شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (٦)
الكلام على: (الشاذ، والنوع الرابع عشر: المنكر، والنوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد، والنوع السابع عشر: في زيادة الثقة، والنوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
نعم على قول من يقول: في الصحيح ما هو صحيح شاذ، أما إذا قلنا: إن الشاذ من نوع الضعيف فلا يمكن أن نقول في حالٍ من الأحوال: إن مجرد التفرد شذوذ، وإن ساعدت اللغة على ذلك، لكن إذا قلنا: إن من الصحيح ما هو صحيح شاذ، فقد وجد في الصحيح ما ينطبق عليه حد الشاذ حتى عند الشافعي، ما فيه مخالفة من الراوي الثقة، يعني غاية ما هنالك أن يكون فيه صحيح وأصح.
حديث جابر وقصة الجمل والبيع على النبي -﵊-، والخلاف في اشتراط الحملان، والاختلاف في قدر الثمن، رواه الإمام البخاري في أكثر من عشرين موضعًا، وفي بعض المواضع ما يخالف بعض، فيها ما يدل على الاشتراط، وفيها ما يدل على عدمه، وفيها ما يدل على أن الثمن أوقية، وفيه ما يدل على أنه أكثر من ذلك، وهي مخرجة في الصحيح، لكن الإمام البخاري يرجح ولا مانع أن يخرج صاحب الصحيح المرجوح لينبه عليه.
[ ٦ / ١ ]
يقول الحافظ ابن كثير -﵀-: "قلت: ثم تواتر عن يحيى بن سعيد فيقال: إنه رواه عنه نحوًا من مائتين، وقيل: أزيد من ذلك" يعني حتى أوصله أوصل العدة بعضهم إلى سبعمائة "وقد ذكر له ابن منده متابعات غرائب ولا تصح، كما بسطناه في مسند عمر" يعني في جمع المسانيد له "وفي الأحكام الكبير، وكذلك حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -ﷺ- نهى عن بيع الولاء وعن هبته" يعني وغير ذلك من غرائب الصحيح، كحديث أنس أن رسول الله -ﷺ- دخل مكة وعلى رأسه المغفر، "وكلٌ من هذه الأحاديث الثلاثة في الصحيحين من هذه الوجوه المذكورة فقط" روى الإمام مسلم، قال الإمام مسلم، ذكر الإمام مسلم، نقل الإمام مسلم، أو ذكر في صحيحه في الجزء الحادي عشر صفحة (١٠٧) قال: "للزهري تسعون حرفًا لا يرويها غيره، وهذا الذي قاله مسلم عن الزهري من تفرده بأشياء لا يرويها غيره يشاركه في نظيرها جماعة من الرواة" كل واحد من الرواة له ما تفرد به من الأحاديث، يقول الحافظ العراقي:
"ورد ما قالا" يعني الحاكم والخليلي.
ورد ما قالا بفرد الثقةِ كالنهي عن بيع الولا والهبةِ
وقول مسلمٍ روى الزهريُ تسعين فردًا كلها قويُ
فالمرجح عند أهل العلم في حد الشاذ: أنه ما رواه الثقة مع المخالفة، أنه إذا روى الثقة شيءٌ قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ، يعني المردود، وهذا إذا قلنا: إن الشاذ من قسم الضعيف، نوع من أنواع الضعيف، وإلا إذا قلنا: إن الشاذ منه ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف فالأمر فيه سعة، وأهل العلم أطلقوا الشذوذ بإزاء التفرد، ووجد إطلاقهم الشذوذ بإزاء التفرد، ووجد أيضًا إطلاقهم النكارة بإزاء التفرد، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
[ ٦ / ٢ ]
"وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره"، يعني كما قال الحاكم، "بل هو المقبول إذا كان عدلًا ضابطًا حافظًا، فإن هذا لو رُد لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط، وتعطلت كثيرٌ من المسائل عن الدلائل" لأنه لا يوجد لها من الأدلة إلا ما كان من هذا النوع، كيف وقد بنيت القواعد والأصول على حديث: (الأعمال بالنيات) وهو حديث فرد؟ يعني لو رد هذا الحديث قاعدة: الأمور بمقاصدها، النية شرط للعبادات كلها، فكيف نقول: إن حديث: (الأعمال بالنيات) شاذ لتفرد راويه؟ لا شك أن إطلاق الشذوذ وجد بإزاء التفرد، لكن إذا قلنا: إن الشذوذ لا يعني الضعف فالأمر فيه سعة، وإذا قلنا: إن الشاذ من قسم الضعيف فلا بد من قيد المخالفة، وأما إذا كان المنفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدلٌ ضابط فحديثه حسن، فإن فقد ذلك فمردود، فابن الصلاح له تفصيل في التفرد مع عدم المخالفة، التفرد مع عدم المخالفة فصل فيه ابن الصلاح، إن كان عدلًا ضابطًا متقنًا فحديثه صحيح، وإن خف ضبطه وقرب من الضابط ففرده حسن، وإن بعد عنه بعد عن حد الضبط والإتقان فهو شاذ، ولذا يقول الحافظ العراقي -يرحمه الله تعالى-: "واختار" من؟ ابن الصلاح.
واختار في ما لم يخالف أن من يقرب من ضبطٍ ففرده حسن
أو بلغ الضبط فصحح أو بعُد عنه فمما شذ فاطرحه ورُد
"واختار" وما يدرينا أن المراد به ابن الصلاح لأنه ما ذكر الفاعل؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟ المقدمة، ماذا يقول؟
كقال أو أطلقت لفظ الشيخ ما أريد إلا ابن الصلاح مبهما
كقال، إذا قال: قال، ومثله: اختار، كل هذا يدل على أن المراد ابن الصلاح، وبيّن الحافظ العراقي اصطلاحه في مقدمته، نعم.
شرح: النوع الرابع عشر: المنكر:
"النوع الرابع عشر: المنكر، وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود، وأما إن كان الذي تفرد به عدلًا ضابطًا حافظًا قبل شرعًا، ولا يقال له: منكر، وإن قيل له ذلك لغة".
[ ٦ / ٣ ]
المنكر حدُه المحرر عند المتأخرين أنه: ما رواه الضعيف مخالفًا الثقات، فأن يكون الراوي ضعيفًا، وأن توجد المخالفة ليكون الخبر منكرًا، أما إذا كان الراوي ثقة فهو الشاذ، وإذا روى الضعيف من غير مخالفة فالأمر أسهل يبقى الخبر ضعيفًا، لكن دون المنكر.
يقول: "وهو كالشاذ" منهم من يطلق المنكر بإزاء الشاذ على مجرد التفرد، فإذا تفرد الراوي فسواءً قلت: منكر أو شاذ سيان، "إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود" يعني مع وجود المخالفة، "وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف -يعني وتفرد به- فـ (هو) منكر مردود".
الآن ما الذي يميز المنكر عن الشاذ على هذا الكلام؟ منهم من يطلق المنكر بإزاء التفرد.
المنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريجِ
إجراء تفصيلٍ لدى الشذوذ مر جفهو بمعناه كذا الشيخ ذكر
هل نقول: إن الشاذ والمنكر معناهما واحد؟ اللغة لا تساعد، نعم إطلاق بعض الأئمة على أحاديث بأنها شاذة وأنها منكرة قد يساعد، وهل الشذوذ والنكارة مجرد التفرد من الراوي؟ أو لا بد من المخالفة أو لا بد أن يكون المتفرد ضعيفًا؟ هذه أمور لا بد منها.
يقول: "إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا، وإن لم يخالف فمنكر مردود" يقول:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . والصواب في التخريجِ
إجراء تفصيلٍ لدى الشذوذ مر جفهو بمعناه كذا الشيخ ذكر
يعني إذا روى الثقة مع المخالفة أو تفرد غير الثقة، هذا هو الشاذ، إذا تفرد غير الثقة أو روى الثقة ما يخالف فيه الناس، ومثله المنكر عند ابن الصلاح ومن يقلده "فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر"، والشيخ المراد به ابن الصلاح:
كقال أو أطلقت لفظ الشيخ ما أريد إلا ابن الصلاح مبهما
فإذا كان راوي الحديث لا يحتمل تفرده فخبره منكر، ومثاله: «كلوا البلح بالتمر، فإنه إذا أُكل غضب الشيطان وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق» تفرد به أبو زكير، وهو ممن لا يحتمل تفرده، يقول:
نحو كلوا البلح بالتمر الخبر ومالكٌ سمى ابن عثمان عمر
[ ٦ / ٤ ]
مالك سمى ابن عثمان عمر، فقال: عمر بن عثمان، والناس كلهم يقولون: عمروٌ بن عثمان بفتح العين، وهما أخوان، وكلاهما ثقة، فهل يضر الاختلاف في مثل هذا فنسمي مثل هذا منكر؟ ابن الصلاح مثل به للمنكر مثل حديث أبي زيكر، لكن الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- يقول: "قلتُ: فماذا؟ " ماذا يضير الخبر إذا كان عمر بن عثمان أو عمرو بن عثمان؟
قلت: فماذا؟ بل حديثُ نزعِهِ خاتمه عند الخلا ووضعِهِ
هذه النكارة التي ينبغي أن تذكر مثال للمنكر، وعلى كل حال إذا تردد في الراوي، وكان التردد بين ثقتين، ولم يمكن الجزم لأحد الاثنين وهم ثقتان فالأمر سهل، يعني كما لو جاء سفيان مهمل، ولم نستطع الوقوف على حقيقة سفيان هل هو ابن عيينة أو الثوري؟ الأمر في هذا سهل، لكن كون جميع الرواة يقولون: عمرو بن عثمان ويقول مالك: لا، عمر بن عثمان، تفرد هو ثقة، نجم السنن، مالك نجم السنن، كما قال الإمام الشافعي وغيره.
وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكيةٍ كـ (مالكٍ) نجم السنن
لكن خالف، خالف الناس كلهم، كلهم يقولون: عمرو بن عثمان، وهو ثقة هل نقول: هذا شاذ وإلا منكر؟ على اصطلاح المتأخرين شاذ، ما نقول: منكر، وعلى ما اختاره ابن الصلاح من أنه لا يشترط في الراوي أن يكون ضعيفًا في النكارة؛ لأن الشاذ والمنكر عنده بمعنى، فمالك وإن كان ثقة إلا أنه خالف الناس كلهم، فهو منكر عنده، "قلت: فماذا؟ " هذا كلام الحافظ العراقي.
قلت: فماذا؟ بل حديثُ نزعِهِ خاتمه عند الخلا ووضعِهِ
لأن هذا الإسناد ركب له إسناد حديث: إن النبي -﵊- اتخذ خاتمًا من ذهبٍ ثم رماه، هذا حديث صحيح فركب إسناده على هذا الحديث الضعيف.
الخلاصة: أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنىً واحد، الإمام الشافعي يرى أن الشذوذ ما توافر فيه الأمران الثقة مع المخالفة، الحاكم يشترط الثقة فقط، تفرد الثقة فقط وإن لم توجد المخالفة، الخليلي تفرد الراوي. . . . . . . . .، لا يشترط لا ثقة راوي ولا مخالفة.
[ ٦ / ٥ ]
إذا نظرنا إلى إطلاقات الأئمة وجدنا الأئمة يطلقون الشاذ بإزاء التفرد فقط، ويطلقون المنكر أيضًا بإزائه أيضًا، لكن إذا قلنا: إن الشاذ من قسم الضعيف فلا بد فيه من المخالفة، وإذا قلنا: إن من الشاذ ما هو صحيح ومن الصحيح ما هو صحيحٌ شاذ، بل غاية ما هنالك أن يكون صحيح وأصح فالأمر فيه سهل.
يقابل الشاذ المحفوظ، فإذا كان الشاذ: ما رواه الثقة مخالفًا من هو أوثق منه، فالمحفوظ: ما رواه الثقات، يعني نعكس الحد، المحفوظ ما رواه الثقات، وإن وجدت المخالفة من واحد، ويقابل المنكر المعروف، وإذا كان تعريف المنكر ما رواه الضعيف مخالفًا سائر الرواة، فيكون تعريف المنكر ..، إذا كان المنكر ما رواه الضعيف مخالفًا الرواة فيكون حينئذٍ المعروف: ما رواه الثقاة وإن وجدت المخالفة من ضعيف، نعم.
شرح: النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد:
"النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد: مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- حديثًا، فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد أو غير محمد عن أبي هريرة، أو غير أبي هريرة عن النبي -ﷺ- فهذه متابعات، فإن روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر سمي شاهدًا لمعناه، وإن لم يرو بمعناه أيضًا حديث آخر فهو فرد من الأفراد، ويغتفر في باب "الشواهد والمتابعات" من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك، ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء: "يصلح للاعتبار"، أو "لا يصلح أن يعتبر به" والله أعلم".
هذه عبارات يستعملها أهل الحديث، الاعتبار والمتابعات والشواهد، وهذه الترجمة توهم بأن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس الأمر كذلك، بل الاعتبار هيئة التوصل والكشف عن المتابعة والشاهد، الاعتبار: السبر والبحث عن المتابعات والشواهد، وعلى هذا فحق الترجمة أن يقال: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد، ولذا يقول الحافظ العراقي -﵀-:
الاعتبار سبرك الحديث هل شارك راوٍ غيره فيما حمل؟
[ ٦ / ٦ ]
فالاعتبار: هو هيئة التوصل إلى وجود المتابعات والشواهد والبحث، فإذا كان هذا هو الاعتبار فما المتابع والشاهد؟ الذي مشى عليه ابن الصلاح وتبعه الحافظ ابن كثير، ومن اختصر كلام ابن الصلاح ونقله ابن حجر عن قومٍ كالبيهقي ونحوه أن الشاهد ما جاء بمعناه، والمتابع ما جاء بلفظه، يعني نبحث عن الحديث فإذا وقفنا عن حديثٍ آخر بغض النظر عن الصحابي هل اتحد أو اختلف؟ فإن كان باللفظ فالمتابع، وإن كان بالمعنى فالشاهد، هذا ما مشى عليه المؤلف تبعًا لابن الصلاح، وهو محكيٌ عن البيهقي وغيره.
