يشترط في الحديث الصحيح خمسة شروط، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ والعلة، وقد شرح العلماء هذه الشروط وبينوا المقصود منها.
[ ٣ / ١ ]
الحديث الصحيح
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الناظم رحمه الله تعالى: [أولها الصحيح وهو ما اتصل إسناده ولم يشذ أو يعل يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله] كأن المصنف يقول: سأفتتح الكلام على علم الحديث الشريف بالبداية الأولى وهو الكلام على الحديث، إذ مدار المصطلح بأسره على الحديث، يعني: على كلام النبي ﷺ، وهو الحديث المرفوع، فكأنه يقول: سأصدر الباب بالأقوى فالأقوى، وأبين لكم مراتب علم الحديث.
[ ٣ / ٢ ]
شروط الحديث الصحيح
(أولها الصحيح) يعني: الحديث الصحيح، وقد ضبطه المصنف بأكثر من شرط: الشرط الأول: أنه قال: (ما اتصل إسناده).
والشرط الثاني قال: (لم يشذ).
والشرط الثالث: (ولم يعل).
يعني: عطف على (يشذ).
والشرط الرابع قال: (يرويه عدل).
الشرط الخامس: (ضابط) والضابط لابد أن يشترط فيه تمام الضبط.
قوله: (عن مثله) هو شرط الاتصال.
فقوله: (معتمد في ضبطه ونقله) عائد على شروط الاتصال.
فالشروط عندنا خمسة.
وهذا هو الصحيح المعتمد عند علماء الحديث والمحققين أنها خمسة شروط: الشرط الأول: اتصال السند، الثاني: عدالة الرواية، الثالث: ضبط الرواة، الرابع: عدم الشذوذ، الخامس: عدم العلة.
[ ٣ / ٣ ]
الشرط الأول: اتصال السند
ونقول: اتصال السند معناه: إسناده للنبي ﷺ، يعني: ينسب للنبي ﷺ فيكون هذا شرطًا في الحديث الصحيح، وعليه فالشرط الأول: أن يرفع للنبي ﷺ، أي: أن يكون مرفوعًا ومنسوبًا لرسول الله ﷺ.
وقولنا: اتصال السند يخرج بذلك المنقطع، وهو ما انقطع من أحد طبقات السند راو واحد.
وخرج المعضل وهو ما سقط من أحد طبقات السند راويان على التتابع أو التوالي.
وخرج أيضًا المعلق، وهو أن يسقط رجال من أول السند.
وخرج المرسل وهو ما سقط فيه رجال من مؤخرة السند.
فالاتصال معناه: رواية التلميذ مباشرة عن الشيخ سماعًا بالأذن، أو وجادة، أو كتابة، يقرأ عليه الحديث أو هو يقرأ على المحدث، والمقصود أن اتصال السند لا يكون إلا من التلميذ الذي يروي سماعًا من شيخه.
فمثلًا: مالك يقول: حدثني نافع، ونافع يقول: حدثني ابن عمر.
مثال آخر: حماد بن زيد يقول: حدثني ثابت البناني حدثني أنس.
فمثلًا: إذا جاء بقية فقال: عن فلان، وهو لا يصل إليه مباشرة، قلنا له: لا نقبل حديثك؛ لأنه إن لم يكن الانقطاع حتميًا فهناك احتمال انقطاع؛ لأنك أسقطت الواسطة بينك وبين شيخك، والعلماء قد اشترطوا شرطًا وثيقًا لصحة الحديث، وهو اتصال السند كما سنبين عمليًا.
[ ٣ / ٤ ]
الشرط الثاني: عدالة الراوي
الثاني: رواية العدل، والعدالة: ملكة تكون في المرء باعثة له على ملازمة التقوى والمروءة.
وهذه المسألة فيها نظر وإن كان أكثر المحدثين عليها؛ لأن التزام هذا الشرط في تعريف العدالة يجعلك لا تجد محدثًا بحال من الأحوال، فلسنا بملائكة فلنا الهنات، ولنا الزلات، ولنا السقطات، وأيضًا المحدثون لهم ذلك، وما من محدث إلا وتجده يهم مرة وتخدش مروءته مرة.
فالمسألة أن الحكم على الإنسان يكون على الغالب، وما أروع ما قاله الذهبي: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فنحن ننظر إلى الغالب فنقول: هي ملكة في الإنسان تحمله على التقوى والمروءة، وهم قالوا: تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
فأسقطنا الملازمة؛ لأننا نقول: يمكن أن تحدث منه هنات، لكن الغالب هو الذي يحكمنا بأن نقول: هذا عدل، والتقوى عند علمائنا: العمل على طاعة الله بنور من الله -يعني: ببصيرة وعلم-، يرجو ثواب الله، ويبتعد عن معصية الله بنور من الله يخاف عقاب الله، وهذا مجمل ما يقال في التقوى.
