة لا نطقًا.
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن يجوز أن نكتب الجيم بلا نقطة، يعني حاء مهملة؟
طالب:. . . . . . . . .
إذن معنى ما ينبغي؛ لأن ينبغي معناها يستحسن، نعم.
طالب: يقال ما المقصود بينبغي هنا.
[ ٢٧ / ١٠ ]
والإشكال هنا أنه لو قال: يجب، الوجوب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى دليل شرعي، والدليل انقطع قبل الإعجام؛ لأن الإعجام حصل في عهد الحجاج، الدليل انقطع من الكتاب والسنة انتهى، ما في دليل على الوجوب، إلا أن الاستدلال بالقواعد الشرعية على الوجوب ظاهرة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يعني كيف تقرأ النصوص بغير إعجام، يعني ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يعني من يلزمه التعلم؛ لأن التعلم فرض كفاية، ولا يتم هذا التعلم إلا بالإعجام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكأنه تحرى في هذه اللفظة خشية من أن يكون قد قال على الله بغير علم، لكن ظاهر يعني مسألة الإعجام، وإن كانت متأخرة الصدر الأول ليسوا بحاجة إلى الإعجام، يعني يقرؤون الكلام عادي، سواءً نقط، أو ما نقط، والسياق يدل، يعني لما قرأ القارئ، والنحل باسقات، قالت امرأة: لاسعات؛ لأنه هو المناسب للنحل، فهم يفهمون من خلال السياق، ما يحتاجون إلى نقط، بعد ذلك احتاجوا إلى الإعجام، والحاجة ماسة، يعني الآن ما يمكن يقرأ كتاب بالحروف المهملة، إذا كانت حروف مهملة، ويراد بها المعجمة، ما يمكن يقرأ، افترض أن الألفية ما فيها نقط، كيف تقرأ اختلف؟ بعض الكلمات واضحة من خلال السياق، لكن كثير منها ما يتضح، كيف يقرأ الكتاب، الحرف المعجم كيف يقرأ وهو مهمل؟ لا سيما وأن صور الحروف متشابهة، دعنا ممن عمد إلى كتاب، فألفه بالحروف المهملة، يعني يوجد تفسير كله بالحروف المهملة، هذا لو أعجم فسد معناه؛ لأن المؤلف قصد أن يكون التأليف كله ..، الكتاب من أوله إلى آخره بالحروف المهملة، لو أعجم هذا الكتاب فسد، لكن المقصود كتاب فيه حروف مختلفة، منها المعجم، ومنها المهمل، فيلزم إعجام المعجم.
. . . . . . . . . وشكل ما يُشكِل لا ما يفهم
[ ٢٧ / ١١ ]
يعني الكلمة المشكلة تَشْكَل، أما الكلمة غير المشكلة لا تشكل، يعني هل هناك من داع لضبط "قال"، و"قام" بفتح القاف، وسكون اللام، وفتح القاف، وسكون الألف، وفتح اللام في قال؟ نحتاج إلى مثل هذا؟ هل نحتاج إلى ضبطه؟ يمكن أن تنطق هذه الكلمة بغير هذا اللفظ؟ ما يمكن، فلا نحتاج إلى ضبطها، لكن بعض الألفاظ نحتاج إليها، لا سيما الأسماء؛ لأن المتون قد يستدل على ضبط الكلمة بما قبلها، وما بعدها، لكن الأعلام، والنسب سُلَمي، سَلَمي، لا يعرف المراد إلا بالضبط، بمعرفة ما قبلها، وما بعدها، إلا أنه –أيضًا- قد يوجد ما يشكل في المتون، فنحتاج إلى ضبطه.
. . . . . . . . . وشكل ما يُشكِل لا ما يفهم
يعني من غير شكل "وقيل: كله" يعني يشكل الجميع، يعني لا بد من شكل كله، لماذا؟ لأن قوله: لا ما يفهم، الفهم نسبي، يعني هناك قارئ قد يقرأ كتابًا كاملًا ما شُكل على الجادة، ما يحتاج إلى شكل أي كلمة، قارئ دونه في المنزلة يحتاج إلى ضبط ما نسبته عشرة بالمائة من الكتاب، وثالث يحتاج إلى ما نسبته عشرين، إلى أن تصل إلى حد قارئ مبتدئ يحتاج إلى أن يشكل له كل شيء "وقيل: كلُه" يعني يشكل كلُه "لذي ابتداء" يعني لطالب علم مبتدئ.
وقيل: كله لذي ابتداء . . . . . . . . .
وعلى هذا لو طبعنا كتابًا من كتب المبتدئين، أو من كتب المتوسطين، أو من كتب المتقدمين، كتاب المبتدئين الأجرومية مثلًا، اضبطها كلها بالشكل؛ لأنه ألف لذي ابتداء، المنصوص عليه هنا، لكن القطر يحتاج إلى أن تضبطه كله، وقد تقدم أن هذا الطالب الذي يقرأ في القطر قرأ كتابًا آخرًا يعينه على الضبط، ما يحتاج إلا أن تضبط المواضع التي تشكل على طالب هذا المستوى، الألفية، النظم نعم يحتاج إلى مزيد عناية ما هو مثل النثر، النثر سلس، بينما النظم يحتاج إلى مزيد عناية، لكن لو فرضنا أننا طبعنا كتابًا فوق القطر مثلًا، المفصل، أو الكافي، أو شيئًا من هذا، لا نحتاج في الضبط مثل ما نحتاجه في الأجرومية، ولذا قال:
وقيل: كله لذي ابتداء . . . . . . . . .
[ ٢٧ / ١٢ ]
لكن ما نعمد إلى مثل علل الدارقطني، أو درء تعارض العقل والنقل، أو نقض التأسيس، ونشكله كله، نقول: يمكن يقرأ مبتدئ، المبتدئ لا هو بفاهم سواءً شكلت، وإلا ما شكلت، وشكل الكتاب كله لا شك أنه متعب، وتعب ليس وراءه هرب؛ لأن المفترض أن هذا الكتاب إنما يقرؤه من يحسن الضبط، وليس بحاجة إلى أن يضبط له.
وقيل: كله لذي ابتداء وأكدوا ملتبس الأسماء
الأسماء التي تلتبس: المؤتلف والمختلف، متفق ومفترق، وغيرها، كلها أسماء يلتبس بعضها ببعض، فتحتاج إلى ضبط، تحتاج إلى ضبط، إما بالشكل بالحركات، أو بالحروف، وهذا مستعمل في كتب أهل العلم، يقول لك: بفتح المهملة، وسكون المعجمة إلى آخره، وقد يضبطون الكلمة بالمقابل.
حرام بن عثمان، يحتاج أن يقولون: حرام بفتح الحاء والراء المهملتين؛ لئلا يشتبه بالخاء، والزاي، أو بالحاء والزاي، حزام، أو خزام، كلها مستعملة، لكن أخصر من ذلك قولهم، وأدرج، وأسلس: بلفظ ضد الحلال، حرام بلفظ ضد الحلال؛ لأنه بالفعل حرام مهمل يمكن أن يقرأ حزام، أو خزام؛ لأن تأثر الكتاب، لا شك أنه وارد، يعني سواء من حشرة، وقعت عليه، أو رطوبة، أو شيء من هذا فتأثر الورق.
المقصود أن مثل هذه الأمور الضبط لا بد منه.
. . . . . . . . . وأكدوا ملتبس الأسماء
"وليك في الأصل" يعني في صلب الكتاب، الضبط في صلب الكتاب "وليك في الأصل" اللام هذه ليك، تعليل، وإلا أمر؟ أمر بدليل أنها جزمت الفعل "وليك في الأصل" يعني في صلب الكتاب، وفي الهامش يعني تضبط الكلمة في صلب الكتاب لا سيما الملتبسة، في صلب الكتاب تضبطها "وفي الهامش" في الحاشية "مع تقطيعه الحروف فهو أنفع"
وليك في الأصل وفي الهامش مع تقطيعه الحروف فهو أنفع
[ ٢٧ / ١٣ ]
يعني في فتح المغيث للسخاوي كلمة -يعني مر ذكر- الهجيمي، هذا في المخطوطات، الهجيمي مر في كلام السخاوي، فضبطوه بضم الهاء، وفتح الجيم، ضبطوا الكلمة في الصلب، وفي الحاشية كتبوه بالحروف المقطعة، هاء وجيم إلى آخره، وضبطوا هذه الحروف، لماذا نحتاج إلى التقطيع، مع تقطيعه الحروف؟ فهو أنفع، يعني مزيد في الضبط والإتقان؛ لأن الحرف قد يلتبس بغيره إذا كان مقرونًا مع غيره من الحروف، لكن إذا كان منفردًا ما التبس بغيره:
وليك في الأصل وفي الهامش مع تقطيعه الحروف فهو أنفع
ويكره الخط الدقيق إلا لضيق رق أو لرحال فلا
"الخط الدقيق" يعني تصغير الحرف مكروه عند أهل العلم، لماذا؟ لأنه قد يحتاج شخص نظره ضعيف لقراءة هذا الكتاب، وقد يحتاجه الكاتب نفسه بعد أمد، فلا يستطيع قراءته، قد يقول قائل: إن النظارات تحل الإشكال، لكن عندهم نظارات يوم قلنا هذا الكلام؟ ما عندهم نظارات، والإمام أحمد -﵀- رأى بل قال لابن عم حنبل بن إسحاق، نهاه عن الكتابة بالخط الدقيق، فقال: أحوج ما تكون إليه يخونك، يعني حنا زاولنا الكتابة، وعانينا الكتابة في أول الأمر أيام الطلب الآن ما نستطيع نقرأ، كتابتنا ما نقدر نقرأها، لا عاد يسر الله النظارات، وصرنا نقرأ، وإلا لولا النظارات كان ما استفدنا منها، فيخونه، ولذلك صرحوا بالكراهة:
ويكره الخط الدقيق إلا لضيق رق. . . . . . . . .