والمثال الذي ذكره هو مأخوذٌ من صحيح ابن حبان، مأخوذٌ من صحيح ابن حبان في مقدمة الصحيح قال: "مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- حديثًا فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد أو غير محمد عن أبي هريرة أو غير أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، فهنا لم يشترط فيه اتحاد الصحابي أو اختلافه.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
هو موجود في الجزء الأول صفحة (١١٧ و١١٨) والذي يغلب على ظني أنه من طبعة الشيخ أحمد شاكر ما هي من طبعة الأرنؤوط، ولذا قال: أو غير أبي هريرة، فإن روي معناه من طريقٍ أخرى عن صحابي آخر سمي شاهدًا لمعناه، فالفرق بين المتابع والشاهد أن يكون المتابع باللفظ والشاهد بالمعنى هذا قول، وهو قول من سمعنا من أهل العلم، لكن القول الثاني وهو الذي اعتمده المتأخرون، وخرجوا الأحاديث على أساسه أن المتابع ما جاء عن نفس الصحابي ولو اختلف اللفظ، ولو جاء بالمعنى، والشاهد ما جاء عن صحابي آخر ولو اتحد اللفظ بغض النظر عن اللفظ، وهذا هو الذي مشى عليه المتأخرون، والأمر في هذا سهل؛ لأن الفائدة من الشواهد والمتابعات التقوية، وتحصل التقوية بالمتابع أو الشاهد سواءً اتحد الصحابي أو اختلف.
[ ٦ / ٧ ]
إذا عرفنا هذا فالمتابعات منها التامة ومنها القاصرة، ففي المثال الذي ذكره صاحب الكتاب إذا روى الخبر غير حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة متابعة تامة، لكن إذا رواه شخصٌ آخر عن آخر عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، أو عن ثالث عن أبي هريرة هذه متابعة قاصرة، وعلى كل حال الفائدة من المتابعات والشواهد هي التقوية، تقوية الأخبار، والشواهد هي التي يعتني بها الترمذي في كل بابٍ من أبواب جامعه، ويقول فيه: "وفي الباب عن فلان وفلان وفلان" هذه شواهد للحديث الذي يذكره، وقد يصحح الخبر بمجموع هذه الشواهد، ومن هنا دخل عليه التساهل، فمن نظر إلى حديث الباب بمفرده وقد قال عنه الإمام الترمذي: "حسن صحيح" قال: إنه متساهل، ومن نظر إلى مجموع الأحاديث في الباب بما في ذلك الشواهد التي أشار إليها قد تبلغ الصحة.
يقول: "ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب الضعف" القريب الضعف يعني ضعفه محتمل يصلح للمتابعات، يصلح للاعتبار، يحصل للشواهد، يصلح للترقية، أما الذي ضعفه شديد فوجوده مثل عدمه على ما تقدم "ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفر في الأصول" يعني قد تروي عن ابن لهيعة وهو ضعيف عند أهل العلم، لكن ضعفه قريب، ضعفه قريب فيصلح للمتابعات، يصلح للشواهد، لكن ما يصلح في الأصول التي يعتمد عليها، ونحوه من الرواة، ولذا كثيرٌ ما يقول أهل العلم: فلان يعتبر به، أو يصلح للاعتبار، وفلان لا يعتبر به، أو لا يصلح أن يعتبر به، يطلق أهل العلم هذه العبارة كثيرًا من أجل أن نستفيد من الراوي الذي يعتبر به، فإذا انضم إليه غيره ممن هو في درجته تقوى الحديث، أما الذي لا يعتبر به ارمِ به، ما يفيد.
يقول: "كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك" نعم يقع في رواة الصحيحين من مس بضربٍ من التجريح الخفيف في باب المتابعات والشواهد دون الأصول، نعم.
"النوع السادس عشر: في الأفراد، وهو أقسام: تارة ينفرد به الراوي عن شيخه كما تقدم، أو ينفرد به أهل قُطْر، كما يقال:
طالب:. . . . . . . . .
إيه، لكن يكون الاعتماد على المجموع.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦ / ٨ ]
أو عمومات الشريعة والقواعد العامة، الإمام الشافعي -﵀- فيما ينجبر به المرسل ويحتج به مثل هذه الأمور، أن يفتي به عوام أهل العلم، أن يكون له شاهد يزكيه من قول صحابي، أو خبر آخر، أو مرسل آخر يرويه غير رجال المرسل الأول، المقصود أن مثل هذا إذا كان له أصل يشهد له فلا بأس.
طالب:. . . . . . . . .
لكن راويه ممن يصلح للاعتبار؟ ارمِ به، تحتج بغيره.
طالب:. . . . . . . . .
أقول: ارمِ به، واحتج بغيره، على طريقة أهل الحديث أن مثل هذا الذي لا يصح للاعتبار وجوده مثل عدمه، وجوده مثل عدمه نعم هم يعترفون بأن الراوي مهما بلغ في الضعف، في ضعف الحفظ والضبط والإتقان حتى في عدالته من الطعن قد يصدق، والضعيف قد يضبط، ومع ذلك الذي لا يصلح للاعتبار وجوده مثل عدمه، وجوده مثل عدمه.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، لا، ما يقبل إلا على طريقة السيوطي، السيوطي يقول بهذا، الشيخ الألباني أحيانًا يمشي على هذا، والسيوطي في ألفيته يقول في الضعيف الذي لا ينجبر:
وربما يكون كالذي بدي . . . . . . . . .
يعني به بما تحدث عنه من انجبار الضعيف وارتقائه إلى الحسن لغيره، طريقته يرقي بها، لكن جمهور أهل العلم لا، ما دام ما يعتبر به وجوده مثل عدمه، حتى لو تابعه واحد بمنزلته لا يعتبر به ما يزيده إلا ضعف ما يزيده قوة.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، لكن يبقى النظر في هؤلاء الثقات. . . . . . . . . هم الذين خالفوا؛ لأن الأصل القرآن.
طالب:. . . . . . . . .
إيه يشهد لصحة الجملة لا لصحتها في هذا الموضع، فرق، الجملة ما أحد ينكر، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [(٩) سورة آل عمران] لكن في هذا الموضع
طالب:. . . . . . . . .
هذه من زيادات الثقات التي تباينت فيها الأنظار، من زيادات الثقات التي تباينت فيها الأنظار، من أهل العلم من يحكم عليها بأنها شاذة، يعني لو كانت محفوظة رواها بقية الرواة، راويها وإن كان ثقة ولم يخالف جاء بما لم يأتِ به غيره، يعني قدر زائد، على ما سيأتي تفصيله في زيادة الثقة -إن شاء الله تعالى-، نعم.