فالتقوى البعد عن المعاصي، واختلف العلماء في إطلاق التقوى على فاعل الصغائر، فبعض الشافعية يرون أن الذي ينظر إلى المرأة الأجنبية فاسق، فقد قال ابن حجر الهيتمي: من نظر إلى المرأة الأجنبية وكرر النظر فهو من الفساق، بمعنى: أسقط عدالته بالنظر، وهذا الكلام مقلق ومؤلم ومفزع؛ لأن به يكون أغلب الناس غير عدول.
والصحيح الراجح: أن كتاب ربنا وسنة نبينا تضبط لنا العدالة قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] وعليه فالصغائر لا يمكن أن تسقط العدالة.
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] قال أبو هريرة: القُبلة من اللمم، واللمس أقوى في المعصية من الرؤية ومن النظر، والنظرة من اللمم.
فالصحيح الراجح أن هذه من الصغائر وليست من الكبائر ولا تسقط العدالة بها، وهناك ضابط ضبطه ابن عباس لنا أيضًا فقال: لا كبيرة مع الاستغفار، وهذا يدل على أن التقي إن وقع في الكبيرة فتاب توبة نصوحًا رجع إلى السلطة مرة ثانية ولا يتهم بالفسق.
فقال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، كأن نرى رجلًا ينظر إلى امرأة أجنبية عنه ونقول له: حرام عليك، اصرف بصرك، فيصرف بصره ثم يرجع ثانيًا، وينظر ثم يصرف، وينظر ويصر على النظر للأجنبيات، فهذا يفسق بذلك، وهذا من الفساق وإن كان بائعًا، أو مدرسًا، أو شيخًا، فإذا أصر على أي معصية صغيرة فهو من الفساق، فلا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
أما المروءات فهناك ضوابط عامة وضوابط عرفية لها، فالضوابط العامة للمروءات كأن يحمل المرء نفسه على ألا يهتك عرضه عند أحد، ويحمل نفسه على الحياء والاستحياء، ويحمل نفسه على الأدب مع الكبار، ويحمل نفسه على الخلق الحسن مع الآخرين، فهذه من المروءات التي هي ضوابط عامة في الكل.
وهناك ضوابط خاصة يحكمها العرف، مثل الضوابط في القديم والضوابط في عصرنا، فمثلًا: الآن في بلد الإمارات إذا رأى الرائي طلبة العلم بغير غطاء الرأس قال: هؤلاء ليسوا بطلبة علم، فهؤلاء مخدوشو المروءة عندنا، ففي عرفهم أن المرء إذا خرج بشعره أصبح رجلًا مخدوش المروءة، وهذا العرف كان سائدًا في عصر الأولين الأخيار، فعندما دخل ابن عمر ﵁ وأرضاه على نافع وهو يصلي بغير غطاء الرأس، فقال له: أتخرج في الأسواق هكذا؟ قال: لا، قال: الله أحق أن تستحي منه، وهذا يدل على أنه كان خادشًا من خوادش المروءة عندهم.
وقول ابن عمر معناه: أحق أن تكون كامل المروءة عند الله من غيرك، وهذا الذي نقوله لإخواننا، فإذا كان لك قسط من الليل فلا تقم بسروالك وردائك الذي ترتديه عند نومك، ولا بمنظرك الذي لا يعلم به إلا الله جل في علاه فتقف وتقول: أنا أناجي ربي الذي يراني على حالتي.
فهذا لا ينبغي، بل كن مؤدبًا مع ربك، واجعل قميصًا خاصًا بقيامك، واجعل طيبًا معينًا تتطيب به أمام ربك مروءةً منك عندما تقف أمام الله جل في علاه، وأقول للذي يصلي بالرداء الداخلي -أي: الحمالات-: لا تصح صلاتك وإن قال به الحنابلة؛ لأنه لابد أن تكون لك زينة عندما تقف أمام ربك جل في علاه مروءة منك أمام الله.
ومن المروءات أيضًا: ألا يأكل المرء في الشارع إلا ما ظهر في العرف أنه لا يخدش المروءة.
فمثلًا لو أن معي لبًا فلا بأس أن آكله إذا علمت أن ذلك لا يخدش مروءتي عند الناس.
وقد قال الألباني نفسه: العرف بين الناس الآن أن الأكل في الشارع ليس فيه ثمة شيء إلا إذا ظهر أمام الناس في العرف أن هذا من الأمور التي تخدش المروءة، فإن كان عند الناس أنه من خدش المروءات وينظرون إليك نظرة النكارة، فلا يجوز لك أن تفعل ذلك؛ لأنها تسقط مروءتك ولا يؤخذ منك الحديث بذلك.
