شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (١٢)
الكلام على: رواية الحديث بالمعنى، واختصار الحديث، وشرح: فرعٌ آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية ..، والزيادة في نسب الراوي، وإبدال لفظ الرسول بالنبي أو النبي بالرسول، والرواية في حال المذاكرة، وشرح: النوع السابع والعشرون: في آداب المحدث ..
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
إذا اختلف حفظ الحافظ وكتابه فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه، وحسنٌ أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك كما روي عن شعبة، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ فلينبه على ذلك عند روايته، كما فعل سفيان الثوري، والله أعلم.
شخص يروي الحديث ويحفظ ما يرويه، ويكتب أيضًا، يحفظ ويكتب فاجتمع له نوعا الضبط، لكن مع الوقت وجد حديثًا يختلف فيه حفظه عن كتابته، فهل يعول على ما في حفظه، أو يعول على ما في كتابه؟ نعم؟ يقول: "فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه" إذا كان كتب أولًا ثم حفظ منه فالأصل الكتاب، إذا كان حفظ ثم نسخ فليعول على الحفظ، "وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه" إن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إلى الكتاب، وإن كان اعتماده في حفظه على كتاب غيره فليرجع إلى حفظه؛ لأن حفظه أولى من الرجوع إلى كتاب غيره، يقول: "وحسن أن ينبه على ما في الكتاب من ذلك" يعني إذا أراد أن يروي يذكر الفرق، يقول: في كتابي كذا، وفي حفظي كذا، والذي أحفظه كذا، والذي في كتابي كذا، ينبه على الفرق؛ لكي يأتي من بعده من يتبين له الوجه الصحيح.
"وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ" يروي الحديث على لفظ، وغيره من الحفاظ يرونه على لفظ آخر، فيقول: الذي في حفظي كذا، والذي يرويه فلان كذا، في حفظي كذا، وفي حفظ فلان كذا، يبين الفرق بين حفظه وحفظ غيره إذا كان غيره ممن يعتمد على حفظه، والله أعلم، نعم.
[ ١٢ / ١ ]
فرعٌ آخر: لو وجد طبقة سماعه في كتابٍ إما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية، والجادة من مذهب الشافعي، وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف الجواز اعتمادًا على ما غلب على ظنه، وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديثٍ أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه.
قلتُ: وهذا يشبه ما إذا نسي الراوي سماعه فإنه تجوز روايته عنه لمن سمعه منه، ولا يضر نسيانه، والله أعلم.
نعم، هذا الفرع: لو وجد اسمه في الطباق من بين من يروي هذا الكتاب من الطلاب عن شيخٍ بعينه، سمع هذا الكتاب فلان وفلان وفلان وفلان من فلان ثم الشيخ وقع صحيحٌ ذلك، لكنه نسي، نسي هل هو من بينهم بالفعل؟ أو ذكر اسمه إدراج؟ لا يتذكر سماعه لذلك، يقول: "حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية" لأن روايته لهذا الكتاب مشكوكٌ فيها، فلا يجوز له الإقدام، لكن "الجادة من مذهب الشافعي" وغيره وهو الصحيح أنه يجوز له ذلك اعتمادًا على ما غلب على ظنه، لا سيما إذا كان من كتب الطباق ثقة، والشيخ صحّح المكتوب.
"كما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديث أو ضبطه" نعم، قد يجزم بأنه يروي الكتاب، لكن يروي الكتاب بطريق السماع، لكن من أحاديث الكتاب ما نسيه، هل هو بالفعل قرأه على الشيخ أو قُرئ على الشيخ بحضرته؟ أو سمعه من لفظ الشيخ؟ هل يروي بطريقٍ معتبر؟ نسي، له أن يروي الكتاب كاملًا وإن نسي بعض أحاديثه أنه يرويه ..، إذا جزم أنه يروي الكتاب عن الشيخ.
من حدث ونسي:
[ ١٢ / ٢ ]
من حدث ونسي: شخص حدث بحديث فنقل عنه الحديث، فصار من رواه عنه يقول: حدثني فلان، فجاء الشيخ إلى فلان قال: أنا ما حدثتك، ناسي، لكن لثقته بالطالب يطمئن إلى كلامه، ويتهم نفسه، وحينئذٍ يقول: حدثني فلان عني أني حدثته بكذا، نسي، نسي المروي، وهذه مسألة: هل يعتمد على الفرع مع نسيان الأصل؟ نعم يعتمد عليه؛ لأن المسألة مفترضة في فرعٍ ثقة، والشيخ ما كذب الراوي، ما أكذبه، ما قال: يكذب، ما رويتُ الحديث، وليس الحديث من مروياتي، يبقى أن الجازم مقدم على المتردد، وحينئذٍ يقول الشيخ: حدثني فلان عني أني حدثته بكذا، وألف في ذلك: من حدث ونسي، وفيه أيضًا فيه كتاب: (تذكرة المؤتسي في ذكر من حدث ونسي)، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم: قوله: حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية، على الرواية التي تخالف الكتاب والسنة
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
على الرواية من هذا الكتاب الذي لا يتذكر سماعه من ذلك الشيخ، التي معنا، أما المسألة المفترضة في كتاب مثل هذا، نفترض أنه مثلًا الشمائل للترمذي، في آخره إذا قرئ الكتاب على شيخ، وأراد أن يصحح كُتب الطباق، سمع فلان وفلان وفلان وفلان ذُكرت الأسماء عشرة، عشرين، ثلاثين، أقل، أكثر، ثم قال الشيخ ..، عن فلان بن فلان بن فلان الشيخ فلان، ثم قال الشيخ: صحيحٌ ذلك، يكتبون هكذا، اسمك مذكور مع هؤلاء، لكن أنت ما تدري متى؟ نسيت، احتمال أن يكون الكاتب ..، المسألة مفترضة في كاتب ثقة، ما يدرج اسمك لأنك عزيزٍ عليه، يقول: نبي نثبته مع الرواة لأنه عزيز علينا، لا، المسألة مفترضة في كاتبٍ ثقة، فوجود اسمك بين هؤلاء بخط كاتب ثقة وتصحيح شيخ، يعني يورث غلبة ظن، ونسيانك يعني حقيقة كما يعرض لغيرك من النسيان، مثل ما نسيت غيره من المسائل نسيت هذه.
طالب: الصحيح أنه يجوز تروي
يجوز نعم.
رواية الحديث بالمعنى:
[ ١٢ / ٣ ]
فرعٌ آخر: وأما روايته الحديث بالمعنى فإن كان الراوي غير عالمٍ ولا عارفٍ بما يحيل المعنى فلا خلاف أنه لا تجوز له رواية الحديث بهذه الصفة، وأما إن كان عالمًا بذلك بصيرًا بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفًا وخلفًا، وعليه العمل كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدةً وتجيء بألفاظ متعددة من وجوهٍ مختلفة متباينة، ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد، وكان ينبغي أن يكون هذا المذهب هو الواقع ولكن لم يتفق ذلك، والله أعلم، وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس -﵃- يقولون إذا رووا الحديث: أو نحو هذا، أو شبهه، أو قريبًا منه.
مسألة الرواية بالمعنى والخلاف فيها: مسألة معروفة مشهورة، جماهير أهل العلم على جواز الرواية بالمعنى لمن توافر فيه الشرط، للعارف بالمعاني ومدلولات الألفاظ، يعرف ما يحيل المعاني، ويعرف ما يدل عليه اللفظ، أما إذا لم يكن كذلك فلا يجوز بحال، وإن كان الأصل أن يحدث كما سمع، لكن هذا الأصل متعذر، والواقع يشهد بخلافه، فالقصة الواحدة تروى في الصحاح وغيرها من وجوه، المضمون واحد، المعنى واحد، والألفاظ مختلفة، فالبخاري يخرج القصة الواحدة في مواضع متعددة، تجد بينها من الفروق والاختلاف من حيث اللفظ الشيء الكثير، وهي قصة واحدة عن صحابيٍ واحد، فدل هذا على جواز الرواية بالمعنى قولًا وفعلًا، وغيرها أيضًا من كتب السنة هذا واقعها.
