شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (١٣)
شرح: النوع الثامن والعشرون: في آداب طالب الحديث ..، والنوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل ..
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
يقول: "ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا سماه: "الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع" وهو كتاب نفيس مطبوع في مجلدين طبعات متعددة، ولعل من أجودها طبعة محمد عجاج الخطيب، طبع قبل ذلك بتحقيق محمد رأفت سعيد، وتحقيق محمود الطحان، لكن طبعة عجاج الخطيب أجودها.
هو كتابٌ نفيس لا يستغني طالب حديث عنه، "تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة" يمر في ثنايا الأبواب ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، مما ينفعه في دينه ودنياه، "قال ابن خلاد -يعني الرامهرمزي صاحب كتاب: (المحدث الفاصل) - وغيره: ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة" يعني إذا بدأ يضعف، ولا دليل على ذلك، نعم هو كمل نضوجه الآن، لكن ما الذي يضمن له أن يبقى إلى الخمسين ليستفاد منه؟ فقد يموت قبل الخمسين، وكم من إمام من أئمة المسلمين نفع الله به وبعلمه ومات لم يكمل الخمسين كالنووي مثلًا، النووي -رحمه الله تعالى- مات ولم يبلغ خمسين خمسة وأربعين سنة، كتب كُتب صار لها من الصدى والأثر ما ليس لغيرها، وكتابه: (المجموع) لو اجتمعت اللجان الكثيرة لأن تعمل مثله ما استطاعت، وهذا لا شك أن علامات الإخلاص ظاهرة فيه، شرحه لمسلم على اختصاره فيه نفعٌ لا يتصور، لا يتصوره إلا من كرر النظر فيه، وأدام النظر فيه، فيه فوائد وعجائب على اختصاره، كتابه: (رياض الصالحين) الذي سرى في الأمة، وانتشر انتشارًا واسعًا بحيث لا يفوقه في ذلك إلا المصحف، لو قيل: إن انتشاره أكثر من انتشار صحيح البخاري ما هو بعيد، انتشار رياض الصالحين؛ لأنه يصلح لجميع طبقات الناس، كتابه: (الأذكار) أيضًا كتابٌ نافع وماتع ونفيس، لا يستغني عنه متدين، كما قال النووي نفسه.
[ ١٣ / ١ ]
على كل حال قد يموت الإنسان ولم يبلغ الخمسين، إذا سمع مثل هذا الكلام: لا تعلم الناس حتى تبلغ الخمسين، هذا قولٌ مهجور، بل هو قولٌ ضعيف، لا حظ له من النظر، والواقع يرده، كثيرٌ من أئمة الإسلام درّسوا قبل الخمسين، بل قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، بل منهم من تصدى للتحديث قبل العشرين كمالك -رحمه الله تعالى-، ونفع الله بهم نفعًا عظيمًا، فكون الإنسان يمني نفسه أن يدرس بعد الخمسين بعد الستين سبحان الله من يضمن لك أن تبقى؟ لا شك أن مثل هذا حرمان أن يبقى، نعم طلب العلم لا حد له، يستمر يطلب العلم ويعلم بقدر ما عنده من العلم، أما ألا ينفع الناس ولا يفيدهم حتى يكمل الخمسين! هذا لا حظ له من النظر، "وقال غيره: أربعين سنة".
السيوطي لما كمل الأربعين انقطع عن التدريس، عكس ما يقوله هؤلاء، لما كمل الأربعين انقطع عن التدريس، وعن الإفتاء، وعن كل شيء، تفرغ للتأليف، ولذا صار ..، عُد من المكثرين، حتى بلغت مؤلفاته الستمائة، وهي متفاوته من ورقة إلى المجلدات، على كل حال من تأهل للتعليم فليبادر؛ لأن نفع التعليم متعدي، وله -إذا خلصت نيته بهذا القيد- من الأجر ما لا يحصى، وكل شخصٍ يستفيد منه له مثل أجره، لكن بالقيد المذكور، إحسان النية وإخلاص العمل لله -﷾-، والله المستعان.
يقول: "وقد أنكر القاضي عياض ذلك بأن أقوامًا حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين، منهم الإمام مالك ابن أنس -رحمه الله تعالى - نجم السنن- ازدحم الناس عليه، وكثيرٌ من مشايخه أحياء"، يُدرس وربيعة موجود في المسجد، ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، كثير من شيوخه أحياء هم عنده في المسجد وهو يدرس، حدث صغير، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، تجد الصغير عنده الفئام، والكبير عنده الأقل، والله المستعان.
وقبل جلوسه للتدريس ينبغي أن يتحسس ويتفقد نيته؛ لأن النية شرود، والنفس ميالة وحيافة، تميل إلى حب المدح والثناء، وتقديم العاجل على الآجل، لكن إذا عرفنا أن الحديث من علوم الآخرة المحضة فهو عبادة لا يجوز التشريك فيه، فعلينا أن نكون على ذكرٍ دائم للنية، والله المستعان.
[ ١٣ / ٢ ]
"قال ابن خلاد –الرامهرمزي-: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط" وهذا مثل ما تقدم، وقد تقدم أيضًا أن بداية الطلب ليس له سن معين، بل متى فهم الخطاب، ورد الجواب ينبغي أن يبادر بطلب العلم، فلا يحدد بسن، وسبق أن ذكر المؤلف كغيره أن من أهل العلم من أهل البصرة والكوفة والشام كلٌ حدَّ سنًا معينًا، منهم من قال: عشر يبدأ يطلب الحديث، ومنهم من قال: عشرين، ومنهم من قال: يبدأ يطلب الحديث ثلاثين، ومنهم من قال: أربعين واكتمل الأشد، طيب إيش يسوي. . . . . . . . .، قبل الأربعين، قبل الثلاثين ماذا يصنع؟ يقول: يحفظ القرآن، ويعرف الأحكام، يعني الحلال والحرام، لكن ماذا؟ على ما يعتمد في معرفة الأحكام؟ كيف يعرف الأحكام ولم يعرف الحديث؟ جلُّ الأحكام مأخوذة من الأحاديث، فينبغي أن يبادر بعلم الكتاب والسنة، والعلوم متكاملة يكمل بعضها بعضًا، فينبغي أن تؤخذ معًا بالتدريج؛ لأنها متكاملة، أما الذي يقول: أنا أقتصر على حفظ القرآن وقراءة كتب التفسير فإذا أتقنت ذلك انتقلت إلى السنة، متى ينتقل إلى السنة؟ نعم عليه أن يحفظ من القرآن القدر الكافي لتصحيح صلاته، ويحفظ منه أيضًا المفصل على أقل تقدير، ويحفظ من السنة ما يعينه على تحرير الأحكام. . . . . . . . . أحاديث الأحكام مثلًا، وما يرغبه في الآخرة، كأحاديث الترغيب ونحوها.
على كل حال الطريقة المتبعة عند أهل العلم لا سيما في المشرق حفظ بعض القرآن وإدخال العلوم الأخرى، بينما طريقة المغاربة يتفرغون لحفظ القرآن قبل كل شيء، ثم بعد حفظه وإتقانه ينتقلون إلى العلوم الأخرى، وفي كلٍ خير، على ألا ينسى القرآن؛ لأنه يخشى من تزاحم العلوم ينسى القرآن، فإذا التفت إليه في آخر عمره وجد أنه لا يستطيع أن يحفظ، يصعب عليه الحفظ، والله المستعان، وكلٌ على خير -إن شاء الله تعالى-.
[ ١٣ / ٣ ]
فليس لبداية الطلب سن معينة، وليس لبداية التدريس والإقراء سن، وليس لنهاية التعليم سن، بل مرد ذلك كله إلى التأهل والحاجة، فإذا تأهل الإنسان للتحمل عليه أن يبادر، إذا تأهل الإنسان للتعليم واحتاج الناس إليه عليه أن يبادر، إذا تأهل الإنسان للتأليف عليه أن يبادر؛ ليغتنم الوقت، إذا خشي من الاختلاط فليكف، ويمتنع من التدريس، والله المستعان.