وخلاصة الأمر أن الشرط الثاني: العدالة، والعدالة تجمع بين المروءة وبين التقى.
[ ٣ / ٥ ]
الشرط الثالث: ضبط الرواة
والضبط معناه: أن يعي المحدث الحديث الذي سمعه من شيخه ويتقنه ويضبطه حتى إذا طلب منه استدعاء هذا الحديث يرويه كما هو ولا يسقط منه حرفًا، إلا من يقول بالمعنى، وإذا قال بالمعنى فهذا صحيح؛ لأن فحول أهل العلم قالوا به.
والغرض أنه لا يدخل عليه غيره ولا يسقط معناه، فإن أتى ووفى بمعناه صحت روايته.
وهذا الضابط يستقى من قول النبي ﷺ: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، فهذه دليل على الضبط، ولذلك كان ابن عمر إذا سمع راويًا يزيد واوًا في الحديث يقول: ليست في الحديث؛ لأن ابن عمر هو الذي رفع راية عدم جواز رواية الحديث بالمعنى.
يعني: لما سمع في الرواية زيادة (و) يقول: ما قال النبي ﷺ ذلك، فقد كان يضبط اللفظ بذاته.
[ ٣ / ٦ ]
أنواع الضبط
والضبط ضبطان: ضبط صدر وضبط كتابة.
أما ضبط الصدر فهو استيعاب الحديث في الصدر بحيث إذا أراد المرء أن يأتي به أتى به على تمامه، وقد قالوا: حدثنا الزهري فلما راجعناه بعد سنين بالحديث حدث به كما حدث به في أول مرة ما أسقط منه حرفًا واحدًا.
وكان الذهبي يقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية: كانت الكتب الستة والمسند أمام عينيه، فإذا جلس يتكلم عن المسألة ينتزع الدليل انتزاعًا، ويستدعي ما يريده من الأحاديث في الكتب الستة والمسند، ابن تيمية فهذا ضبط الصدر.
وقد قال علماؤنا: ما العلم إلا ما دخل به صاحبه الحمام، فلو كان المرء حافظًا لمسائل الأم ودخل الحمام نقول: دخل الحمام والأم في صدره؛ وهذا كانوا يحتاجون إليه قبل التدوين؛ لأن العالم الذي لا يحفظ علمه ليس بضابط، ولن تكون ميزته كميزة الأولين، وقد قيل للشيخ الألباني: رجل يحفظ الكتب الستة والكتب التسعة وغيرها، فقال: ضعه على الرف جانب البخاري فليس الحبر الذي يحفظ كذا، أو يسرد علينا كذا فإنه لن يأتي بغير الأحاديث المكتوبة، لكن أين علمه؟ وأين قلمه؟ ولذلك نحن نقول: كثير من المؤلفين اليوم ظل لرأس، إما جمع أو ترتيب -أو في لغة الكمبيوتر: قص ولصق- لكن أين قلمه؟ وأين تحريره للمسألة؟ وأين ترجيحه؟ وأين قلمه الفقهي أو الحديثي؟ وأين كلامه في الرواة، وهل هذا يحتج به أو لا يحتج به؟ وأين توجيهه وفهمه لكلام العلماء؟ فالعلم ليس بالحفظ فقط، بل هو حفظ وعلم، فكان الحفظ وضبط الصدر مرموقًا جدًا قبل التدوين، وبعد التدوين هو يبين علم الرجل وفحولة الرجل.
الضبط الثاني: ضبط الكتاب: وهو أن يكون التلميذ من أهل الكتابة، فيحضر درس الحديث عند المحدثين ويكتب كل حديث يمليه الشيخ، أو يكتب كل حديث قرئ على الشيخ.
لكن لا بد من قيود في ضبط الكتاب، وهي أن هذا الكتاب الذي كتبه التلميذ لابد أن يبين لنا أنه قد نقله من أصل معتمد آخر، يعني: من نسخة الشيخ، حتى يضبط الكتاب الذي كتبه لينسبه لهذا الشيخ.
فمثلًا: مالك هو الذي تبنى مذهب القراءة على الشيخ وليست قراءة الشيخ على التلاميذ، وكان يرى أن القراءة على الشيخ أضبط وأفضل؛ لأن التلميذ لو قرأ ووهم يمكن للشيخ أن يصحح له، لكن لو أن الشيخ هو الذي يملي على التلميذ، فالتلميذ ليس عنده علم فلا يستطيع أن يقول للشيخ: أنت وهمت في كذا.
