٧٣٧ وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ النُّزُوْلَ وَهْوَ رَدّْ
٧٣٨ وَقَسَّمُوْهُ خَمْسَةً فَالأَوَّلُ قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ وَهْوَ الأَفْضَلُ
٧٣٩ إِنْ صَحَّ الاسْنَادُوَقِسْمُ القُرْبِ إلى إِمَامٍ وَعُلُوٍّ نِسْبِي
٧٤٠ بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ
روينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ: طلبُ الإسنادِ العالي سُنَّةٌ عمَّنْ سلفَ. وروينا عن محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ، قالَ: قُرْبُ الإسنادِ قُرْبٌ، أو قُرْبَةٌ إلى اللهِ ﷿. وقالَ الحاكمُ: «وفي طلبِ الإسناد العالي سُنَّةٌ صحيحةٌ، فذكرَ حديثَ أنسٍ في مجيءِ الأعْرَابيِّ، وقولهِ: يا محمدُ، أَتَانا رَسُولُكَ فَزَعَمَ كذا، الحديثَ. قالَ: ولو كانَ طلبُ العُلُوِّ في الإسنادِ غيرَ مستحَبٍّ لأنكرَ عليهِ سؤالَهُ عمَّا أخبرَهُ رسولُهُ عنهُ، ولأَمَرَهُ بالاقتصارِ على ما أخبرَهُ الرسولُ عنهُ» . ولم يحكِ الحاكمُ خلافًا في تفضيلِ العُلُوِّ،
[ ٢ / ٥٩ ]
العلو في الإسناد على خمسة أقسام،
وحكاهُ ابنُ خَلاَّدٍ، ثُمَّ الخطيبُ، فحكيا عن بعضِ أهلِ النَّظَرِ: أنَّ التَّنَزُّلَ في الإسنادِ أفضلُ؛ لأنَّهُ يجبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يجتهدَ في مَتْنِ الحديثِ، وتأويلهِ، وفي الناقلِ وتَعديلهِ، وكلَّما زادَ الاجتهادُ زادَ صاحبُهُ ثوابًا. قالَ ابنُ خَلاَّدٍ: «وهذا مذهبُ مَنْ يزعُمُ أَنَّ الخبرَ أقوى مِنَ القياسِ» . قالَ ابنُ الصلاحِ: «وهذا مذهبٌ ضعيفُ
الحجَّةِ» . قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: لأنَّ كثرةَ المشقةِ ليستْ مطلوبةً لنفسِها، قالَ: «ومراعاةُ المعنى المقصودِ من الروايةِ، وَهُوَ الصحةُ أوْلَى» . قلتُ: وهذا بمثابةِ مَنْ يَقْصِدُ المسجدَ لصلاةِ الجماعةِ، فيسلُكُ طريقةً بعيدةً لتكثير الخُطَا، وإنْ أدَّاهُ سلوكُها إلى فواتِ الجماعةِ التي هي المقصودُ. وذلكَ أنَّ المقصودَ من الحديثِ التَّوَصُّلُ إلى صحَّتِهِ وبُعْدُ الوَهَمِ. وكلَّما كثُرَ رجالُ الإسنادِ تطرَّقَ إليهِ احتمالُ الخطأ والخلَلِ، وكلَّما قَصُرَ السندُ كانَ أسلمَ. اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يكونَ رجالُ السندِ النازلِ، أوثقَ، أو أحفظَ، أو أفقهَ، ونحوَ ذلكَ، على ما سيأتي في آخرِ هذا الفصلِ.
ثمَّ العلوُّ في الإسنادِ على خمسةِ أقسامٍ، كما قَسَّمَهُ أبو الفضلِ محمدُ بنُ طاهرٍ في جزءٍ لَهُ، أفردَهُ لذلكَ، وتبعَهُ ابنُ الصَّلاحِ على كونِها خمسةَ أقسامٍ، وإنِ اختلفَ كلامُهُمَا في مَاهِيَّةِ بعضِ الأقسامِ، كما سيأتي.