[ ٦ / ٩ ]
كما يقال: "تفرد به أهل الشام أو العراق أو الحجاز أو نحو ذلك، وقد يتفرد به واحد منهم فيجتمع فيه الوصفان، والله أعلم، وللحافظ الدارقطني كتاب في الأفراد في مائة جزء، ولم يسبق إلى نظيره، وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في أطراف رتبه فيها.
النوع السادس عشر: في الأفراد، ومثلها الغرائب، ويرى ابن حجر أن الفرد والغريب مترادفان لغةً واصطلاحًا، إلا أن أهل الحديث غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، الفرد والغريب مترادفان لغةً واصطلاحًا، هل كلام الحافظ صحيح؟ الفرد هو الغريب في اللغة؟ اللغة لا تساعد، الفرد ما انفرد عن غيره، والغريب وإن اجتمع بغيره، وإن كان مع غيره فهو غريب، قد يوصف الشخص بالغربة وإن كان بين الناس، وأما التفرد فهو شيءٌ آخر، فهو الانفراد عن الناس.
أما تغايرهما في الاصطلاح فالفرد أكثر ما يطلقه أهل العلم على الفرد المطلق، وما كانت الغرابة والتفرد فيه في أصل السند، طرفه الذي فيه الصحابي، والغريب أكثر ما يطلقونه على غرابة نسبية، من كانت الغرابة في أثناء السند، فبهذا نعرف أن أنواع التفرد اثنان: الفرد المطلق والفرد النسبي، والنسبي يطلق بإزاء التفرد في أثناء السند في غير طرفه الذي فيه الصحابي، وفي غير أصل الحديث ومنشأه ومنبعه، ويطلق أيضًا بالنسبة لتفرد أهل بلدٍ به هذا تفرد نسبي، وإن رواه جمعٌ من غيرهم، وأيضًا يطلق التفرد النسبي بالنسبة لراوٍ من الرواة يتفرد بالرواية عنه راوٍ واحد، وإن رواه جمعٌ عن غيره، ويطلق التفرد النسبي بالتفرد به عن ثقةٍ من الثقات وإن رواه جمعٌ عن غير هذا الثقة، فإذا تفرد أهل بلد أهل البصرة برواية حديث ولو كثر عددهم قيل: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة، إذا روى مالك حديث وتفرد به راوٍ من الرواة عن مالك يقال: تفرد به عن مالك فلان وإن رواه جمعٌ عن غير مالك وهكذا، فالتفرد تارةً ينفرد به الراوي عن شيخه كما تقدم، أو ينفرد به أهل قُطرٍ كما يقال: تفرد به أهل الشام، أو العراق أو الحجاز أو نحو ذلك.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦ / ١٠ ]
في تداخل، في تداخل، في بعض إطلاقات الشاذ وأنه مجرد التفرد من راوي ..، من الثقة يدخل هنا، أبواب متداخلة، لكن أهل الاصطلاح ممن تأخر من أهل العلم وصنف في علوم الحديث حاولوا أن يجعلوا كل نوع من الأنواع له حدٌ يخصه، وإلا في تداخل، أيضًا زيادة الثقة مع تعارض الوصل والإرسال في تداخل كبير، وأيضًا في التفرد يدخل في زيادة الثقة على ما سيأتي، على كلٍ في اشتراك في كثيرٍ من الأبواب، وقد يتفرد به واحدٌ منهم فيجتمع فيه الوصفان، يعني لا يروى إلا من طريقٍ واحد من أهل بلدٍ واحد، يعني لا يروى إلا من طريقٍ واحد من أهل بلدٍ واحد، وحينئذٍ يكون الحديث فرد بوصفين، يقول: "وللحافظ الدارقطني كتابٌ في الأفراد في مائة جزء لم يسبق إلى نظيره" كتابٌ عظيم، وله أطراف، أطراف الأفراد والغرائب لابن طاهر، لأبي الفضل بن طاهر، وهو كتابٌ مرتب، وفي معاجم الطبراني أمثلة للأفراد، وكذلك في جامع الترمذي، وفي مسند البزار أيضًا، المقصود أن الأفراد موجودة في مثل هذه الكتب.
يقول الحاكم في المستدرك: "التفرد من الثقات مقبول" هذا موجود عند الحاكم الجزء الأول صفحة (٣٥)، وفي مواضع أخرى، يقول: "التفرد من الثقات مقبول" وعلى كل حال الراوي إذا كان ثقة فتفرده برواية الحديث مقبول على ما تقدم في غرائب الصحيحين، كحديث: (الأعمال بالنيات) وحديث: (النهي عن بيع الولاء والهبة)، نعم.
شرح: النوع السابع عشر: في زيادة الثقة:
النوع السابع عشر: في زيادة الثقة، إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة، فهل هي مقبولة أم لا؟ فيه خلاف مشهور، فحكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها، وردها أكثر المحدثين، ومن الناس من قال: إن اتحد مجلس السماع لم تقبل، وإن تعدد قبلت، ومنهم من قال: تقبل الزيادة إذا كانت من غير الراوي بخلاف ما إذا نشط فرواها تارةً، وأسقطها أخرى، ومنهم من قال: إن كانت مخالفةً في الحكم لما رواه الباقون لم تقبل وإلا قبلت، كما لو تفرد بالحديث كله فإنه يقبل تفرده به إذا كان ثقةً ضابطًا أو حافظًا.
[ ٦ / ١١ ]
وقد حكى الخطيب على ذلك الإجماع، وقد مثل الشيخ أبو عمرو زيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حرٍ أو عبد ذكرٍ أو أنثى من المسلمين، فقوله: "من المسلمين" من زيادات مالك عن نافع، وقد زعم الترمذي أن مالكًا تفرد بها، وسكت أبو عمروٍ على ذلك، ولم يتفرد بها مالك، فقد رواها مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع كما رواها مالك، وكذا رواها البخاري وأبو داود والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه كمالك، قال: ومن أمثلة ذلك حديث: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي بزيادة: «وتربتها طهورًا» عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي -ﷺ-، رواه مسلم وابن خزيمة وأبو عوانة الأسفرايني في صحاحهم من حديثه، وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال كالخلاف في قبول زيادة الثقة".