وهذا يعتريه ما يعتريه، فيمكن أن يكون الشيخ جالسًا والذي يقرأ مثلًا أجش الصوت، فينام الشيخ ويقع الإبهام، ويقول الطالب: قرأت على الشيخ هذا الحديث، فيعتريه ما يعتريه.
فالمقصود أن مالكًا كان يقرأ عليه التلميذ، فقرأ على مالك وبجانبه الرجل الذي في المؤخرة يكتب، وبعد أن كتب جاءنا فعقد جلسة التحديث فقال: أحدثكم الآن عن شيخي مالك، قلنا: تحدثنا سماعًا أم قراءة عليه؟ قال: قراءة عليه، فقال: حدثني مالك يقرأ عليه وأنا أكتب، فقلنا له: أنت تكتب؟ قال: نعم، قلنا: لا نأخذ منك حديثًا، قال: لم؟ فهذا ضبط الكتاب وأنتم خالفتم أهل المصطلح، قلنا: لا نأخذ منه حديثًا لأنه جلس في المؤخرة، قال: ولم؟ قلنا: لأنه قد حدثت واقعة مع الإمام مالك بسبب ذلك، فقد كان يجلس مالك مجلس التحديث وطلاب العلم الذين يهتمون ويجدون يجلسون بجانب الشيخ أو أمامه ولا يجلسون في المؤخرة، وكان يعرف في مجالس التحديث في القرون الأولى أن الذي يجلس في المؤخرة صاحب النوم أو الرجل المهمل.
فكان هناك رجل جالس في المؤخرة، وكان دأب علمائنا أن يختبروا طلبة العلم، فكان مالك يقرأ عليهم الحديث ثم يختبرهم في مسألة فإذا قاموا وأجابوا فقال: أخطأتم، فجاء الرجل من المؤخرة وقال: الإجابة كذا يا شيخ! قال مالك: يا بني! قد أصبت وأخطئوا.
ثم تلا عليهم أحاديث أخرى فسألهم سؤالًا ثانيًا فأجابوا فأخطئوا، فقال الذي في المؤخرة: الإجابة كذا يا شيخ! فقال: يا بني! قد أصبت وأخطئوا، وامتلأ دهشة، لأن الذي في المؤخرة هو الذي يجيب! فسأل السؤال الثالث فأجابوا فأخطئوا، فجاء صاحب المؤخرة فقال له الإجابة سديدة وصحيحة، قال: يا بني! ليس هذا مقامك، فأنت لا تستحق أن تكون في المؤخرة، تعال فاجلس هنا، فأجلسه في المقدمة أمام عينيه، وهو يتلو الأحاديث فأراد أن يختبره مرة ثانية، فاختبرهم بسؤال، فقاموا يجيبون قال: لا، أجب أنت، فأجاب إجابة خاطئة وأجابوا إجابة صوابًا، فقال: يمكن ترتيب المكان هو الذي عمل في الرجل هذا.
سأله سؤالًا ثانيًا فلم يجد إلا إجابة خاطئة فقال له: يا بني! ما حالك؟ وما بالك؟ أسألك وأنت في المؤخرة فتجيب وهنا لا تجيب، فقال: الصراحة يا شيخ! ما كنت أنا المجيب، المجيب هذا الرجل الذي في المؤخرة، وكان الشافعي يجلس بجانبه فيلقنه فيجيب الرجل الإجابة السديدة.
فلما رأى مالك أن الشافعي هو الذي يجيب قام من على كرسيه قيام الشيخ لتلميذه الذي علمه وقال له: أنت المؤهل الآن وتتصدر، فقام يضرب مثلًا لكل شيخ علم تلميذًا ألا يخفض حقه وألا يبخس حقه ويصغره؛ لأن بخس الحقوق يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١].
وأيضًا هو مخالف لقول عائشة ﵂: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم).
فقام مالك فعانق الشافعي وأخذه وأبى عليه إلا أن يجلس مجلسه، فأجلسه مجلسه وجلس يطرح عليه الأحاديث.
فلما ذكرناه بالواقعة، قال: نعم، لست بضابط لكتابه، فلم يقرأ عليه، لكن جاء الآخر يقرأ الكتاب فقلنا له: ضبطتها من النسخة الأصلية؟ قال: نعم، ضبطتها من نسخة أخرى معتمدة؟ قال: نعم، قلنا له: تجلس في المقدمة أم في المؤخرة، قال: أنا صاحب المقدمة، قلنا: إذًا نسمع منك، فأنت ضابط ضبط كتاب.
إذًا الضبط ضبط ضبطان: ضبط صدر، وضبط كتاب.