[ ٢ / ٦٠ ]
القسمُ الأولُ: القربُ من رسولِ اللهِ - ﷺ -، مِنْ حيثُ العددُ بإسنادٍ نظيفٍ غيرِ ضعيفٍ. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (إنْ صَحَّ الاسنادُ)، فأمَّا إذا كانَ قربُ الإسنادِ مع ضعفِ بعضِ الرواةِ، فلا التفاتَ إلى هذا العلوِّ، لا سِيَّمَا إنْ كانَ فيهِ بعضُ الكذَّابينَ المتأخِّرِينَ ممَّنْ ادَّعَى سماعًا من الصحابةِ، كإبراهيمَ بنِ هُدْبَةَ، ودينارِ بنِ عبدِ اللهِ، وخراشٍ، ونُعَيمِ بنِ سالمٍ، ويَعْلَى بنِ الأشْدَقِ وأبي الدنيا الأشجِّ، ونحوِهم. قالَ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ الذهبيُّ في " الميزانِ ": «متى رأيتَ المحدِّثَ يفرحُ بعوالي أبي هُدْبَةَ، ويَعْلَى بنِ الأشْدَقِ، وموسى الطويلِ، وأبي الدنيا، وهذا الضربِ، فاعلمْ أنَّهُ عَامِيٌّ بعدُ» . وهذا القسمُ الأوَّلُ هوَ أفضلُ أنواعِ العُلُوِّ، وأجلُّها، وأعْلَى ما يقعُ للشيوخِ في هذا الزمانِ من الأحاديثَ الصِّحَاحِ المتصلةِ بالسَّمَاعِ؛ ما هُوَ تُساعيُّ الإسنادِ، ولا يقعُ ذلكَ في هذهِ الأزمانِ إلاَّ مِنَ " الغَيْلانياتِ "، و" جُزْءِ الأنصاريِّ "، و" جُزْءِ الغِطْريفِ " فقطْ. أو ما هوَ مأخوذٌ مِنْهَا. ولا يقعُ لأَمثالنِا من الصحيحِ المتصلِ بالسماعِ، إلاَّ عُشاريُّ الإسنادِ، وَقَدْ يقعُ لنا التساعيُّ الصحيحُ، وَلَكِنْ بإجازةٍ في الطريقِ،
واللهُ أعلمُ.
وقولُ الذهبيِّ في " تأريخ الإسلامِ " في ترجمةِ ابنِ البخاريِّ: وهو آخرُ مَنْ كانَ في الدنيا بينَهُ وبينَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ثمانيةُ رجالٍ ثقاتٍ، فإنَّهُ يريدُ معَ اتصالِ السماعِ. أمَّا مَعَ الإجازةِ فقدْ تأخّرَ بعدَهُ جماعةٌ، واللهُ أعلمُ.
[ ٢ / ٦١ ]
والقسمُ الثاني من أقسامِ العلوِّ: القربُ إلى إمامٍ من أئِمَّةِ الحديثِ، كالأعمشِ وهشيمٍ، وابنِ جريجٍ، والأوزاعيِّ، ومالكٍ، وسفيانَ، وشعبةَ، وزُهيرٍ، وحمَّادَ بنِ زيدٍ، وإسماعيلَ بنِ عُلَيَّةَ، وغيرِهمِ من أئِمَّةِ الحديثِ. وكلامُ الحاكمِ يشيرُ إلى ترجيحِ هذا القسمِ على غيرِهِ، وأنَّهُ المقصودُ من العلُوِّ، وإنما يوصفُ بالعلوِّ إذا صحَّ الإسنادُ إلى ذلكَ الإمامِ بالعددِ اليسيرِ، كما صرَّحَ بهِ الحاكمُ، وهو كذلكَ، كما مَرَّ في القسمِ الأوَّلِ. وأعلى ما يقعُ اليومَ للشيوخِ بيَنهمُ وبينَ هؤلاءِ الأئِمَّةِ مِنْ حيثُ العددُ معَ صحةِ السَّنَدِ، واتِّصَالِهِ بالسَّماعِ أَنَّ بينَهمُ وبينَ الأعمشِ وهشيمٍ، وابنِ جُرَيْجٍ، والأوزاعيِّ، ثمانيةً. وبينَهمُ وبينَ مالكٍ والثوريِّ، وشعبةَ، وزهيرٍ، وحمَّادِ بنِ سلمةَ، سبعةٌ، وبينَهم وبينَ ابنِ عُلَيَّةَ ستةٌ. وقدْ سَاوينا الشُّيُوخَ بالنسبةِ إلى هشيمٍ، فبيننا وبينَهُ سبعةٌ بالسَّمَاعِ الصَّحيحِ المتصلِ.