[ ٢٧ / ١٤ ]
أنت محتاج تنسخ الألفية، الألفية ألف بيت، فبدلًا من أن تجعل في السطر بيت واحد، إذا قلنا: ألف بيت، وكل صفحة تكتب فيها ثلاثين، تحتاج إلى ثلاثين صفحة، أكثر من ثلاثين صفحة، أنت ما عندك إلا عشر ورقات، حسب ما توازن أمورك، أو تقول: أكتب اللي يكفي، والباقي ما لي به حاجة "لضيق رق" يعني لضيق الورق، وبعضهم يقول: لضيق الورَق والورِق، ما يكون عنده، يعني عشر ورقات تحتاج إلى مبلغ، والعشرين تحتاج إلى مبلغ أكثر، فإذا اجتمع ضيق الورَق مع ضيق الورِق القيمة ..، تسومح في مثل هذا، عاود بحث عن ورق ما وجد إلا هذا العدد، يكتب على أي حال، أحسن من لا شيء، أحسن من الترك "أو لرحال فلا" يحتاج إلى أن يكتب مثلًا تفسير ابن كثير، أو صحيح البخاري، وهو رحال، لو كتب صحيح البخاري مثلًا، واحتاج إلى خمسة مجلدات، وتفسير ابن كثير في خمسة، وصحيح مسلم مثل، وتفسير كذا، ربما احتاج إلى حمول تمشي معه، لكن إذا كتب بالخط الدقيق، صحيح البخاري بمجلد، ابن كثير في مجلد، وهكذا، ووجد يعني عند الوراقين يوجد مثل هذا، يعني وجد جامع الأصول في مجلد، ووجدت الكتب الستة في مجلد واحد، الكتب الستة في مجلد، بخط الشيخ محمد عابد السندي، وجدها الشيخ أحمد شاكر باليمن، نسخة فيها الكتب الستة مجلد واحد، وجد تهذيب اللغة للأزهري في مجلد، وجدت تهذيب الكمال اللي هو خمسة وثلاثين مجلد في مجلد، وصور عاد هذا المجلد وانتشر، يعني صور، واحتيج إلى توزيعه في مجلدات؛ لأنه حجمه كبير والورق الصفحة الواحدة فيها ستين سطر.
[ ٢٧ / ١٥ ]
"أو لرحال فلا" الآن وجد نظير الضغط هذا الكتب في مجلد، أو الكتاب الكبير في مجلد، الآن انتشر، الكتب المضغوطة، يعني فتح الباري في ثلاث مجلدات بدلًا من الأسفار الكثار الكثيرة الكبار، ووجد المغني في مجلدين، البداية والنهاية في مجلدين، كتب السنة كلها على مجلد واحد، المسند في مجلد واحد، يعني هذه تنفع متى؟ في الأسفار، يعني في الأسفار كرتون واحد تأخذ كل ما تحتاجه، بينما لو كانت كتبك المعتادة تحتاج إلى سيارة، يعني هذا الكرتون يحتاج بدله عشرين كرتون، وهذه الكتب المضغوطة يعني في الغالب أن العناية فيها أقل من الكتب التي أخذت على السعة، ولذلك تكثر فيها الأخطاء، يعني تصلح لرحال، أما في حال السعة فلا يستغنى عن الكتب المعتنى بها.
"وشره التعليق والمشق" يعني شر الخط التعليق والمشق، يعني الكتابة السريعة التي تتداخل فيها الحروف، ويترك فيها الأسنان مما يحتاج، وتبعثر الحروف، يعني بعض الناس من العجلة، الكتَّاب عمومًا يكتبون أحيانًا في حال سعة من الوقت نوعًا من الكتابة، يتقنون، ويضبطون، وأحيانًا يحتاجون إلى سرعة في الكتابة لضيق الوقت مثلًا، فيشبكون بعض الحروف إلى بعض، وهذا موجود بكثرة عند شيخ الإسلام ابن تيمية، يعني لما يكتب فتوى من مائتي صفحة، وزيادة، وصاحبها مستوفز يريدها، هل يتأنق، ويجيب الألوان، والتسطير، والبدايات، والنهايات، لا، أبدًا، شيخ الإسلام ما يرفع القلم كما هو معروف، وقد في قراءة كثير من الكلمات عسر عند كثير من طلاب العلم.
الحافظ ابن حجر –أيضًا- خطه ..، السخاوي خطه أكثره تعليق، فخط التعليق ليس المراد به ما يكتب في الحواشي، لكنه أكثر ما يستعمل في الحواشي خط التعليق الذي تتداخل فيه الحروف، ولا تبين البيان المطلوب.
وشره التعليق والمشق كما شر القراءة إذا ما هذرما
[ ٢٧ / ١٦ ]
يعني إذا أسرع في القراءة، يعني الوضوح في الكتابة نظيره الوضوح في القراءة، والسرعة في الكتابة، والتعليق، والمشق، نظيره الهذرمة في القراءة، وأكل بعض الحروف، يعني بعض الناس بطبعه يأكل حروفًا، يعني طبيعة هذه يأكل حروفًا، تجد كلمة مكونة من خمسة حروف يبين اثنين منها، والباقي يفهم من السياق، لكن بعض الناس إذا تأنى، وتريث وضَّح، وإذا أسرع أكل، وبعض الناس ما شاء الله عنده التمييز في الحالين، حتى ولو أسرع ما يخفى منه شيء، هذه مواهب من الله -جل وعلا-، فعلى كل حال:
. . . . . . . . . شر القراءة إذا ما هذرما
هذا شخص يقول: أنا تعودت على الهذرمة؛ لأن الأصل في الهذرمة إما ضيق وقت، أو حرارة طبع، الناس يبي ينتهي، لكنه إذا عود نفسه على هذا يصعب عليه أن يتريث، ويتأنى، يعني مثل اللي تعلم على السرعة في القيادة تجده دائمًا مسرعًا، لو ما وراءه شغل، لو المشوار قصير، ما يستطيع، إذا تعود السرعة في القراءة لا يستطيع التريث، هذه مسألة نعاني منها، ويعاني منها كثير، ودنا والله نتريث لا سيما في قراءة القرآن، نرتل، ونتدبر، لكن تعودنا على السرعة، ويخشى الإنسان أنه إذا قال: أقلل القدر الذي أقرأه، بدل ما أقرأ خمسة أقرأ اثنين يكون على حساب القدر، وأما الكيفية تستمر، يبتل يهذرم بجزأين بدل خمسة؛ لأنه تعود على هذا، ومن عامة الناس من عرفناهم من سنين على هذه الطريقة، والله لا يحرم الجميع الأجر، لكن يبقى أن القراءة الفصيحة الواضحة على الوجه الشرعي هذا أفضل بكثير، وأما الهذرمة فإذا لم ينقص بسببها حرف، أو حروف فأجر الحروف ثابت -إن شاء الله-، لكن يبقى القدر الزائد، وهو أجر التدبر والترتيل، هذا عاد لا شك أنه أعظم بكثير من أجر الحروف.
. . . . . . . . . شر القراءة إذا ما هذرما
"وينقط المهمل" الأصل الذي ينقط المهمل، وإلا المعجم؟ المعجم، يقول:
وينقط المهمل إلا الحاء أسفلا . . . . . . . . .
[ ٢٧ / ١٧ ]
يعني نوع من أنواع الضبط، كتبت سين، سين مهملة، وإلا صاد، نظيرها المعجم، نظير السين الشين ثلاث نقاط فوقها، ونظير الصاد الضاد نقطة واحدة فوقها، يقول: ضع النقط تحت الحرف في السين ثلاث نقط كما هي فوق الشين، كالأثافي ثلاث، لكن بدلًا من الواحدة فوق، واثنتين تحت اعكس في السين، فاجعل الاثنتين فوق، والثالثة تحت، ومنهم من يرى أنها تكتب في سطر واحد النقط الثلاث؛ لئلا تنزل النقطة الثالثة فتضيق على السطر الذي يليه، تشوش، فيظنها القارئ نقطة للحرف الذي تحته، فاكتبها في سطر واحد، الصاد اكتب تحتها نقطة، لكن إذا جئنا إلى الفاء مثلًا، الفاء فوقها نقطة، وقد لا تلتبس بالقاف عند المشارقة، لا تلتبس بالقاف عند المشارقة؛ لأن القاف نقطتين، وصورة القاف تختلف عن صورة الفاء؛ لأن الفاء ممدودة، والقاف نازلة مثل النون، لكن عند المغاربة الفاء والقاف ويش الفرق بينهم؟ الفاء نقطة تحت، والقاف نقطة فوق، وهذا لا شك أنه موقع في لبس عند صغار المتعلمين، أو عوام الناس الذين يقرءون القرآن، إذا وقع في أيديهم مصحف على طريقة المغاربة، كيف تقرأ قسوة إذا كتبت بطريقة المغاربة، عند المشارقة مشكلة، وحصل أن قرِأت على اللفظ الشنيع.
هنا يقول:
وينقط المهمل إلا الحاء أسفلا . . . . . . . . .