[ ٣ / ٧ ]
ما يعرف به ضبط الراوي
كان علماؤنا يعرفون ضبط الراوي بأمور ثلاثة: الأمر الأول: الاختبار بالقلب، أي: بقلب الأسانيد والمتون، وقصة البخاري وإن تكلم العلماء في سندها مشهورة جدًا، وأنهم قلبوا له الأسانيد والمتون فضبطها ورد كل متن إلى إسناده وقد ذكرناها.
وكذا قصة أحمد بن منصور الرمادي فقد كان مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بعد أن رجعوا من الرحلة إلى عبد الرزاق وسمعوا منه، فقال لهم يحيى بن معين: إني أشتهي الاختبار.
قال أحمد: إلى من؟ قال: لـ أبي نعيم قال: لا تفعل، إن الرجل ثقة أمين، قال: والله إني فاعل، ودق الباب عليه، فلما نظر أبو نعيم إلى أحمد بن حنبل فتح، ولو رأى يحيى بن معين وحده لصك الباب في وجهه، فقد كان شديدًا مع يحيى بن معين.
ثم قال لهم: اجلسوا عند الدكان، والدكان المرتبة أو أشبه ما يكون بها، فجلسوا على المرتبة أو الكراسي حتى خرج إليهم.
وقبل أن يخرج قام يحيى بن معين، فأخرج أحاديث أبي نعيم وكتب على رأس كل عشرة أحاديث من أحاديثه حديثًا ليس من أحاديثه، ثم قال: أأملي عليك؟ فقال: اقرأ وكان يقرأ عليه، فأخذ يحيى بن معين يقرأ، وأحمد بن حنبل يسمع، وأبو نعيم الفضل بن دكين يسمع ويقر أن هذه أحاديثه، فلما وصل إلى الحديث المدسوس قال لـ يحيى بن معين: قف واضرب على هذا، فليس من حديثي.
فأتاه بالثانية فوقف عند الحديث المدسوس وقال له: اضرب على هذا فليس من حديثي.
ثم جاء في الثالث فقال يحيى في نفسه: فطن الرجل، وقام أبو نعيم فنظر إليه فقال: هذا ليس من حديثي، وعلم أن المسألة فيها ريب.
فقال: هات الأحاديث، فنظر فيها فوجد هذه الأحاديث المدسوسة، فأخذ الورقة ونظر إلى أحمد فقال: أما أنت فأنت أورع من أن تفعل ذلك، وقال للرمادي: أنت أضعف وأضأل من أن تفعل ذلك؛ لأنه كان تلميذ أبي نعيم.
ثم نظر إلى يحيى بن معين فرفسه في بطنه برجله فأسقطه على الأرض وقال: أنت أجرأ على هذا.
فلما خرجوا وأغلق الباب عليهم، قال أحمد: أما نصحتك وقلت لك: إن الرجل ثقة أمين؟ فقال يحيى بن معين: والله! إن رفسته عندي بألف حديث أو قال: خير من كذا وكذا.
وفي رواية أخرى دخل عليه فقبله بين عينيه، قال: هكذا يكون المحدث، يعني: هكذا نحفظ أحاديث النبي ﷺ بمثلك، فإذًا بالقلب وبالاختبار كانوا يعرفون ضبط الراوي.
الأمر الثاني: بالمذاكرة، فقد كانوا يتذاكرون فيأتي المحدث إلى المحدث فيذاكره، ويمكن أن تحدث الآن كأن يأتي رجل إلى آخر فيتكلم في مسألة فقهية لينظر في الرجل أيعرفها أو لا يعرفها، أو يأتي له بما يعرفه هو في مسألة مصطلح مثلًا، فيتذاكرون حتى يظهر الراجح من المرجوح والمتقن من غيره.
فالمذاكرة كانت دأب الصالحين، فقد كان يفعلها البخاري، وكان يفعلها أبو زرعة، وأحمد، بل وسفيان الثوري ذهب إلى المدينة ودخل على عبد الرحمن بن مهدي فقال سفيان الثوري لـ ابن مهدي: ائتني برجل للمذاكرة.
وهو ما أراد عبد الرحمن فهو يعرف قوته بل قال: أنا أريد أن أثبت الحفظ عندي، فأتني برجل للمذاكرة، فأتى له برجل من الفحولة بمكان، ومن الحفظ بمكان، ومن القوة بمكان حتى كان أحمد بن حنبل يطأطئ رأسه أمامه، وهو يحيى بن سعيد القطان فارس الميدان.
فقام سفيان يذاكر أحاديث الزهري وغيره مع القطان إلى أن انبثق الفجر.
فدخل ابن مهدي على سفيان فقال: كيف وجدت الرجل؟ فتمعر وجه سفيان وغضب غضبًا شديدًا وقال له: طلبت منك أن تأتيني برجل للمذاكرة وقد أتيتني بشيطان، ويقصد بشيطان أي: شيطان الحفظ فلا تفوته شاردة بحال من الأحوال.