والقسمُ الثالثُ: العلوُّ المقيَّدُ بالنسبةِ إلى روايةِ الصحيحينِ، وبقيةِ الكتبِ السِّتَّةِ. وسَمَّاهُ ابنُ دقيقِ العيدِ: علوَّ التنزيلِ، ولم يذكرِ ابنُ طاهرٍ هذا القسمَ، وجعلَ القسمَ الثالثَ: علوَّ تَقدُّمِ السَّمَاعِ، وجمعَ بينَهُ وبينَ قسمِ تقدُّمِ الوفاةِ، فجعلهُمَا قسمًا واحدًا، كما سيأتي ولكنَّ هذا القسمَ يؤخذُ من كلامِ ابنِ طاهرٍ في آخرِ الجزءِ المذكورِ، وإنْ لم يذكرْهُ في الأقسامِ. وليسَ هذا علوًّا مطلقًا في جميعِ هذا القسمِ، وإنّما هو بالنسبةِ لهذهِ الكتبِ، إذ الراوي لَوْ رَوَى الحديثَ من طريقِ كتابٍ مِنَ السِّتَّةِ يقعُ أنزلَ مِمَّا لو رواهُ من غيرِ طريقِهَا، وقد يكونُ عاليًا مطلقًا أيضًا، مثالُهُ: حديثٌ رواهُ الترمذيُّ لابنِ مسعودٍ مرفوعًا: يومَ كلَّمَ اللهُ موسى كانتْ عليهِ جُبَّةُ صُوْفٍ الحديثَ.
[ ٢ / ٦٢ ]
رواهُ الترمذيُّ عن عليٍّ بنِ حُجْرٍ عن خَلَفِ بنِ خَليفةَ. فلو رويناهُ من طريقِ الترمذيِّ وقعَ بينَنَا وبينَ خَلَفٍ تسعةٌ، فإذا رويناهُ من " جزءِ ابنِ عرفَةَ "، وقعَ بيننا وبينَه سبعةٌ بعلوِّ درجتينِ. فهذا معَ كونهِ علوًا بالنسبةِ، فهو أيضًا علوٌّ مطلقٌ، ولا يقعُ اليومَ لأحدٍ هذا الحديثُ أعلى من هذا، وكلُّ واحدٍ منْ شَيْخِنا فَمن بَعْدَهُ إلى خَلَفٍ هو آخرُ مَنْ رواه عن شيخِهِ بالسَّماعِ من الجزءِ المذكورِ، وقولُ ابنِ الصلاحِ: «إنَّ هذا النوعَ من العلوِّ، عُلوٌّ تابعٌ لنزولٍ» محمولٌ عَلَى الغالبِ، وإلاَّ فهذا الحديثُ المذكورُ عالٍ للترمذيِّ، وعالٍ لنا، وليسَ هُوَ عاليًا بالنسبةِ فقطْ. وهذا النوعُ هُوَ الَّذِي يقعُ فِيْهِ الموافقاتُ، والإبدالُ، والمساواةُ، والمصافحاتُ، عَلَى ما سيأتي بيانُها.