يقول: "فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط" جماعة من الصحابة حدثوا بعد الثمانين، من التابعين كذلك، من أهل العلم من بلغ المائة، بل منهم من جاوز المائة وهو يحدث، ويعلم الناس على أحسن حال، نعم الثمانين فما بعدها مظنة للضعف الشديد، ومظنة للخرف والاختلاط، لكن إذا وجد منه شيء من ذلك يمسك، وإذا لم يشعر هو بذلك ينبغي أن يؤخذ على يده، "وقد استدركوا عليه بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن، منهم أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى، وخلقٌ ممن بعدهم، وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة، منهم الحسن بن عرفة -صاحب الجزء المشهور- وأبو القاسم البغوي وأبو إسحاق الهجيمي والقاضي أبو الطيب الطبري أحد أئمة الشافعية وجماعة كثيرون".
لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الراوي فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن، هو مظنة للاختلاط، مظنة للنسيان، لكن ليس الأصل هو النسيان، نعم ينبغي أن يكون الإنسان على حذر، "وأما إذا كان اعتماده على حفظ غيره وخطه وضبطه فهاهنا كلما كان السن عاليًا كان أرغب في السماع عليه"؛ لأنه إذا تفرد برواية أحاديث أو برواية كتب أو كتاب فإنه يكون حينئذٍ سنده عاليًا، والعلو مطلوب عند أهل العلم، والمراد بالعلو قلة الوسائط بين الراوي والنبي -﵊-، فكلما قل الوسائط وقل رجال الإسناد كان تطرق الخلل إليه أو احتمال تطرق الخلل إليه أقل؛ لأنه ما من راوي من الرواة وإلا ويحتمل أنه نسي أو أخطأ، أو وهم، أو ما أشبه ذلك، فإذا قلت الوسائط قلت هذه الاحتمالات.
[ ١٣ / ٤ ]
يقول: "كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار فإنه جاوز المائة محققًا، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة" بعد مائة سنة، يقول: "وكان شيخًا كبيرًا عاميًا .. "
كم عمر الحافظ ابن كثير يوم يسمعه سنة ثلاثين وسبعمائة؟ الحافظ ولد سنة؟ لا تنظرون ما هي مسألة غش، لا، أنا أريد جواب متى ولد؟ ومتى مات؟
طالب:. . . . . . . . .
سبعمائة ولد، ولد سنة سبعمائة، أو سبعمائة وواحد إيه، ومات سنة أربعة وسبعين وسبعمائة، عن أربعٍ وسبعين سنة.
يقول: "وكان شيخًا كبيرًا عاميًا، لا يضبط شيئًا، ولا يتعقل كثيرًا من المعاني الظاهرة" إذًا ما الفائدة من القراءة عليه؟ هو يروي الحديث، يروي الصحيح بالإسناد المتصل عن شيوخه، وهذه احتيج إليها في الأزمان
المتأخرة حينما صارت الغاية والهدف من الرواية إبقاء سلسلة الإسناد فقط، ولا عمدة على الرواة بعد عصر التدوين، لا عمدة عليهم، يعني كون يكون في طريقك الحجار هذا العامي الذي لا يتحقق كثيرًا من المعاني يضر حديثه في صحيح البخاري؟ ما يضره، نعم.
"ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون" طلبًا لعلو الإسناد كما هو معروف.
قالوا: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق، حسن الطريقة، صحيح النية، فإن عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشده إليه، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
[ ١٣ / ٥ ]
"قالوا -وهذا من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المحدث وطالب الحديث أيضًا-: ينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق" كريم النفس، سهل، سمح، يصبر على جفا الطلاب، وعلى جهل بعضهم، وشدة بعضهم تأسيًا بالنبي -﵊-، قد لقي من الأذى، ولقي من سوء المعاملة من بعض الناس ما لقي، وقال عن موسى -﵇-: «رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» هذه طريقة الأنبياء، وهي أيضًا ينبغي أن تكون طريقة الوراث، وراث الأنبياء، ورثة الأنبياء، ورثة الأنبياء هم العلماء، ينبغي أن يكون لهم بالأنبياء قدوة وأسوة، فعلى العالم أن يكون جميل الأخلاق، حسن الطريقة، إن لم تكن هذه سجية، وغريزة جبل عليها الإنسان وهذا من فضل الله -﷾- أن يجبل على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، إن لم يكن كذلك فليتخلق وليتطبع، فإنه يؤجر على هذا التخلق وهذا التطبع، وفي النهاية يكون خلقًا بعد أن كان اكتسابًا يكون جبليًا، والله -﷾- إذا علم صدق النية أعان.
يقول: "حسن الطريقة" حسن السيرة، حس السمت، حسن الطريقة في هيئته، في ملبسه متوسط لا يبالغ ولا يغالي، وأيضًا لا يكون ..، يظهر بمظهر يستقذره الناس ويستقبحونه، بل يكون متوسط في أموره كلها، أيضًا يكون في هيئته ونظراته ومشيته وتعامله مع الناس أسوة وقدوة للناس، وكم من شخصٍ استفاد الناس من هيئته أكثر من علمه، ابن الجوزي ذكر في فهرست شيوخه عن أحد شيوخه أنه استفاد من بكائه أكثر مما استفاد من علمه، لا شك أن مثل هذه الأمور لها أثر في الطلاب، والله المستعان.
حسن الطريقة أيضًا في التعليم، في إيصال المعلومة إلى الطالب، ينبغي أن يكون الشيخ أيضًا يقصد الوضوح في الأسلوب، والتكرار غير الممل، والتغيير في الأساليب التي جربها ووجدها لا تجدي، وأيضًا يحرص كل الحرص على إفادة الطالب والنصح له، وأن يكون "صحيح النية" والمدار عليها؛ لأن العلم الشرعي عبادة إذا طلبت لغير وجه الله -﷾- ضرت، فالذي يريد زينة الحياة الدنيا ليس لهم في الآخرة -نسأل الله العافية- إلا النار، نسأل الله العافية.
[ ١٣ / ٦ ]
فالعلم الشرعي علم الكتاب والسنة، علم الحلال والحرام المبني على الكتاب والسنة كله شرعي، من علوم الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها، الأجر عظيم، والإثم مع الزلل كبير، فأول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، منهم من تعلم وعلم، فيجاء به يوم القيامة فيقال: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت وعلمت، علمت فيك العلم، قال: كذبت، إنما علمت ليقال: عالم، ومثله المجاهد والمتصدق، والله المستعان، نسأل الله السلامة والعافية.
يقول: "فإذا عزبت نيته عن الخير فليسمع" يعني داخله شيء من الرياء، شيءٌ من المقاصد الأخرى من أمور الدنيا يقول: لا يتوقف، لا يتوقف بحجة أن النية عزبت، ليس العلاج أن تترك، بعض الناس يترك الدراسة في الأقسام الشرعية مثلًا إذا سألته قال: والله عجزت، أبي أخلص وعجزت، فالعلاج نترك الدراسة، ومثل طلاب الحلق، بعضهم يقول: والله إني أتردد على الشيخ سنين والله أعلم بهالنية، نقول: لا تترك هذا ليس بعلاج، جاهد نفسك، جاهد نفسك على الإخلاص، وإذا علم الله -﷾- صدق النية أعانك، والله المستعان.
"فإذا عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشد إليه" يرشد إلى الإخلاص، يدلك على الإخلاص، كلما زاد علمك زاد إخلاصك، وزاد تواضعك.
"قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" ما نعتمد على مثل هذا الكلام ونسترسل ونقول: خلاص السلف طلبوا العلم بالنيات المدخولة فقادهم العلم الشرعي إلى الإخلاص، ما نقول: نطلب العلم من أجل الوظيفة، أو من أجل الذكر، أو من أجل أن تقدر في المجالس وبعدين تجي النية الصالحة؛ لأن السلف طلبوه لغير الله، وفي النهاية صار لله، لا، من يؤمنك، من يؤمنك أن تخترمك المنايا وأنت ما حصل لك هذا الإخلاص، نسأل الله العافية، نعم.
وقالوا: لا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى سنًا أو سماعًا، بل كره بعضهم التحديث لمن في البلد أحق منه، وينبغي له أن يدل عليه ويرشد إليه، فإن الدين النصيحة.