[ ٦ / ١٢ ]
يقول -رحمه الله تعالى- في زيادة الثقة: "إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخٍ لهم" وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة، هل هي مقبولة أم لا؟ المتأخرون يصدرون الأحكام العامة، ويقولون: زيادة الثقة مقبولة، يطلقون ذلك سواءٌ كان في التقعيد والتنظير أو في التطبيق، والحاكم في مستدركه في الجزء الأول صفحة (٣) وصفحة (٨٦) في مواضع كثيرة من مستدركه يقول: "الزيادة من الثقات مقبولة في المتون والأسانيد" وهم يطلقون هكذا، لكن الذي ينظر في مواقع الاستعمال من الأئمة الكبار المتقدمين يجدهم لا يحكمون بأحكام مطردة، فأحيانًا يقبلون هذه الزيادة، وأحيانًا يردونها، ويحكمون عليها بالشذوذ، فهل من ضابط؟ من كتب في علوم الحديث حاول أن يوجد ضابط لقبول هذه الزيادة أو مثل هذه الزيادة، لكن مثل ما ذكرنا في تعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع لا يمكن أن تنضبط أحكام الأئمة المتقدمين بضابط، بل هو جارٍ على قاعدتهم في الحكم بالقرائن، فأحيانًا الناظر في الإسناد يجده من أنظف الأسانيد، والمتن يشتمل على زيادة يترتب عليها حكم، ويجد الإمام أحمد حكم عليها بالشذوذ أو البخاري أو غيره، ونظير هذا الإسناد أو هذا الإسناد في موضعٍ آخر جاء لمتنٍ اشتمل على زيادة يحكم لها بالقبول، وهذا مثل ما قررناه أن الأئمة يحكمون بالقرائن، والإمام الواحد قد يحكم لهذه الزيادة بالقبول، وعلى تلك بالشذوذ، فليس لإمامٍ واحد قولٌ مطرد، وليس لمجموع الأئمة أيضًا قاعدة مطردة.
[ ٦ / ١٣ ]
يطلقون -أعني المتأخرين- أن زيادة الثقة مقبولة، وسمعنا كلام الحاكم، وكلام النووي كثيرًا ما يقول: "هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة" ابن الصلاح قسم تقسيم يرى أنه يقرب وجهة النظر بين المتأخرين والمتقدمين، فجعل الزيادات على ثلاثة أقسام: زيادة مخالفة، وزيادة موافقة، أو لا مخالفة فيها، أو زيادة موافقة من وجه مخالفة من وجه، فالزيادة الموافقة لا إشكال فيها، والزيادة التي لا موافقة ولا مخالفة فيها هذه كالحديث المستقل في نظره، الزيادة المخالفة هي التي يحكم عليها بالشذوذ، الزيادة المخالفة من وجه الموافقة من وجه هي محل النظر، ومن أوضح أمثلتها ما ذكره المؤلف في نهاية الباب: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي بزيادة: «وتربتها طهورًا» تفرد به عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي -ﷺ-، رواه مسلم، «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» الرواية الثانية: «وتربتها طهورًا» هل التربة موافقة للأرض أو مخالفة لها أو موافقة من وجه مخالفة من وجه؟ باعتبار التربة جزء من أجزاء الأرض موافقة، فما وجه المخالفة؟ وجه المخالفة عند من يخصص التيمم بالتراب دون غيره، مما على وجه الأرض، فالذي يقبل هذه الزيادة ويخصص التيمم بالتراب دون غيره مما على وجه الأرض كالحنابلة والشافعية يقولون: هذا من باب تخصيص العام أو تقييد المطلق؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
تقييد المطلق، لماذا؟ يعني هل التراب فرد من أفراد الأرض أو وصف من أوصافها؟
طالب:. . . . . . . . .
لا.
طالب:. . . . . . . . .
هاه فرد وإلا وصف؟ إذا قلنا: إنه فرد من أفرادها، والتخصيص تقليل أفراد العام، نقول في مثل هذا الموضع لا يقتضي التخصيص، لماذا؟ لأن ذكر الخاص بحكمٍ موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص، فالذي يقبل هذه الزيادة ويرى أنها من باب التخصيص ما عنده مشكلة، يتيمم بالتراب وغير التراب، إلا أن التراب أولى من غيره، فنص عليه للعناية به، وإن كان لا يقتضي التخصيص، والذي يقول: إن التراب وصف من أوصاف الأرض وليس بفردٍ من أفرادها يكون هذا عنده من باب التقييد، وحينئذٍ يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة أو لا؟
[ ٦ / ١٤ ]
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟ لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟ متى يحمل المطلق على المقيد؟
طالب:. . . . . . . . .
إذا اتفقا في الحكم والسبب، وهنا متفقان، هما متفقان في الحكم والسبب؛ لأن للمطلق مع المقيد صور أربع، إما أن يتفقا في الحكم والسبب، أو يختلفا في الحكم والسبب، أو يختلفا في الحكم دون السبب أو العكس، فإذا اتفقا في الحكم والسبب حمل المطلق على المقيد اتفاقًا كما هنا، وكما في قوله تعالى
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
لا يا أشرف، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ [(٣) سورة المائدة] مع قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [(١٤٥) سورة الأنعام] يحمل المطلق على المقيد اتفاقًا هنا للاتحاد في الحكم والسبب، إذا اختلفا في الحكم والسبب لا يحمل المطلق على المقيد إجماعًا، ونظيره: اليد في آية السرقة وفي آية الوضوء، اختلفا في الحكم والسبب، فلا يحمل المطلق على المقيد، إذا اتحدا في الحكم دون السبب مثل؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم مثل الرقبة في كفارة القتل، والرقبة في كفارة الظهار، إذا اتحدا في الحكم دون السبب يحمل المطلق على المقيد عند الأكثر، خلافًا لمن أبى ذلك كالحنفية، والعكس إذا اتحدا في السبب دون الحكم كاليد في آية التيمم واليد في آية الوضوء، والتفصيل عند أهل العلم معروف.
نعود إلى التربة، إذا قلنا: إنها من باب تقليل أفراد العام ومن باب تخصيص، وحينئذٍ لا يحمل العام على الخاص؛ لأن ذكر الخاص بحكمٍ موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص، إنما يقتضي العناية بشأن الخاص والاهتمام به.
إذا قيل في وصية إذا أوصى زيد -من الناس- لبني تميم، لبني تميم الفقهاء منهم، هل هذا تخصيص وإلا تقييد؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم تقييد بوصف، إذًا مثال التخصيص؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
أعطِ الطلاب مثلًا، أعطِ الطلاب هاه؟ وإذا أردت أن تخصص فأتي بحكم للخاص مخالف لحكم العام، أعطِ الطلاب إلا المتزوجين، نعم.
طالب: مثال.
[ ٦ / ١٥ ]
تنفذ الوصية في هذا؟ لو أوصى شخص لبني تميم إلا المتزوجين تنفذ الوصية وإلا لا؟
طالب:. . . . . . . . .
مخالفة لمقاصد الشرع، نعم، رأي شيخ الإسلام تعدل على مقاصد الشرع.
نعود إلى زيادة الثقة، وهو أن المعتمد عند أهل العلم أنهم لا يحكمون بحكم عام مطرد، بل ينظرون إلى كل حديثٍ بمفرده، وينظرون ما يؤيده القرائن، فإن أيدت القرائن القبول قبلت وإلا ردت، وهذه طريقة أهل العلم أهل هذا الشأن لا سيما المتقدمين منهم.
نأخذ المعل وإلا. . . . . . . . . يكفي؟
طالب:. . . . . . . . .