٧٤١ فَإِنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ قَدْ وَافَقَهْ مَعَ عُلُوٍّ فَهُوَ الْمُوَافَقَهْ
٧٤٢ أَوْ شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ فَالْبَدَلْ وَإِنْ يَكُنْ سَاوَاهُ عَدًَّا قَدْ حَصَلْ
٧٤٣ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ وَحَيْثُرَاجَحَهْ الأَصْلُ باِلْوَاحِدِ فَالْمُصَاَفَحَهْ
هذا إشارةٌ إلى بيانِ الموافقةِ، وما ذُكِرَ معها. فالموافقةُ: أنْ يرويَ الراوي حديثًا في أحدِ الكُتبِ السِّتَّةِ بإسنادٍ لنفسِهِ، مِنْ غيرِ طرِيقِهَا، بحيثُ يجتمعُ مع أحدِ الستةِ في شيخِهِ معَ علوِّ هذا الطريقِ الذي رواهُ منه على ما لو رواهُ من طريقِ أحدِ الكتبِ الستةِ. مثالهُ: حديثٌ رواهُ البخاريُّ عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ، عن حُمَيْدٍ، عن أنسٍ مرفوعًا:
[ ٢ / ٦٣ ]
«كتابُ اللهِ القِصَاصُ» فإذا رويناهُ من" جزءِ الأنصاريِّ " يقعُ موافقةً للبخاريِّ في شيخِهِ مع علوِّ درجةٍ.
وأمَّا البَدَلُ: فهو أنْ يوافِقَهُ في شيخِ شيخِهِ مع العلوِّ أيضًا. وإلى ذلكَ أشرتُ بقولي: (كذاكَ) . مثالُهُ: حديثُ ابنِ مسعودٍ الذي رواهُ الترمذيُّ، وتقدَّمَ في شرحِ الأبياتِ التي قبلَ هذهِ فهذا يطلقونَ عليهِ: البَدَلَ، وقدْ يُسمُّونَهُ موافقةً مقيَّدةً، فيقالُ: هو موافقةٌ في شيخِ شيخِ الترمذيِّ مثلًا. ويؤخذُ ذلكَ من قولي: (أو شيخِ شيخِهِ) أي: وإنْ يكنْ قدْ وافَقَهُ في شيخِ شيخهِ فسَمَّاهُ موافقةً في شيخِ الشيخِ، وأمَّا تقييدُ الموافقةِ والبدلِ بصورةِ العلوِّ فكذا ذكرَهُ ابنُ الصَّلاحِ، أنَّهُ لا يطلقُ عليهِ ذلكَ إلاَّ مَعَ العلوِّ، فإنَّهُ قالَ: ولوْ لَمْ يكنْ ذلكَ عاليًا فهوَ أيضًا موافقةٌ وبدلٌ، لكنْ لا يُطلقُ عليهِ اسمُ الموافقةِ والبدلِ، لعدمِ الالتفاتِ إليهِ. قلتُ: وفي كلامِ غيرِهِ من المخَرِّجِيْنَ إطلاقُ اسمِ الموافقةِ والبدلِ؛ مع عدمِ العلوِّ، فإنْ علا قالَوا: موافقةً عاليةً، أوْ بدلًا عاليًا، كذا رأيتُهُ في كلامِ الشيخِ جمالِ الدينِ الظاهريِّ، وغيرِهِ، ورأيتُ في كلامِ الظاهريِّ، والذهبيِّ: فوافقناهُ بنزولٍ. فسمَّياهُ معَ النُّزُولِ موافقةً، ولكنْ مقيَّدةً بالنُّزُولِ، كما قَيَّدَهَا غيُرهُما بالعلوِّ.