[ ١٣ / ٧ ]
قالوا: من الآداب للمحدث أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه سنًا أو سماعًا، بل كره بعضهم التحديث، نعم إذا وجد في المجلس شخص أكبر منك سنًا أو أعلم منك ينبغي أن تترك له المجال، ما تتحدث بحضرته إلا بقدر الحاجة إلا إذا امتنع الأعلم فإنه حينئذٍ يتحدث من دونه؛ لئلا يحرم الناس، ومثله إذا كان في البلد أكثر من عالم، والبلد لا يحتاج إلا إلى عالمٍ واحد يعلم الناس، ينبغي أن يكون هو الأعلم، فإذا امتنع الأعلم من التحديث يقوم الذي بعده وهكذا؛ لئلا يحرم الناس بحجة أن الأعلم تردد أو رفض.
فإذا كان عند غيره من العلم ما ليس عنده في العلوم كلها أو في بعضها، جاء شخص ليقرأ في كتاب وأنت تعرف أن من أهل العلم من له عناية بهذا الكتاب، من النصيحة -والدين النصيحة- أن تقول لهذا الطالب: اذهب إلى فلان فاقرأ عليه، فهو أولى مني بإقراء هذا الكتاب، فإن الدين النصيحة، لكن الإشكال إن من طلاب العلم من لا يقتنع، خلاص أعجب بفلان يرى أن كل العلوم عنده، تقول: يا أخي اذهب إلى فلان يحسن ويفتح لك مغاليق هذا الكتاب أكثر مما عنده ..، لا، لا أريد ..، هذا يحصل كثيرًا، فالله المستعان.
فليحرص طالب العلم على التلقي عن الكبار، وعندنا -ولله الحمد- في هذه البلاد من أهل العلم من تشد إليه الرحال، نعم فقدنا جملةً منهم، لكن بقي من فيه الخير والبركة، ولا يعني هذا أن الإنسان عنده علم الدنيا كلها، يؤخذ عنه ما يحسنه، وينتقل إلى غيره ليأخذ عنه ما يحسنه، وتنوع الشيوخ أيضًا مطلوب؛ لأن كل شيخ له طريقته ومنهجه، وهم مدارس، كل واحد يمثل مدرسة، وكل واحد عنده ما ليس عند الآخر، فتنويع الشيوخ لا سيما الكبار منهم أمرٌ مطلوب؛ لئلا يندم الطالب لماذا لم يؤخذ عن فلان؟ لو اخترمته المنية ندم ندامة الكسعي، والله المستعان.
[ ١٣ / ٨ ]
"بل كره بعضهم التحديث لمن في البلد أحق منه، وينبغي أن يدل عليه، ويرشد إليه" جاءك شخص يريد أنك تقرأ كتاب في العقائد تقول: اذهب إلى فلان، اذهب إلى فلان هو في هذا الباب راسخ، في الفقه اذهب إلى فلان، في أصول الفقه اذهب إلى فلان وهكذا، لأنك لا تجد عالم واحد يحيط بالدنيا كلها، بعضهم يقول: أنا أحدد الجهة، وأتعامل مع شخصٍ واحد أعرف نفسيته وكيفيته وطريقته أحسن لي من أن أتنقل من حلقة إلى حلقة، وكل يوم عند شيخ، وكل واحد يعطيني من العلم ما يختلف عن الآخر وهكذا، هذه وجهة نظر على كل حال، ومن أهل العلم السابقين من فعل ذلك يقرأ العلوم كلها، لكن ينبغي أن نقدر الرجال، ونعرف أقدارهم، وننزلهم منازلهم؛ لأن النبي -﵊- أمرنا أن ننزل ..، قالت عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم".
باقي؟ نسرده؟ وهو سهل نعم، أعطينا إياه.
قالوا: وينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالكٌ -رحمه الله تعالى- إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزبر من يرفع صوته، وينبغي افتتاح ذلك بقراءة شيءٍ من القرآن تبركًا وتيمنًا بتلاوته، ثم بعده التحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله -ﷺ-، وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء، فصيح العبارة، وكلما مرَّ بذكر النبي -ﷺ- صلى عليه وسلم.
قال الخطيب -﵀-: ويرفع صوته بذلك، وإذا مرَّ بصحابيٍ ترضى عنه، وحسنٌ أن يثني على شيخه كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر عبد الله بن عباس -﵄-، وكان وكيعٌ يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وينبغي أن لا يذكر أحدًا بلقبٍ يكرهه، فأما لقبٌ يتميز به فلا بأس.
[ ١٣ / ٩ ]
يقول -رحمه الله تعالى-: "قالوا: وينبغي عقد مجلس التحديث" ينبغي للمحدث أن يعقد مجلسًا للتحديث يقصد فيه تبليغ ما حمله عن النبي -﵊- إلى الطلاب، كما أنه ينبغي أن يعقد مجالس للإملاء وهذه سنة متبعة عند أهل العلم، "وليكن المسمع –الشيخ- على أكمل الهيئات" لماذا؟ لأنه بصدد نقل كلام النبي -﵊-، تكون هيئته وجلسته مناسبة، كان الإمام مالك -رحمه الله تعالى- "إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه"، كل هذا احترامًا لحديث النبي -﵊-.
"وزبر من يرفع صوته" أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [(٢) سورة الحجرات] فالذي يسمع قال رسول الله -ﷺ- ويرفع صوته أكثر من هذا الصوت كان الإمام مالك -﵀- يراه رفع صوتٍ فوق صوت النبي، وإن كان الصوت صوت القارئ، الصوت صوت القارئ بلا شك، لكن باعتبار هذا القارئ يقرأ حديث النبي -﵊- فكأنه رفع صوته على صوت النبي -﵊- فحصلت مخالفة الآية من هذه الحيثية.
يقول: "وينبغي افتتاح ذلك -يعني مجلس التحديث- بقراءة شيء من القرآن تبركًا وتيمنًا" كان الصحابة والسلف من بعدهم إذا اجتمعوا استمعوا إلى قراءة قارئ حسن الصوت في بداية المجلس أو في نهايته، أو فيهما معًا، ثم بعد هذه القراءة يبدأ المجلس بالتحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله -ﷺ-، والتحميد والتمجيد لله -﷾-، وذكر نعمه وآلائه، ثم الصلاة على النبي -﵊- وآله من أهل بيته وذريته وأصحابه وأعوانه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لأن من دعا بظهر الغيب لأحد قيل: ولك بمثله، ومثله إذا دعا وذكر الله في ملأ ذكره الله -﷾- في ملأٍ خيرٍ منهم، "وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء" لأن حسن الصوت سواءً كان في القرآن، أو في الحديث، أو في غيره يجعل للكلام قبول، ولذا أمرنا أن نزين القرآن بأصواتنا، «زينوا القرآن بأصواتكم».
[ ١٣ / ١٠ ]
"جيد الأداء" أداء الحروف، ويخرج الحروف من مخارجها، ولا يأكل بعض الحروف مثل بعض القراء، بعض القراء يأكل بعض الحروف، والله المستعان، وبعض المتكلمين أيضًا يأكل بعض الحروف.
"فصيح العبارة" واضح الكلام، يخرج من فمه واضحًا، بحيث لا يخفى على السامع، "وكلما مرَّ بذكر النبي -﵊- صلى عليه وسلم"، فيقرن بين الصلاة والتسليم؛ ليتم امتثاله لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] «من صلى عليَّ مرةً واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» والنصوص في الصلاة عليه -﵊- كثيرة، "قال الخطيب: ويرفع صوته بذلك" بالصلاة على النبي -﵊-، "وإذا مر بصحابيٍ ترضى عنه"، ومن بعد الصحابة يترحم عليهم، وأهل العلم يثنى عليهم، ويذكرون بخير، ويدعى لهم.
يقول: "وحسنٌ أن يثني على شيخه" نعم حسنٌ أن يثني عليه إذا كان بغير حضرته، والشيخ بحاجة إلى الدعاء أكثر من حاجته إلى الثناء، "كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر ابن عباس، وكان وكيعٌ يقول: حدثني سفيان الثوري أميرُ المؤمنين في الحديث، وينبغي أن لا يذكر أحدًا بلقبٍ يكرهه"، إذا كان قصده النبز بهذا اللقب فهو حرام، وإذا كان قصده مجرد التعريف بهذا اللقب بحيث لا يعرف، أو يغمض عند السامع إلا بذكر اللقب كالأعرج والأعمش، وما أشبه ذلك فلا بأس به، وهو مشهور مستفيض متداول عند أهل العلم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سم.