[ ١٢ / ٤ ]
وشدد بعضهم في منع الرواية بالمعنى كمحمد بن سيرين وبعض العلماء؛ لأن الرواية باللفظ هي الأصل، فكيف تقول: حدثني فلان بكذا وأنت غيرت لفظه؟! لكن إذا كان هذا التغيير لا يترتب عليه شيء فما المانع من أن تروي الحديث إذا جزمت بأنك أتيت بالمراد منه؟ ومع ذلك لو احتطت وقلت: نحوه، أو شبهه، أو قريبًا منه، أو المعنى، المعنى واحد كما ينبه الأئمة على ذلك، منهم من جوز ذلك للصحابة دون غيرهم، ومنهم من جوز ذلك لمن يحفظ الأصل دون غيره، لكن هذا القول أو الذي قبله أيضًا تجويزه للصحابة دون غيرهم مخالف لما عليه عمل الأئمة، وجد اختلاف بعض الألفاظ من الرواة من بعد الصحابة كالزهري مثلًا، مع أنه من أحفظ الناس للمتون، وكون الرواية بالمعنى إنما تجوز لحافظ للفظ يتصرف فيه ويعبر عنه بأي معنىً لا وجه له؛ لأنه إنما جوزت الرواية بالمعنى لتعذر الحرف واللفظ، المقصود أن هناك أقوال أخرى لا يتلفت إليها، والذي استقر عليه عمل الأئمة هو قول الجمهور، نعم.
اختصار الحديث:
فرعٌ آخر: وهل يجوز اختصار الحديث فيحذف بعضه إذا لم يكن المحذوف متعلقًا بالمذكور؟ على قولين، فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري -﵀- اختصار الأحاديث في كثيرٍ من الأماكن، وأما مسلمٌ -﵀- فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه، ولهذا رجحه كثيرٌ من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري، وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه، وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديمًا وحديثًا.
قال ابن الحاجب في مختصره: مسألةٌ: حذف بعض الخبر جائزٌ عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء ونحوه، فأما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها فهذا سائغ، كان مالكٌ -﵀- يفعل ذلك كثيرًا تورعًا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، وقال مجاهد -﵀-: أنقص الحديث ولا تزد فيه.
[ ١٢ / ٥ ]
اختصار الحديث إذا كان الحديث طويل، أو مشتمل على جمل متعددة لا يرتبط بعضها ببعض فإنه حينئذٍ يجوز اختصاره، شريطة ألا يحتاج المذكور للمحذوف، أو لا يتعلق المذكور بالمحذوف، وإذا جاز الاختصار في القرآن، والاقتصار على الحاجة منه فلأن يجوز في السنة من باب أولى، إذا ساغ لك أن تقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء] وتسكت، أخطأت وإلا ما أخطأت؟ إذا كنت تتحدث عن الأمانة هل يلزمك أن تقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [(٥٨) سورة النساء]؟ ما يلزم، وإذا أردت أن تتحدث عن العدل هل يلزمك أن تقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء]؟ ما يلزم، فالاختصار جائز، لكن ممن يعرف وجوه الكلام، وارتباط بعضه ببعض، فيحذف ما لا حاجة إليه، ويختصر الحديث إذا لم يكن المحذوف متعلقًا بالمذكور، والذي عليه صنيع الإمام البخاري جواز الحذف، فتجد الإمام يقطع الحديث في مواضع، تبعًا لما يستنبط منها من فوائد، ويترجم على كل جزءٍ من الحديث بترجمة هي الفائدة المستنبطة من هذا الحديث، بخلاف "مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه، ولهذا يرجحه كثيرٌ من حفاظ المغاربة" على ما تقدم تقريره.
أول من صنف في الصحيحِ محمدٌ وخص بالترجيحِ
ومسلمٌ بعدُ وبعض الغربِ مع أبي عليٍ فضلوا ذا لو نفع
فالبخاري عند الجمهور مقدم ومرجح، وبعض المغاربة وأبو علي النيسابوري يفضلون مسلم؛ لهذه الحيثية، يجمع لك الحديث بطرقه وألفاظه في موضعٍ واحد، فيسهل على الطالب، لكن يفوت أمر مهم جدًا، وهو إيش؟ الاستنباط من الحديث، إذا كان الحديث فيه فوائد كثيرة ومسلم أدخله في بابٍ واحد، والبخاري -رحمه الله تعالى- فرق هذا الحديث في مواضع هي فوائده، ترجم عليه بتراجم هي الفوائد المستنبطة من هذا الحديث، ففات شيءٌ عظيم من الاستنباط، وهذا فاق به الإمام البخاري غيره، وبز فيه أقرانه، فلا يوجد من يقاربه، ولا يدانيه في هذا، وإن وجدت تراجم من الأئمة على الأحاديث وفيها فقه وخيرٌ عظيم.
[ ١٢ / ٦ ]
على كل حال ولذا الاعتناء بصحيح مسلم أسهل، يعني حينما يريد شخص شرح كتاب يقدم على البخاري وإلا على مسلم؟ على مسلم؛ لأنه يجمع الأفكار مسلم، جامع لك جميع روايات الحديث في موضعٍ واحد، لكن أنت من أجل أن تشرح حديثًا في صحيح البخاري تحتاج إلى أن تتصور المواضع من الصحيح، وتنظر ما ترجم به الإمام على هذا الحديث لكي يكون الشرح متكامل.
"واستروح إلى شرحه آخرون لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري" ومع ذلك وسهولة شرح مسلم فإن لصحيح البخاري النصيب الأوفر من الشروح، وله القدح المعلى، ولا زال مسلم أو صحيح مسلم بحاجة إلى شرحٍ موسع يستخرج درره، وكنوزه وفوائده، جميع الشروح التي كتبت على مسلم إلى الآن شبه الحواشي وإن كان فيها خير إلا أنها بالنسبة لشروح البخاري كالحواشي.
يقول ابن الحاجب في مختصره، مختصره الأصلي وإلا الفرعي؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
له مختصر في الفروع، ومختصر في الأصول.
طالب:. . . . . . . . .
إيش اللائق هنا؟ الفقهاء يذكرون مثل هذه الأشياء.
طالب: في الأصول.
[ ١٢ / ٧ ]
في الأصول؛ لأن في كتب الأصول مباحث متعلقة بالسنة، يقول: "حذف بعض الخبر جائزٌ عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء" إذا جاء خبر مغيا بغاية هل يجوز الاقتصار على الخبر دون الغاية؟ أو جاء استثناء بعده هل تجوز روايته دون الاستثناء؟ ما بعد الغاية خارج عما قبلها، وما بعد الاستثناء خارج في الحكم عما بعده، فكيف نعرف أن المغيا مخصوص؟ الغاية مخصوصة والمستثنى مخصوص؟ وقد حذفنا هذا من الخبر، وعلينا الاعتماد في روايتها، إذا أردت أن تستدل بحديث فلا يجوز لك أن تسوقه إلا بجميع ما يرتبط به من غاية، أو استثناء، أو شرط، أو وصفٍ مؤثر، أما الأوصاف غير المؤثرة يجوز اختصار الحديث، "أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها فهذا سائغ" يقتصر على ما جزم به، ويحذف ما شك فيه، كما "كان مالك يفعل ذلك كثيرًا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله" أحيانًا يذكره بلاغًا، وأحيانًا يرسله، وأحيانًا يسقط بعض روايته إذا شك في وصله، "وقال مجاهد: انقص الحديث ولا تزد فيه" انقص الحديث؛ لأنك إذا نقصت أتيت بالمتيقن، وإذا زدت أثبت شيئًا مشكوكًا فيه فتحملت تبعته، والله المستعان.