وأمَّا المُسَاوَاةُ: فهو أنْ يكونَ بينَ الراوي وبينَ الصحابيِّ، أوْ مَنْ قَبْلَ الصحابيِّ إلى شيخِ أحدِ السِّتَّةِ كما بَيْنَ أحدِ الأئمةِ السِّتَّةِ وبينَ ذلكَ الصَّحابيِّ أو مَنْ قَبْلَهُ على ما ذكرَ. أو يكونُ بينَهُ وبينَ النبيِّ - ﷺ -، كما بينَ أحدِ الأئمةِ الستةِ وَبيْنَ النبيِّ - ﷺ - من العددِ. وهذا كُلُّهُ كانَ يوجدُ قديمًا، وأمَّا اليومُ فلا توجدُ المساواةُ إلاَّ بأنْ يكونَ عَدُّ ما بينَ الراوي الآنَ، وبينَ النبيِّ - ﷺ -، كَعَدِّ ما بينَ أحدِ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ، وبينَ النبيِّ - ﷺ -، ومثالُ المساواةِ لشيوخِنَا، حديثُ النهي عن نكاحِ الْمُتْعَةِ، أخبرنا به محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عبدِ العزيزِ، قالَ: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ المنعمِ الحرَّانيُّ، قالَ: أنبأنا أسعدُ بنُ سعيدٍ بنِ رَوْحٍ، وعَفِيفةُ بنتُ
[ ٢ / ٦٤ ]
أحمدَ الفَارفانيةُ، واللَّفظُ لها، قالاَ: أخبَرَتْنَا فاطمةُ بنتُ عبدِ اللهِ الْجُوْزدانيِّةُ، قالَتْ: أخبرنا أبو بكرِ بنُ رِيْذَةَ، قالَ: أخبرنا سُليمانُ بنُ أحمدَ الطبرانيُّ، قالَ: حدَّثَنا أبو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بنُ الفَرَجِ، قالَ: حَدَّثَنا يحيى بنُ بُكيرٍ، قالَ: حَدَّثَني اللَّيثُ ح قالَ الطبرانيُّ: وحَدَّثَنا يوسفُ القاضي، قالَ: حَدَّثَنا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ليثُ بنُ سعدٍ، قالَ: حَدَّثَني الرَّبيعُ بنُ سَبْرَةَ الْجُهنيُّ، عن أبيهِ - سَبْرَةَ - أنَّهُ قالَ: أذنَ لنا رسولُ الله - ﷺ - بالْمُتْعَةِ، الحديثَ، وفيهِ: ثُمَّ إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -، قالَ: مَنْ كانَ عندَهُ شيءٌ منْ هذهِ
[ ٢ / ٦٥ ]
النِّساءِ اللاَّتي يُتَمَتَّعُ بِهنَّ فَلْيُخَلِّ سَبيلَها، واللَّفظُ لحديثِ يحيىبنِ بُكَيرٍ.
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلمٌ والنسائيُّ، عن قُتيبةَ، عن اللَّيثِ. فوقعَ بدلًا لهما عاليًا. ووَرَدَ حديثُ النَّهْي عن نكاحِ الْمُتْعَةِ من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ منهم: عليُّ بنُ أبي طالبٍ وهو مُتَّفَقٌ عليهِ من حديثهِ من طريقِ مالكٍ. وقد رواهُ النسائيُّ في جمعهِ "لحديثِ مالكٍ" عن زكريا بنِ يحيى خيَّاطِ السُّنَّةِ، عنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ الهرويِّ، عن سعيدِ بنِ محبوبٍ، عن عَبْثَرَ بنِ القاسمِ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ اللهِ، والحسنِ ابنَي محمّدِ ابنِ عليٍّ، عن أبيهِمَا، عن عليٍّ. فباعتبارِ هذا العددِ كأنَّ شيخَنا سَاوَى فيهِ النسائيَّ، وكأَنِّي لَقيْتُ النسائيَّ وصافحْتُهُ بهِ، وللهِ الحمدُ.
وأمَّا المصافحةُ: فهوَ أنْ يعلوَ طريقَ أحدِ الكتبِ الستةِ عن المساواةِ بدرجةٍ، فيكونُ الراوي كأنَّهُ سمعَ الحديثَ من البخاريِّ، أو مسلمٍ مثلًا. وهو المرادُ بقولي:
(وَحَيْثُ راجَحَهُ الأصْلُ) أي: وحيثُ رجَّحَ أحدٌ من الأئِمَّةِ السِّتَّةِ براوٍ واحدٍ على الراوي الذي وقعَ لهُ ذلكَ الحديثُ، سَمَّوْهُ مصافحةً، بمعنى: أنَّ الراوي كأَنَّهُ لقيَ أحدَ الأئِمَّةِ السِّتَّةِ، وصافحَهُ بذلكَ الحديثِ. ومثَّلْتُ بالكتبِ السِّتَّةِ؛ لأنَّ الغالبَ عَلَى
[ ٢ / ٦٦ ]
المخرِّجينَ استعمالُ ذلكَ بالنسبةِ إليهم فقطْ. وقدِ استعملَهُ الظاهريُّ وغيرُهُ بالنسبةِ إِلَى مسندِ أحمدَ، ولا مُشَاحَّةَ في ذلكَ. وَقَدْ وقعَ لنا غيرُ ما حديثٍ مصافحةً، فمِنْ ذَلِكَ: الحديثُ المتقدِّمُ مثالًا للمساواةِ، فإنَّهُ مساواةٌ لشيوخِنا، مصافحةً لنا، كَمَا تقدَّمَ، واللهُ أعلمُ.