النوع الثامن والعشرون: في آداب طالب الحديث:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
[ ١٣ / ١١ ]
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: النوع الثامن والعشرون: في آداب طالب الحديث، ينبغي له بل يجب عليه إخلاص النية لله -﷿- فيما يحاوله من ذلك، ولا يكن قصده عرضًا من الدنيا، فقد ذكرنا في المقدمات الزجر الشديد، والتهديد الأكيد على ذلك، وليبادر إلى سماع العالي في بلده، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه، أو إلى أعلى ما يوجد من البلدان، وهو الرحلة، وقد ذكرنا في المقدمات مشروعية ذلك، قال إبراهيم بن أدهم -رحمة الله عليه-: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث، قالوا: وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الأحاديث، كان بشر بن الحارث -الحافي- يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث من كل مائتي حديث خمسة أحاديث، وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرةً تكن من أهله، وقال وكيعٌ: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به، قالوا: ولا يطول على الشيخ بالسماع حتى يضجره، قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب، وليفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئًا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك، قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية، قال وكيعٌ: لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه.
قال ابن الصلاح: وليس لموفقٍ من ضيع شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد الكثرة وصيتها، قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش، قال ابن الصلاح: ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه من غيره فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل، ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٣ / ١٢ ]
لما ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- آداب المحدث، وما ينبغي أن يكون عليه من حسن الخلق، وإخلاص العمل وإتقانه، والحرص أردف ذلك بآداب طالب الحديث، فقال -رحمه الله تعالى-: "ينبغي له -بل يجب عليه- إخلاص النية لله -﷿-" وهذا مشترك بين المعلم والمتعلم، الطالب والشيخ، المحدث وطالب الحديث على حدٍ سواء؛ لأن هذا العلم أعني علم الحديث، وما يتعلق به من علوم الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها بحال، بل لا بد أن يكون طلبه للحديث خالصًا لوجه الله -﷾-، بل يجب عليه إخلاص النية لله -﷿-، ولنعلم أن العلم الشرعي مما يبتغى به وجه الله -﷾-، بل رتب عليه الثواب العظيم، والأجر الجزيل في الآخرة، مثل هذا لا يجوز بحال أن يصرف شيءٌ منه لغير الله -﷿-، فلا يجوز أن ينظر الطالب -طالب العلم الشرعي- إلى المستقبل، إلى الشهادة، إلى بناء الأسرة، إلى غير ذلك من أمور الدنيا، بل عليه أن يطلبه لوجه الله خالصًا.
[ ١٣ / ١٣ ]
كثيرٌ من طلاب العلم لا سيما في التعليم النظامي في الكليات الشرعية يقلقلهم هذا الأمر، فيقولون: لا نستطيع، بل لم نستطع، حاولنا وجاهدنا فلم نستطع إخلاص العمل لله -﷿-، ظروف الحياة تملي علينا، وتفرض علينا أن ننظر إلى التخرج والشهادة والتعيين، والله المستعان، فهل العلاج لمثل هؤلاء الترك؟ نقول: لا، ليس العلاج الترك، العلاج في المجاهدة، على الإنسان أن يجاهد نفسه، ويستحضر النية، ولا يعزب عنه ما هو بصدده من علمٍ يوصله إلى الله -﷾- والدار الآخرة، وإذا علم الله -﷾- صدق النية أعان، ويؤثر عن بعض السلف أنهم طلبوا هذا العلم لغير الله فأبى ألا يكون إلا لله، لا شك أنه يوجد من طلب العلم مع دخن في قصده، بل مع انحرافٍ أحيانًا في سلوكه، ثم لا يلبث أن يهديه هذا العلم إلى الصراط المستقيم، وإلى الإخلاص والعمل، لكن لا نعتمد على مثل هذه الأقوال، نعم هي ثابتةٌ عن بعض السلف، لكن لا نعتمد عليها فنترك المجاهدة من أول الأمر، نقول: نطلب العلم الآن والإخلاص يأتي، لا، بل عليك أن تطلب الإخلاص أولًا؛ لأنك ما تدري ماذا يحصل لك؟ وقد جاء عنهم أيضًا أن من طلب العلم لغير الله مُكر به، نسأل الله العافية، وما يدريك لعلك تموت، أو تخترمك المنية قبل أن يحصل لك ذلك الإخلاص، فعليك أن تجاهد من الآن في تصحيح النية، والله المستعان.
[ ١٣ / ١٤ ]
"ولا يكن قصده عرضًا من الدنيا" فجاء في الحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، من تعلم، طلب العلم حتى عُد في العلماء وعلم الناس، فيجاء به يوم القيامة، فيقال له: فيقول: طلبت العلم لله، وعلمتُ الناس لله، وقد يكون تعليمه للناس مجانًا، فيقال له: كذبت إنما طلبت العلم ليقال: عالم، وقد قيل، بعض الناس قد يستدل على الإخلاص بعدم الأخذ، أخذ المقابل، يقول: هذا جالس في بيته، في مسجده، تارك لجميع المصالح الدنيوية، ومعرض عن الدنيا، ومقبل على الآخرة، ويعلم الناس مجانًا. . . . . . . . . ما هو بأكيد، الذي يذهب إلى ساحات الجهاد، ويقدم نفسه للسيوف والرماح يكفيه أن يقال: شجاع وهو يقدم نفسه، وقد استدل بعضهم على صحة عمل من يرقي مجانًا، وأنه مخلص، وأنه ينفع بإذن الله، نقول: ما يلزم، الإخلاص أمرٌ غيبي بين العبد وبين ربه، يكفي مثل هذا أن يقال: شفى الله على يده فلان وفلان وفلان يكفيه أحيانًا، لا نقول: كل الناس بهذه المثابة، لكن أيضًا لا نقول: إن كل الناس بمجرد تركهم أخذ المقابل هم مخلصون، لا، ما يلزم، نعم ترك المقابل لله -﷿- مع الإخلاص مما يرفع الله به الدرجات، لكن ليس هو الإخلاص فلننتبه إلى هذا، بعض الناس يقول: لا نروح لفلان أنفع؛ لأنه ما يأخذ مقابل، ما يلزم، أبو سعيد أخذ المقابل على الرقية، وشفى الله على يده سيد الحي، اللديغ، مع كونه أخذ المقابل، فعدم أخذ المقابل لا يدل على صدق النية.
أقول: مثل هذا في المعلم جالس في مسجده يعلم الناس الخير بدون مقابل، وقد جاء في الأثر: "علم مجانًا" "ابن آدم علم مجانًا كما علمت مجانًا" لكن لا يلزم من هذا الإخلاص، وسبق -فيما مضى- مسألة أخذ الأجرة على التحديث، على كل حال الإخلاص أمرٌ باطن، لكن قد تظهر له علامات، الإنسان إذا استوى عنده الظاهر والباطن، إذا استوى عنده المادح والذام نعم دل على إخلاصه.
[ ١٣ / ١٥ ]
ولذا يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الفوائد: إذا حدثتك نفسك بالإخلاص فأقبل على حب المدح والثناء فاذبحه بسكين علمك أنه لا أحد ينفع مدحه، ولا أحد يضر ذمه إلا الله -﷿-، ثم أقبل على الحرص والطمع بما في أيدي الناس، يعني وتخلص منه بقوة وبشدة، وتعلق بالله -﷿- في كلامٍ نفيس ذكره في الفوائد، وأنا بعيد العهد به جدًا.
على كل حال الإخلاص ما في شك أنه مقلق؛ لأن هذا العلم ليس فيه حل وسط، ليس مثل أمور الدنيا، ليس مثل علوم الدنيا، طب، هندسة، زراعة، مدري إيش؟ هذه إن أخلصت وأتقنت لك الأجر، إن لم تخلص فلا شيء عليك؛ لأن أصل هذه الأمور إنما هي للدنيا، مثل الزراعة، ومثل النجارة، ومثل التجارة.
نعم إن أخلصت في ذلك، وقصدت الخير، ونفع الناس بهذا العلم لحاجتهم إليه أجرت على ذلك، من باب أن العادات تصير بالنية عبادات، أما العلم الشرعي، وما جاء فيه من فضل «العلماء ورثة الأنبياء» وجاء في فضل العلم والعلماء ما يضيق المجال، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ ..﴾ [(٩) سورة الزمر]، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] إلى آخره، نصوص كثيرة في الكتاب والسنة متظافرة على فضل العلم وأهله، وألف في ذلك المؤلفات، ولهذا صارت الضريبة قوية وشديدة، هذا العلم ليس فيه حل وسط تقول: أخرج منه سالمًا كفافًا، لا علي ولا لي، لا، والله المستعان.