ليش ما ننقط الحاء؟ لنميز بينها وبين الخاء، تصير جيم، ما لك مفر، وينقط المهمل إلا الحاء أسفل، أو كتب، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
لئلا يتطرق الوهم بأي حال من الأحوال أن تكون شين؛ لأن الشين لو كتبتها سين مثلًا، ولا وضعت تحتها نقط، قلنا: إن المغيرات والمؤثرات موجودة، افترض أن الذباب وقع على هذه السين، أو مثلًا الصفحة الثانية مع شدة الرطوبة، أو الحرارة التصقت، الحبر في السابق ما هو مثل حبر الآن، الحبر في السابق له جرم، وتحسه بيدك، فإذا ضغط الكتاب في جو حار انتقل الحبر إلى الصفحة الثانية، فالسين قد تقرأ شين، لكن إذا وضعت النقط تحتها ما في احتمال.
. . . . . . . . . أو كتب ذاك الحرف تحت مثلًا
[ ٢٧ / ١٨ ]
يعني يوجد في الكتابات حتى عند المتأخرين تجد الحرف يكتبونه تحته، ويجمع بين تعيين الحرف المطلوب، وأيضًا كونه حلية وزينة، تجدهم يكتبون الحاء رأس الحاء، تحت الحاء المهملة، ويكتبون صاد كذا، رأسها تحت الصاد المهملة في الخط، فيكتبون يقول:
. . . . . . . . . أو كتب ذاك الحرف تحت مثلًا
قد لا يكتب الحرف كاملًا "أو فوقه قلامة" يعني كقلامة، يعني يوضع فوق الحرف المهمل مثل القُلامة، قلامة الظفر ما يشبه الهلال، يوضع فوق الحرف المهمل، وهي إلى السبعة أقرب منها إلى قلامة الظفر، إلى السبعة.
أو فوقه قلامةً أقوال . . . . . . . . .
يعني كقلامة، ومنصوب على نزع الخافض "أقوالُ" يعني كل ما تقدم خلاف.
. . . . . . . . . والبعض نقط السين صفًا قالوا
يعني بدل ما تجعل الثلاث النقط كالأثافي، نقطتان وتحتهما نقطة تحت السين "صفًا" على صف واحد نعم.
. . . . . . . . . والبعض نقط السين صفًا قالوا
وبعضهم يخط فوق المهمل . . . . . . . . .
يعني يضع خطًا يشبه الفتحة، ولذا لما كتبوا رضوان، اسم ملك من الملائكة، وإلا إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم بكسر الراء، هو بكسر الراء، لكن الراء مهملة، وطبقوا هذه القاعدة فصار رضوان، ونطقها مغلطة على هذا؛ لأنه وجدها فوق هذه الفتحة، ومثل هذا لا شك أنه يوقع في لبس:
وبعضهم يخط فوق المهمل وبعضهم كالهمز تحت يجعل
كالهمز، هذه يسمونها نبرة، كالهمز يجعل تحت المهمل مثل الهمزة.
. . . . . . . . . وبعضهم كالهمز تحت يجعل
وإن أتى برمز راو ميزا مراده واختير أن لا يرمزا
[ ٢٧ / ١٩ ]
لأن الرمز يحتاج إلى معاناة وحفظ هذه الرموز، يعني نفترض مثلًا على سبيل المثال: تقريب التهذيب، كم فيه من رمز؟ نعم فيه رموز كثيرة للكتب الستة، وجميع كتب أصحاب الكتب الستة، رموز كثيرة، فتجد كثير من طلاب العلم يراجع التقريب يوميًا، ولا يكلف نفسه يرجع إلى المقدمة، هذا والكتاب في مجلد واحد، فكيف لو سقطت المقدمة، متعب، ولذلك قال: "واختير أن لا يرمزا" لا شك أن الرمز ما هو مثل كتابة الاسم كاملًا، يعني إذا كان الراوي خرَّج له أصحاب الكتب، خرج له أصحاب الكتب الستة، فبدلًا من عين، يحتاج إلى أن يكتب البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه بدلًا من عين، الرمز لا شك أنه يختصر كثيرًا، لكن لو سقطت الورقة الأولى، أو كان الكتاب في مجلدات؛ ووقع لك مجلد واحد، الرمز وجوده مثل عدمه، ولذلكم الرموز التي استعملها اليونيني لرواة الصحيح مطبوعة على وجه كل مجلد، كل جزء من صحيح البخاري بالطبعة السلطانية مطبوعة هذه الرموز، لكن تجدون في آخرها رموزًا مختلف في المراد بها، مختلف في المراد بها، كل هذا من أجل أن الرمز قد يوقع في إشكال.
وإن أتى برمز راو ميزا . . . . . . . . .
يميزه بدقة، عن ابن ماجه، أحيانًا يرمز له بـ"هاء"، وأحيانًا يرمز له بالجيم مع الهاء.
وإن أتى برمز راو ميزا . . . . . . . . .
يعني يميز، ويوضح في المقدمة أن مراده بهذا الرمز كذا، لا بد من التمييز،
. . . . . . . . . ميزا مراده واختير أن لا يرمزا
[ ٢٧ / ٢٠ ]
لأن الرمز مهما كان ما هو مثل التصريح، وإن احتاج التصريح إلى مساحة في الورق، وفي الجهد، والوقت، ولكنه ييسر على القارئ الرجوع إلى المقدمات، أو الوقوع في الحرج إذا سقطت المقدمة، أحيانًا الرمز إذا تقارب الحرف من آخر يجعل هذه الرموز لا قيمة لها، فمثلًا الجامع الصغير، يرمز السيوطي للصحيح بصاد، وللضعيف بضاد، تجد بعض النساخ يخطئ، ثم يأتي من يقول: صححه السيوطي، وهم يضعفوه، فلا شك أن الرموز توقع في حرج، توقع في حرج؛ لأن النساخ ليسوا على مستوى واحد من الضبط، والإتقان، والأمانة؛ لأنه قد يكون أجير ما يهمه إنه صاد، وإلا ضاد أيًا كان، بس يبي ينتهي من الكتاب، فالقارئ بيقول: صححه السيوطي، وهو ضعيف، أو العكس، ولذا قال:.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . واختير أن لا يرمزا
وتنبغي الدارة فصلًا وارتضى إغفالها الخطيب حتى يعرضا
"تنبغي الدارة" يعني بين حديثين تضع دائرة، يعني كما هو الشأن بين الآيتين، بين حديثين تضع دائرة، فارغة ما فيها شيء، لماذا؟ من أجل أن نفصل بين حديث وحديث، لا سيما في المتون المجردة، بدون أسانيد، وبدون مخرجين؛ لأن بعض الكتب وضعت على هذا، لتفصل بين حديثين، أو في المتون المشروحة، يعني يوضع المتن بين قوسين، المتقدمين ما يضعون قوسين يضع دائرة، وتفصل بين المتنين، وتستفيد –أيضًا- كما قال الخطيب هنا:
. . . . . . . . . وارتضى إغفالها الخطيب حتى يعرضا
[ ٢٧ / ٢١ ]
ويش معنى يعرض؟ يقابل، يقابل هذه النسخة على نسخة أصلية، نسخة الشيخ مثلًا، نسخة مضبوطة متقنة نسخ منها نسخة، ضع دارة، أو دائرة بين المتنين، فإذا قابلت للمرة الأولى ضع نقطة في هذه الدائرة، إذا قابلت ثانية ضع نقطة ثانية، إذا قابلت ثالثة ضع نقطة ثالثة، وبهذا تتميز أهمية النسخة، يعني إذا نظر إليها العالم، أو طالب العلم الذي يريد شرائها، ووجد فيها هذه الدائرة، وفيها مجموعة من النقط، عرفنا أنه بعدد هذه النقط تمت مقابلة الكتاب، وهذه ميزة، يعني الكتاب إذا لم يقابل على ما سيأتي من مقابلة، نسخ فلم يقابل، ثم نسخ فلم يقابل خرج أعجمي؛ لأن الأول أخطأ في كلمات، والناسخ الثاني أخطأ في كلمات، ثم بعد ذلك يتتابع الخطأ من هذه النسخ إلى أن يكون ممسوخًا.
"وتنبغي الدارة فصلًا" يعني بين المتنين،
. . . . . . . . . وارتضى إغفالها الخطيب حتى يعرضا
يعني حتى يقابل يعرض نسخته على نسخة أخرى، ثم يضع فيها نقطة، فإذا عارض ثانية وضع نقطة ثانية، وهكذا.
وكرهوا فصل مضاف اسم الله منه بسطر إن يناف ما تلاه
لفظ الجلالة مضاف إليه، وأضيف إليه اسم، فمثلا ًعبد الله، تكتب عبد في آخر السطر، ولفظ الجلالة في أول السطر، ثم تقول: ابن فلان، فالقارئ يقرأ (الله) ابن فلان، هذا كرهوه.
وكرهوا فصل مضاف اسم الله منه بسطر إن يناف ما تلاه
من المنافاة يعني، إذا قلت: ابن، هذا ينافي، نعم، لكن إذا لم يناف فلا مانع، مثل إيش؟ إذا قلت: سبحان الله وبحمده، ثم قلت: سبحان في السطر الأول، في الذي يليه الله العظيم ما ينافي هذا، سبحان الله وبحمده، سبحان في السطر الذي الله العظيم هذا ما ينافيه، هذا ما فيه إشكال، لكن عبد في آخر السطر، و(الله) ابن فلان في أول السطر الثاني هذا ينافي،
وكرهوا فصل مضاف اسم الله منه بسطر إن يناف ما تلاه
[ ٢٧ / ٢٢ ]
أيضًا: لو لم يتعلق –أيضًا- باسم الله، المضاف إذا فصل بين المتضايفين، والمتعلق إما للمضاف، أو المضاف إليه، وأوقع ذلك في لبس لا يجوز الفصل بينهما، إذا قلت: ساب رسول الله كافر، تضع ساب في آخر السطر، وفي أوله المضاف إليه (رسول الله) كافر، ما يجوز، هذا لا يجوز؛ لأن القارئ قد يقرأ هذا السطر ويترك ما عداه، وأسوأ من هذا أن يكون ساب في آخر الصفحة، ورسول الله إلى آخره في الصفحة الثانية، أو يكون في الصفحة اليمنى ساب، والكتاب ما جلد منتثر أوراق وتضيع ها الورقة ذي، ورسول الله إلى آخره.