طالب:. . . . . . . . .
إذا ذكرت كل ما تحتاجه من الآية، فلا يلزمك أن تقول: الآية، لماذا؟ لأنك إذا قلت: الآية معناه: اقرأ الآية، أو أكمل الآية، وهو ليس بحاجة إليها، لكن إذا كان ما تركته مما يحتاجه القارئ تقول: الآية، أو الآيات إن كان هناك آيات ترتبط بالموضوع، نعم.
شرح: فرعٌ آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية:
فرعٌ آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية، قال الأصمعي: أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله -ﷺ-: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن النبي -ﷺ- لم يكن يلحن، وأما التصحيف فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين، والله الموفق.
[ ١٢ / ٨ ]
وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكيٌ عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمروٍ عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونًا، قال ابن الصلاح: وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ.
وعن القاضي عياض: إن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرفٍ من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك بالشواذ، كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي، ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي لكثرة مطالعته وافتنانه، قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه، قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل -﵀- أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.
قلتُ: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونًا عن الشيخ ترك روايته عنه؛ لأنه إن تبعه في ذلك فإن النبي -ﷺ- لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه منه كذلك.
هذا الفرع مهمٌ جدًا بالنسبة لمن يطلب العلوم الشرعية كلها، ولا يختص هذا بأهل الحديث، ولا أهل التفسير ولا أهل الفقه والعقائد وغيرها، لا بد لطالب العلم الشرعي من العناية بالعربية؛ لأن القرآن بلسانٍ عربي مبين، والرسول -﵊- عربي، وكلامه عربي، والذي لا يحسن العربية يتعثر غالبًا، وإذا كان اللحن لا سيما إذا كان يحيل المعنى يبطل الصلاة، إذا كان يحيل المعنى فاللحن في القراءة يبطل الصلاة، هذا يجعلنا نعتني بالعربية، إذا كان يحيل المعنى يغير الحكم الشرعي، وذكرنا له فيما تقدم أمثلة، فعلى طالب العلم أن يعتني بهذا، وأن يهتم به، وأن يقرأ كتاب -بل كتب- في العربية على من يفتح مغاليقها له، ممن عرف بذلك.
[ ١٢ / ٩ ]
يقول: "ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفًا بالعربية، قال الأصمعي: أخشى أن يكون إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله -﵊-: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن النبي -﵊- لم يكن يلحن" لو قال: "إنما الأعمالَ بالنيات" يدخل في الحديث أو لا يدخل؟ هو خطأ لكن هل قال النبي -﵊-: "إنما الأعمالَ بالنيات"؟ إذًا كذبت عليه، نعم هو كذب، يعني قد ..، إذا كان لا يحيل المعنى، أو إذا كان مع الجهل يعذر لكنه كذب؛ لأنه خلاف الواقع، ولذا قال الأصمعي ما قال.
علاج هذا الفرع بقراءة متنٍ مناسب في العربية، العربية بكافة فروعها، أو متون مناسبة؛ لأن علم العربية له فروع عشرة، كما هو معروف، النحو والصرف والاشتقاق والبيان والبديع والمعاني والوضع وغيرها من ..، متن اللغة، فقه اللغة، المقصود أنها فروعٌ عشرة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها.
التصحيف والتحريف في الألفاظ، تغيير الشكل، تغيير النقد، زيادة الحروف ونقصها، الدواء الناجح لذلك أن يتلقى من أفواه الشيوخ الضابطين؛ لأن من يروي من كتابه لا يؤمن عليه الخطأ؛ لأن هناك ألفاظ صورتها واحدة، لكن النطق فيها يختلف، فدواء ذلك وعلاجه أن يتلقى هذا العلم من أفواه المشايخ الضابطين، إذا لحن الشيخ فما موقف الطالب؟ إذا لحن الشيخ فما موقف الطالب؟ هل يصوب ويروي لغيره الصواب أو يروي على الخطأ؟ لحن الشيخ لحنًا لا وجه له في العربية، ماذا يصنع الطالب؟ قالوا: يروي على الصواب، ومع ذلكم لا بد أن يبين هذا اللحن الذي وقع فيه الشيخ في الحاشية؛ لئلا يكون له وجه في العربية، أو يكون هو الصحيح في الرواية، وأنت سارعت وبادرت وهجمت على الكتاب أو هجمت على الرواية وصححت.
[ ١٢ / ١٠ ]
"وهو محكيٌ عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر بن أبي سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيوخ ملحونًا" يروي كما سمع من الشيخ لحن، وينبه على الصواب في الحاشية، لا شك أن مثل هذا أسلم، لكن ما تدري يمكن يكون له وجه صواب وأنت هجمت وسارعت وبادرت بالتصحيح، وكم من شخص هجم على الكتب وصحح وخطأ وما أثبته مرجوح، وما أهمله راجح، وهذا يتبين كثيرًا في الكتب التي ادعي تحقيقها، بعد مقابلة النسخ تجد المحقق يقول: في الأصل كذا، أو ثبت ما أثبته في نسخة كذا، وفي الأصل كذا، أو في النسخ كذا، اجتهد فوضع اللفظ المرجوح في الصلب، واللفظ الراجح وضعه في الحاشية، هذا من تصرفه، وإلا فالأصل أن يعتمد أوثق النسخ أصل، ويثبت جميع ما فيها، ويثبت فروق النسخ في الحاشية.
"قال ابن الصلاح: وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ" لأنه معروف مذهب ابن سيرين و وعبد الله بن سخبرة منع الرواية بالمعنى، "وهذا غلوٌ في مذهب اتباع اللفظ، وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم" كما ذكرنا هذا أحوط؛ لئلا يتصرفوا في الرواية، فيأتي بعدهم من يتصرف، يبين له وجه آخر فيتصرف، ثم يأتي ثالث وهكذا، ثم يحصل المسخ التام للكتب، لأن هذا الهجوم على هذه الكتب بالتغيير والتبديل على غير مراد مؤلفيها يوقع في مثل هذه الأوهام الكبيرة.
[ ١٢ / ١١ ]
يقول: "حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة" يمر آيات في صحيح البخاري وآيات في موطأ مالك وغيره جاءت على غير التلاوة المعروفة المتداولة بين الناس، "من غير أن يجيء ذلك في الشواذ" الروايات مروية، كما وقع في الصحيح من الموطأ، "ولكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع في الحواشي" في الحاشية يقول: إن الصواب كذا، أو القراءة المعتمدة عندنا كذا، في بلدنا القراءة كذا؛ لأن بعض الناس اعتادوا على قراءة واحدة، ثم إذا قرأ في تفسير من التفاسير لفظة على غير ما اعتاده من القراءة هجم عليها وصححها، وإن كانت هذه القراءة معتمدة عند المفسر؛ لكونه يروي القرآن على قراءة غير القراءة التي اعتمدها من السبع مثلًا، وهذا من شؤم التصرف في كتب الآخرين.
"ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها" بعض الناس يجزم، نعم هناك من الناس من هو أهل ومع ذلكم يقع منه الخطأ، من يعرى من الخطأ؟ "منهم أبو الوليد هشام بن عبد الملك الوقشي لكثرة مطالعته وافتنانه" صاحب فنون وعلوم، وصاحب اطلاع واسع، ومعرفةٍ تامة، ومع ذلكم وقع فيما وقع فيه.