٧٤٤ ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاةِ أَمَّا الْعُلُوُّ لاَ مَعَ الْتِفَاتِ
٧٤٥ لآخَرٍ فَقِيْلَ لِلْخَمْسِيْنَا أَو الثَّلاَثِيْنَ مَضَتْ سِنِيْنَا
هذا القسمُ الرابعُ من أقسامِ العُلوِّ، وهو تَقدُّمُ وفاةِ الراوي عَنْ شيخٍ، على وفاةِ راوٍ آخَرَ عنْ ذلكَ الشيخِ، مثالُهُ: مَنْ سمعَ " سننَ أبي داودَ " على الزكيِّ عبدِ العظيمِ، أعلى مِمَّنْ سمعَهُ على النجيبِ الحرَّانيِّ.
ومَنْ سمعَهُ على النجيبِ، أعلى ممَّنْ سمعَهُ على ابنِ خطيبِ المزَّةِ، والفخرِ بنِ البخاريِّ؛ وإِنِ اشتركَ الأَربعَةُ في روايةِ الكتابِ عن شيخٍ واحدٍ، وهو: ابنُ طَبَرْزَذ؛ لتَقَدُّمِ وفاةِ الزكيِّ على النجيبِ، وتَقَدُّمِ وفاةِ النجيبِ على مَنْ بَعْدَهُ.
[ ٢ / ٦٧ ]
روينا عن أبي يعلى الخليليِّ، قالَ: «قد يكونُ الإسنادُ يعلُو على غيرِهِ بتقدُّمِ مَوْتِ راويهِ، وإنْ كانا متساوِيَيْنِ في العدَدِ» . وهذا كُلُّهُ بنسبةِ شيخٍ إلى شيخٍ. أمَّا علوُّ الإسنادِ بتقدُّمِ موتِ الشيخِ، لا معَ التفاتِ لأمْرٍ آخرَ، أو شيخٍ آخرَ، فمَتى يُوصفُ بالعلوِّ؟ روينا عَنْ ابنِ جَوْصَا، قالَ: إسنادُ خمسينَ سنةً من موتِ الشيخِ؛ إسنادُ عُلُوٍّ. وروينا عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه، قالَ: إذا مرَّ عَلَى الإسنادِ ثلاثونَ سنةً، فَهُوَ عالٍ. وقولي: (سنينًا)، تمييزٌ. والتقييدُ بالخمسينَ أُرِيدَ: منْ موتِ الشيخِ، لا من وقْتِ السماعِ عليهِ، كما صرَّحَ به ابنُ جَوْصَا. وأَمَّا كلامُ ابنِ مَنْدَه، فيحتملُ أنَّهُ أرادَ من حينِ السماعِ، وهو بعيدٌ؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ َشيخُهُ إلى الآن حيًّا، والظاهرُ أنَّهُ أرادَ إذا مضى على إسنادِ كتابٍ، أو حديثٍ، ثلاثونَ سنةً، وهوَ في تِلْكَ المدَّةِ لا يقعُ أعلى من ذلكَ، كسماعِ كتابِ البخاريِّ في سنةِ ستينَ وسبعمائةٍ مثلًا على أصحابِ أصحابِ ابنِ الزَّبيديِّ، فإنَّهُ مضتْ عليهِ ثلاثونَ سنةً مِنْ موتِ مَنْ كانَ آخرَ مَنْ يرويه عاليًا، وهو الحجَّارُ.