قاتل ابن صفية في النار، تكتب قاتل في آخر السطر، وابن صفية في النار في أوله هذا ما يصح، هذا قلب للمعنى.
وكرهوا فصل مضاف اسم الله منه بسطر إن يناف ما تلاه
اللي معه فتح المغيث الطبعة الجديدة في هذا الموضع في خطأ، يعني يصلح مثال لما صرحوا بكراهته، وأما طبعة تدريب الراوي تحقيق أحمد عمر هاشم هذه جميع المكروهات التي نص عليها أهل العلم تطبيقها في هذه الطبعة، أما فتح المغيث الطبعة الجديدة طبعة المنهاج فيها موضع واحد وقفت عليه اليوم مما منعوه، فينبغي أن يتلافى مثل هذا.
نقف على كتابة الثناء والتسليم.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ٢٧ / ٢٣ ]
(تابع كتابة الحديث وضبطه - المقابلة)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
أشرنا في الدرس الماضي بالأمس أن ما يتعلق بالمصطلح الخاص المقصود في هذا الفن الذي يترتب عليه التصحيح والتضعيف إنه انتهى في النصف الأول من هذه الألفية، وما بقي إلا ما يتعلق بملح هذا الفن مما له صلة –أيضًا- بالعلوم الأخرى.
واستشكل بعض الإخوان من هذا الكلام أننا نقلل من قيمة، وأهمية ما بقي، وليس الأمر كذلك، ولم أقصد بهذا التقليل من شأن النصف الثاني، بل ما كتب في علوم الحديث لا سيما في الألفية، وشروحها هو أفضل ما دون بالنسبة للتعامل مع الكتب المخطوطة القديمة، وتصحيحها، والتعليق عليها، من أجل نشرها، في قواعد البحث العلمي، منه ما يتعلق بإنشاء الموضوعات، وكتابة الموضوعات الذي هو التأليف، ومنها ما يتعلق بتحقيق المخطوطات، وخير ما يقرأ في هذا الجانب ما دون في كتب علوم الحديث، يعني كتابة الحديث وضبطه، والتعامل مع كتب الحديث، وأجزاء الحديث، ونسخ الحديث، والأصول، والفروع، والمقابلة، والتصحيح، والتضبيب، واللحق، والتعليق، هذا كله يحتاج إليه طالب العلم لكي يتعامل مع الكتب الخطية، لا يمكن أن يستغني بالكتب المطبوعة عن المخطوطات، بل لا بد أن يحتاج في يوم من الأيام إلى مراجعة المخطوطات، وإذا لم يكن على دراية ومعرفة بما كتبه علماء الحديث في هذا الباب، كل العلوم يرجعون إلى ما كتبه المحدثون في هذا الباب.
[ ٢٨ / ١ ]
ليس معنى هذا أن ما كتب عبث، لا، أو تسلية، لا، لكن ما يتعلق بتصحيح الحديث، وتضعيفه هذا تقدم، هذا تقدم بقي ما يتعلق به وبغيره، لكن أهل الحديث لهم السبق في هذا، وكتبوا ما يغنيهم، ويغني غيرهم في هذا الباب، يعني الكتب المخطوطة، مقابلة فروعها على أصولها هذا يستوي فيه الكتاب، سواءً كان كتاب حديث، أو تفسير، أو فقه، أو عقيدة، أو غيرها من الفنون، وكيف تصحح؟ كيف تقابل فروعها على أصولها؟ كيف تصحح؟ كيف يكتب اللحق الساقط؟ كيف يمحى بعض الكلمات دون بعض؟ يعني إذا تكررت الكلمة ما الذي تمحى منهما؟ يعني هل هذا خاص بكتب الحديث؟ إذا تكررت الكلمة، وأنت تكتب، آداب الكتابة، آداب المقابلة، آداب ..، أمور كثيرة موجودة دونت في غاية الأهمية لطالب العلم لا يمكن أن يستغني عنها، والذي يستغني عنها لا شك أن عمله سوف يكون مشلولًا، نعم هناك أمور تطورت، وتغيرت، يعني كتابة اللحق الذي بيدرس في درس اليوم -إن شاء الله تعالى-، استغنى عنه المعاصرون بالأرقام، يضع رقم على الكلمة أو على ما يريد شرحه، وبيانه، أو إلحاقه من ساقط ونحوه، وبالأقواس، وما أشبه ذلك، لكن يبقى أن المرجع، والمآل إلى ما كتبه أهل العلم في هذه الأبواب.
بقي من الباب السابق قول الناظم -رحمه الله تعالى-:
واكتب ثناء الله والتسليما مع الصلاة للنبي تعظيمًا
[ ٢٨ / ٢ ]
ما يتعلق بالثناء على الله -جل وعلا- من قول: ﷾، أو قول: ﷿، وما يتعلق بالصلاة على النبي -﵊-، أو الترضي على الصحابة، أو الترحم على من بعدهم، هذا يقول أهل العلم: إنه ليس من باب الرواية، وإنما هو من باب الدعاء والثناء، وعلى كل حال إذا وجدت ذكر لله -جل وعلا-، وقلت: ﷾، أو ﷿، وهو لا يوجد في الأصل؛ ما يقال أن هذا يخالف الأمانة العلمية؛ لأنك زدت في الكتاب ما ليس منه؛ لأن هذا لا يقرأ على أساس الرواية، ومثله لو وجدت اسم النبي -﵊- مجردًا، وقلت: ﷺ، ما يقال: إن هذا ينافي الأمانة العلمية، بل هو دعاء للنبي -﵊-، أبو بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، أو غيرهم من الصحابة، تقول: ﵁، ومن بعدهم تترحم عليه، ومثل هذا لا يحتاج إلى أن يوجد في الأصل، وإن كان بعضهم من أهل التشديد يرى أنك لا تزيد على ما في الكتاب، ولا تنقص منه، وإذا أردت أن تصلي على النبي -﵊-؛ يقول: ارفع رأسك عن الكتاب، لا تنظر في الكتاب، ليعرف أنك تقرأ من تلقاء نفسك لا من النظر في الكتاب، هذا زيادة تحري، وإلا ما يترتب عليه شيء.
يقول:
واكتب ثناء الله والتسليما . . . . . . . . .
ثناء الله: يعني أثني على الله -جل وعلا-، فإذا مر ذكره فقل: ﷿، ﷾،
. . . . . . . . . والتسليما مع الصلاة للنبي تعظيمًا
[ ٢٨ / ٣ ]
إذا مر ذكره -﵊- تقول: ﷺ، بالجمع بين الصلاة والتسليم، ولا تقتصر على الصلاة فقط، ولا على السلام فقط، فتجمع بين الصلاة والسلام امتثالًا للأمر، في آية الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]، ولا يتم الامتثال إلا بالجمع بين الصلاة والتسليم، والاقتصار على أحدهما أطلق النووي الكراهة فيه، يقول: يكره أن تقتصر على السلام، كما أنه يكره أن تقتصر على الصلاة دون السلام، وانتقد الإمام مسلم في صنيعه بمقدمة صحيحه حيث اقتصر على الصلاة، انتقده، قال: إن الامتثال ما تم، حتى يقول: وسلم، وأطلق الكراهة، لكن جمع من أهل العلم كابن حجر، وغيره يرون أن الكراهة إنما تتجه في حق من كان ديدنه ذلك، يعني باستمرار يصلي ولا يسلم، أو يسلم ولا يصلي، أما من كان يصلي أحيانًا، ويسلم أحيانًا، ويجمع بينهما أحيانًا، هذا الكراهة لا تتجه في حقه، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
وبركاته.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢٨ / ٤ ]
يعني الصيغة، المقصود أنك تصلي وتسلم، سواءً قلت: ﷺ، أو ﵊، ما يختلف، أما زيادة البركة التي جاءت في الصلاة الإبراهيمية: اللهم بارك على محمد، فهذه كالصلاة على الآل، يعني قدر زائد على امتثال الأمر، نعم في الصلاة بعد التشهد لا بد أن تأتي بما جاء عنه -﵊- بحروفه بحيث لا يجوز أن تغير؛ لأنه لفظ متعبد به، لا تزيد ولا تنقص؛ لأنه لفظ متعبد به، أما خارج الصلاة فإذا جمعت بين الصلاة والتسليم كفى، وتم امتثال قوله -﷿-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب]، وإذا أردت أن تزيد، وتعطف على النبي -﵊- غيره من الآل، والأصحاب، ومن تبعهم بإحسان ما فيه إشكال، بعضهم يقول: اللهم صلي وسلم على النبي المختار، وعلى أصحابه من المهاجرين والأنصار، يكفي، وإلا ما يكفي؟ هل عم الصحابة بقوله: من المهاجرين والأنصار؛ لأنه وجدت في، وجدت مكتوبة، ووجدت –أيضًا- مسموعة وبكثرة، من أجل السجع، يعني بعد فتح مكة من أسلم بعد الفتح هل يلزمه الهجرة؟ لا هجرة بعد الفتح، وهل يسمى مهاجرًا، أو أنصاري مثل هذا؟ ليس بمهاجر، ولا أنصاري، وحينئذ لا تشمله الصلاة المعطوفة على الصلاة على النبي -﵊-، ففي مثل هذا الأسلوب نقص، نقص يخرج بعض الصحابة.