طالب:. . . . . . . . .
هو هذا من خلال الواقع، الواقع يدل على هذا، لكن مع المجاهدة يوجد طلاب مبتدئون روائح الإخلاص تفوح منهم، والله المستعان، ويوجد من أهل العلم ممن يشار إليه وضد ذلك ظاهرٌ من تصرفاتهم، والله المستعان، ليس لكبير ولصغير إنما هو التوفيق من الله -﷿-، نسأل الله التوفيق.
[ ١٣ / ١٦ ]
يقول: "وليبادر إلى سماع العالي في بلده، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه، أو إلى أعلى ما يوجد .. " نعم، يبادر إلى سماع العالي؛ لأن أهل العلم يفضلون العوالي على النوازل، ويأتي في بحث العالي والنازل المراد بذلك، فالإسناد العالي هو الذي تقل فيه الوسائط بين الراوي وبين النبي -﵊-، والنازل بضد ذلك تكثر الوسائط، وأعلى ما في الكتب الستة الثلاثيات، البخاري منها اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيًا، هذه أعلى ما في الكتب الستة، مسلم ليس فيه أحاديث ثلاثية، فيه رباعية، وهي تعتبر عوالي بالنسبة له؛ لأنه من طبقة تلاميذ البخاري، أبو داود ..، مسلم ليس فيه عوالي، أبو داود؟ فيه وإلا ما فيه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
حديث واحد إيش هو؟
طالب:. . . . . . . . .
حديث الحوض، إيش رأيك إن قلنا: ما فيه ولا حديث واحد عالي ثلاثي، إيش تقول؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، ما هو بهذا، ليس لهذا، على كل حال من قال: إن فيه عالي له وجه، ومن قال: إنه ليس فيه ثلاثي له وجه.
الإمام مسلم يروي حديث أبي برزة في الحوض، القصة -قصة أبي برزة- ثلاثية، الواسطة بينه وبين أبي برزة اثنان، لكن الحديث المرفوع الذي هو حديث الحوض رباعي، القصة ثلاثية، والحديث المرفوع التي اشتملت عليه هذه القصة رباعي؛ لأن فيه واسطة، والواسطة مبهم فيصح النفي حينئذٍ.
على كل حال أبو داود ..؛ لأن العبرة بالمرفوع، والمرفوع ليس بثلاثي، ابن ماجه فيه، الترمذي فيه وإلا ما فيه؟ فيه وإلا ما فيه؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٣ / ١٧ ]
ابن ماجه فيه أربعة أحاديث أو خمسة، النسائي لا عوالي فيه؛ لأنه متأخر، بل فيه أطول إسناد كما قالوا، أطول إسناد في الدنيا حديث سورة الإخلاص يرويه بواسطة أحدى عشر راويًا، وفيه ستةٌ من التابعين يروي بعضهم عن بعض، هذا نازل جدًا، لكن إذا نظرنا إلى هذه الوسائط أحدى عشر، ونظرنا إلى صحيح البخاري ووجدنا فيه التساعي، وجدنا أنه قريب، نعم قريب. . . . . . . . .، صحيح التساعي نازل جدًا بالنسبة للبخاري، فالأحدى عشر بالنسبة للنسائي مناسبة، هي نازلة بلا شك، لكنها مثل نزول التساعي بالنسبة للبخاري، لكن أين تساعي البخاري من تساعيات الحافظ العراقي؟ نازلة وإلا عالية تساعيات الحافظ العراقي؟ عالية جدًا؛ لأن كم بينه وبين البخاري؟
طالب:. . . . . . . . .
مفاوز، خمسة قرون ونصف.
يحرص الإنسان على العوالي؛ لأن أهل العلم يرجحون ويهتمون بالعوالي، وقيل لأحدهم في مرضه: ماذا تشتهي؟ قال: يشتهي بيتًا خالي، وإسنادًا عالي، والله المستعان، هذه أمنيته.
"فإذا استوعب -هذه العوالي التي في بلده- ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه، أو إلى أعلى ما يوجد من البلدان، وهو الرحلة"، الرحلة في طلب الحديث، والرحلة مطلوبة، وسافر، رحل بعض الصحابة من أجل حديث واحد، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
والله إني الآن أظن فيه واحد أو اثنين، المقصود أنه ..، الآن ما يحضرني شيء، لكن يغلب على ظني أنه فيه اثنين أو شيء من هذا، أو واحد.
"قال إبراهيم بن أدهم -رحمة الله عليه-: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" ما الذي جعلهم ينتقلون من بلادهم إلى بلادٍ أخرى بعيدة؟ والرحلة ليست بالأمر المتيسر بطائرة لمدة ساعة أو ساعتين، أو سيارة يوم أو يومين، لا، شهر من أجل حديث واحد كما في الصحيح، شهر كامل من أجل حديثٍ واحد، من الذي ارتحل؟
طالب:. . . . . . . . .
لا.
طالب:. . . . . . . . .
جابر إلى؟
طالب:. . . . . . . . .
عبد الله بن أنيس، نعم، مدة شهر كامل من أجل حديثٍ واحد، هذا الأمر مع الإخلاص، من أجل حفظ الدين وحفظ هذا الحديث للأمة له وقع عند الله -﷾-، بهذا يسقط واجب من واجبات الدين.
[ ١٣ / ١٨ ]
على كل حال الرحلة أمرٌ مطلوب للحاجة؛ لأن الرحلة لذاتها ليست مقصودة، بل إذا انتقل الإنسان إلى البلدان من أجل المكاثرة في الشيوخ، أو من أجل أن يقول: انتقل ورحل وفعل، هذا قدح وليس بمدح.
"قالوا: وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الأحاديث" نعم؛ لأن الفائدة من العلم العمل، ما الذي يستفيده الطالب إذا جمع ألوف مؤلفة من الأحاديث وهو لا يعمل؟ لا يستفيد شيئًا؛ لأن الفائدة من العلم هو العمل، "كان بشر بن الحارث -الحافي- يقول: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث" يعني اعملوا من كل مائتي حديث خمسة أحاديث، اعملوا بخمسة تكونوا أديتم الزكاة، وهذا في الأحاديث المتداخلة، أما تعمل بخمسة وتترك مائة وخمسة وتسعين بدون عمل، العلم بلا عمل كالشجر بلا ثمر، لا قيمة له، هم يحفظون ألوف مؤلفة من الأحاديث بطرقها، فإذا أدوا زكاتها وعملوا بالخمس، عملوا بأحكام الشريعة كلها.
"وقال عمرو بن قيسٍ الملائي: إذا بلغك شيءٌ من الخير فاعمل به -بادر إلى العمل به- ولو مرة، تكن من أهله" هذا في غير الواجبات، وكلما أكثرت كان الله في الثواب أكثر.
"قال وكيع: وإذا أردت حفظ الحديث فاعمل به" يعني أدعية الاستفتاح لولا أنها مما يستعمل لصعب حفظها، التشهد وغير ذلك من الأذكار لولا أنها يعمل بها لصعب حفظها، ولذا لا تجد عند من لا يعمل من العلم إلا الشيء القليل؛ لأن العلم النظري ما يثبت، لكن إذا طبق وعمل به ثبت "إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به".
قال: "ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره" يأتي ليعرض على الشيخ فيقرأ عليه، يقرأ، يقرأ، إذا قال الشيخ: بركة، قال: لا، بعد شوي، شوي شوي. . . . . . . . .، لا تضجره، ما يدريك عن ظرف الشيخ.
[ ١٣ / ١٩ ]
يقول: "ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره، قال الزهري، إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب"، وإذا كان هذا في مجلس الحديث فالمجالس الأخرى من باب أولى، كان للشيطان فيه نصيب، فما بالكم بالمجالس ..، مجالس القيل والقال، التي تطول بين عموم الناس على مختلف مستوياتهم، من طلاب علم وعامة، كثيرٌ منهم يجلس الساعات لا يخرج بفائدة، هذا السلامة منه شبه مستحيلة، والله المستعان.