وهذا من قمة التوثيق لـ يحيى بن سعيد القطان، وكانت المذاكرة تأخذ شغاف القلوب، فيعرف الضبط بالمذاكرة كما عرف عند علمائنا.
الأمر الثالث: التلقين، وهو إدخال حديث للرجل ليس بحديثه، وهذه حدثت أيضًا من العلماء، وأشهر المصريين الذي حدث معه ذلك هو عبد الله بن لهيعة فقد اختلفوا فيه؛ لتثبته بالتلقين، فـ ابن لهيعة كان ضابطًا حسنًا وهذا الذي غر الشيخ أحمد شاكر ليوثق ابن لهيعة، فـ ابن لهيعة كان ضابطًا حقًا لكتابه وكان ثقة، لكنه اتهم بالتدليس وقد غفل عن هذا كثير من علماء الجرح والتعديل، فهو متهم بالتدليس.
والمقصود أنه لما احترقت عليه الكتب، كانوا يدخلون عليه الأحاديث فيتلقنها، فلما عاتبوه قال: وماذا أفعل؟ يأتوني بالكتاب ويقولون: هذه أحاديثك، فأحدث بها على أنها أحاديثي، فإن صحت هذه الرواية فهذا تلقين فاحش لـ ابن لهيعة يسقط ضبطه.
وأيضًا ممن أدخلوا عليه ثابت البناني فقد أدخل عليه حماد بن سلمة بعض الأحاديث، وقال: أدخلت على ثابت فوجدته صلدًا لا يمكن أن يدخل عليه شيء، قال: ثم دخلت على أبان بن أبي عياش فأدخلت عليه فلقنه فتلقن.
وهذا كما قلت: المحدث إذا لقنوه فتلقن، فهذه دلالة أنه ليس بضابط لأحاديثه، لكن إذا انتبه وقال: هذا حديثي وهذا ليس بحديثي، كما قال الزهري: لو رأيت المحدث يتمسك بالخطأ فاعلم أنه حافظ وأنه متقن.
وهذه المقولة تدلنا على أن طالب العلم لابد أن تكون لديه الشخصية المستقلة المهذبة التي تجعله يعتز بعلمه ويتمسك به إذا كان معه دليل، قائلًا: لو قام الناس في الدنيا بأسرها علي ووجدت أن العلم الذي أقول به قال الله وقال الرسول، فلن أنحاز ولن أحيد عنه بحال من الأحوال.
ولذلك قال الزهري: إن رأيت المحدث يتمسك بما قال ويعض عليه بالنواجذ وسواء كان خطأً أو صوابًا فاعلم أنه من الإتقان بمكان، أما الذي يتلقن فكلمة تذهب به وكلمة تأتي به وتراه متغيرًا في أي وقت، فهذا ليس طالبًا للعلم ولا متقنًا.
[ ٣ / ٨ ]
الشرط الرابع: عدم الشذوذ
وللشذوذ تعريفات كثيرة جدًا ومفصلة، والصحيح الراجح هو تعريف الشافعي بأنه: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه وأكبر وأتقن وأحفظ منه.
مثال ذلك: اختلف شعبة مع سفيان الثوري في اسم راو، فقال العلماء: خذوا من الثوري فهو أضبط من شعبة في الرجال.
فهذا أمير المؤمنين في الحديث، وهذا أمير المؤمنين في الحديث، لكن لما اختلفا رجحنا كفة الثوري؛ لأنه كان أضبط في الرجال من شعبة فمخالفة شعبة للثوري تعتبر شذوذًا.
وضرب له بعض العلماء في علم الحديث حديثين، الحديث الأول: (أن الله جل وعلا قبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وقبض بيده الأخرى وقال: إلى النار ولا أبالي)، وهذا في صحيح البخاري فقال: (بيده الأخرى) أما في صحيح مسلم صرح فقال: (وقبض بيده الشمال)، عن الأخرى باسمها الشمال أو بوصفها أنها شمال.
فهذه عند المحققين من المحدثين كـ البيهقي من المتقدمين وغيره شاذة، والصحيح الراجح لو رجعت للحديث لرأيت أن الراوي فيها ضعيف، فهو غير ثقة، يعني: غير مقبول، لكن هو قال بالشذوذ لأن الحديث في البخاري ومسلم فلجلالة قدر البخاري ومسلم، قال: إنها شاذة، والصحيح أن النبي ﷺ قال: (كلتا يدي ربي يمين)، وكل رواية ذكر فيها شمال فهي ليست صحيحة وهي شاذة مخالفة، وكما قال الخطابي: فإن الشمال توهم بالنقص وهي مخالفة لرواية الثقات الأثبات.