يقول:
واكتب ثناء الله والتسليما مع الصلاة للنبي تعظيمًا
وإن يكن أسقط في الأصل. . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢٨ / ٥ ]
يعني ولو لم تجده في الأصل، وإن كان هذا مسقط في الأصل، فليس عليك، ولا يلزمك أن تتقيد بما في الأصل؛ لأن هذا كما قال أهل العلم: ليس من باب الرواية، وإنما هو من باب الثناء والدعاء "وقد خولف" في الصلاة "في سقط الصلاة أحمد" الإمام أحمد -﵀- إذا لم تكن الصلاة والسلام على النبي -﵊- في الأصل ما يذكرها، ما يقولها، وهذا لا شك أنه، وإن كان من مذاهب أهل التشديد إلا أنه بالنسبة لأحمد –عمومًا- يعني إذا ترك اتباعًا لحرفية الكتاب هو من جهة تحري من حيث الزيادة على الكتاب المزبور، ومن جهة أخرى فيه تفريط لما رتب من الأجر على الصلاة والسلام عليه، لكن أهل العلم قالوا: بالنسبة للإمام أحمد إنه يصلي لفظًا، يعني إذا نسخ كتاب الإمام أحمد، أو نسخ أحاديث، وليس فيها الصلاة على النبي -﵊- بعد ذكره ما يكتبها، لكنه يصلي عليه لفظًا، يصلي عليه لفظًا، وهذا هو المظنون به -﵀-، وقد خولف في هذا، فعامة أهل العلم على أنهم يكتبونها، ولو لم تكن موجودة في الأصل، يكتبونها في الفرع، وينطقون بها التماسًا للأجر، ولذا قال:،
. . . . . . . . . وقد خولف في سقط الصلاة أحمد
وعله قيد بالرواية مع نطقه كما رووا حكاية
يعني إنما ينطق بها نطقًا، ولا يكتبها، ولا يرويها من أراد الرواية عنه، تبعًا للأصل.
والعنبري وابن المديني بيضا لها لإعجال وعادا عوضا
يكتبون من لفظ الشيخ، الشيخ إما في مجلس إملاء، أو في مجلس تحديث، وهم يكتبون عنه، فبدلًا من أن يكتب -ﷺ-، أربع كلمات تحتاج إلى وقت مع كثرة المكتوب، ومع كثرة تكرار هاتين الجملتين يتركون بياضًا، فإذا انتقلوا من مجلس التحديث كتبوها في مواضع هذا البياض؛ اغتنامًا للوقت، وليس على جهة الإسقاط، إنما هو اغتنام للوقت.
والعنبري وابن المديني بيضا لها لإعجال وعادا عوضا
يعني سدد هذا البياض.
واجتنب الرمز لها والحذفا منها صلاة أو سلامًا تُكفى
[ ٢٨ / ٦ ]
"اجتنب" الرمز يعني لا تقتصر على حرف، أو على حرفين، أو على أربعة حروف، كما فعل بعضهم، بعضهم يكتب: (ص) رمزًا لها، وهذا كثير في كتابات المتأخرين، وبعضهم يكتب: (صم)، وبعضهم يكتب: (صلم)، وبعضهم يكتب: (صلعم)، ويذكر أهل الحديث في هذا الباب، في هذا المجال أن أول من رمز لها قطعت يده، قطعت يده، ولا شك أن الأجر المرتب على الصلاة على النبي -﵊-، من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، لا يناله من اقتصر على الرمز، بل لا بد أن تكتب كاملة، ومما ينبغي أن يتنبه له أن بعض الناس -مثل ما أشرنا في درس الأمس- يأكل بعض الحروف، فإذا أراد أن يقول: ﷺ، ما يتبين ولا نصف المطلوب، هذا نسمعه حتى من بعض من ينتسب إلى العلم، إذا أراد أن يقول: ﷺ؛ أكل بعض الحروف، وهذا موجود، هذا –أيضًا- الأجر ناقص، بقدر ما خفي من الحروف، هذا ما يصح أنه صلى على النبي -﵊-، إنما نيته يؤجر عليها، وما برز من الحروف يؤجر عليها، والباقي لا يناله نصيب من الأجر، فينتبه لمثل هذا، تحقق الحروف من أجل ترتب الأجر والثواب عليها، وهذا في القرآن أمره أشد، الذي يزعم أنه يقرأ القرآن، ويختم القرآن مع العجلة، والسرعة، ويظن أنه حاز على الأجر الكامل، وقد أخفى بعض الحروف، أو ما نطق ببعض الحروف هذا أجره ناقص بقدر ما يخفيه من هذه الحروف، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو لا شك أن الأجر مرتب على النطق بالجملة، لكن هناك أجورًا مرتبة على الكتابة باعتبار أنه نبه القارئ، صار سببًا في الصلاة على النبي -﵊- من كل من يقرأ هذا الكلام فله مثل أجورهم، وجاء حديث لكنه متفق على ضعفه أن من كتب -ﷺ- في كتاب لم يزل ما أدري كم، أجور عظيمة رتبوا على هذا، المقصود أنه لا حاجة لنا به؛ لأنه متفق على ضعفه، ولذلك تجد بعض الناس يمر على المصاحف في المساجد، وفي الحرمين على وجه الخصوص، ويكتب -ﷺ-.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢٨ / ٧ ]
على كل حال ما يتعلق بعلي -﵁- فخصه كثير من الكتاب بـ "كرم الله وجهه"، وسئل بعضهم وقال: لأنه لم يسجد لصنم، وبعض الجهات التي يكثر فيها من ينتصر له يقولون: ﵇، كثير هذا، وإن كانوا محسوبين على السنة، وعلماء السنة لكن البيئة فرضت مثل هذا، يعني تجد كتب الصنعاني، وكتب الشوكاني كلها -﵇- يكتبون، لكن هذا لا شك أنه من التأثر بالبيئة، وإلا فليس بأفضل من أبي بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عن الجميع-.
طالب:. . . . . . . . .
ما في إشكال؛ لأنه لا يخشى أن تختلط بشيء، لا يظن أنها مقول القول، لن يظن أحد أنها مقول القول، قال رسول الله -ﷺ-، تظنها مقول القول، لا شك أن علامات الترقيم مما يزيد الكلام إيضاحًا، ووضوحًا، ووضعها في غير موضعها يوقع في حرج عظيم، يوقع في حرج، يعني لو تقول: قال رسول الله -وتضع نقطتين-: ﷺ، ظن القارئ أنها هي مقول القول، لكن مع بعده ينبغي أن يجتنب مثل هذا، لكن أحيانًا تقلب المعنى، إذا وضعت علامة الترقيم في غير موضعها انقلب المعنى: «من اقتنى كلبًا ..» نعم غير المستثنى «.. نقص من أجره في كل يوم قيراط» متفق عليه، ولمسلم كذا، رواية أخرى، وفي رواية "وضع نقطتين": له قيراطان، شوف لما وضع النقطتين قبل له، انقلب المعنى، وفي رواية له، يعني لمسلم، وينقص قيراطان، فالذي يعتني بعلامات الترقيم لا شك أنها تزيد الكلام في الوضوح، لكنها توقع في إشكال كبير إذا وضعت في غير موضعها.
واجتنب الرمز لها والحذفا منها صلاة أو سلامًا تكفى
اجتنب الحذف لأحد الجملتين، بل اجمع بينهما تكفى، يعني تكفى أمر دينك، وأمر دنياك، وجاء في الحديث عند أحمد، والترمذي: "أرأيت إن جعلت لك ربع صلاتي، ثلث صلاتي، نصف صلاتي، أجعل لك صلاتي كلها"؟ قال: «إذن تكفى»، والمقصود أنه يصلي عليه -﵊- مع صلاته، سواءً كانت الشرعية، أو اللغوية إذا دعا، فتختم الصلاة الشرعية بالصلاة على النبي -﵊-، ثم الدعاء، والأدعية –أيضًا- خارج الصلاة تختم بالصلاة على النبي -﵊-.
سم.
أحسن الله إليك.
[ ٢٨ / ٨ ]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، والسامعين يا ذا الجلال والإكرام.