قال: "وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه" ممن يهجم على الكتب ويصحح، قال: "والأولى سد باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع" يقرأ الخطأ ويصحح ويقول: الصواب كذا.
"وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش" اللي ما له تأويل، الذي ليس له محمل صحيح، "ويسكت عن الخفي السهل، قلتُ: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونًا عن شيخ ترك روايته" حديث فيه لحن يتركه لا حاجة له به؛ لأنه إن تركه على الخطأ مشكل، وإن صححه وهجم عليه وصححه مشكل؛ "لأنه إن تبعه في ذلك فالنبي -﵊- لم يكن يلحن، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه كذلك" ما سمع من شيخه هذا، فلا بد أن يخطئ في حق النبي -﵊-، أو يخطئ في حق الشيخ الذي روَّاه الحديث، نعم.
[ ١٢ / ١٢ ]
فرعٌ: وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلومٌ فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب فلا بأس بتجديده على الصواب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [(٢٢٠) سورة البقرة].
يقول -﵀-: "وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلومٌ فلا بأس بإلحاقه" إذا سقط كلمة وأنت تنسخ من المتن في نسبة راوٍ، أو متن حديث، فإنه لا بأس بإلحاقه إذا كانت معلومة محفوظة عند من ألحقها، "وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب" تمزقت أطرافه، أو قصه المجلِد حينئذٍ لا بأس بتجديده، وكتابة ما يغلب على الظن أنه صواب، لكن إن تيسر له نسخة أخرى يرجع إليها فهو الأصل، إن لم يتيسر له ذلك يجتهد في ربط الكلام، ويبين أنه هو الذي ألحق هذه الكلمات الساقطة، والله -﷾- يقول: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [(٢٢٠) سورة البقرة] لأن هذا نيته الإصلاح ما نيته الإفساد، ولذا جُوِّز صنيعه على أن يبين أنه هو الذي ألحق هذه الأشياء الساقطة، نعم.
فرعٌ آخر: وإذا روى الحديث عن شيخين فأكثر وبين ألفاظهم تباينٌ فإذا ركب السياق من الجميع كما فعل الزهري في حديث الإفك حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقال: كلٌ حدثني طائفةً من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض، وساقه بتمامه فهذا سائغٌ، فإن الأئمة قد تلقوه عنه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها، وللراوي أن يبين كلَّ واحدةٍ منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديثٍ وإخبارٍ وإنباء، وهذا مما يعنى به مسلمٌ -﵀- تعالى في صحيحه ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج غالبًا على ذلك، ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.
[ ١٢ / ١٣ ]
يقول: "إذا روى الحديث عن شيخين فأكثر" وكان بين ألفاظ هؤلاء الشيوخ تباين فالمسألة لا تخلو: أن يكون هؤلاء الشيوخ كلهم ثقات، أو فيهم الثقات والضعفاء، فإن كانوا ثقات فلا إشكال في جمعهم وسياق خبرهم مساقًا واحدًا، كما حصل من الزهري في حديث الإفك؛ لأنه إن كانت هذه الجملة من رواية سعيد وعروة، من رواية سعيد أو من رواية عروة، أو من رواية غيرهما من الثقات، فالأمر متردد بين ثقتين ولا إشكال حينئذٍ، وإن كان فيهم الثقة والضعيف فلا بد من فصل ما يرويه الضعيف عما يرويه الثقة؛ لئلا يلتبس الأمر، إذا قلت: حدثني فلان وفلان وبعضه عن فلان الثقة وبعضه عن فلان الضعيف لا بد أن تميز؛ لئلا تنسب هذا ما رواه الضعيف إلى ذلك الثقة، فيحصل اللبس على القارئ فيثبت الخبر، أو فيثبت ما ليس بثابت، أو يتردد في رواية ما رواه الثقة، فيكون فعلك سببًا في رد ما ثبت عن النبي -﵊-، وكلاهما قبيح، لا شك أن رد الثابت قبيح، وإثبات غير الثابت أيضًا شنيع.
"فإن الأئمة قد تلقوه عنه بالقبول" يعني تلقوا حديث الإفك عن الزهري بالقبول، وإن كان أدرج بعض ألفاظ الرواة في بعض، لماذا؟ لأنهم كلهم ثقات، "وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها، وللراوي أن يبين كل واحدةٍ منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان" لا شك أن هذا هو الأحوط، هذا هو الأحوط أن يبين رواية عروة ويبين رواية سعيد ورواية غيرهما، ولو كانوا ثقات لا شك أن هذا هو الأحوط، لكن إذا جمعهم فالأمر لا يعدوهم، وهم كلهم ثقات، "ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديثٍ وإخبارٍ وإنباء" حتى يبين ما بين صيغ الأداء من فروق، يذكر أن هذا يقول: حدثنا، وقال ذاك: أخبرنا، وقال ذاك: أنبأنا إلى آخره، وهذه الفروق يعتني بها مسلم -رحمه الله تعالى-، ويميز بعضها عن بعض بدقة، فيقول: حدثنا فلان وفلان وفلان قال الأول: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا، يبين أيضًا في ألفاظ المتون فروق الروايات بالحرف، "وأما البخاري فإنه لا يعرج على ذلك" لأن المسألة مفترضة في مجموعة من الثقات، سواءً رووه بهذا اللفظ أو بذاك فالأمر لا يعدوهم، ربما. . . . . . . . . بعض الأحايين ربما لكنه قليل، نعم.
[ ١٢ / ١٤ ]
فرعٌ: وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكيٌ عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين، والله أعلم.
انتهى الوقت؟ نواصل القراءة؟ نقف يا شباب على هذا الفرع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الزيادة في نسب الراوي:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الإمام الحافظ ابن كثيرٍ -رحمه الله تعالى- وغفر الله له ولنا ولشيخنا والسامعين:
فرعٌ: وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكيٌ عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين، والله أعلم.
يقول -رحمه الله تعالى-: "تجوز الزيادة -في نسب الشيخ- في نسب الراوي" أما في نسب شيخ المحدث فلا يحتاج إلى بيان، له أن يقول: حدثنا فلان بن فلان بن فلان إلى آخره الفلاني، لا يحتاج إلى بيان؛ لأنه هو الذي يحكي فالكلام منسوبٌ إليه، لكن إذا زاد في نسب شيخ شيخه أو من فوقه على ما رُوي له ..، الآن الإمام البخاري له أن يزيد في نسب شيخه محمد بن بشار مثلًا، لكن هل له أن يزيد على قوله: حدثنا محمد بن بشار هذا له أن يزيد ما شاء، لكن بعد ذلك إذا قال: حدثنا غُندر هل له أن يقول: غندر محمد بن جعفر، له أن يزيد على أن يبين؛ لأن محمد بن بشار قال له: حدثنا غندر، فالإمام البخاري ليس له أن يزيد، وإن كان الأمر سهل، لكن هذا من دقة أهل الحديث، فلا بد أن يبين بأن يقول: هو محمد بن جعفر، أو يقول: يعني محمد بن جعفر وهكذا، فإذا جاء بـ (هو) بين أن هذه الزيادة من عنده، وكذا في نسب شيخ شيخ الشيخ وهكذا إلى آخر الإسناد، مثلًا لو قال: حُميد عن أنس، فجاء فقال: أنس يعني ابن مالك أو هو ابن مالك لا بأس.
[ ١٢ / ١٥ ]
وهنا يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكيٌ عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين" لكن إن زاد من غير بيان الأمر سهل، ما عدا الواقع، لكن الأولى أن يقتصر على ما روِّي له من ألفاظ الشيوخ، ولا سيما في صيغ الأداء، وفي أنساب الشيوخ ينبغي أيضًا أن يقتصر على ما روِّي له، وإذا أراد أن يزيد من أجل البيان فلا بد أن يقول: هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان.