شوف الإخوان بيحضرون غدًا وإلا نقف على المعل؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، بعيدة، بعيدة، كان هذا المقرر لكن كان فيه بعد لأن المعل عندنا وقفنا عليه الآن، بعد المعل والمضطرب والمدرج، في أيضًا المقلوب، والموضوع أيضًا، نعم، والمقلوب، وفي أنواع كثيرة يا شيخ، من غير تفصيل، يعني مجرد توضيح عبارات لا بأس، وإلا معرفة من تقبل روايته ومن ترد يكون طيب، على كل بيحضرون الإخوة غدًا وإلا الجمعة؟ خير -إن شاء الله-.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا يطلب إتمام الشرح، شرح الكتاب، ويلح في ذلك، والشيخ ناصر بيرتب موعد لاحق -إن شاء الله تعالى- لتكميل الشرح.
يقول هذا، هذا يبدي مناسبة ينقلها عن من لم يسمه بكون الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بدأ بالغريب وختم بالغريب مستنًا بقوله -﵊-: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا»؟
يعني إن كان قد قيل، وقد قيل ما يشبه ذلك، فهو مجرد التماس من الشراح، مجرد التماس، يعني نظير ما قالوا في كونه -﵀- بدأ بالرواية عن الحميدي؛ لأنه قرشي ومكي، فقريش أفضل القبائل، وجاء الأمر بتقديمهم، ومكة أفضل البلدان، على كل حال هذه التماسات من أهل العلم، وبعضها يصلح للنظر، وبعضها لا يصلح، فيوجد من هذا النوع شيءٌ كثير عند الشراح.
يقول: هل يتقوى الحديث الضعيف بشواهد الآيات العامة وبالنظر الصحيح؟
[ ٦ / ١٦ ]
إذا كان الحديث ضعفه منجبر بسبب خفة ضبط راويه فلا بأس، دل على أن هذا الراوي خفيف الضبط ضبط، أما من كان ضعفه شديدًا فوجوده مثل عدمه.
يقول: وهل صحيح أن طريقة الألباني في التصحيح فيها تساهل بجمع الطرق والشواهد؟
نعم، الشيخ -﵀- قد يعتبر بما لا يعتبر به أهل العلم من شديد الضعف، فإذا كثرت عنده الطرق وتوافرت ولو كان بعضها مما لا يعتد به، ولا يعتبر به من راوي شديد الضعف فإنه يعتد به، وقد سلك هذا السيوطي من قبله.
يقول: هناك طبعة لشرح النووي على مسلم عن دار الخير قدم لها الدكتور الزحيلي، ذكروا أنهم صححوها وحرروها، فيقول: هل تنصح بهذه الطبعة؟
على كل حال الطبعات القديمة متقنة ومحررة غالبًا؛ لأن لجان التصحيح في المطابع الكبرى علماء، وكان هَم الناشرين في بداية الأمر نشر العلم، ثم صار الهم عند المتأخرين الارتزاق، صارت مهنة من المهن، وحرفة من الحرف، لا يهمهم إلا الربح والخسارة، الذي تقرر عندي أن أجود الطبعات شرح النووي على مسلم هي الطبعة الموجودة على هامش إرشاد الساري، فإن وجدت الطبعة الخامسة فبها ونعمت وإلا فالسادسة. . . . . . . . .
أقول: المطابع الكبرى القديمة يتولى التصحيح فيها علماء، وهَم الناشرين في أوائل عهد الطباعة نشر العلم، واللجان التي تصحح لهم علماء أيضًا.
فهذا يسأل عن طبعة حديثة لشرح النووي على مسلم، والذي عندي من خلال المقابلة والموازنة في الدرس بين طبعات متعددة أن شرح النووي على مسلم المطبوع بهامش إرشاد الساري الطبعة الخامسة إن وجدت وإلا فالسادسة، حتى السابعة كأنها أقل من السادسة، لكن السادسة في الغالب محررة متقنة، والخامسة لكنها نادرة جدًا، لا تكاد توجد.
حديث طلق بن علي وبسرة بنت صفوان في مس الذكر يقول: هل هي أحاديث ضعيفة؟
على كلٍ هي بمجموع طرقها حسنة، وحديث بسرة أرجح من حديث طلق من حيث الصناعة، وعلى هذا مس الذكر ناقض للوضوء على القول المرجح، وإن كان بعضهم يرى أن حديث بسرة على جهة الاستحباب، على جهة الاستحباب للجمع بين الحديثين، وكأن هذا رأي شيخ الإسلام -﵀-.
[ ٦ / ١٧ ]
يقول: ألا يكون الراجح في تعريف الشاذ هو ما اختاره ابن حجر في شرح النخبة، أو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه؟
هذا هو ما اختاره الشافعي، هو ما اختاره الشافعي، واختاره ابن الصلاح، واختاره أيضًا الحافظ العراقي وغيره.
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
لكن قول الحاكم وهو تفرد الثقة، أو قول الخليلي وهو تفرد الراوي ثقة كان أو غير ثقة هذا أخذه من مواقع استعمال أهل العلم، حكموا على بعض الأحاديث التي فيها مجرد التفرد بأنها شاذة، فما معنى الشذوذ حينئذٍ عند من يطلقه يعني بإزاء مجرد التفرد؟ نقول: إن أهل العلم أطلقوه، لكن إن كان الشذوذ من أقسام الضعيف على ما استقر عليه الاصطلاح لا بد من قيد المخالفة؛ لأن مجرد تفرد الثقة مقبول عند أهل العلم، وغرائب الصحيحين كما هو معروف ولم يشترط من يعتد به من أهل العلم أن يتعدد الراوي لصحة الخبر، وقد رد على الحاكم وما يفهم من كلام البيهقي والكرماني الشارح قولهم: إن شرط البخاري أن يكون الحديث مرويًا من طريقين فأكثر.
يقول: حديث أنس في البخاري: "كان رسول الله -ﷺ- إذا سلم سلم ثلاثًا، وإذا استأذن استأذن ثلاثًا".
معروف عنه -﵊- هذه السنة، لكن هذا يمكن أن يحمل على ما إذا كثر الجمع بحيث يظن أن بعضهم لم يسمع الكلام، لم يسمع السلام، أو لم يستوعب الكلام فإنه حينئذٍ يكرر.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأتم التسليم، أما بعد:
فيقول المؤلف رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين:
شرح: النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث:
[ ٦ / ١٨ ]
النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث، وهو فنٌ خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل، وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والزيوف، والدنانير والفلوس، فكما لا يتمارى هذا كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول -ﷺ- التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس.
فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة، وقد يكون التعليل مستفادًا من الإسناد، وبسط أمثلة ذلك يطول جدًا، وإنما يظهر بالعمل، ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله "كتاب العلل" لعلي بن المديني شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده في هذا الشأن على الخصوص، وكذلك كتاب "العلل" لعبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو مرتبٌ على أبواب الفقه، وكتاب "العلل" للخلال، ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد.
وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتابٍ، بل أجلُّ ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بشكله، فرحمه الله وأكرم مثواه، ولكن يعوزه شيءٌ لا بد منه وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله للطلاب، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبين على حروف المعجم ليسهل الأخذ منه، فإنه مبدد جدًا، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة، والله الموفق.