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-:
المقابلة
ثم عليه العرض بالأصل ولو إجازة أو أصل أصل الشيخ أو
فرع مقابل وخير العرض مع أستاذه بنفسه إذ يسمع
وقيل: بل مع نفسه واشترطا بعضهم هذا وفيه غلطا
ولينظر السامع حين يطلب في نسخة وقال يحيى: يجب
وجوز الأستاذ أن يروي من غير مقابل وللخطيب إن
بين والنسخ من اصل وليُزَد صحة نقل ناسخ فالشيخ قد
شرطه ثم اعتبر ما ذكرا في أصل الأصل لا تكن مهورا
[ ٢٨ / ٩ ]
لما انتهى الناظم -رحمه الله تعالى- مما يتعلق بكتابة الحديث، وضبطه، بقي بعد ذلك المقابلة، المقابلة على الأصل، هذا المكتوب الفرع لا بد أن يقابل على الأصل بحيث يؤمن الغلط؛ لأن الكاتب مهما بلغ من الحذق والنباهة لا بد أن يسقَط، لا بد أن يكرر، والناس يتفاوتون، منهم من يسقط الشيء الكثير، ومنهم من سقطه قليل، ومنهم من تكراره كثير، ومنهم من تكراره قليل، وتؤمن الزيادة والنقص بالمقابلة على الأصل، الذي نسخ منه الكتاب، المقابلة يحتاجها من يعاني التحقيق، تحقيق المخطوطات، أمر لا بد منه، ولذا نسخ، أو نشر كتاب ليس له إلا نسخة واحدة، وليس على هذه النسخة ما يدل على اهتمام ناسخها بها لا شك أنه تحقيق ناقص، كم استغلق من كتاب بسبب عدم المقابلة، يعني بدءًا من ..، سمه أسوأ ما طبع، أو من أسوأ ما طبع، عارضة الأحوذي لابن العربي في مطبعة الصاوي والتازي، قبل سبعين، أو ثمانين سنة، في ثلاثة عشر جزءًا، هذا الكتاب مثال لسوء الطباعة، والعناية، لا تكاد تستقيم لك جملة واحدة، أو سطر واحد، والكتاب في جملته كأنه أعجمي، لماذا؟ لأنه ما في عناية، ما جمعت نسخه، ولا قوبلت هذه النسخ، فخرج بهذه الكيفية، يعني يحتاج إلى مثله للتصويب، حتى أن الطابع أدخل تعليقات بعض المعاصرين في الكتاب، فأذهب قيمة الكتاب، الكتاب مازال بحاجة إلى إخراج مناسب لقيمته، هذا سببه إيش؟ عدم المقابلة، فسواءً كانت في نسخ الكتب، أو في طبعها، كلها تحتاج إلى مقابلة، يعني ماذا يظن بكتاب أخطئ في عنوانه؟ إيش يظن في مضمونه؟ "جزء القراءة خلف الصلاة" عنوان الكتاب، "جزء القراءة خلف الصلاة" هل يستطيع طالب علم أن يثق بهذه الطبعة، والعنوان غلط، وهو: "جزء القراءة خلف الإمام" للإمام البخاري، والسبب في ذلك هو الاستعجال؛ لأن النيات كما دلت القرائن على ذلك، وإلا ما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، لكن القرائن دلت على هذا، هذه الأخطاء تدل على أن المقصد تجاري، ولذا تجدون في النساخ في القديم والحديث منهم صاحب العناية، ومنهم المرتزق، المقصود أن المطابع الآن حلت محل الوراقين، وتجد البون الشاسع بين مطبعة، ومطبعة، وهذا المستعجل صارت سمعته رديئة، ودخله ضعيف، ولو كثرت
[ ٢٨ / ١٠ ]
مطبوعاته، بينما الذي عرف بالتحري، والتحقيق، والتدقيق أقبل الناس على منشوراته، يعني يبالغ في بعض الكتب المخطوطة بحيث تباع بأضعاف مضاعفة عن نسخ أخرى، كلها بسبب العناية، والمقابلة، يعني لو وجدنا –مثلًا- نسخة من البخاري، يعني موجودة في تركيا، نسخة كتبت في القرن السادس، وتداولها الأئمة قرأها مجموعة من أهل العلم قرأها المزي، وقرأها ابن سيد الناس، وقرأها الحافظ العراقي، وكلهم لهم لمسات واضحة على الكتاب، هذه ما قيمتها؟ يعني شيء ما يخطر على البال، يعني لو عرضت كان ما تقدر بثمن، بينما النسخ الخطية تباع الآن كاملة بخمسة آلاف، ستة آلاف وكأنها ..، ومع أنه بيع من المطبوع بخمسة آلاف، لأنها ما لها قيمة، ما لها ميزة إلا أنها خطية، وقل مثل هذا في المطبوعات، المطابع التي عرفت بالتحري، والعناية كتبها أقيامها مرتفعة جدًا، بينما المطابع التي همهم التجارة، ولا يعتنون لا بمقابلة، ولا شيء، يعني في كتاب طبع في مجلدين مكتوب على الصفحة الأولى: تحقيق وتعليق فلان، وعندك كتاب محرف، مع أنه قال: تحقيق، وتعليق ما فيه إلا ترقيم الآيات فقط، وقال: تحقيق، ما في أي أثر لمقابلة، ولا تعليقة واحدة إلا ترقيم الآيات، وجاء في جدول الخطأ والصواب، وكتب صفحة العنوان، يعني بدل ما يكتب رقم واحد صفحة العنوان صحيح، تعليق هذا خطأ، صواب شرح، يعني كيف يوثق بمثل هؤلاء؟
[ ٢٨ / ١١ ]
أيضًا في الكتب المطبوعة لا بد من العناية بها، دعونا من كون الكتاب يقابل، ويتعب عليه، ثم بعد ذلك يعثر على أخطاء يسيرة، هذا لا بد منها، لا بد أن يوجد خطأ، وما في كتاب يسلم إلا كتاب الله -جل وعلا-، يعني الطبعة السلطانية توافر على تصحيحها سبعة عشر من أعلم أهل زمانهم في هذا الفن، سبعة عشر، وبالفعل ضبطوها، وأتقنوها، ثم بعد ذلك لما روجعت وجد في كل جزء خمسة، ستة، إلى عشرة أخطاء، تلوفيت هذه الأخطاء في الطبعة الثانية، ومع ذلك الطبعة الثانية إذا روجعت بدقة لا بد أن يوجد فيها، يعني في طبعة المصحف في المجمع، يعني قبل أن تظهر الطبعة الأولى، يقول القائمون عليه إنه في المراجعة مائة وواحد وأربعين شوف كيف المراجعة، وهذا من حفظ كتاب الله -جل وعلا-، من حفظ الله لكتابه أن هيأ مثل هذه المؤسسات التي تعتني بالقرآن بدقة، يعني المراجعة مائة وأربعين مرة، وجد لا في حرف خطأ، ولا في نقط، ولا في شكل، إلا في شكل اعتادوا أن يقدموا مثلًا فتحتين أحيانًا تصير الأولى متجهة إلى اليمين والثانية تحتها متجهة إلى اليسار في بعض السور، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
المقصود نعم، قالوا: إنه ما طبق هذا في موضع واحد، هذه الدقة، واحنا زرناهم، وشرحوا لنا قالوا: لو وجد نقطة، أي نقطة بأي لون كان، ولو كانت في حاشية المصحف يعني نقطة صغيرة جدًا إما سوداء، وإلا حمراء فورًا تتلف، وهذا من حفظ الله لكتابه، أما الكتب الأخرى ما يصل إلى هذا الحد، لا يلزم أن يصل إلى مثل هذا الحد، لكن –أيضًا- يجب أن تخرج كتب العلم بصورة مناسبة ينتفع بها طلاب العلم، وأما ما يوجد في الأسواق فكثير منه غثاء، غثاء "جزء القراءة خلف الصلاة" هذا العنوان؟! عجب!.
يقول: "المقابلة" وهي العرض، يعني عرض النسخة الثانية على النسخة الأولى.
[ ٢٨ / ١٢ ]
صحيح البخاري فيه نسخة يقال لها: اليونينية، اليونيني جمع روايات الصحيح كلها، جمع روايات الصحيح، وقابل هذه الروايات بعضها على بعض، وأثبت الفروق برموز، هذه يقال لها اليونينية، ثم نسخ منها فرع، وقوبل هذا الفرع على أصله ست عشرة مرة، بحيث صار لا فرق البتة بين الفرع والأصل، ولذا القُسْطلَّاني لما أراد شرح البخاري اعتمد على الفرع؛ لأنه ما وجد الأصل، اعتمد على الفرع، فرع اليونينية، ثم بعد ذلك يقول: وجدت المجلد الثاني من الأصل يباع فاشتريته، وقابلت عليه، فإذا لا فرق بين الأصل والفرع، ثم وجد المجلد الأول بعد حين كذلك، ولذلك تجدونه يقول: كذا في فرع اليونينية كهي، ما قال: كذا في اليونينية، وهذه دقة؛ لأنه الأصل مقابلة الكتاب على الفرع، فما تجاوز الفرع؛ لأنه وجد الأصل، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، فإذا سلم طالب العلم من العجلة، العجلة هذه هي اللي تخليه يتجاوز، ولا يستطيع أن يراجع؛ لأن بعض الناس يكتب الخطاب صفحة واحدة، وما عنده استعداد يعيد النظر فيه، ثم يلاحظ عليه ما يلاحظ، وبعض الناس يأخذ الورقة مكتوبة موجهة لغيره، ومن العجلة ينظر فيها، ويشرح عليها يظنها له، هذا ما يصلح، ما يمشي في العلم أبدًا، ورأينا من دقة بعض المسئولين أنه إذا حرر الخطاب، وأعطاه الناسخ، ثم أعطاه، رده إليه ليراجعه وجد فيه نقطة ناقصة، حاء، والمفترض تكون خاء، أو جيم، استدعى الناسخ، وقال: راجع، وصحح، الآن النسخ بحبر أسود، ومعه قلم أسود بإمكانه أن يضع هذه النقطة، لكن من أجل إيش؟ يرد على الناسخ، ويقول له: صحح، وآت به مرة ثانية، واستخرج الخطأ أنت، من أجل أن ينتبه مرة ثانية؛ لأنه لو صحح له ما اهتم المرة الثانية، يعني العلم لا بد من العناية به، ولا بد من الاهتمام به، هناك ألفاظ، ألفاظ يعني تروى في الكتب، وتتابع الناس عليها، ثم مع التحقيق، ومع التحري، ومراجعة الأصول يوجد أن فيها خلل، ولذا يعقد أهل العلم مثل هذه الترجمة، المقابلة.