فرعٌ: جرت عادةُ المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرك فلان؟ قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، ومنهم من يحذف لفظة (قال)، وهو سائغ عند الأكثرين، وما كان من الأحاديث بإسنادٍ واحد كنسخة عبد الرزاق عن معمرٍ عن همام عن أبي هريرة -﵁-، ومحمد بن عمروٍ عن أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁-، وعمروِ بن شعيب عن أبيه عن جده -﵁-، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده -﵁- ونحو ذلك، فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: وبالإسناد أو وبه أن رسول الله -ﷺ- قال كذا وكذا، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد.
قلتُ: والأمر في هذا قريبٌ سهل يسير، والله أعلم، وأما إذا قدم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: قال رسول الله -ﷺ- كذا وكذا، ثم قال: أخبرنا به وأسنده، فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولًا ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلافٌ ذكره الخطيب وابن الصلاح، والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم.
ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر؛ لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوتٍ فيتصل له سماعُ ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء من تقديمِ إسناده وتأخيره، والله أعلم.
[ ١٢ / ١٦ ]
يقول -﵀-: "جرت عاد المحدثين إذا قرؤوا يقولون: أخبرك فلان" يعني إذا قرؤوا على من يروي الحديث بإسناده يخاطبونه بهذا، يقولون: أخبرك فلان، قال: أخبرنا فلان، وفي النهاية هل يقول: نعم؟ إذا قرأ الحديث يلزم أن يقول: نعم؟ جمهور المحدثين على أنه لا يلزم أن يقول المحدث: نعم؛ لأن أخبرك فلان سؤال، يعني هل أخبرك فلان؟ هل يلزمه أن يقول: نعم؟ الظاهرية يقولون: لا بد أن يقول: نعم، أخبرك فلان قال: أخبرنا فلان إلى آخره يقول الشيخ: نعم، لا بد أن يقر، لكن الجمهور جروا على أنه لا يلزم الإقرار، والفرع مسوق لبيان قال، أخبرك فلان قال: أخبرنا فلان قال: أخبرنا فلان، ولفظ (قال) محذوفة في الكتب، وفي الخط، لكنهم ينطقون بها، منهم من يقول: إنه لا بد من الإتيان بها، حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان إلى آخره، ومنهم من يقول: حذفها لا يوقع في لبس، إذًا لا يلزم الإتيان بها، والحذف في الخط كثير، وفي النطق منهم من يلزم من الإتيان بها، ومنهم من يقول: ما دام أنه لا يوقع في لبس فالأمر يسير.
قال: "وهو سائغٌ عند الأكثرين لا سيما في الخط" الصحف والنُسخ التي تروى بإسنادٍ واحد، وتشتمل على جمل كصحيفة همام ابن منبه، عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال: هذا ما حدثنا به رسول الله -ﷺ- قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ثم سرد جملًا تبلغ أكثر من ثلاثين ومائة، كل جملة منها تصلح حديثًا منفردًا، سيقت مساقًا واحدًا في المسند، وهي موجودة في صحيفة مستقلة محققة، وهي صحيحة، سيقت مساقًا واحدًا في المسند لماذا؟ لأنها في مسند يجمع أحاديث الصحابي الواحد في مكانٍ واحد، فسيقت مساقًا واحدًا، وهذا موضعها في مسند أبي هريرة.
[ ١٢ / ١٧ ]
البخاري -رحمه الله تعالى- يقطع هذه الصحيفة، ويأتي في كل موضعٍ منها بجملة تناسب المقام، ومسلم كذلك، ما ساقوا الصحيفة مساقًا واحدًا، بل قطعوها في الأبواب، ولكلٍ منهما طريقته، فطريقة الإمام البخاري يذكر الجملة الأولى: «نحن الآخرون السابقون» بعد أن يذكر الإسناد يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ثم يأتي بالجملة التي يحتاج إليها، القطعة التي يحتاج إليها من الحديث أو من الصحيفة.
مسلم -رحمه الله تعالى- بعد أن يسوق الإسناد عن همام عن أبي هريرة هذا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- فذكر أحاديث منها ثم يذكر الجملة التي يريدها، ولكلٍ منهم طريقته، وهذه الطريقة مناسبة، وتلك أيضًا.
إذا ذكر الإسناد في الموضع الأول احتاج إلى جملة في أول الكتاب، ثم احتاج في أثنائه مرارًا، وفي آخره، هل يحتاج أن يكرر الإسناد أو يقول: بالإسناد السابق عن أبي هريرة قال: هذا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- وذكر أحاديث، يحتاج أن يذكر الإسناد أو يحيله إلى الإسناد السابق؟ منهم من يفعل هذا، ومنهم من يفعل هذا، والأمر واسع، ما دام ذكر الإسناد في أول موضع.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال إذا خشي من أحدٍ أن يلتبس عليه لا بد من البيان، وهنا يقول: "وما كان من الأحاديث بإسنادٍ واحد كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة ومحمد بن عمروٍ عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديثٍ منها ثم يقول: وبالإسناد" يعني يشير إلى أنه تقدم ذكر الإسناد، "أو وبه إلى رسول الله -ﷺ- قال: كذا وكذا، ثم له أو يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديثٍ الإسناد" له أن يرويه ويحيله على الإسناد السابق، وله أيضًا أن يذكر الإسناد في كل قطعة يحتاج إليها.
[ ١٢ / ١٨ ]
إذا روى كتاب كامل بإسنادٍ واحد هل يلزمه أن يذكر إسناده إلى صاحب الكتاب في كل حديث؟ أو يذكره في أول موضع، ويحيل إليه فيما بعد؟ وبه الشراح يكتفون بذكر الأسانيد في موضعٍ واحد، وبقية الأحاديث: وبه إلى الإمام البخاري قال: حدثنا إلى آخره، وهذا الأمر فيه سهل، ولذا يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "والأمر في هذا قريبٌ سهل يسير" سواءً ذكر الإسناد في كل موضع، أو أحال إليه، ذكره في الموضع الأول ثم أحال إليه.
"وأما إذا قدم المتن على الإسناد كما إذا قال: قال رسول الله -ﷺ- كذا وكذا، ثم قال: أخبرنا به" الأصل تقديم الإسناد على المتن، يقول الإمام البخاري: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان ..، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟ حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن محمد بن إبراهيم التيمي، نعم، عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب -﵁-، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
محمد بن سعيد ..، يحيى بن سعيد، يحيى بن سعيد، نعم.
قال الإمام البخاري: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» فهل للإنسان أن ينقل هذا الحديث من البخاري ويقول: قال رسول الله -ﷺ- حدثنا به الحميدي قال: حدثنا سفيان إلى آخره، فيقدم المتن على الإسناد خلافًا على القاعدة خلاف الأصل؟ له ذلك، فلا فرق بين أن يذكر الإسناد قبل أو بعد، ما لم يعرف من اصطلاح المؤلف أنه لا يؤخر الإسناد إلا لعلة كابن خزيمة، ابن خزيمة لا يقدم المتن على الإسناد فيؤخر الإسناد إلا إذا كان الحديث فيه مقال، وعلى هذا ويقول: قد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير الوجه الذي ساقه عليه بأنه ليس منه في حل، فأنت إذا سمعت الحديث منسوب إلى ابن خزيمة وقدم فيه الإسناد عرفتَ أنه ليس فيه مقال؛ لأنك تعرف منهج ابن خزيمة وعادة ابن خزيمة، لكن إذا سيق المتن أولًا ثم عقب بالإسناد عرفتَ أن فيه مقالًا، هذه طريقة ابن خزيمة، ومن عداه الأمر فيه سهل؛ لأنه صرح بذلك.