"وليفد غيره من الطلبة ولا يكتم شيئًا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك"، استفاد فائدة وعلقها عن الشيخ فاتت غيره من الطلاب يطلع إخوانه عليها، وهذا مما يؤسف له، لا سيما في الدراسة النظامية قليل عند الطلاب، تجد الطلاب الذي يقف على فائدة يظن أنها موضع سؤال، فهم من المدرس أنه معتني بهذه الفائدة يندر أن يوجد من يبثها بين إخوانه، والله المستعان، فعلى طالب العلم أن يحرص على إشاعة هذا العلم، ولا يكتم شيئًا منه؛ لأن من سئل عن شيء من هذا العلم فكتمه ألجم بلجام من نار، نسأل الله العافية.
قال: "ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية، قال وكيع: لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه" سواءً كان في السن أو في التحصيل، إذا لمست من نفسك أنك فقت فلان من الناس هل معنى هذا أنك تقدمت عليه من كل وجه؟ لا، قد يكون عنده ما ليس عندك، وإن كنت في الواقع حصلت من العلم أكثر منه، لا يلزم، وفي الأنهار ما ليس في البحار، فيحاول الشخص ويبذل جهده أن يستفيد من كل أحد، سواءً كان فوقه هذا هو الأصل، يستفيد من شيوخه بقدر الإمكان، أو مثله من زملائه وأقرانه، أو من هو دونه، وكم من فائدة أفادنا بها الطلاب، والمعلم يستفيد من الطلاب غالبًا أكثر مما يستفيد. . . . . . . . .، وهذا هو الواقع.
ذهب العلماء الذين علمهم في صدورهم، الذين يحفظون، ويفهمون الفهم المناسب، يحفظون الألوف المؤلفة من النصوص. . . . . . . . .، تجد عند كثيرٍ من الطلاب ما ليس عند هذا الشيخ الذي تصدر، لكن لما فاقهم بسنه وتقدم عليهم بطلبه العلم، وظنوا به الخير فجلسوا عنده، وهو في الغالب يستفيد منهم أكثر مما يستفيدون منه، وهذا هو والواقع، والله المستعان.
[ ١٣ / ٢٠ ]
"قال ابن الصلاح: وليس بموفق من ضيع شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ" تجده ينتقل في البلدان وفي البلدة الواحدة من شيخ إلى شيخ علشان إذا كتب ثَبْتًا بشيوخه أثبت عددًا كبيرًا من أهل العلم، قرأ على فلان وفلان وفلان وفلان، يسمع أن البخاري كتب عن أكثر من ألف شيخ، وفلان عن ألف وألف وزيادة والدارقطني ويسمع عن الطبراني وغيرهم ممن كتبوا أعداد كبيرة من الشيوخ، يستكثر من الشيوخ، وهذا ظاهر فيمن يتتبع الإجازات، تجد بعض الإخوان يضيع من الوقت الشيء الكثير والنفيس الثمين من أجل أن يحصل على إجازة من فلان وعلان، ويضيع عليه ذلك الحفظ والفهم والعلم والعمل.
نعم إن تيسر له شيئًا من ذلك ومن غير تعب، ومن غير أن يكون على حساب التحصيل لا بأس؛ لأن الإبقاء على سلسلة الإسناد من خصائص هذه الأمة، فينبغي المحافظة عليها، لكن الإكثار منها وتضييع الوقت من أجلها، أو الانتقال من شيخ إلى شيخ ليقول: إني قرأت على فلان وفلان وفلان، وحضرت فلان وفلان هذه حقيقةٌ مُرَّة إن كان هذا هو الهدف، والله المستعان.
"وليس بموفق -يقوله ابن الصلاح- من ضيع شيئًا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد الكثرة وصيتها، قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش"، إذا كتبت اكتب عن كل أحد، واكتب كل شيء، كل ما تسمعه قيده، لكن إذا حدثت، يعني في التحمل تحمل كل شيء سهل هذا ما فيه إشكال، لكن إذا حدثت وأردت أن تبلغ علمك إلى الآخرين ففتش، تخير من هذه العلوم التي جمعتها الأنفع للناس، والأصح منها.
[ ١٣ / ٢١ ]
"قال ابن الصلاح: ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه من غير فهمه ومعرفته"، هذا كثر في المحدثين بعد عصور الرواية الاقتصار على مجرد سماع الحديث وكتابته من غير فهمه والاستنباط منه، الذي هو الفائدة العملية من معرفة هذه النصوص، "فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل"، بعض الناس يحرص على الكثرة، لكن إذا نظرت إلى ما في حفظه وما يستعمله من هذا المحفوظ وجدت الشيء اليسير، وما يفهمه من هذا المحفوظ وجدت الشيء القليل، ونظير هذا من يبتلى بداء المكاثرة، والتكاثر في جمع الكتب، تجد عنده ألوف مؤلفة من الكتب، لكن ماذا قرأ؟ إذا تسأله ماذا قرأ؟ ما يدري، ما يجيب؛ لأنه ما قرأ شيء، هذا مع الأسف الشديد واقع كثير من طلاب العلم، يجمعون الكتب؛ لأنها تيسرت الأسباب، ثم ماذا قرأ؟ لا شيء بخلاف السابقين، تجد عندهم من الكتب الشيء اليسير تفسيرين أو ثلاثة، وكتب السنة الأمهات، ومن كل مذهب كتاب معتمد، وكتاب في اللغة أو اثنين، وكتب العقائد المهمة وهكذا، يعني إن تعدى ذلك أخذ من التواريخ أصحها، والأدب أعفه، ويستفيد من هذه الكتب الفائدة المطلوبة، بينما الآن تجد طالب العلم عنده مائة تفسير، وشروح كتب السنة كلها، كتب المذاهب على اختلافها وتنوعها، مذاهب أهل السنة، بل المبتدعة أيضًا، ويجمع من الكتب ما لا يسمح له وقته بمعرفة أسمائها، وكثرة هذه التصانيف لا شك أنها مشغلة عن التحصيل، والواقع يشهد بذلك، ونحن ممن يعاني من هذا، أنا أعاني من كثرة الكتب، وهي مشغلة بلا شك، والله المستعان.
فأنصح طلاب العلم أن لا يقتنوا من الكتب إلا ما يحتاجون إليه، يعني شيوخنا عندهم تجد دالوب أو دالوبين فيه مائة أو مائة وخمسين مجلد، تجد هذه الكتب قرئت مرارًا، وعلق عليها، وعرفوا ما فيها، لكن مع الكثرة الكاثرة ينشغل الإنسان بأمور -والله المستعان- هو في غنية عنها، والله المستعان.
طالب: هناك من يقول: إن شراء الكتب عبادة.
شراء الكتب بالنية الصالحة، الكتب التي ينوي بها أن يستفيد منها الفائدة المرجوة، لكن ويش تظن في شخصٍ يشري من كل كتاب عشر نسخ، خمس نسخ، أربع نسخ، ثلاث، أكثر أقل؟ نعم إيش يتصور من هذا؟ ليستفيد؟ الله المستعان.
[ ١٣ / ٢٢ ]
طالب:. . . . . . . . .
نعم إذا كان هناك مقصد حسن لا بأس، تفاوت الطبعات أو تعدد أماكن بالنسبة له في مكان نسخة، وأموره ميسورة لا بأس، إذا كان هناك هدف ومقصد حسن لا بأس، والله المستعان.
طالب: أيضًا -عفا الله عنك- بالنسبة لطلبة العلم اللي يجمعون كمية من الكتب ليس المقصد قراءة الكتب كلها وإنما قراءة الأصول والسنن
المراجعة، المراجعة يقصدون منها المراجعة، يشتري كتابين، ثلاثة في اللغة يراجع بها لا بأس.
طالب: للبحث والمراجعة ..
يراجع، قد لا يجد حاجته وبغيته في هذا الكتاب ينتقل إلى الآخر، على كل حال مثل ما ذكرنا كل شيء له ضريبة، الكثرة لها ضريبة، والله المستعان.
"فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل، ثم حث -يعني ابن الصلاح- على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها" يعتني بكتب السنة، طالب العلم عليه أن يعتني بكتاب الله -﷿- أولًا، ويحفظه، أو يحفظ ما تيسر له، ويديم النظر فيه، ويتلوه، ويكون ديدنه القرآن بالتدبر على الوجه المأمور به، ويطالع عليه التفاسير الموثوقة عن أهل العلم ليفهمه، وتعينه هذه المطالعة على التدبر والفهم والاستنباط، ويعتني بعد ذلك بالسنة التي هي المصدر الثاني بعد القرآن فيعتني بالصحيحين، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وموطأ مالك، ومسند أحمد، يعتني بهذه الكتب، وإن أضاف إليها البيهقي فقد أحسن، والعمر لا يستوعب كل الكتب، لكن إذا اعتنى بالكتب الستة أو السبعة أو هذه الكتب الثمانية يحصل على خيرٍ عظيم، ولا نقول ما يقوله بعضهم: إن السنة يكفي منها الصحيحان، فكم من حديث صحيح في السنن، كم من حديث صحيح في المسند لم يخرجه البخاري ولا مسلم، فلا غنية عن بقية الكتب، لكن لتكن العناية بالصحيحين ثم بالسنن ثم بالمسانيد وهكذا، ويعتني بما يعينه على فهم هذه الكتب من الشروح الموثوقة عند أهل العلم، المعتمدة المطروقة التي تحل له خفايا هذه المتون، وتعينه على الاستنباط فيقرأ في بداية الطلب على كل كتاب شرح أو شرحين، ثم بعد ذلك تكن له ملكة بواسطتها يفهم ما يعرض له من المتون من دون مراجعة شروح، والله المستعان، نعم.
[ ١٣ / ٢٣ ]
النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل:
النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل، ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة وذلك أنه ليس أمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادًا متصلًا غير هذه الأمة؛ فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبًا فيه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-: الإسناد العالي سنة عمن سلف، وقيل ليحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيت خالي، وإسناد عالي.
ولهذا تداعت رغبات كثير من الأئمة النقاد والجهابذة الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد؛ طلبًا لعلو الإسناد، وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الرامهرمزي في كتابه: (الفاصل).
ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله، وقال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر فيكون الأجر على قدر المشقة، وهذا لا يقابل ما ذكرناه، والله أعلم.
وأشرف أنواع العلو ما كان قريبًا إلى رسول الله -ﷺ-، فأما العلو بقربه إلى إمامٍ حافظ أو مصنفٍ أو بتقدمِ السماع فتلك أمورٌ نسبية، وقد تكلم الشيخ أبو عمروٍ هاهنا عن الموافقة: وهي انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم مثلًا، والبدل: وهو انتهاؤه إلى شيخ شيخه أو مثل شيخه، والمساواة: وهي أن تساوي في إسنادك الحديث لمصنف، والمصافحة: وهي عبارةٌ عن نزولك عنه بدرجة حتى كأنه صافحك به وسمعته منه، وهذه الفنون توجد كثيرًا في كلام الخطيب البغدادي ومن نحا نحوه.
وقد صنف الحافظ ابن عساكر في ذلك مجلدات، وعندي أنه نوعٌ قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون.
فأما من قال: إن العالي من الإسناد ما صح سنده وإن كثرت رجاله فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان لكن هذا أقرب رجالًا؟ وهذا القول محكيٌ عن الوزير نظام الملك، وعن الحافظ السلفي.
[ ١٣ / ٢٤ ]
وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضولٌ بالنسبة إلى العلو، اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجلَّ من رجال الإسناد العالي، وإن كان الجميع ثقات، كما قال وكيعٌ لأصحابه: أيما أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود؟ أو سفيان عن منصورٍ عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ فقالوا: الأول، فقال: الأعمش عن أبي وائل شيخٌ عن شيخٍ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود فقيه عن فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا مما يتداوله الشيوخ.
يقول -رحمه الله تعالى-: "النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل" وعرفنا المراد بالعلو والنزول، المراد بالعلو قلة الوسائط بين الراوي وبين النبي -﵊-، والنزول يراد به كثرة الوسائط، كثرة الرواة بين الراوي وبين النبي -﵊-.
يقول -﵀-: "ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة، وذلك أنه ليس أمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادًا متصلًا غير هذه الأمة" قرر ابن حزم في (الفصل) أن اليهود والنصارى فضلًا عن غيرهم ممن تقدمت بهم العهود والقرون لا يستطيعون أن يثبتوا خبرًا واحدًا عن أنبيائهم بالسند المتصل، بل هذا الأمر من خصائص هذه الأمة، هي التي ضُمن لدينها البقاء إلى قيام الساعة، فاحتيج إلى مثل هذه الخصيصة تبعًا لحفظ الدين، والله المستعان.
يقول: "فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبًا فيه" لا شك أن الإسناد العالي مرغوب عند أئمة الحديث، وذلكم أنه كلما قلت الوسائط قلَّ احتمال الخلل في الإسناد، الإسناد بين الراوي وبين النبي -﵊- ثلاثة احتمال الخطأ والوهم والسهو والغلط فيه أقل من الاحتمال فيما لو كان الإسناد خمسة مثلًا أو ستة؛ لأنه ما من راوي من الرواة وإلا ويحتمل أنه وقع فيه، أو وقع له شيء من ذلك، وإذا كان الأمر كذلك كان الإسناد العالي أرغب من الإسناد النازل.
"كما قال الإمام أحمد بن حنبل: الإسناد العالي سنةٌ عمن سلف، وقيل لحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيتٌ خالي، وإسنادٌ عالي" بيتٌ خالي إيش يستفيد من البيت الخالي؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٣ / ٢٥ ]
يتفرغ ويخلو بربه، ويأنس به، ويتلذذ بمناجاته، الآن واقع كثير من الناس يستوحش من البيت الخالي، بل لو كان. . . . . . . . . العدد الذي يسكن هذا البيت شيء يسير طلب الزيادة، نادوا آل فلان يكثرون، هذا واقع كثير من الناس يردون الصوت، ولو قيل: هلمَّ يا فلان نجلس إحنا وإياك ساعة نستذكر أو نفهم، يقول بلسانه، بلهجته نتقابل كأننا جن، نعم، المشكلة أنه ما روضت النفوس على التلذذ بمناجاة الله، ما روضت على هذا، ولذا تجد الإنسان يندر أن يجلس في بيت بعد خروج أهله منه، يطلع على ما يقولون: يوسع صدره، والله المستعان.
والعمر قصير ينبغي للمسلم على وجه الخصوص طالب العلم أن يعتني بهذه الأنفاس، وهذه الأوقات التي هي في الحقيقة هو، هي عمره، الدقائق التي يعيشها والساعات هي عمره، وعمر الإنسان نفسه، هو في كل ساعة ينقص، ينقص وهو يسير إلى الدار الآخرة، فعليه أن يغتنم هذه الأنفاس، وهذه الأوقات، وهذه الساعات.
ومن سار نحو الدار -يقول ابن عبد القوي -﵀- ستين حجةً فقد حان منه الملتقى وكأن قدي
تصور شخص ستين سنة يقطع الفيافي أو خمسين سنة يصل، إلى متى؟ والله المستعان.
يقول: "ولهذا تداعت رغبات كثيرٍ من الأئمة النقاد، والجهابذة الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد"، يُرجل إلى من تميز في هذا الشأن في الرواية والدراية، كثيرًا ما يُذكر في ترجمة فلان من الناس من العلماء الكبار أنه رُحلة، إيش معنى رُحلة؟ يعني يُرحل إليه، والذهبي في صدر التراجم في السير إذا أراد أن يصف: هو الإمام المحدث الكذا الجوال، إيش معنى الجوال؟ نعم، الذي يرحل، يجول في البلدان.
طالب:. . . . . . . . .
نعم يرحل في البلدان من أجل طلب الحديث.