ثم يقول:
ثم عليه العرض بالأصل ولو إجازة أو أصل أصل الشيخ أو
[ ٢٨ / ١٣ ]
"فرع مقابل" عليه العرض بالأصل، يعني الفرع إذا لم يقابل، نسخ الكتاب، ولم يقابل، ثم جاء ناسخ، ونسخ من هذا الفرع الذي لم يقابل، ثم جاء ثالث، وأوجد فرع الفرع، وهكذا، يعني إذا نسخ الكتاب، ولم يقابل، ثم نسخ ولم يقابل، كما يقول أهل العلم: خرج أعجميًا، لماذا؟ لأن الناسخ الأول وجد عنده أخطاء، الناسخ الثاني يوجد عنده أخطاء زائدة على ما عند الناسخ الأول، وهكذا، ثم بعد ذلك يخرج أعجمي؛ لكثرة الأخطاء، ولا يستقيم إلا بالمقابلة.
"ثم عليه العرض" وهو المقابلة، عرض الفرع على الأصل،
ثم عليه العرض بالأصل ولو إجازة. . . . . . . . .
[ ٢٨ / ١٤ ]
يعني ولو كان يروي الكتاب بالإجازة، ينسخ كتاب الشيخ الذي أجيز به بنفس الرواية التي يروي بها الشيخ، يعني لو افترضنا أن شيخًا مسندًا، يروي صحيح البخاري بالسند المتصل إلى النبي -﵊-، أو إلى البخاري، ثم بإسناد البخاري إلى آخره أجيز به فلان، ما يكفي أن يذهب إلى المكتبات، ويشتري أي نسخة، ويحدث يقول: عن فلان عن فلان عن شيخه الذي أجازه، لا، لا بد أن تعرف نسخة شيخك، ولو كنت تروي عنه بالإجازة، لاحتمال أن تكون رواية شيخك تختلف عن الروايات الموجودة في الأسواق، ينتبه لمثل هذا؛ لأن بعض الإخوان يحرص على الإجازات، ثم بعد ذلك يروي من صحيح البخاري أي طبعة كانت، أو أي نسخة وجدت، يمكن شيخك يروي على رواية أبي ذر، وأنت وجدت رواية النسفي مثلًا، أو رواية غيرهما من الرواة، ما يصلح، ولذلك تجدون الفروق في الكلمات كثير، في الحروف كثير، في الزيادة والنقص من الأحاديث –أيضًا- موجود، قالوا: رواية حماد بن شاكر تنقص عن رواية غيره ثلاثمائة حديث، طيب إذا كان شيخ يروي عن طريق حماد بن شاكر، وأنت وقفت على نسخة برواية غيره، وفي زيادة ثلاثمائة حديث عن مرويات شيخك، هل يسوغ هل يجوز لك أن تروي عن شيخك هذه الأحاديث؟ لا يجوز، ولذلك قال: "ولو إجازة أو أصل أصل الشيخ" قلت لشيخك: أنا أريد نسختك لأنسخ منها، أو أقابل عليها، عندي نسخة أقابلها على نسختي، والله نسختي استعارها واحد، وسافر، وما ندري متى يجي، ابحث عن نسخة شيخ شيخك، أو أصل أصل الشيخ، يعني النسخة التي نسخ منها الشيخ، لماذا لا نبحث عن نسخة شيخ الشيخ، أصل الأصل مباشرة إذا كانت موجودة، لماذا؟ يعني نفترض أن زيد يروي عن عمرو، وعمرو يروي عن بكر، زيد أراد نسخة عمرو، قال: أنا والله أعرتها، ولم أدري متى تجي، أو تلفت، احترقت، ضاعت، ابحث عن نسخة بكر، لماذا لا يبحث زيد عن نسخة بكر من غير مرور بعمرو؛ لأنها هي الأصل؟ أصل الأصل؟
طالب: ليروي عن عمرو.
[ ٢٨ / ١٥ ]
هو في احتمال أن يكون هناك فروق يسيرة بين الأصل وأصله، ولذلك كونك تلتزم بنسخة من تروي عنه لا شك أن هذا أضمن، وأضبط "أو أصل أصل الشيخ أو فرع مقابل" قال لك الشيخ: والله ضاعت نسختي، تلفت، ولك زملاء نسخوا، أو قابلوا نسخهم على نسخة الشيخ هذا فرع مقابل، مثل ما قلنا في فرع اليونينية.
أو فرع مقابل وخير العرض مع أستاذه بنفسه إذ يسمع
"وقيل: بل مع نفسه"،
. . . . . . . . . خير العرض مع أستاذه بنفسه إذ يسمع
يعني أنت عندك نسخة، والشيخ الذي تروي عنه عنده نسخته، المقابلة على نسخة شيخه كما هو المفترض تقابل مع شيخك، شيخك يكون معه نسخته، وأنت معك نسختك، وتقابل هذه النسخة على هذه النسخة، وإذا كان هناك فروق تثبت، هناك أخطاء تصحح، أسقاط تلحق، وهكذا.
"مع أستاذه بنفسه" ما يوكل أحد، هذا الأصل أن الإنسان لا يثق بغيره "إذ يسمع وقيل: بل مع نفسه" يستعير نسخة الشيخ، وينظر في النسختين، الآن في مقابلة الأصول الخطية، يعني هذا مر على كثير من الناس، الرسائل الجامعية، أو غيرها، تجد الناس طرفان ووسط، من الناس من يستأجر من يقابل الأصل والفرع مع غيره، كلاهما مع غيره، يدفع أجره لزيد وعمرو، ويقول: قابل وبس، انتهينا، والأجير في الغالب ما هو مثل صاحب الحاجة، تجدهم يتساهلون، وأيضًا يتفاوتون، ولا في أحرص من الإنسان على عمله هو، ما يوجد، هذا تفريط، وبعضهم يقول: لا، أنا أقابل النسختين بنفسي، يكون عندي الأصل هنا، والفرع هنا، وأنظر في هذا كلمة كلمة، وهذا تشديد أيضًا، وقد يفوت شيئًا؛ لأن النظر قد لا يستوعب النظر في الأمرين معًا، منهم من يقول: أنا أسجل الأصل على شريط، ما أعتمد على أحد، وهذا فعله بعض الزملاء، سجل الأصل على شريط، وأسمعه من الشريط، وصحح الفرع، أوعلق على الفرع من الأصل، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٢٨ / ١٦ ]
هذا، لا لا، الخطأ يعني قليل بالنسبة لهذا، لكنه تشديد على النفس، يعني إذا وجد من يقابل معه، هو لا بد أن يكون موجودًا، أما الاعتماد على الغير هذا تفريط، لابد أن يكون موجودًا، ومعه ثقة، يكون معه ثقة؛ لأن بعض الناس، ما هو أجير، خلي الأمور تمشي بس، ما يكلف نفسه أنه يرد كل كلمة، وبدل ما تكون الجلسة ثلاث ساعات خلها بساعة، ويش يصير؟ يعني ما هو بمهتم والعمل لن يخرج باسمه، هو ليس بأمين، ولا ثقة في هذه الحالة، لكن إذا وجد ثقة لا يستجيز مثل هذا الإمرار يمكن أن يعتمد عليه.
وقيل: بل مع نفسه واشترطا بعضهم هذا. . . . . . . . .
"اشترط بعضهم هذا" أنه لا يعتمد على أحد، جعله شرط لصحة الرواية من هذا الفرع، لا بد أن يقابل بنفسه الأصل والفرع كلاهما بين يديه:
. . . . . . . . . واشترطا بعضهم هذا وفيه غلطا
لأن هذا لا شك أنه تعنت، بل إذا وجد الأصل أو الفرع بيد ثقة، والنسخة الأولى بيد صاحب العمل يكفي:
ولينظر السامع حين يطلب في نسخة وقال يحيى: يجب
يقول: إذا حضر الطلاب مجلس التحديث الشيخ يحدث، لا بد أن يكون بيد الطالب نسخة ينظر فيها، ما يجي هكذا: "يسعى إلى الهيجاء بغير سلاح"، ما يصلح طالب علم يأتي بغير كتاب، ولذا قال:
ولينظر السامع حين يطلب في نسخة وقال يحيى: يجب
يجب أن يكون معه نسخة ينظر فيها، يحيى ابن معين قال: يجب أن يكون معه نسخة ينظر فيها، أما الشخص الذي يأتي إلى الدروس بغير كتاب هذا قليل ما يفلح، هذا لا يفلح إلا نادرًا.
قال: ومثله الذي يجعل الكتاب مثلًا في محل الدرس، ويخرج بدونه، أو لا ينظر في الكتاب إلا في وقت الدرس، هذا يقولون: قل أن يفلح، فكيف إذا كان يحضر يدرس من غير كتب، ولذا قال يحيى بن معين: يجب النظر، نظر السامع حين يطلب العلم في نسخة، ولا يكتفي بمجرد السماع، بعضهم يقول: لا يجب، لكنه عند الرواية إذا أراد أن يروِّي لغيره لا بد أن يعتمد على أصل مقابل على أصل الشيخ.
اللهم صلي وسلم على محمد.
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
ولينظر السامع حين يطلب في نسخة وقال يحيى: يجب
[ ٢٨ / ١٧ ]
يحيى بن معين يرى أنه لا بد أن توجد معه نسخة ينظر فيها أثناء السماع، وأشار الإمام يحيى مع إيجابه لهذا الأمر أن رواية كثير من الشيوخ على خلاف ما أوجبه، أنهم يحضرون بدون نسخ، والنسخة إنما تشترط عند الأداء، يعني كما هو الشأن في شروط التحمل، وشروط الأداء، يعني يصح تحمل الصبي، يصح تحمل الكافر، يصح تحمل الفاسق، يعني ما يشترطون للتحمل شروطًا، لكن عند الأداء لا بد من استيفاء الشروط التي ذكروها، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
والعبرة في وقت الأداء، فإذا أدى ما سمعه مع توافر الشروط: ضبط، وإتقان، وأدى الشيخ كما سمع هذا ما يحد يرده، هذا الأصل، يعني رواية أبي بكر وعمر على هذا عن النبي -﵊- هذا هو الأصل في الرواية، لكن لما اعتمد الناس على الكتابة، وضعف الحفظ لا بد من أن يوجد أقل شيء الكتاب.