[ ١٢ / ١٩ ]
طالب:. . . . . . . . .
أي الكتب؟
طالب:. . . . . . . . .
ابن خزيمة هذا في الصحيح. . . . . . . . .، وشرطه في التوحيد شرطه في الصحيح، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
شرطه في الصحيح شرطه في التوحيد ما يختلف.
طالب:. . . . . . . . .
إيه عرفنا أن فيه علة، إذا جاء بالإسناد بعد المتن عرفنا أن في الحديث مقال، ولو من وجهة نظره.
يقول: "فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولًا ويتبعه بذكر المتن؟ فيه خلافٌ ذكره الخطيب وابن الصلاح" يعني المسألة عكسية، يعني إذا روى عن شيخه المتن ثم ذكر الإسناد هل له أن يقدم الإسناد على القاعدة المطردة على الجادة؟ يعني لو افترضنا أنك رويت حديث من صحيح ابن خزيمة المتن مقدم، فهل لك أن تقدم الإسناد؟ لا ليس لك، وقفت على حديث المتن فيه مقدم في صحيح ابن حبان مثلًا، هل لك أن تقدم الإسناد؟ الأمر فيه سعة.
يقول: "والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم، ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر" يذكرونه في الأول ثم في الأخير؛ لأنه عندهم لا فرق، لماذا؟ لأن من الشيخ من يسمع في أثنائه بفوتٍ، يعني يفوته ذكر الإسناد، يفوته سماع الإسناد، فيتصل سماع ذلك من الشيخ، فيذكر الإسناد في الأول وفي الآخر، وما دام جاز ذكره في الأول وفي الآخر فيجوز في أحدهما، "وله روايته عنه كما يشاء من تقديم إسناده وتأخيره، والله أعلم".
سم.
فرعٌ: إذا روى حديثًا بسنده ثم أتبعه بإسنادٍ له آخر وقال في آخره: مثله، أو نحوه، وهو ضابطٌ محرر، فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، حكاه عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله: مثله، ولا يجوز في نحوه، قال الخطيب: إذا قيل بالرواية على المعنى فلا فرق بين قوله: مثله أو نحوه، ومع هذا أختارُ قول ابن معين، والله أعلم.
[ ١٢ / ٢٠ ]
أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: الحديث أو الحديث بتمامه أو بطوله أو إلى آخره، كما جرت به عادة كثيرٍ من الرواة فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم ومنع منه آخرون منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكرٍ البرقاني شيخه أبا بكرٍ الإسماعيلي عن ذلك، وقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.
قال ابن الصلاح: قلتُ: وإذا جوزنا ذلك فالتحقيق أنه يكون بطريقِ الإجازة الأكيدة القوية، قلتُ أنا: وينبغي أن يفصّل فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره فتجوز الرواية وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه، وتحقق سماعه، والله أعلم.
"إذا روى حديثًا بسنده" يعني مثل ما يصنع الإمام مسلم كثيرًا يسوق الأحاديث من طرق كثيرة، فيسوق اللفظ في بعضها، ويحيل في البعض الآخر، ويذكر ما بين الروايات من فروق، "فإذا روى الحديث بسنده ثم أتبعه بإسنادٍ آخر" روى الحديث بالسند والمتن، ثم قال: وحدثنا به فلان عن فلان عن فلان مثله، أو قال: نحوه، وهو ضابطٌ محرر، يعني مثل مسلم ضابط محرر يعتني بألفاظ الشيوخ، ويبين ما بينها من الفروق، فإذا وقفتَ في صحيح مسلم على حديثٍ ذكر لفظه ثم ذكر إسناد الثاني وقال: مثله، أو قال: بلفظه؛ لأن المثل تعني اللفظ، والنحو يعني المعنى، فإذا قال: مثله فهل يجوز لك أن تروي الحديث بالإسناد الثاني الذي أحيل به على اللفظ الأول؟ تروي لفظ الحديث الذي سيق إسناده أولًا وأحيل على اللفظ بإسنادٍ ثاني، فهل لك أن تروي اللفظ الأول وتركب عليه الإسناد الثاني؟ لأن مسلمًا قال: بمثله أو مثله أو بلفظه، افترض أنه قال: بلفظه، لك ذلك أو ليس لك ذلك؟ منهم من تسمَّح، شعبة يقول: لا، وهو معروفٌ بالشدة والاحتياط، والثوري يقول: نعم، ويسوي الثوري بين مثله ونحوه، مع أن بينهما فرق؛ لأن مثله تعني اللفظ، ونحوه تعني المعنى مع الاختلاف اليسير في الألفاظ.
[ ١٢ / ٢١ ]
يحيى بن معين يجوز في مثله ولا يجوز في نحوه، وكلُّ هذا جارٍ على جواز الرواية بالمعنى إذا قيل: مثله أو قيل: نحوه، إذا قيل: نحوه لا نضمن أن الألفاظ المذكورة بالطريق الثاني هي الألفاظ المذكورة في الطريق الأول؛ لأن نحوه تعني معناه، وعلى جواز الرواية بالمعنى الخطب سهل، أقول: الأمر سهل، نفترض أننا رويناه بالمعنى، فلا فرق حينئذٍ، وهذا يقوي قول الثوري، لكن لا شك أن الاحتياط ينبغي أن يسلك في مثل هذه الأمور، فإذا أردت المتن وأردت الإسناد الثاني لعلو مثلًا، أو لإمامة في هؤلاء الرواة دون أولئك فإنك تذكر الإسناد كاملًا، وتقول: بنحو حديثٍ قبله لفظه كذا، أو بمثل حديثٍ قبله لفظه كذا، هذا هو الاحتياط في الرواية.
[ ١٢ / ٢٢ ]
يقول الحافظ ابن كثير: "ومع هذا أختارُ قول ابن معين" أنه يجوز في مثله ولا يجوز في نحوه، إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: الحديث، أو أورد بعض الآية وقال: الآية، أولًا: الحديثَ بالنصب، والآيةَ بالنصب أيضًا يعني: اقرأ الحديث، أو اقرأ الآية، أو أكمل الحديث، أو أكمل الآية، فهي بالنصب "أو الحديث بتمامه أو بطوله أو إلى آخره كما جرت به عادة كثيرٍ من الرواة" ساق طرف الحديث ثم قال: الحديث، فهل لك أن تسوق الحديث بتمامه؟ لأنه أحالك وقال لك: الحديث، يعني: أكمل الحديث، "فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم، ومنع منه آخرون، منهم أبو إسحاق الإسفراييني" من الأئمة الفقهاء الأصوليين كما هو معروف، أبو بكر البلقاني سأل شيخه أبو بكر الإسماعيلي عن ذلك، وهو إمام من أئمة هذا الشأن، أبو بكر الإسماعيلي إمام من أئمة الشأن، حتى قال الحافظ الذهبي -﵀-: من عرف حال هذا الرجل جزم يقينًا أن المتأخرين على يأسٍ تام من لحاق المتقدمين، على كل حال البرقاني سأل الإسماعيلي عن ذلك فقال: "إن كان الشيخ -فصّل- إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك" يعني تكون معرفتهما بالحديث واحدة، لاحتمال أن يكون عند الطالب، عند التلميذ زيادة ليست عند الشيخ، يكون هذا التلميذ يروي الحديث من طريق آخر، شيخٍ آخر وفيه طول، والقدر الذي يرويه الشيخ هنا أخصر مما يرويه هذا التلميذ عن شيخٍ آخر، فإذا قيل له: الحديث احتمال أن يأتي باللفظ الذي يحفظه عن غير هذا الشيخ، فإذا كانت معرفتهما بالحديث واحدة فلا بأس حينئذٍ، "فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى" فيقتصر على القدر الذي ذكره الشيخ، قال: وأحال بباقي الحديث على حفظي مثلًا، أو على روايتي، أو قال: الحديث يعني أكمل الحديث وهذا تمامه، فذكر طرفًا من الحديث وتمامه كذا إلى آخره، البيان أولى.