[ ١٣ / ٢٦ ]
"طلبًا لعلو الإسناد، وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من بعض العباد فيما حكاه الرامهرمزي في كتابه: (الفاصل) "، المحدث الفاصل –معروف- بين الراوي والواعي، منع بعض الجهال من العباد، يقول: تسافر شهر كامل، ما تيسر لك تتعبد على الوجه المطلوب، من أجل حديث أو أحاديث في هذا الشهر، كم تقرأ من القرآن من مرة، وكم تصلي لله من ركعة، وكم تقوم لله من ليلة في هذا الشهر، وأنت بهذا السفر يضيع عليك أمور كثيرة، هذه نظرتهم، والموفق يستعمل هذه الأشياء، وهو يرحل وينتقل من بلد إلى بلد، ما الذي يرده؟ وما الذي يصده عن قراءة القرآن؟ نعم وقد تتجه همته ورغبته وعنايته إلى ما هو بصدده، يعني يعجب الإنسان إذا قرأ في ترجمة شخص من أهل الحديث أنه التقى في الحج بفلان وفلان، وسمع عليه أحاديث أو سمع عليه كتاب كامل في أربعة أيام، خمسة أيام ليل ونهار يقرأه، نقول: أين هذا؟ قد يقول قائل: من هذا النوع الذين أشار إليهم الحافظ ابن كثير يقول: شخص جاء إلى البلاد المقدسة يصرف هذه الأيام، وهذه الأوقات في المسامرة مع فلان ومع علان، أو يقرأ عليه كتاب، لماذا لا يستغل هذا الوقت بالعبادة الخاصة؟ يعني نفترض شخص معه صحيح البخاري في هذه الأزمان، معه صحيح البخاري، يذهب إلى مكة لشخص عنده إسناد عالي بينه وبين البخاري، فيقرأ عليه البخاري في مدة عشرة أيام، عشرين يوم ليل نهار، ولا يستغل الأوقات لا في صلاة ولا في طواف، ولا في تلاوة، وهو عنده البخاري يمكن أن يقرأ في بلده، ويستغل الوقت في هذا المكان الفاضل بالعبادات الخاصة المضاعفة، نقول: لماذا لا يفعل هذا؟ أو نقول: طلب العلم أفضل؟ هو عنده البخاري يعرف يقرأ ويستنبط، والشيخ مجرد إسماع وليس منه أي تعليق على الكتاب، ماذا نقول؟ نقول: اقرأ القرآن، اختم بدل ما تقرأ البخاري على هذا الشيخ، في عشرة أيام، اقرأ القرآن ثلاث مرات، وصلِ كذا ركعة، وطف كذا أسبوع، واترك البخاري إذا رجعت إلى بلدك، أو خله معك، لكن لا تنفق عليه الوقت كله، ولأن المسألة مسألة قراءة، والقراءة البخاري ليس متعبدًا بتلاوته كالقرآن، ها؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٣ / ٢٧ ]
في تراجم الأئمة الحافظ ابن حجر وغيره الحافظ العراقي التقوا بعلماء في بلاد الحرمين وقرأوا عليهم كتب، وقٌرئت عليهم كتب، فرص يمكن لا يجد هذا العالم غير هذه المرة، وكم من فائدة تحصل من خلال هذه القراءة، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
نقول: إن كان مع هذه القراءة يحصل له قدر زائد من الفوائد، ولا شك أن لقاء الشيوخ فيه فوائد، وكم من فائدة دونت في الرحلات التي يكتبها أهل العلم، لا سيما أهل العلم الشرعي، فيها فوائد في هذه الرحلات، كم من فائدة نفيسة عزيزة في رحلة ابن رشيد: (ملئ العيبة، بما جمع بطول الغيبة، في الوجهة الشريفة إلى مكة وطيبة" حينما سافر إلى بلاد الحرمين جمع، والكتاب في أكثر من خمسة مجلدات، مملوء مشحون بالفوائد سببه لقاء الشيوخ، هذه الفوائد المتعدية لا شك أنها أفضل، والعناية بها أهم من العبادات الخاصة، لكن إذا افترضنا أن شيخ من العوام عنده إسناد عالي في البخاري تذهب إلى تلك الأماكن المقدسة فتشغل نفسك الشهر الكامل تقرأ البخاري، ولا يعلق بكلمة نقول: لا، اغتنم وقتك في العبادات الخاصة نعم، فالأمور تقدر بقدرها.
"ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله" نعم، مثل ما ذكرنا أن سبب اهتمام أهل العلم بالعلو قلة الوسائط، والنزول مرغوب عنه لكثرة الوسائط بين الراوي وبين النبي -﵊-، فإذا قلت هذه الوسائط قلّ احتمال الخطأ؛ لأنه ما من واسطة، ما من راوي إلا ويحتمل أنه أخطأ، فإذا كثر الرواة كثر احتمال الخطأ، وإذا قلّ الرواة قلّ احتمال الخطأ.
"وقال بعض المتكلمين" ما أدري ما الذي يقحمهم في مثل هذه العلوم؟ يعني سبق أن بعض المتكلمين قال: لا يوجد حديث موضوع، كيف لا يوجد حديث موضوع؟ كتب الموضوعات مملوءة، في هذا الكتاب تقدم، لا يوجد حديث موضوع، فقيل له: ما رأيك بحديث: «سيكذب علي»؟ إيش رأيه؟ صحيح وإلا ما هو بصحيح؟ إيش بيقول هو؟ ما في إلا صحيح أو غير صحيح؟ فإن قال: صحيح بطلت حجته بالحديث، وإن قال: ليس بصحيح بطلت حجته بالرد العملي، هاه ما دام ما هو بصحيح سيكذب علي، والله المستعان، فالمتكلمون يقحمون أنفسهم في هذه الأمور وليسوا منها من قبيلٍ ولا دبير.
[ ١٣ / ٢٨ ]
"قال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر" يقول: بدل من أن تنظر في حديث إسناده ثلاثي تنظر في تراجم هؤلاء الرواة، كل واحد بخمس دقائق تبي لك ربع ساعة لتنتهي من هؤلاء الثلاثة بربع ساعة، لكن لو كان تساعي تحتاج إلى ثلاثة أرباع الساعة، ثلاثة أضعاف من الوقت والأجر على قدر النصب، وأنت تعبت ثلاثة أرباع ساعة أفضل من أن تتعب ربع ساعة، لكن هذا كلام من لا يفقه من هذا العلم شيء، ولا يعرف أن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، فإذا ثبتت تبعًا للعبادة أجر المسلم عليها، أما لذاتها يريد أن يشق على نفسه لذات المشقة فلا.
لو كان منزله بعيدًا عن المسجد كتب له أجر هذه الخطوات، لكن لو كان المسجد قريب منه، بيته قريب من المسجد، قال: بدلًا من أن أخطو عشرين خطوة إلى المسجد، أروح أدور على الحارة، أخطو ألف خطوة، نقول: ما لك أجر، ليس لك من الأجر شيء؛ لأن تعبك هذا وخطواتك ليست للعبادة؛ لأن هذا المشي لا يقصد لذاته هو تابع للعبادة، لو قال: أنا أحج بدلًا من أن أذهب من الطريق المستقيم ثمانمائة كيلو أروح أقصى الشرق ثم أقصى الشمال، ثم آتي إلى الغربية في خمسة آلاف كيلو، نقول: لا، ما لك أجر، نعم الأجر على قدر النصب، إذا كان هذا النصب مما تتطلبه العبادة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
"فيكون الأجر على قدر المشقة، وهذا لا يقابل ما ذكرنا، والله أعلم" ما في شك أن النظر في هذا الباب إلى الصحة والضعف والتعب لا دخل له في هذا الباب، ولا في هذا الشأن.
[ ١٣ / ٢٩ ]
يقول: "وأشرف أنواع العلو ما كان قريبًا إلى رسول الله -ﷺ-" لأنهم يقسمون العلو: العلو المطلق، وهو ما كان القرب فيه إلى النبي -﵊- ظاهر، تقل الوسائط بينه وبين النبي -﵊-، وهناك علو نسبي، كالقرب من مصنف، أو القرب من كتابٍ مشهور من الكتب، يعني أنت تروي صحيح البخاري بوسائط عدتها في الغالب عشرين بينك وبين البخاري غالبًا، لكن لو وجدت إسناد يكون بينك وبين البخاري خمسة عشر هذا علو؛ لأنك قربت من إمام وهو البخاري، كما أنك قربت من مصنف، لكن هل حقيقة الأمر ..؟ الحديث استفاد من قربك وبعدك؟ استفاد؟ ما استفاد شيء، فهو علوٌ نسبي، القرب من النبي -﵊- هو الأكمل، وهو الأولى من أنواع العلو.
يقول: "وقد تكلم الشيخ أبو عمرو -يعني ابن الصلاح- هاهنا على الموافقة، وهي انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم" أو شيخ البخاري، يعني نفترض أنك شخص عشتَ في القرن الرابع مثلًا، واستطعت أن تصل إلى حديث رواه البخاري عن شيخه محمد بن بشار، أو رواه مسلم عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، فصار بينك وبين ابن أبي شيبة أو محمد بن بشار
[ ١٣ / ٣٠ ]