وجوز الأستاذ أن يروي من غير مقابَل. . . . . . . . .
الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ومر من أمثاله عدد: الرازي، والغزالي، والآمدي، وغيرهم من أهل النظر، وذكرنا أن بعض طلاب العلم ينتقد إيراد أقوال أمثال هؤلاء في هذا العلم، ويقول: إنهم لا مدخل لهم في هذا العلم، وصرحوا أن بضاعتهم في الحديث مزجاة، فكيف تذكر أقوالهم في علوم الحديث؟ كيف ننقل رأي الغزالي، ومر بنا مرارًا أقوال الغزالي في الألفية موجودة، أقوال الرازي، أقوال الآمدي، وهنا الآن الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني ليسوا من أهل هذا الشأن.
وأجبنا فيما سبق أن من متعلقات هذا الفن ما معوله على الرواية المحضة، وهذا لا مدخل لهم فيه، ولا ناقة لهم فيه ولا جمل؛ لأنهم ليسوا من أهل الرواية.
[ ٢٨ / ١٨ ]
ومن متعلقات هذا الفن ما يدرك بالرأي، ما يدرك بالرأي فمثل هذا ينظر في أقوالهم، ولو قلنا: أنهم لا ينظر في أقوالهم لانسد الباب على كثير ممن يعاني هذا العلم، تجده يعلم، يعلم علوم الحديث، ويدرس الحديث لكن ليس من الحفاظ، يعني لو سألته كم عندك من محفوظ؟ ما حفظ شيئًا، إنما هو شيء يرددونه من قبل النظر؛ لأن هناك رواية، وهناك دراية، فكثير ممن يعلم مصطلح الحديث لو فتشت عن محفوظه من الحديث ما وجدت شيئًا، وجدته مثل الغزالي، ومثل الرازي يتأمل، وينظر في أقوال الآخرين، ويرجح، ولو سددنا هذا الباب، وقلنا: لا مدخل فيه إلا لأهل هذا الشأن، قلنا: ما يدرس مصطلح الحديث إلا الحفاظ، وبعد ذلك ما نجد أحدًا يدرس.
وضربنا مثال فيما سبق لأنه إشكال مطروح وبقوة، كيف يقول الغزالي عن نفسه: بضاعتي في الحديث مزجاة، ونجد في كتب علوم الحديث في كل باب يذكر الغزالي؟ لأن مبحث السنة في المستصفى يعني مبحث كبير، ويعول عليه أهل العلم في هذا الباب.
[ ٢٨ / ١٩ ]
نقول: إن هذا العلم من شقين، شق رواية محضة لا مدخل لهؤلاء فيها، وشق يمكن أن يدرك بالنظر فأقوالهم تنظر كأقوال غيرهم، ضربنا مثال فيما سبق قلنا: إن ابن الصلاح نسب للإمام أحمد، ويعقوب بن شيبة أن "عن" محمولة على الاتصال، و"أن" محمولة على الانقطاع، لماذا؟ قال ابن الصلاح: حديث عن محمد بن الحنفية عن عمار: "أن النبي -﵊- مر به"، قالوا: متصل؛ لأنه قال: محمد بن الحنفية عن عمار، فهو متصل، وعن محمد بن الحنفية: "أن عمارًا مر به النبي -﵊-" قالوا: منقطع؛ لأنه بصيغة "أن" ففرق بين الصيغتين، والحافظ العراقي يقول: كذا له ولم يصوب صوبه، ما هو السبب باختلاف الصيغة، السبب أنه في الصيغة الأولى يروي القصة عن صاحبها، يروي القصة عن صاحبها فهي متصلة، وفي السياق الثاني يروي قصة لم يشهدها، ولم يدركها فهي منقطعة، لكن لو قال: عن محمد بن الحنفية: أن عمارًا قال له"، انتهى الإشكال، ما صار أثر للصيغة؛ لأنه حينئذٍ ..، مثل هذه الأمور يعني يمكن يدركها الإنسان بالتأمل، ما تحتاج إلى أن تكون رواية تلقاها عن فلان، أو عن فلان، وقل: لعل الحامل لبعض الإخوان الذين يكررون مثل هذا الكلام أن أمثال هؤلاء ما يسلمون من شوب بدعة، فكيف يدخلون في علوم السنة؟ مع تصريحهم بأنهم لا عناية لهم بهذا الفن؟ يعني الرازي في تفسير سورة العصر ذكر قصة، قصة امرأة شربت في رمضان، وزنت، وقتلت الولد، وجاءت في المدينة تسأل عن النبي -﵊- في قصة طويلة ذكرها الرازي في تفسيره، ويقول الألوسي لما ساق القصة نقلًا عن الرازي قال: تفرد بذكرها الإمام، ومصطلح عليه عندهم أنه الإمام، الرازي في أصول الفقه، وكتب الشافعية –عمومًا- يقولون: الإمام، يقول: تفرد بها الإمام، ولعمري إنه إمام في نقل ما لا يعرفه أهل الحديث، يعني ما يعرفه أهل الحديث، يعني هذا مدح وإلا ذم؟ ذم بلا شك، فكيف تدخل أقوال مثل هذا في هذا العلم نقول: إن هذا العلم له شقان: شق رواية محضة لا مدخل لهؤلاء فيها، ولا مدخل لكثير ممن يعلم هذا العلم، ولو ادعى التخصص في هذا العلم؛ لأنه ليس من أهل الرواية، ما يحفظ شيئًا من السنة، ما في جوفه شيء من السنة،
[ ٢٨ / ٢٠ ]
وإن علم هذا العلم، هذا مثل الرازي، ومثل غيره، وإن سلم من البدعة التي تلبسوا بها، وهناك ما يدرك بالنظر فينظر في أقوال هؤلاء كغيرهم، وهم من أهل النظر.
وجوز الأستاذ أن يروي من غير مقابَل. . . . . . . . .
يعني يأتي بأصل، أو بفرع غير مقابل، ويروي منه، يعني أنت تروي البخاري عن شيخك فلان، ثم تقول: أذهب إلى المكتبة، وأشتري نسخة، وأروي منها، وأقول: هذه رواية عن فلان، وأنا ما قابلت على أصله، ولا شيء، هذا قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، يقول: يجوز أن تروي من غير أصل مقابل، أو من فرع غير مقابل على أصله.
"وللخطيب إن بيَّن" يجوز أن تروي من فرع غير مقابل بأصله مع البيان، تبين تقول: والله أنا هذه النسخة ما قابلتها على أصل الشيخ، لكن لي رواية في البخاري عن الشيخ فلان، لكني ما قابلت هذه النسخة على الأصل، يبون السامع على بينة مما يسمع، "وللخطيب إن بين والنسخ من أصل" من أصل ليس من فرع، هذا الفرع اللي معك منسوخ من أصل، لكنه ما عورض به، ولا قوبل، هذا الشرط الثاني "وليزد صحة نقل ناسخ" يكون الناسخ معروفًا بالضبط، والإتقان، ولو لم يقابل؛ لأنه في هذا الحالة يكون الخطأ عنده يسير.
. . . . . . . . . وليزد صحة نقل ناسخ فالشيخ قد
الشيخ من هو؟
طالب: ابن الصلاح.
ابن الصلاح.
كقال أو أطلقت لفظ الشيخ ما أريد إلا ابن الصلاح مبهما
"فالشيخ قد شرطه" يعني ما تروي من فرع غير مقابل بأصله إلا إذا كان الناسخ محل ثقة، وعناية، وضبط، وإتقان، ولو لم يقابل على الأصل "ثم اعتبر ما ذكرا" ثم اعتبر ما ذكرا في كل ما تقدم "في أصل الأصل" يكون الفرع مقابلًا على الأصل، والأصل مقابل على أصله، وهكذا، ما يتخلل هذه النسخ المتوارثة ناسخ عن ناسخ، أن يتخللها أصل غير مقابل بأصله، وإن سميَ أصلًا، فهو في الحقيقة ليس بأصل ما عري عن المقابلة.
. . . . . . . . . ثم اعتبر ما ذكرا في أصل الأصل لا تكن مهورا
[ ٢٨ / ٢١ ]
لا تكن متساهلًا، لا تكن مفرطًا في الرواية، خليك حازمًا ضابطًا، صاحب عناية بحيث يوثق بعلمك، وفي نقلك، وفي نسخك، ومقابلتك، الناس لا سيما القراء بل حتى من عامة الناس عندهم تمييز، يميزون بين الشيخ الذي له اهتمام، وعناية بما يقول، وبما يكتب، وبما يلقي، وبما يفتي، الناس يميزون، الذي له عناية يجد القبول، والذي لا عناية له يجد الإعراض عنه، كثيرًا ما يأتي من عامة الناس من يسأل بعض المشايخ يقول: سمعنا لكن ما نثق، حتى عامة يميزون بين الشخص المتساهل، والشخص المعتدل، وشخص عنده شيء من التحري، والإتقان، حتى من خلال ألفاظه يميزون، يعرفون أن هذا من خلال كلامه أنه ليس من أهل العناية، والتحري، ولذلك قال: لا تكن مهورًا، غير مكترث، ولا مهتم، لا بد من العناية مادام تصدى لهذا العلم لا بد من الاهتمام، لا بد من بذل الجهد للضبط، والإتقان، والتحري.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢٨ / ٢٢ ]