[ ١٢ / ٢٣ ]
"قال ابن الصلاح: قلتُ: وإذا جوزنا ذلك فالتحقيق أن يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية" لأنه أذن له في إتمام الحديث، أو برواية باقي الحديث عنه، أذن له برواية باقي الحديث عنه، والإجازة هي الإذن بالرواية، ومثل هذه الإجازة، ومثل هذا الإذن من أقوى أنواع الإجازات؛ لأنها من معين إلى معين في حديثٍ معين، فمثل هذه الإجازة تجوز من باب أولى عند من يقول: بجواز الإجازة، وتقدم الكلام في هذا.
قال: "وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه" يعني أنت إذا كان الطالب قد سمع الحديث من الشيخ في مجلسٍ آخر أو في المجلس نفسه قبل ذلك، ويعرف لفظ الحديث الذي يرويه هذا الشيخ، والشيخ أحال على ما سمع منه سابقًا فلا بأس حينئذٍ أن يكمل الحديث؛ لأننا أمنا مفسدة أن يكون في ذهنه من متن الحديث ما لم يروه هذا الشيخ بعينه، بل رواه من طريق شيخٍ آخر، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
أستاذ إيش فيه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
معروف أن الأستاذ هو الأصل عند أهل العلم، في مقام الشيخ، الشيخ ترى حادثة ما هي ..، الشيخ فلان أبدًا، بل هي من ألفاظ التليين عند أهل الحديث، نعم إذا قالوا: شيخ ترى ما هو ..، نعم لو رجعت ألفاظ الجرح والتعديل ..، لكن العرف جرى على أن الشيخ هو من أهل العلم عند المتأخرين الشيخ، لكن في عرف المتقدمين لا، الإمام مسلم يقول للبخاري: يا أستاذ الأستاذين، والأستاذ معروف عندهم كما هو معلوم.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال الأعراف محكمة في مثل هذا، نعم.
إبدال لفظ الرسول بالنبي أو النبي بالرسول:
فرعٌ: إبدال لفظ الرسول بالنبي أو النبي بالرسول، قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني لاختلاف معنييهما، ونقل عن عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك، فإذا كان في الكتاب النبي فكتب المحدث رسول الله -ﷺ- ضرب على رسول وكتب النبي.
[ ١٢ / ٢٤ ]
قال الخطيب: وهذا منه استحبابٌ، فإن مذهبه الترخص في ذلك، قال صالح: سألتُ أبي عن ذلك فقال: أرجو أنه لا بأس به، وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزًا كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا.
إبدال لفظ الرسول بالنبي والعكس، فإذا قال الصحابي: قال رسول الله -ﷺ- هل يجوز لمن روى عنه أن يقول قال: النبي -﵊- أو العكس؟ الآن النقل نقل الخبر عن ذاتٍ واحدة متصفة بوصفين نبوة ورسالة، فهل يختلف الأمر إذا قال الصحابي: قال رسول الله، أو قال نبي الله -﵊-؟ لا يختلف؛ لأن مرد الأمرين إلى ذاتٍ واحدة لا تختلف، ولا مانع من ذلك أصلًا هذا في السند، لكن لو جاء لفظ الرسول بمتن حديث هل يجوز لنا إبدال لفظ الرسول بالنبي -﵊- أو العكس؟ لا شك أن لكلٍ من الرسالة والنبوة معنىً يختص به، فالنبوة تختلف عن الرسالة على خلافٍ بين أهل العلم في الفرق بين الرسول والنبي، وعلى كل حال إذا كان اللفظ مما يتعبد به كالأذكار فلا، وإن كان اللفظ مما لا يتعبد به فعلى القول بجواز الرواية بالمعنى لا بأس.
لو افترضنا أنه جاء حديث سيق فيه ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [(٤٠) سورة الحاقة] على أساس أنه من لفظ النبي -﵊-، هذه الجملة وردت في متن حديث بغض النظر عن كونها في القرآن، هل نستطيع أن نقول: "إنه لقول نبي كريم"؟ لأن لفظ الرسالة هنا مقصودة نعم؛ لأن لها دلالة تدل على أن هذا الرسول له مرسِل، وهو الذي تكلم بهذا الكلام، فلفظ الرسول هنا يدل على أن الرسول مبلغ عن غيره، ولذا لا يمكن الطعن في القرآن حينما أضيف إلى الرسول في الموضعين من القرآن، سواءً كان الرسول من البشر أو الرسول من الملائكة، لماذا؟ لأن الرسول الأصل فيه أن يبلغ عن مرسله، لو افترضنا أن مثل هذا السياق جاء في متن حديث هل نقول ..، هل يختلف المعنى فيما إذا قلنا: قول نبي؟ النبي قد يجتهد ويقول من تلقاء نفسه، وهذا من دقائق الفروق التي نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
[ ١٢ / ٢٥ ]
على كل حال إذا جاء في المتن متن الحديث الذي هو غير متعبد بلفظه كالأذكار فإنه حينئذٍ لا بأس عند جمهور أهل العلم الذين يقولون بجواز الرواية بالمعنى، أما إذا جاء في خبرٍ متعبد بلفظه كالأذكار، في حديث النوم في حديث البراء، حينما علمه النبي -﵊- حديث النوم، وطلب منه الإعادة، فقال: "ورسولك الذي أرسلت" قال: «لا، قل: ونبيك الذي أرسلت» وحينئذٍ لا يجوز في مثل هذا النص إبدال لفظ الرسول بالنبي ولا العكس، والله المستعان.
يقول: "نقل عن عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك فإذا كان في الكتاب النبي فكتب المحدث رسول الله -ﷺ- ضرب على رسول الله وكتب النبي، قال الخطيب: وهذا منه استحباب" لا شك أن هذا في باب اتباع اللفظ وهو أحوط، "فإن مذهبه الترخيص في ذلك، قال صالح: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به" وينبغي أن نعرف أن هذا في إضافة القول للنبي -﵊- أو للرسول لا فرق ينبغي أن يرخص فيه.
"وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزًا كانا يفعلان ذلك بين يديه فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا" لا شك أن التزام اللفظ مع تيسره ومعرفته أولى من اقتحام المعنى وإن أجازه الجمهور؛ لأن الذي يجيز الراوية بالمعنى لا يصحح الرواية باللفظ؟ نعم من باب أولى، إن صحح الرواية بالمعنى صحح الرواية باللفظ، وهو أحوط، وهو يدل أيضًا على ضبط وإتقان من الراوي، وأهل العلم الذين أجازوا الرواية بالمعنى يصرحون أنك إذا نقلت الحديث من كتاب لا بد أن تنقله بلفظه، لماذا؟ لأنه لا يتعذر ولا يتعسر عليك الإتيان بلفظه، أما أن تنقل من كتاب وترويه بالمعنى، ثم ينقل عنك شخص بالمعنى، ثم الأول الذي نقلت عنه رواه بالمعنى، يعني ينتهي، ينتهي الحديث.
الرواية في حال المذاكرة:
[ ١٢ / ٢٦ ]
فرعٌ: الرواية في حال المذاكرة هل يجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة المنع من التحديث بها؛ لما يقع فيها من المساهلة والحفظ خوان، قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل، قال: فإذا حدث بها فليقل: حدثنا فلان مذاكرة، أو في المذاكرة، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس، والله أعلم.