ويضربون أيضًا مثلًا في ذلك بحديث مسلم أيضًا أن رسول الله ﵌ قال: (سبعون ألفًا يدخلون الجنة)، وقال في وصفهم: (لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون)، وفي رواية: (لا يرقون)، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية بالشذوذ في هذا.
فقوله: (لا يرقون) شاذة؛ لشذوذ في المتن؛ لأن النبي ﷺ رقى وجبريل رقى فلا يصح أن يقال: إنها تصح من الحديث.
ومثلوا لذلك أيضًا بتحريك الإصبع في التشهد.
والمقصود أن الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه إما في الضبط وإما في العدد.
أما في العدد فحديث الإشارة هو أهم ما يضرب مثلًا لذلك؛ لأنه خالف تسعة، والمجلس واحد، فلا يصح أن نقول: هذه المخالفة ليست شذوذًا.
[ ٣ / ٩ ]
الشروط الخامس: انتفاء العلة
الشرط الأخير: انتفاء العلة.
والعلة في اللغة: المرض، يقال: رجل عليل أي: مريض، فلا يستطيع أن يسير أو يقف على قدميه ونفس الأمر في الحديث.
فالحديث الذي فيه علة لا يستطيع أن يتصدر أمام الناس.
والعلة في الحديث هي شيء غامض خفي يضعف به الحديث مع أن ظاهره الصحة.
وبهذا التعريف يخرج قول كثير من أهل العلم الذين يقولون: هذا الحديث فيه علة، وعلته مثلًا مجالد بن سعيد، أو علته ابن لهيعة؛ لأن هذا ضعف ظاهر، ونحن نقول: العلة هي سبب خفي غامض كما قال ابن مهدي وغيره العلة شيء ينقدح في قلب المحدث، ويقولون: هذا الحديث لا يشبه حديث الأعمش، وهذا الحديث ليس من حديث الزهري، فقد علموا السلاسل وعرفوا من يحدث عنه، فيعرفون أشبه ما يكون بحديث الأعمش، وأشبه ما يكون بحديث أنس، وأشبه ما يكون بحديث نافع، فصيارفة الحديث من التبحر الشديد يعرفونها ولا يذكرون لك سببًا.
ولذلك قالوا: هذا العلم إلى الجنون أقرب منه إلى العلم؛ لأنهم يقولون: هذا حديث ضعيف، فلما سألوا أبا زرعة كيف نعرف أن هذا هو الحق؟ قال: تسألني، فأقول لك هذا الحديث فيه علة، ثم تذهب لـ ابن مهدي فتسأله فيقول لك: هذا الحديث فيه علة، ثم تذهب لـ أحمد فتسأله فيقول: هذا الحديث فيه علة، وتذهب لـ يحيى بن سعيد القطان فتسأله فيقول هذا الحديث فيه علة، فتتفق كلمة الفحول من أساطين هذا العلم على العلة فتعلم أن هذا الأمر من الله جل وعلا قد قذفه في قلوب هؤلاء الذين انبروا وانفردوا بهذا العلم.
إذًا: العلة شيء غامض في الحديث يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر الصحة.
والعلة تنقسم إلى قسمين: علة قادحة، وعلة غير قادحة.
أما العلة الغير قادحة فهي التي لا تؤثر على صحة الحديث.
مثال ذلك في السند: أن يأتي الحديث فيرويه الراوي عن عمرو بن دينار عن جابر مثلًا والحديث عن عبد الله بن دينار لا عن عمرو بن دينار كحديث: (نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وهبته).
فالحديث ليس عن عمرو بن دينار، بل هو عن عبد الله بن دينار فنقول: هذا الحديث فيه علة، وهي أن المحدث أبدل الراوي بغيره.
أو يكون الحديث عن سفيان الثوري، فأتى به عن سفيان بن عيينة، فنقول: هذا الحديث فيه علة، فقد أبدل الثوري بـ ابن عيينة، لكن هذه العلة علة غير قادحة؛ لأن الإبدال كان في الثقة، ونحن اشترطنا أن يكون الراوي ثقة وهو ثقة هنا.
فلو أن عبد الله بن دينار ثقة وعمرو بن دينار ثقة فنأخذ بالحديث ويكون الحديث صحيحًا لكن فيه علة وهي إبدال الراوي بغيره.
وثمرة هذه العلة أن يجعلنا نقول: إن هذا الراوي فيه وهم، فهو يهم قليلًا وربما أخطأ.