[ ٦ / ١٩ ]
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى舄-: "المعلل من الحديث" والمعلل لا يوجد في كتب اللغة بالمعنى الذي يريده المؤلف ومن قبله، وإن كان أهل الحديث يطلقون المعلل والمعلول، وكذلك الأصوليون يطلقون أيضًا العلة والمعلول، وأيضًا المتكلمون، لكن لا يوجد معلل وعلله إلا بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، من تعليل الصبي بالطعام، والأولى أن يقال: معل، عله فهو معل، وأما معلول فهو موجود في كلام كثيرٍ من المحدثين والأصوليين والمتكلمين أيضًا.
قال ابن الصلاح عن ذلك: إنه مرذول، مرذول، وقال النووي: لحن، وقال الحريري: لا وجه لهذا الكلام البتة، وقال ابن سيده: "لست منها على ثقةٍ ولا ثلج" يعني ليس مرتاحًا منها، فالأولى أن يقال في ذلك: معل، يرى بعضهم أن استعمال معلول لا بأس به؛ لأنه وجد في عبارات أهل الفن، ولا يلتبس بغيره، معناه واضح ومعروف، فلا مانع من استعماله، لكن المرجع في ذلك اللغة، الشيء الذي لا يوجد له أصل في لغة العرب ينبغي أن لا يطرق.
نعم، إن أمكن توجيه كلام أهل العلم على وجهٍ يصح لغةً فلا بأس، على كل حال الحديث المعل هو الحديث الذي طلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، فالعلة سببٌ خفي يقدح في صحة الخبر مع أن ظاهر الخبر السلامة من هذه العلة، فالناظر في بادئ الأمر يرى أن الحديث لا إشكال فيه، لكن النقاد الخبير الجهبذ يقف على العلة التي لا يقف عليها غيره.
ولذا يقول الحافظ ابن كثير -﵀-: "وهو فنٌ خفي على كثيرٍ من علماء الحديث. " نعم، لم يتصدى لهذا الفن أو لهذا النوع من هذا العلم إلا القليل النادر من الجهابذة الحفاظ الكبار، حتى قال بعض حفاظهم: "معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل"، وهذا شيءٌ مشاهد، أن من اعتنى بشيء اطلع على أسراره وخفاياه، بحيث لو تكلم به عند من يجهل ولم تكن له مثل هذه المعرفة ترى ما هو بالسفه طالبه بالدليل ولم يجد.
[ ٦ / ٢٠ ]
يعني أهل السيارات مثلًا الخبير بالسيارات مجرد ما يشوف السيارة يقول: هذه ما تصلح، طيب ويش السبب؟ شكلها طيب، ومحركاتها طيبة، يقول: لا أبدًا ما تصلح، الصيرفي صاحب الذهب والفضة إذا أتي له بقطعة إما من الذهب أو من الفضة قال: هذه زيف، هذه مغشوشة، كيف؟ ما يقدر يشرح لك، وهكذا في سائر المهن والحرف والصناعات يطلع بعض الناس على ما لا يطلع غيره، الذي زاول مهنة العمار عَمَر مرارًا خلاف الذي عَمَر مرة واحدة، يأتي هذا الذي عَمر مرارًا يقول: شوف هذا وهذا ..، هذا ما هو بعمل طيب، وصاحبه هو عنده أنه من أحسن الأشياء، فالمسألة مسألة اهتمام ومسألة خبرة، ولذا يقولون: "معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل"، تقول له: الحديث يقول: لا يصح، فيه علة، إيش هذه العلة؟ ما يستطيع التعبير عنها، فيرميه بالعجز، يقول: اذهب إلى فلان شوف إيش يقول لك؟ يذهب إلى فلان من النقاد ويقول له نفس الكلام، السبب؟ ما يدري، وهكذا من تعامل مع السنة، في حفظ متونها، والدربة على أسانيدها تجده أنه أول ما يسمع الخبر يتوقف فيه، وهم يتفاوتون كما قال الحافظ ابن كثير -﵀-: منهم من يقطع، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، ولا شك أن الذي يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني، من المتأخرين: ابن القيم وابن كثير، ابن رجب، وأمثال هؤلاء.
"فهؤلاء يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، معوجه ومستقيمه كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والزيوف -الرديئة المغشوشة- والدنانير والفلوس، فكما لا يتمارى هذا" يعني لو جيء لواحدٍ منكم بثلاث قطع ذهب أبيض وفضة وما يسمونه بالإكسسوار مثلًا، عادي الناس قد لا يميزون، كلها أبيض، وكلها لماع، وما يدريه؟ لكن أهل الخبرة والصناعة يعرفون ويميزون.
[ ٦ / ٢١ ]
يقول: "فكما لا يتمارى هذا يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن -يعني تقل درجته عن درجة القطع فيغلب على ظنه أن هذا فيه علة- ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول -ﷺ- التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس".
يقول: "فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة" والمقصود بذلك الزيادات الخفية، والألفاظ التي تشبه كلام النبوة، وليست الألفاظ التي لا تشبه كلام النبوة؛ لأنها يدركها كل الناس، لكن الكلام الذي يشبه كلام النبوة، كلام الحسن البصري مثلًا، في كثيرٍ من الجمل صدرت منه تلتبس على كثيرٍ من طلبة العلم، فيظنها مرفوعة؛ لأن في كلامه شبهًا بكلام النبوة.
يقول: "وقد يكون التعليل مستفادًا من الإسناد، وبسط أمثلة ذلك يطول جدًا، وإنما يظهر بالعمل" العلة قد تكون في الإسناد بإبدال راوٍ براوٍ مثلًا، وإن كان ثقتين فهي علة، وإن كانت غير قادحة إلا أنها علة عند أهل العلم، "وبسط أمثلة ذلك يطول جدًا، وإنما يظهر بالعمل" هناك العلة التي تكون في المتن، يأتي السند مثل الشمس لكن المتن فيه علة، مثلوا لعلة المتن بحديث البسملة، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وعلة المتن كنفي البسملة إذ ظن راوٍ نفيها فنقله
[ ٦ / ٢٢ ]
في صحيح مسلم حديث -في الصحيحين- كان -﵊- وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، الراوي ظن أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، ما دام يفتتحون بالحمد لله رب العالمين فهم أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، فصرح بذلك، وقال: إنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها، السند صحيح، لكن الراوي ظن هذا الظن فنقله، نقل فهمه للناس، ولا شك أن هذا من بعد الصحابة، هذا من بعد عصر الصحابة، وهي علةٌ خفية إذا نظرنا إلى إسنادها السند مقبول، لكن هذا الراوي ظن فهم من قول الصحابي أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، أنهم يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، قال: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، هذا المفهوم، هذا المفهوم فنقل فهمه هذا وأخطأ في ذلك، إذ للكلام أكثر من مفهوم، نعم يفهم منهم أنهم لا يذكرون بسم الله، ويفهم منه أيضًا أنهم لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن رأى الحافظ ابن حجر توجيه هذه الرواية: "أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم جهرًا"، فتلتئم مع الروايات الأخرى، والحديث إذا كان في الصحيحين، وأمكن توجيهه فإنه هو المتعين؛ لئلا يتطاول الناس على الصحيحين، لئلا يتطاول الناس على الصحيحين، لكن ما لا يمكن توجيهه بوجهٍ من الوجوه، لا بد من الإقرار بأن الراوي مهما كان عدالته وضبطه وإتقانه أنه لا بد أن يخطئ، والعصمة ليست متصورة في أحدٍ من الرواة، بل وقع الوهم والخطأ من الصحابة -رضوان الله عليهم-، لكن هذا الخطأ لا يقر، بل لا بد أن يوجد الصواب عند غيره، وقد استدركت عائشة على بعض الصحابة، واستدرك بعضهم على بعض كما هو معروف في كتب السنة.