الرواية في حال المذاكرة، الرواية في حال المذاكرة يعني يجلس مجموعة من طلاب العلم فيتذاكرون، ما تحفظ في هذا الباب؟ ما تحفظ ..؟ هل عندك دليل لهذه المسألة؟ في مذاكرة، التحديث غير مقصود، ويحصل في المذاكرة التساهل الكثير، أحفظ في هذه المسألة خبر فلان، أو الحديث الفلاني، أو ما أشبه ذلك، هذه يحصل التساهل فيها كثيرًا، ولا تذكر الأحاديث بالألفاظ، وحينئذٍ تورع بعضهم عن روايتها، وهو الأولى والأحوط أن لا تساق مساق الرواية، بل يقول المحدث: حدثني فلان مذاكرة، ونظير ذلك ما يرد من الأحكام على ألسنة أهل العلم في التقرير على كتاب أو شرح مسألة، ويمر على لسان الشيخ شيء ما احتاط له، بمعنى أنه لم يذكره على أساس أنه ينقل عنه كفتوى، يتساهلون في التقارير وفي التعاليق على الكتب، ويحتاطون للفتاوى، ولذا لا بد أن ينبه على أن هذا نقل عن الشيخ على أساس أنه تقرير، لا على أساس أنه فتوى محررة، تتداول على هذا الأساس.
نعود إلى المذاكرة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم إيه، بس فرق بين أن يسأل الشيخ قصدًا عن هذه المسألة فيجيب بكلامٍ محرر يلتزم بلوازمه، وبين أن تمر المسألة عرضًا ضمن كلام على جملة أو شرح لمسألة أو شيء من هذا، فهم يفرقون بين التقرير والفتوى، كما أن رواية الحديث تختلف، فالشيخ إذا أراد أن يروِّي الحديث لطلابه عليه أن يحتاط ويهتم، ولذا كان بعضهم لا يروي إلا من الكتاب؛ لأن الحفظ خوان، أما في حال المذاكرة سهل أن تأتي بطرف الخبر وتحيل بباقيه على نباهة السامع.
[ ١٢ / ٢٧ ]
فإذا رويت عن شخصٍ سمعتَ منه شيئًا في حال المذاكرة تقول: حدثني فلان مذاكرة، منهم من يرى أن الإمام البخاري لا يقول: قال فلان -من شيوخه- إلا إذا كان الحديث مروي بطريق المذاكرة، لكن هذا ليس عليه دليل، منهم من يطلق أن الإمام البخاري لا يأتي بصيغة قال: قال فلان إلا إذا كان قد روى الحديث في حال المذاكرة، لكن لا دليل على ذلك، وإن ادعاه بعضهم، على كل حال سماع الخبر من الشيخ أو من الزميل أو المتحدث في حال المذاكرة غير سماعه في حال التحديث الذي ينبغي أن يحتاط له، ومثله ما ذكرنا ونظرنا به سماع الحكم في حال التقرير غير سماع الحكم في حال الفتوى المقصودة المحررة المضبوطة نعم.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
هم قالوا: غاية ما يقال في (قال) إنها مثل (عن) مثل (عن) محمولة على الاتصال بالشرطين المعروفين، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟ من شيوخه روى عنه بصيغة التحديث مثل هشام بن عمار معروف.
. . . . . . . . . أما الذي لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
عنعنةٍ كخبر المعازفِ لا تصغِ لابن حزمٍ المخالفِ
هذا تقدم، نعم.
وإذا كان الحديث عن اثنين جاز ذكر ثقةٍ منهما وإسقاط الآخر ثقةً كان أو ضعيفًا، وهذا صنيع مسلم -رحمه الله تعالى- في ابن لهيعة غالبًا، وأما أحمد بن حنبل -﵀- فلا يسقطه بل يذكره، والله أعلم.
إذا كان الحديث عن اثنين جملة الحديث عن كل واحدٍ منهما، ما يصير الحديث ملفق من رواية اثنين، لا، الحديث كامل يرويه البخاري عن مالك، ويرويه البخاري أيضًا عن ابن لهيعة، لا مانع من أن يسقط ابن لهيعة ويقتصر على مالك، هل فيه ضير أن لا يذكر ابن لهيعة؟ يسقط ابن لهيعة، وهذا ليس من تدليس التسوية؛ لأن هذا الضعيف ليس بين ثقتين، بل هو مع ثقة، فرق بين أن يكون الضعيف بين ثقتين فيسقط الضعيف، وبين أن يكون مقرونًا بثقة يروي الحديث في طبقة ثقة أسقط الضعيف وأعتمد على الثقة فلا إشكال، الإمام البخاري يسقط، وقد فعل، روى الحديث من طريق مالك وابن لهيعة فأسقط ابن لهيعة، والإمام مسلم يبهمه فيقول: حدثنا فلان وآخر، ويقصد به ابن لهيعة.
[ ١٢ / ٢٨ ]
على كل حال الإمام البخاري ومسلم لا يذكران الضعفاء في كتبهم؛ لأنهم اشترطوا الصحة، أما غيرهم كالإمام أحمد يسقط ابن لهيعة أو لا يسقطه؟ لا داعي لإسقاطه لماذا؟ لأنه روى عن من هو أقل من ابن لهيعة، فلا مانع من أن يذكر ابن لهيعة، أما كتاب اُشترط فيه الصحة، التزمت فيه الصحة ونظافة الأسانيد ينبغي أن يسقط مثل ابن لهيعة فلا يذكر، نعم رووا عن أناس -أعني البخاري ومسلم- أقل من شرطهم في المتابعات في الشواهد لا بأس، ومع ذلكم يقال في كتب الرجال: أخرجه له البخاري مقرونًا، وأخرج له مسلم مقرونًا هكذا، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
عن ثقة، يقول هذا الثقة: وآخر؛ ليبين أن الحديث عنده من أكثر من طريق، لكنه لا يسميه؛ لأنه ليس من شرط الكتاب، البخاري يسقطه ويرتاح منه.
شرح: النوع السابع والعشرون: في آداب المحدث:
النوع السابع والعشرون: في آداب المحدث: وقد ألف الخطيب البغدادي -﵀- في ذلك كتابًا سماه: (الجامع لآداب الراوي والسامع) وقد تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة.
قال ابن خلاد وغيره: ينبغي للشيخ ألا يتصدى للتحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة، وقال غيره أربعين سنة، وقد أنكر القاضي عياض ذلك بأن أقوامًا حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم مالك بن أنس ازدحم الناس عليه وكثير من مشايخه أحياء، قال ابن خلاد: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط.
وقد استدركوا عليه بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن منهم أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى وخلق ممن بعدهم، وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة منهم الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهجيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري -أحد أئمة الشافعية- قلتُ: وجماعة كثيرون، لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الشيخ الراوي فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن.
[ ١٢ / ٢٩ ]
وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه فهاهنا كلما كان السن عاليًا كان الناس أرغب بالسماع عليه، كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار فإنه جاوز المائة محققًا، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان شيخًا كبيرًا عاميًا لا يضبط شيئًا، ولا يتعقل كثيرًا من المعاني الظاهرة، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، وسمع منه نحوٌ من مائة ألفٍ أو يزيدون
يقول -رحمه الله تعالى-: "النوع السابع والعشرون: في آداب المحدث" وهذا النوع والذي يليه من أولى ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم؛ لأن طالب العلم بحاجة إلى الأدب؛ لأنه بصدد أن يؤدب الناس، فإذا لم يتأدب بنفسه كيف يؤدب غيره؟ فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، لا بد أن يعتني بنفسه لكي يستطيع أن يؤثر في الناس.
يقول: "ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا سماه: (الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع) "
[ ١٢ / ٣٠ ]