[ ٢ / ٦٨ ]
٧٤٦ ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ السَّمَاعِ وَضِدُّهُ النُّزُوْلُ كَالأَنْوَاعِ
٧٤٧ وَحَيْثُ ذُمَّ فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ وَالصِّحَّةُ الْعُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ
هذا القسمُ الخامسُ من أقسامِ العلوِّ، وهو تقدُّمُ السماعِ من الشيخِ، فمَنْ تقدَّمَ سماعُهُ من شيخٍ كانَ أعلى ممَّنْ سمعَ من ذلكَ الشيخِ نفسِهِ بعدَهُ. روينا عن محمدِ بنِ طاهرٍ، قالَ: من العُلُوِّ تقدُّمُ السَّماعِ. ولكنْ جعلَ ابنُ طاهرٍ، وتبعهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، هذا القسمَ، والذي قبلَهُ، قسمًا واحدًا، وقالَ ابنُ الصلاحِ: «إنَّ كثيرًا من هذا يدخلُ في النوعِ المذكورِ قبلَهُ، وفيهِ ما لا يدخلُ مثلُ أنْ يسمعَ شخصانِ مِن شيخٍ واحدٍ، وسماعُ أحدِهما من ستينَ سنةً مثلًا، وسماعُ الآخرِ من أربعينَ سنةً»، قلتُ: وأهلُ الحديثِ مُجْمِعُوْنَ على أفضليةِ المتَقَدِّمِ في حَقِّ مَنِ اختلَطَ شيخُهُ، أو خَرِفَ لِهَرَمٍ، أو مَرَضٍ، وهو واضحٌ. أمَّا مَنْ لَمْ يحصلْ لهُ ذلكَ فربَّما كانَ السماعُ المتأخِّرُ أرجحَ، بأنْ يكونَ تحديثُهُ الأولُ قبلَ أنْ يبلغَ درجةَ الإتقانِ، والضبطِ، ثُمَّ كانَ الشيخُ متصفًا بذلكَ في حالةِ سماعِ الراوي المتأخِّرِ السماعِ، فلهذا مزيةٌ، وفضلٌ على السماعِ المتقدِّمِ، وهو أرفعُ وأعلى، لكنَّهُ علوٌّ معنويٌّ على ما سيأتي.
فهذهِ أقسامُ العلوِّ ولَمَّا جمعَ ابنُ طاهرٍ، وابنُ دقيقِ العيدِ، بين قسمي تقدُّمِ السماعِ، وتقدُّمِ الوفاةِ، وجعلاهما قسمًا واحدًا، زادا بدلَ الساقطِ: العلوَّ إلى صاحِبَي الصحيحينِ ومصنِّفي الكُتبِ المشهورةِ. وجعلَ ابنُ طاهرٍ هذا قسمينِ: أحدُهُما: العلوُّ إلى البخاريِّ ومسلمٍ، وأبي داودَ وأبي حاتِمٍ، وأبي زرعةَ. والآخرُ: العلوُّ إلى كتبٍ مصنَّفَةٍ لأقْوَامٍ، كابنِ أبي الدنيا، والخطَّابيِّ، وأشباهِهِما، قالَ: ابنُ طاهرٍ: واعلمْ أنَّ كلَّ حديثٍ عَزَّ على المحدِّثِ، ولَمْ يجدْهُ عاليًا ولابُدَّ لهُ مِنْ إيرادِهِ في تصنيفٍ، أو احتجاجٍ بِهِ؛ فمنْ أيِّ وجهٍ أوردَهُ، فهو عالٍ لعزَّتِهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذلكَ بأَنَّ البخاريَّ روى عن أماثلِ أصحابِ مالكٍ، ثُمَّ روَىَ حديثًا لأبي إسحاقَ الفَزَاريِّ عن مالكٍ، لمعنى فيه فكانَ فيهِ بينَهُ وبينَ مالكٍ ثلاثةُ رجالٍ، واللهُ أعلمُ.