[ ٦ / ٢٣ ]
تعرف العلل بجمع الطرق، تعرف العلل بجمع الطرق، فالباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه، إنما تبين العلة بجمع الطرق، فوظيفة طالب العلم الذي يريد أن يقف على العلل، لا بد أن يجمع الطرق، أما الأئمة الحفاظ المتقدمون الذين يحفظون مئات الألوف من الأحاديث، الطرق مجتمعة عندهم، لا يحتاجون إلى أن يجمعوا أكثر مما جمعوا، ولذا أناجيلهم في صدورهم، علمهم في صدورهم، مجرد ما يسمع الكلام الذي لا يليق به -﵊-، أو حتى الكلام عن بعض الرواة التي لا تشبه مروياتهم يحكمون بأنها ليست من رواية فلان؛ لأنهم ضبطوا وحرروا وأتقنوا وحفظوا.
يقول: "ومن أحسن كتابٍ وضع في ذلك وأجله وأفحله كتاب "العلل" لعلي بن المديني شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده" علي بن المديني من أئمة هذا الشأن، وله مؤلفات في الحديث وعلومه وعلله، لكن مما يؤسف له أن أكثرها ضاع، ولم ينقل عنه إلا هذه القطعة، لم يبقَ منها إلا هذه القطعة التي طبعت في جزءٍ صغير، نعم أقواله محفوظة ومنقولة ومبثوثة في كتب أهل العلم، لكن يبقى أن علمه كان أكثر من ذلك، وكذلك كتاب العلل لابن أبي حاتم، وهو كتابٌ مطبوع في مجلدين، وحقق أيضًا في رسائل علمية، وهو مرتبٌ على أبواب الفقه.
وكتاب "العلل" للخلال، وله مختصر للموفق ابن قدامة، وهو كتابٌ جيد في بابه، يقع التعليل في كثيرٍ من كتب السنة، يقع في جامع الترمذي، ويقع كثيرًا في سنن النسائي، تراجم النسائي علل، وإشارات أبي عبد الرحمن في آخر الأبواب علل، وكتابه من أنفس الكتب إلا أنه لصعوبته أحجم الناس عن شرحه، ولذا هو أفقر الكتب في الشروح، وقد تصدى لشرحه شخصٌ من المعاصرين بشرح جيد مطول، وجيد في الجملة، وإن كان أكثره نقول، لكنه في الجملة جيد، يخدم الكتاب، لا سيما متون الكتاب، إلا أنه لم يتعرض لهذه العلل لصعوبتها، يقع أيضًا التعليل في مسند البزار، والتعليل أيضًا يقع من الهيثمي في زوائده، مجمع الزوائد وغيرها، يشير إشارات طفيفة إلى هذه العلل.
[ ٦ / ٢٤ ]
ثم قال: "وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك" علل الدارقطني، "وهو من أجل الكتب وأنفسها، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن" لكن قد يسمع الطالب المبتدئ الثناء على مثل هذا الكتاب فيبادر باقتنائه وقراءته قبل الصحيحين وهذا لا ينبغي، بالمهم المهم ابدأ، هذه مرحلة ثانية التعليم، مرحلة لاحقة، كشخصٍ سمع الثناء على كتب العقل والنقل.
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظيرٌ ثاني
[ ٦ / ٢٥ ]
قول ابن القيم، فبادر باقتنائه وهو في المرحلة المتوسطة، العلماء الكبار المتمكنين من قراءة كتب شيخ الإسلام الذين قرؤوا جميع كتب شيخ الإسلام يطوون الصفحات الكثيرة من هذا الكتاب ما يفهمونه، فلا بد من التدرج في التعلم، لا بد أن نبدأ بالسلم من أوله، ولا بد أن نبدأ بصغار العلم قبل كباره، تعلمًا وتعليمًا، ولذا جاء في الرباني، كما قال ابن عباس في الصحيح: هو الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره، يأتيك طالب في المتوسط أو في الثانوي أو حتى في الجامعة أنت محتاج لكتاب أيها المعلم فتقول: ائتِ بالكتاب الفلاني، لا ما يصح، عليك أن تنصح هذا الطالب، وتنصح له، يأتي بكتابٍ يستفيد منه ويناسبه، ليس الملحوظ بالدرجة الأولى في التعليم مصلحة الشيخ، وإن كان هو المستفيد، المعلم هو المستفيد قبل الطالب، المؤلف مستفيد قبل القارئ، لكن ليس جلوسه للتعليم من أجل أن ينفع نفسه فقط، بل عليه أن ينصح من استنصحه، ولو قدر أنه طلب منه قراءة في كتاب، طلب من الشيخ أن يُقرأ عليه من كتاب لحاجة الطالب إليه، ويرى أن غيره من أهل العلم يحسن توضيح وشرح هذا الكتاب فالنصيحة تقتضي أن يدل على من هو أولى منه، وهذه رفعة له في الدنيا والآخرة، إيش المانع إذا جاءنا شخص يريد أن يقرأ في كتاب يعني ما عاملناه ولا زاولناه، وإن كان يعني ما يصعب علينا فهمه، لكن أن ننصح بمن عانى هذا الكتاب، وينفع الطالب أكثر من غيره، فهذا الذي يسمع مثل هذا الكلام من الحافظ ابن كثير: "وقد جمع أزمةَ ما ذكرناه الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتابٍ، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه".
يقول الحافظ ابن كثير: "ولكن يعوزه شيء لا بد منه، وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله للطلاب، أو تكون أسماء الصحابة" لا بد أن يرتب، كما اقترح الحافظ ابن كثير، إما على الأبواب، أو على مسانيد الصحابة، والآن الفهارس المتنوعة تخدم الكتاب، هناك فهارس على المسانيد، وفهارس على ألفاظ المتون، وفهارس على الأبواب، وكلها تخدم الكتاب، فهذا الأعواز أمره سهل تؤديه هذه الفهارس.
يقول: "فإنه مبدد جدًا، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة" وقد يكون من مقاصد الإمام توعير الحصول على الفائدة من كتابه، كما فعل ابن حبان، يذكر عنه أنه رتب كتابه على الأنواع والتقاسيم
[ ٦ / ٢٦ ]