ومثالها في المتن: أن يقول في حديث جمل جابر بأنه باعه في المدينة، فنقول: لا، بل باعه وهو يسير، أو يقول: باعه بأوقية أو بدراهم، فنقول: هذا الخلاف ليس علة قادحة في الحديث.
لأن مضمون الحديث أن جابرًا باع، والنبي ﷺ اشترى، فأصل الحديث موجود، فلا تكون علة قادحة في الحديث، والعلة الغير قادحة لا تؤثر على صحة الحديث متنًا ولا إسنادًا، والعلة القادحة تؤثر على الحديث متنًا وإسنادًا وهذا له باب واسع ليس هذا محل التفصيل فيه.
[ ٣ / ١٠ ]
تدريبات عملية في تصحيح الأحاديث
نأتي إلى التدريب العملي ونضرب مثلًا على ذلك: روى البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير قال: حدثنا مسدد، حدثنا معتمر -وهو المعتمر بن سليمان بن طرخان - قال: سمعت أبي -يعني: سليمان بن طرخان - قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول: (كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر).
فانظر عمليًا لهذا الحديث ودعك الآن أنه من البخاري، وكأننا لا نعرف شيئًا عن البخاري ونريد أن نكشف عن هذا الحديث، -ومجنون في عقله من يذهب يبحث عن أحاديث البخاري، ولا يكون ذلك إلا للفحول الذين انتقدوا الأحرف اليسيرة التي يمكن أن ينظر فيها متكلم-.
فـ البخاري روى الحديث هنا عن مسدد، فنحن نريد أن نقول في النهاية: هذا الحديث حديث صحيح، وكيف نقول: إنه حديث صحيح؟ قلنا: أولًا: لابد من اتصال السند، واتصال السند معناه أن يصرح التلميذ أنه سمع الحديث من شيخه.
وننظر هنا، فـ البخاري جبل الحفظ أمير المؤمنين في الحديث ومفخرة كل محدث يقول: حدثنا مسدد، فهذا ليس فيه انقطاع؛ لأن قول الراوي حدثنا يعني: أنه حدثه وسمعه بأذنه.
إذًا البخاري قال: حدثنا مسدد، فنقول: الراوي الأول قد سمع من الثاني.
ومسدد بن مسرهد قال: حدثنا معتمر بن سليمان.
فنقول: سمع مسدد من معتمر واتصل السند إلى هنا.
ونأتي إلى الثالث وهو معتمر بن سليمان يقول: سمعت أبي.
فإذًا يكون سماعًا لا شك فيه، إذًا: الاتصال بين معتمر وأبيه قد وجد.
ثم نأتي إلى سليمان، وسليمان قال: سمعت أنس بن مالك، وأنس بن مالك يحدث عن رسول الله.
إذًا سليمان سمع من أنس فاتصل الإسناد إلى أنس ويبقى لنا أن نبحث عن أنس، وهنا نقول: إذا قال أنس (قال) أو (عن) أو (أن) فكلها عندنا بمنزلة (حدثنا) لأنه إن قال أحد الألفاظ السابقة فقد قالها عن غيره من الصحابة، والصاحب سمع من النبي ﷺ.
فالقاعدة هي أنك إن كنت تبحث لتصحح أو تضعف، فلا تبحث في الصحابي عن أي شيء؛ لا اتصال السند ولا عدالة الراوي، فكل هذا متوفر فيه.
وإلى هنا نقول: اتصال السند قد توفر، وبقي لنا شرط آخر وهو عدالة الراوي.
وبإيجاز ننظر: فـ البخاري قد تكلم بعض العلماء فيه، لكن الكلام فيه لا يفيد ولا يؤثر، فـ البخاري جبل الحفظ وأمير المؤمنين في الحديث ثقة ثبت.
ومسدد روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
فـ مسدد ثقة ثبت.
ومعتمر من الثقات الأثبات، وأبوه سليمان بن طرخان ثقة ثبت، وأنس بن مالك ثقة ثبت ثبت.
وقول العلماء: ثقة، تساوي عدالة زائد ضبط، فمن قال فيه العلماء ثقة فقد عدلوه وشهدوا له بالضبط.
وبهذا انتهينا من العدالة والضبط.
ويبقى لنا عدم الشذوذ فنقول: هذا الحديث ليس عندنا أي حديث يخالفه، فليس هناك ثقة خالفه، فيكون الحديث بهذا قد توفر فيه عدم الشذوذ.
ثم ننظر في شرط عدم العلة، فنقول: الحديث رواه البخاري فإذًا هو غير معلول، فأي حديث فيه البخاري فليست فيه علة، فـ البخاري قد جاوز القنطرة.
وعليه فقد توفرت الشروط الخمسة وصح الحديث من حيث الإسناد.
[ ٣ / ١١ ]