[ ٢ / ٦٩ ]
أقسام النزول،
وأمّا أقسامُ النزولِ، فهي خمسةٌ أيضًا. فإنَّ كُلَّ قسمٍ من أقسامِ العلوِّ ضدَّهُ قسمٌ مِن أقسامِ النزولِ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ. وقالَ الحاكمُ في " علومِ الحديثِ ": «لَعَلَّ قائلًا يقولُ: النزولُ ضدُّ العلوِّ، فمَنْ عَرَفَ العلوَّ، فقدْ عَرَفَ ضِدَّهُ. قالَ الحاكمُ: وليسَ كذلكَ، فإنَّ للنزولِ مراتبَ لا يعرفُها إلاَّ أهلُ الصنعةِ»، قالَ ابنُ الصلاحِ: «هذا ليسَ نفيًا لكونِ النزولِ ضدَّ العلوِّ عَلَى الوجهِ الَّذِي ذكرتُهُ، بَلْ نفيًا لكونهِ يُعرفُ بمعرفةِ العلوِّ. قالَ: وذلكَ يليقُ بِمَا ذكرَهُ هُوَ في معرفةِ العلوِّ، فإنَّهُ قَصَّرَ في بيانِهِ وتفصيلِهِ، وليسَ كذلكَ ما ذكرناهُ فإنَّهُ مفصَّلٌ تفصيلًا مبيّنًا مُفْهِمًا لمراتبِ النزولِ» . ثُمَّ إنَّ النزولَ حيثُ ذَمَّهُ مَنْ ذَمَّهُ، كقولِ عليِّ بنِ المدينيِّ، وأبي عمرٍو المستمليِّ، فيما رويناهُ عنهما: النزولُ شُؤْمٌ. وكقولِ ابنِ معينٍ فيما رويناهُ عنهُ: إلاسنادُ النازلُ قُرْحَةٌ في الوجهِ، فهو محمولٌ على ما إذا لم يكنْ مع النزولِ ما يجبرُهُ، كزيادَةِ الثقةِ في رجالِهِ على العالي، أو كونِهِم أحفظَ، أو أفقهَ، أو كونِهِ متَّصِلًا بالسماعِ وفي العالي حضورٌ، أو إجازةٌ، أو مناولةٌ، أو تساهلُ بعضِ رواتهِ في الحملِ، ونحوُ ذلكَ؛ فإنَّ العدولَ حينئذٍ إلى النزولِ ليسَ بمذمومٍ، ولا مفضولٍ. وقد روينا عن وكيعٍ قالَ: الأعمشُ أحبُّ اليكم عنْ أبي وائلٍ عَنْ عبدِ اللهِ؟ أو سفيانُ، عن منصورٍ عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ؟ فقلنا: الأعمشُ عن أبي وائلٍ أقربُ. فقالَ:
[ ٢ / ٧٠ ]
الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائلٍ شيخٌ، وسفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عنْ علقمةَ فقيهٌ، عن فقيهٍ، عن فقيهٍ، عن فقيهٍ. وروينا عن ابنِ المباركِ قالَ: ليسَ جَوْدةُ الحديثِ قربَ الإسنادِ بلْ جَوْدةُ الحديثِ صحةُ الرجالِ.
وروينا عن السِّلفيِّ قالَ: الأصلُ الأخذُ عن العلماءِ فنزولُهُم أَوْلَى من العُلُوِّ عن الجهلةِ على مذهبِ المحقِّقِينَ من النَقَلَةِ، والنازلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى عندَ النظرِ والتحقيقِ، كما روينا عَنْ نِظامِ الْمُلْكِ قالَ: عندي أنَّ الحديثَ العالي: ما صحَّ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، وإنْ بلغَتْ رواتُهُ مائةً. وكما روينا عن السِّلَفيِّ من نظمهِ:
لَيْسَ حُسْنُ الْحَدِيْثِ قُرْبَ رِجَالٍ عِنْدَ أرْبَابِ عِلْمِهِ النُّقَّادِ
بلْ عُلُوُّ الْحَدِيْثِ بينَ أُولي الحِـ ـفْظِ والإتقانِصِحَّةُ الإسْنَادِ
وإذا ما تَجَمَّعَا في حَدِيْثٍ فاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أقْصَى الْمُرَادِ
قالَ ابنُ الصلاحِ: «هذا ليسَ منْ قَبيلِ العلوِّ المتعارفِ إطلاقُهُ بينَ أهلِ الحديثِ، وإنَّما هو عُلُوٌّ مِنْ حيثُ المعنى فحسبُ» .
[ ٢ / ٧١ ]